أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصباح الغفري - دائرة فلتانة سي!















المزيد.....

دائرة فلتانة سي!


مصباح الغفري

الحوار المتمدن-العدد: 657 - 2003 / 11 / 19 - 05:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


سُدّت سبل الرزق في وجوه " الدالاتية " عندما كان أسعد باشا العظم والياً على دمشق في الأربعينيات من القرن الثامن عشر أيام الدولة العثمانية ، وكما ذكر مؤلف كتاب ( حوادث دمشق اليومية ) الحاج أحمد البديري الحلاق، فان الوالي أمر منادياً أن ينادي بأن لا يبقى أحد منهم في الشام، بعد ثلاثة أيام ، ومن بقي منهم يصلب، وماله ينهب !

والدالاتــية أو الدلاة مشتقة من كلمة " دلى " التركيــة بمعنى مجنون أو متهوّر، وهم طائفة من الجند، وصفهم المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي بقوله :
" و هذه الطائفة الني يقال لها الدالاتية، ينسبون أنفسهم إلى طريقة سيدنا عمر بن الخطاب ، و أكثرهم من نواحي الشام وجبال الدروز والمتاولة وتلك النواحي ، يركبون الأكاديش وعلى رؤوسهم الطراطير السود مصنوعة من جلود الغنم الصغار ، وطول الطرطور نحو ذراع ، وهؤلاء مشهورون بالشجاعة و الاقدام في الحروب ، ويوجد فيهم من هو على طريقة حميدة و منهم دون ذلك "

كانت هذه الفرقة من الجند متّصفة بالتهوّر ، يد الواحد منهم دائماً على الزناد ، الحوار معهم كالحوار مع أي حاكم عربي في هذه الأيام ، يجري وفق الأساليب الديموقراطية والأصول ، شعارهم " مَن حَرَك بَرَك ، ومن فتح فاه ، ثكله أبواه "!
* * *

أحد هؤلاء الدالاتية، وجد نفسه في وضع لا يُحسد عليه، بعد أن نادى منادي الباشا بالغاء هذه الفرقة و إجلائها عن الشام وأمر جميع أفرادها بكرّ بَرماتهم ، أي التخلّي عن زِيّهم الخاص الذي عرفوا به ، والذي يميزهم عن باقي عباد الله . فكّر الرجل في مورد للرزق ، فلم يجد خيراً من افتتاح دائرة خاصة على باب مقبرة " الباب الصغير " في دمشق، لتحصيل ضريبة على كل من يدفن فيها . بنى غرفة في مدخل المقبرة ، وضع فيها منضدة، وصنع خاتماً رسمياً كتب عليه ( دائرة فلتانة سي ) وراح يتقاضى على كل ميت مبلغاً من المال يتناسب مع الوضع الاجتماعي للمرحوم وحيثياته وعدد المشيعين ، ويعطي لأهل المتوفي إيصالا ً رسمياً مختوماً باسم دائرته الفلتانة ، فالدولة كلها فلتانة ، فلماذا يبقى الأموات وحدهم خارجين عن القاعدة ؟

إستمرّ الرجل في عمله بضع سنوات والناس تدفع الضريبة التي يفرضها ، وجاءت أوبئة حصدت الألوف ، وأصبح صاحبنا من أصحاب الثروة ، له على كل ميت دينار ، سواء مات في الليل أو في النهار!
* * *

لم يكتشف الباشا هذه الدائرة الخارجة عن نطاق سلطاته، إلا عندما توفي أحد أقاربه من آل العظم ، خرج الباشا يومها في الجنازة ، و عندما دخل الموكب المقبرة أوقفه سيادة مدير دائرة فلتانة سي و طلب الدفع ، دفع الباشا متعجباً ، وعندما عاد إلى السرايا استدعى محاسب ولاية الشام فتحي أفندي الدفتردار، وسأله عن هذه الدائرة و متى أسست و من يقبض الوارادات ، وبعد التحقيق انكشفت القصة الطريفة ، ضحك أسعد باشا حتى قلب على قفاه، و طلب إحضار صاحب الدائرة في الحال ، قال له :
عفارم ... إبق في محلك ، لكن الواردات مناصفة !

* * *

أكثر من قرنين من الزمان ، ونحن نحافظ على التراث والتقاليد ، أكثر من عشرين دولة عربية أنشئت على أنقاض الامبراطورية العثمانية ، وكلها دول فلتانة سي ، عُمّمت التجربة الرائدة التي بدأها ذلك الدالاتي ، فالوطن كله من المحيط إلى الخليج، يُحكم بهذه العقلية .

سلوا أي عربي يعيش في فاس أو في أبو ظبي ، في المنامة أو في القاهرة ، في الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى أو في امارة رأس الخيمة ، و سيجيبكم أنه عاين خلال عمره القصير من عدد لا يحصى من الفلتان السياسي والاقتصادي و الثقافي . بدءاً من دوائر الأمن التي وضع أساسها رواد الديموقراطية العربية النابعة من أرضنا المعطاء، أوفقير والسراج و الكيلاني و صلاح نصر وعلي دوبا، وآخرون لا مجال لذكرهم الآن ، و انتهاء بحرب الخليج التي لا نعرف هل هدفها تحرير العراق من ديكتاتورية صدام ، أم تدمير العراق والإستيلاء على نفطه وتاريخه؟
* * *
ثمانون عاماً و جرحنا من سايكس بيكو يتقيّح و يتعفّن ، والغرغرينا تسري في أوصال الوطن ، والشعوب مُنيخةٌ رازحة تحت وطأة القمع و الفساد، تنتظر الفرج من عند الله .
أكثر من نصف قرن على اغتصاب فلسطين و تحويلها إلى وطن قومي لليهود ، وأبناء شعبنا موزعون في الخيام أو تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي ، وقرارات مجلس الأمن تستعملها إسرائيل بدل الكلينكس ، والعالم كلّه يتجاهل الجرح الناغر، و الحكام العرب يعيثون فساداً وإفساداً ، يذبحون الفلسطينيين ، و ملابسهم العسكرية منها والمدنية، مع العباءات المقصّبة، تصنع في لندن وباريس وواشنطن . النفط عَهّر القيم ، وأهل اليسار تحوّلوا إلى منظرين لأهل اليمين ، فلتت الأمور في جميع مناحي الحياة ، إختلط الحابل بالنابل . أليس ذلك هو الإرث التاريخي اللعين لدائرة فلتانة سي ؟
* * *

مشكلة الشعوب العربية أنها لم تدفع الثمن لحريتها و كرامتها ، كانت دائماً تنتظر من يحارب نيابة عنها ، كان الملوم في كل هزامنا أمام إسرائيل هو الاتحاد السوفياتي، لأنه لم يرسل جنوده لتحرير فلسطين !

أوروبا دفعت الثمن غالياً من دماء الملايين حتى وصلت إلى ما هي عليه ، ونحن اليوم ، بدأنا ولأول مرّة في تاريخنا الحديث، بدفع الثمن ، وجراح الشهداء لن تذهب هدراً ، إنها ستظل مفتوحة تنادي بالثأر و غسل العار الذي يجللنا منذ أنشئت إسرائيل على ترابنا ، وهذه الدماء ستجبر العالم " المتحضر " على أن يأخذنا بنظرة جدية .

إنه الطوفان الذي سيغسل جميع الأدران العالقة بنا منذ عصور ، وبعد الطوفان لن يبقى على الأرض من الكافرين ديارا ، فالمتشائمون الآن هم الذين لا يرون إلى أبعد من أنوفهم ، أو الذين لا يفرقون بين مصالح الوطن و مصالح جيوبهم ، أما نحن، فإننا على يقين أن المعركة الحالية ، مهما كانت نتيجتها ، هي مشرط الجراح الذي سيزيل الورم الخبيث ، هو الذي سيقلع أنظمة الفساد والقمع و الخيانة من الجذور، و إن غداً لناظره قريب

 



#مصباح_الغفري (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خصخصــة المفاوضات وخصخصة الكركونات!
- الصراعات العقائـــديـــة بين القبوقــــول والإنكشــــارية
- القطّـــة والطاسَـــة في العلاقة بين المقاولات والسياسة!
- الطَّشَــــرون
- الحصــن الحصــين في ذكر ما جرى في مؤتمر المقامرين!
- مــورِدُ الظـمـــآن في أسباب صَمْــتِ الأورانغوتان!
- أجهزة المخابرات مأكــولة مَــذمـــومَــة!
- رؤســاء الإنترنيت وحكام البامبرز !
- المســـألة الحِماريــّة! في توريث الجمهوريّـة والجماهيريـّـة
- فلسفة - الاستكراد - وديموقراطيــــة الإســـتعباد!
- يوم دخلت السُـلطة إلى حَمّــام الأســــطة!


المزيد.....




- يوسف عطال يواجه حكماً فرنسياً بتهمة -التحريض على الكراهية-، ...
- فلفل Chili X يتصدر قائمة أقوى الأطعمة الحارّة عالميًا وفق مق ...
- مسيرة في رام الله تندد بالحرب الإسرائيلية وتدعو لتوحيد الصف ...
- هجوم مصري حاد على دعاة الحرب: -هل تحرير فلسطين فرض عين على م ...
- فولودين يهنئ قناة RT بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيسها
- -رويترز-: إيران تحذر من -عواقب جدية- لبعض الدول في حال دعمت ...
- غزة: حصيلة ضحايا القصف الإسرائيلي على القطاع تبلغ 50,695
- اللواء باقري يكشف تفاصيل الرد الإيراني على رسالة ترامب
- الإعلام العبري: لماذا تبني مصر مخازن طوارئ ضخمة؟
- طفولة غزة المسروقة.. الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل من هم؟


المزيد.....

- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3 / عبد الرحمان النوضة
- سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا- / نعوم تشومسكي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مصباح الغفري - دائرة فلتانة سي!