زهير دعيم
الحوار المتمدن-العدد: 2093 - 2007 / 11 / 8 - 07:56
المحور:
الادب والفن
استلمت بالامس بلفوني (المحمول) الجديد من الجيل الثاني عشر,ورحتُ وأنا الغير خبير في التقنيات اعبث به, فأداعب هذا الزرّ تارةً وتارةً ذاك, لعلّني اتذكّر ما أرشدني اليه الموظف الفنيّ المسؤول, ولكن دون جدوى , وبدا لي اخيراً انّه يُجري اتصالاً فأنصتّ, وجاء الصّوت بعيداً, والرنين بعيداً , عميقاً.
وانتظرتُ, ولم يُطُل انتظاري, فجاءني الصوت هامساً, شجيّاً, قائلاً :هنا السماء .....معكم الملاك ميخائيل ...مَن تطلبون؟.
واستفقتُ من الصدمة ...السماء ؟!!..العلكَ تمزح؟!.-
لا ...لا امزحُ ..صدّقني انا من السماء ...ماذا تريد؟-
وتلعثمتُ قائلاً انا ...انا من الارض.-
اعلم تماماً وأحبّ أن أعلمك أننا نعرف كلّ حركةٍ وسكنةٍ عندكم.-
ولا ادري لماذا طفا على سطح ذاكرتي عاصي الرحباني , ألانّي كنتُ انوي أن اكتبَ رسالةً لفيروز في عيدها الثاني والسبعين والذي يُصادف في الحادي والعشرين من تشرين الثاني من كلّ سنة .
قلتُ سريعا : اريد ابن انطلياس , عاصي حنّا الرحباني ...الموسيقار اللّبناني الشهير أتعرفه ؟
فضحك الملاك قائلا على رِسلكَ, من لا يعرفه!! أتقصدُ ابا زياد , انّه يقود إحدى جوقات الملائكة التي ترنّم وتُسبّح...
وتابع قائلاً: انتظر , أنّي اسمعُ انّ الموسيقى قد هدأت, لعلّ هناك فاصل من راحة...انتظرني على الخطّ.
وانتظرت ...وجاءني الصوت من الطرف الآخر لاهثاً...الو نعم انا عاصي الرّحباني...مع من أتكلّم ؟.
وكدتُ أطيرُ من الفرح...وتداركتُ نفسي قائلاً أنا...أنا صحفيّ من الأرض ومن الجليل تحديدا ً.
-من الجليل ؟ من الناصرة . من بلد الربّ ....يا مرحباً
قلت: في جعبتي يا أخي الموسيقار عدّة أسئلة أودّ أن تجيب عليها , وثِق أنّ فضائيات العالم العربي والغربي ستحتفل بها!
انّنا نتابعكم من هُنا , نتابعُ الأصيل, والشاعريّ الهامس, ونُشفِق على الهابط , عُذراً, فالزؤان ملأ قمحكم في الفترة الأخيرة.
_ مَن تقصد يا ابا زياد ؟
_بل قُل مَن لا اقصدُ؟
ورنّت ضحكاتُه لتملأَ جنبات الفضاء.
في صوت فيروز عَيَقٌ من رمّان قانا , واريج من سوسنات الجليل , وكركرة من شلاّل البانياس , وبراءة من طفل المغارة, , وهمسٌ من وشوشات الملائكة , وعٍطرٌ من قداسة....
فماذا يقول عاصي الرحباني ؟
لا يسعني الاّ ان اصفّق لك.فترنيماتها تشقّ السماء في كل فصح.
أتذكر –قلتُ- تاريخ ميلاد فيروز سفيرتنا الى النجوم؟
فضحك قائلاً : آه منكم انتم معشر الصّحافيين أبداً تريدون أن تُوقعوا بين الناس, فاسمعني جيّداً, انّ تاريخ فيروز لا يُنسى , انّه في الحادي والعشرين من تشرين الثاني من كلّ عام,...يوم ولادتها غنّت الرياح والأوراق والسماء سيمفونية ولا أحلى...انّها في مثل هذه الأيام سترفل بعامها الثاني والسبعين..لا ...لا ليسامحني الربّ الاله.. الثاني والخمسين... ...انّها خمرة مُعتّقة وروح وثّابة , وقلب كبير , وكنز نَدَر َمثيله في الأرض كلّها .
فيروز,بصوتها الكريستالي المُعطّر , تأخذكَ بعيداً الى عُمق الإحساس , والى وطن ٍلم يخلقه الله بعد, فتنتشي, وترقصُ روحُكَ على وقع حبّات المطر الأول , بعد جفافٍ طالَ أمده....فيروز قهوة الصباحٍ على شرفة الامل ...فيروز شوقيَ الهادر.
_ هل من كلمة تُوجهها إلى امّ الكلّ ؟
_ فيروزتي ....كِبر البحر بحبّك ....بُعد السّما بحبّك...السماء الحالمة والتي يعجز لساني عن وصفها لم تُنسني حِقبةً من العمر ملأتِ فيها أحاسيسي ووجداني , وعزفتِ على وتر مشاعري لحناً سرمدياً.
_ وماذا عن زياد ؟
_ زياد..."الله يخلّيه " غدا رجلاً ملء ثيابه, تعجبني فيه ثورته وتمرّده , ولكنه سيهدأ
-كذا الطبيعة- كما حجر جبران الذي رُميَ في الماء فأحدث دوائر ثمّ ما لبث أن هدأ واستكان , وكذا زياد المُرهَف الحِس ّ , والمُطعّم بفيروز والرحابنة , سيهدأ وسيعرف أنّ هناك في الأعالي ربّ للعرش...زياد استمرارٌ لنا وتواصل , وأنا واثقٌ بأنه سيتابع المسيرة , وسيكمّل المشوار, وسيزيّن جبين الغناء بدرره وموسيقاه....وسيرعى البيت الذي أحببتُ ..
_لطالما يا أبا زياد ما أُعجِبتُ بشاعريتك وبأغانيك الرائعة, البسيطة القريبة من القلب والروح .. ولكن هناك أغنية لم أفهمها رغم أنني استملحها كثيرا وارددها .
_ما هي...؟
_أنها أغنية " تعا ولا تيجي ,إكزوب عليّ ..والكزبه مش خطية" ماذا تعني بها ؟
ورنّت ضحكته الهادرة ثانية من بعيد , وقال :
_أنّا الآن بصوتي الخشن- وشتان ما بينه وبين صوت فيروز – سأغني لفيروز تعا ولا تيجي...انّي أموت شوقاً إليها, وفي عين الوقت أتمنّى لها العمر المديد , لتُتحِفَ البشرية بعبق صوتها وأريج غِنائها.
_ مَن مِن الشعراء عشقتَ وأنت تصول وتجول في وديان لبنان وسهوله ومروجه وصنّينه؟
_ العمالقة كثيرون ولعلّ أعظمهم ديستويفسكي وطاغور وشكسبير وجبران , وهؤلاء جميعاً اركن إليهم اليوم وارتاح لرفقتهم بعد العمل مع النوتة , هذه التي ملأت كياني وما زالت.
__ وماذا تقول للبنان ؟
_ لا أقول, إنّما ابكي ...انّ قلبي يتفطّر حُزناً كلما مرّ هذا اللّبنان ببالي ..لقد أضحى صيداّ سائغاّ للكلّ , بشرّي جبران تبكي أولادها وبسكنتا نعيمة تولول ...
_لنعُد يا أبا زياد لفيروز , جارة القمر فماذا تنصحها؟
_ فيروز ليست بحاجة لنصيحتي , انّها تحسب الأمور حساباً دقيقاً, ...منذ أن عرفتها والتأني دربها والتريُّث طريقها, ولكنني أريد أن تبقى كما كانت أبداً بعيداً عن الإعلام والفضائيات , فحياة الفنّان الخاصّة هي مُلك له وحده , وكذا فيروز , فهالة القداسة – وهي تستحقها-جاءتها من انتمائها لفنّها الأصيل , انتماءً قدّرها عليه كل مََن عَرَفَ الغناء وتذوّق الموسيقى من كلّ لسان وشعب. على فكرة لقد أبدعت امّ زياد في الارينا العَمّانية في الثاني والثالث من الشهر الجاري...لا تزال كما هي نجمة النجمات ...احَمّلكَ تحياتي لها.
_ ابا زياد...مَن أحببتَ من المطربين ومن تحبّ اليوم ؟
_ : فيروز ثُمّ فيروز ثُمّ فيروز
_ و.............
_والصّافي وعبد الوهاب وام كلثوم وحبيبي نصري شمس الدين الذي يشاركني اليوم التسبيح .
_واليوم: إحراج!!! ...ورغم ذالك أقول إنها ماجدة ...ماجدة الرومي.
_أستاذ عاصي ...ما هو رأيك بمنصور والياس الرحباني؟
_منصور, توأم روحي وتِربُ صباي امّا أخي الصغير.............
ولم اسمع الإجابة , فقد رنّ بلفوني مُعلِناً السادسة والنصف صباحاً, الموعد الذي استيقظ فيه لأتأهّب للذهاب إلى العمل , فقمتُ وأنا العنُ البلفون بكلّ أجياله.
#زهير_دعيم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟