أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - (السرد الخفي وتنميط العالم) تأملات في أدب الأمثال














المزيد.....

(السرد الخفي وتنميط العالم) تأملات في أدب الأمثال


ثائر العذاري

الحوار المتمدن-العدد: 2176 - 2008 / 1 / 30 - 09:41
المحور: الادب والفن
    


كتب أرنست همنجواي مرة قصة قصيرة جدا تتألف من ست كلمات فقط:
((للبيع، حذاء لطفل، لم يلبس قط))
وكان يعدها أعظم ما كتب.
مهارة همنجواي تتضح هنا بقدرته على التكثيف الهائل للغة السرد، فالكلمات التي ألفت هذه العبارة لا تعرض أية حكاية، فالحكاية هنا تفع على عاتق القارئ، فعليه أن يجيب عن أسئلة مثل: من القائل؟ ولماذا قال؟ ليستطيع فهم النص. وبالطبع يمكن أن تكون هذه العبارة قد جاءت على لسان أب مفجوع بابنه الرضيع الذي توفي قبل أن يتمكن من المشي لمرض أو فقر.
ليس لهذه الحكاية أي وجود في جسد القصة المكون من الكلمات الست، فنحن استنتجتاه من محاولة الإجابة على الأسئلة التي يثيرها النص، والنص بهذا يصبح شبيها بالثلاجة البحرية التي يغطس سبع أثمانها قي الماء ولا يطفو إلا الثمن، ويكون على الرائي تقدير حجم الجزء الغاطس.
ويحفل التراث العربي بعشرات الآلاف من النصوص التي يطلق عليها تسمية (الأمثال) جمعها القدماء في موسوعات عديدة، وقاموا بشرحها (مثل مجمع الأمثال للميداني)، والشرح غالبا ما يشير إلى أن للمثل حكاية، بسردها الشارح، وهكذا نشأ أدب يمكن أن نطلق عليه (أدب الأمثال) يتكون من المثل المتداول وحكايته.
في كتب الأمثال يعرض المثل ثم تُروى قصته مثل:
((إياكِ أعني واسمعي يا جارة
أول من قال ذلك سهل بن مالك الفزاري، وذلك أنه خرج يريد النعمان فمر ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي، فقيل له: حارثة ابن لام. فأم رحله فلم يصبه شاهداً، فقالت له أخته: أنزل في الرحب والسعة. فنزل فأكرمته ولاطفته، ثم خرجت من خبائها، فرأى أنها أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة قومها، وسيدة نسائها، فوقع في نفسه منها شيء فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباء يوماً، وهي تسمع كلامه، فجعل ينشد ويقول:
يا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزار
أصبح يهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جاره))
في هذا الاقتباس من (مجمع الأمثال) نرى أن المثل قيل في واقعة بعينها أبطالها أشخاص محددون، وفي نهاية الشرح يبين الشارح المورد الذي يضرب فيه المثل، وعن المثل السابق قال:
((يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئاً غيره.))
غير أن من سيستخدم المثل لا يلزم له أن يعرف قصته، فالمثل مركّب بطريقة تدلّ على الموقف الذي يضرب فيه، فمعنى المثل السابق – مثلا – واضح جليّ، ويمكن لكل متحدث أن يستعمله في الموقف المناسب، سواء أعرف قصته أم لم يعرفها.
هذا العدد الهائل من الأمثال يمكن أن يعدّ نوعا مميّزا من السرد، فوراء كل مثل قصة، يمكن أن نستنتجها من معناه‘ غير أنّ هذا الضرب من السرد يرمي إلى غاية فلسفية لافتة، فالمثل حين يضرب في مواقف متنوعة فينطبق عليها مضمونه، يدلّ على محاولة تصنيف المواقف الحياتية على أنماط ، ومن آلاف الأمثال يتولد آلاف الأنماط ، كل منها يمكن أن يتسع إلى ما لا نهاية من المواقف.
تمتاز لغة المثل بالكثافة العالية التي تتأتى من تكنيكات عدة، فجملة المثل تتمحور غالبا حول (فعل)، كما في الفعل (أعني) في المثل السابق، ومثل:
((أينما أوجَّهُ ألقَ سعدا))
((إنّ الهزيل إذا شبع مات))
((إذا حان القضاء ضاق الفضاء))
ففي كل هذه الأمثال يستخدم الفعل لرسم ملامح الموقف، وكثيرا ما تأتي الأفعال في المثل في جملة شرطية – كما في المثالين الأخيرين- فجملة الشرط قالب لغوي يمكن تطبيقه في أي موقف يتحقق فيه (فعل الشرط).
وجملة المثل لابد أن تنطوي على ثنائية ما لبناء مفارقة درامية، تعطيه الفرادة التي تناسب فرادة الموقف أو فرادة نمط الموقف، ففي المثل ((إذا ظلمت من دونك فلا تأمن عذاب من فوقك)) نلاحظ وجود ظالمين ومظلومين:أنت ومن دونك، وأنت ومن فوقك. وفي كلّ مثل تقريبا يمكن أن نجد التركيب الثنائي بوصفه عنصرا رئيسا في البناء:
((إنك لا تعدو بغير أمك)) =أنت×أمك
((عند جهينة الخبر اليقين)) =جهينة×الخبر
وثمة تكنيك آخر شائع في لغة الأمثال، يكسبها الفرادة والكثافة ويجبر من يسمع المثل على التساؤل عن قصته أو مغزاه، فغالبا ما تحتوي الأمثال مفردات غريبة، كالكلمات المهجورة وأسماء الأشخاص والأماكن، فمن يسمع المثل:
((بلغ السيلُ الزبى))
لا يملك إلا أن يتساءل عن معنى مفردة (الزبى) ويقوده التساؤل إلى حكاية المثل:
((أتي معاذ بن جبل بثلاثة نفر قتلهم أسد في زبية، فلم يدر كيف يفتيهم، فسأل علياً رضي الله عنه، أن للأول ربع الدية، وللثاني النصف، وللثالث الدية كلها. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقضائه فيهم فقال: لقد أرشدك الله للحق.))
هذا ما سيجده في المعاجم أو موسوعات الأمثال، فهذه مفردة فريدة لم ترد إلا في المثل.
الأمثال فن له لغة متميزة غنية بفنون القول، وهو حقل لغوي جدير بالدراسة المفصلة للكشف عن جمالياته وسماته



#ثائر_العذاري (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القافية بين التراث والمعاصرة
- (حمالة الدلع) وفخاخ القصة القصيرة
- ابن قتيبة وإغفال التجربة الشعورية
- شعرية القصة القصيرة جدا
- تناقضات الغذامي في القصيدة والنص المضاد
- نمر سعدي .. الرومانسي الجديد
- جيكور أمي – قراءة ثانية في تجربة السياب العروضية
- الأخطل الصغير..شاعر الهوى والشباب
- نضال نجار .. الإيقاع والتصرف الصوتي
- الصورة اللغوية في نصوص آمنة عبد العزيز
- مقدمة نهج البردة الطللية بين البوصيري وشوقي
- المرأة الحلم في شعر المتنبي
- المرأة الاديبة والرجل (المثقف )
- (أنا) الجواهري
- القصيدة المؤنثة. . لميعة عباس عمارة
- قراءة جديدة في (غريب على الخليج)
- فانتازيا الحقيقة في شعر فاطمة ناعوت
- إيقاع النثر
- تأملات في الصورة الشعرية
- الشفاهية .. الداء المستعصي في الثقافة العربية(11) الشفاهية و ...


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ثائر العذاري - (السرد الخفي وتنميط العالم) تأملات في أدب الأمثال