حسين عجيب
الحوار المتمدن-العدد: 2051 - 2007 / 9 / 27 - 11:00
المحور:
الادب والفن
تحية إلى وائل السواح
مدخل ضروري:
في مقارنة عامّة بين موقف قصيدة النثر(قارئها,كاتبها,لغتها) ومقابلها موقف التفعيلة مع العناصر الأساسية أيضا(القارئ, والكاتب, واللغة), تبرز منظومتي تفكير.
أ_ قارئ قصيدة التفعيلة"قبل فردي" أو تحت أو دون,....ما يزال "كمّ صغير ومهمل" وبلا حدود من جهة الحقّ, في وسط سائل ورجراج بتسميات متعدّدة:جمهور,حضور, متلقّين,.....ضمير أمة أو شعب,أو,,,, .
يقابله قارئ قصيدة النثر"فرد" محدّد في الزمان والمكان له أسم وعمل وحقوق تسبق الواجبات,هو جوهر منجزات الحداثة,مع سقوط الاعتبارات والتقسيمات المسبقة:جنس, دين, عرق,ثقافة,,,,,.
ب_ كاتب قصيدة التفعيلة"شاعر" وريث شرعي للنبي والسلطان والعرّاف, يجوز له ويحقّ,ما لا يجوز ويحقّ لغيره....البقيّة الباقية.
يقابله كاتب قصيدة النثر"شخص" عادي مثل الجميع في الحقوق والواجبات,موظف أو عاطل عن العمل ,زوج أو عازب أو مطلق ,أبن بارّ أو عاقّ....وبالنسبة لي شخصيا أتمنى وأرغب في إسقاط كلمة "شاعر" كصفة وتسمية والاكتفاء ب: كاتب.
ج_ لغة قصيدة التفعيلة مقدّسة أو خاصّة, هي جوهر الأسرار والمعنى...والبعض يعتبرها الحقيقة والوجود والواقع! لغة قصيدة التفعيلة متمايزة ومنفصلة تماما عن لغة العموم.... بما فيها العلم وحتى النقد الأدبي.
يقابلها لغة قصيدة النثر, أداة تواصل أساسية بين البشر, من بين أدوات تواصل كثيرة, والتمييز بين اللغات المتعددة أو أدوات التواصل,في الأهمية والأولوية يتبع للظرف الخاصّ والمحدّد المستخدمة فيه.
_ قصيدة التفعيلة شمولية,متعالية,تحتقر التفاصيل الصغيرة, وضمنها الأفراد(من النساء والرجال), وأكثر ما تحتقره اليوم والعمل والوضوح....دعاتها وفرسانها لا يعيشون مثل بقية البشر في اليوم والساعة...هم في السرمدي الخالد.
_قصيدة النثر ديمقراطية,توجد في التفاصيل والمهملات, وحتى الموت فيها شخصي ويمكن لمسه وتحسّسه.
.
.
بطبيعة الحال هذا رأي شخصي,قد يكون له نصيب من الصحة والمعقولية,بنفس الدرجة من الاحتمال, لأن يكون مجرد حماقات وثرثرة فارغة.
*
كم معركة" داحس وغبراء" قديمة ومتجددة سنكرر في رحلة الألف ميل إلى الهاوية! مع تبديل القبّعات والتسميات:ثورية,تقدمية, اشتراكية, وطنية,يسارية,ليبرالية, ديمقراطية, علمانية... في الوقت الذي أمام أنظارنا جميعا كسوريّين, (أعتبر كل كلام خارج التحديد الزماني والمكاني ...وأكثر) مجرّد أصوات طائشة في الفضاء, أو خطوط مبهمة وسائبة على الورق....
أفكّر في نفسي بين الضحك والمرارة_ وأنا أتابع"معركة العلمانية اليوم", في الوقت الذي تفرض فيه مادّة السلوك كمادّة أساسية ومرسّبة في التعليم الأساسي.....!
تشيخ المفاهيم والمصطلحات والأفكار,مثلنا بالضبط, لها ميزة التحوّل والتطوّر صحيح,بنفس الدرجة من الاحتمال لأن تتحوّل إلى جدران وسجون,والزمن يحدّد ذلك.
أتذكّر"حلقات النقاش الثوري" وأظن الجميع مرّوا من ذلك النفق, أما من عبر ومن علق....تلك شؤون خاصّة لا تعنيني. كنت أتساءل...وبصراحة,المشهد لم يتغيّر في أسسه, هذا المثقف الفارس وهو يصول ويجول ويضرب بسيفه كيفما أتفق...ألا يخطر بباله,أن يجرّب الإصغاء....فقط الإصغاء,دون أن يكون مشغولا وعقله مسكون بصيغ الردّ وشكله, الإصغاء المجرّد لمرّة واحدة! ويطلب من الصامتين إن كان لديهم كلام آخر أو رأي أو تصوّر....لم تحدث مرّة في حياتي!
تذكّرت أمرا آخر وأظنّه مهمّا وضروريا في السياق(لم اقرأ لسوري أنه أخطأ في السابق...في تقديراته أو آرائه أو سلوكه أو مواقفه, وكل من أقرأهم تنقّلوا بين ثلاث جبهات مشتعلة,الدينية والقومية واليسارية...واليوم التفعيلة السياسية) هل يمكن أن يحدث ذلك بدون أخطاء!الشذوذ , قرأته عند جورج طرابيشي, في نقده لتجربته .
*
لماذا لا أستطيع فهم كتابة كثير من السوريين,الفهم المشترك والمتفّق عليه؟!
هذا السؤال رافقني طويلا, وتملّكني الإعجاب بأدونيس سابقا, وتكراره لرد أبو تمام على سؤال البدوي(أعيد استخدام اللغة الطبقية..):لماذا لا تكتب ما يفهم, وجوابه السحري والبديع سابقا: لماذا لا تفهم ما يكتب!الساذج إلى درجة الضحك اليوم.... أن تردّ سؤالا بسؤال....يا للإعجاز الرائع .....إنه العقل والفكر التفعيلي.
.
.
أليست العلمانية كمصطلح سياسي, مشتقّة من العلم, بل نتاج مباشر للثورات العلمية!؟
انتصار العلم على بقية أشكال التفكير وأنماط المعرفة السابقة,ساحق وطاغ وقد يكون خطرا في المستقبل,ربما. ولكن هل يبرر الهجمة المضمرة على العلمانية, وإن بطرق مراوغة وركاكة يسهل فهم جذورها!
أليست العلمانية في أبسط تعريف,ويفهمه خصومها قبل غيرهم:فصل الدين عن الدولة, ومن اشتقاقاتها حرية الاعتقاد والمساواة المتجاوزة للموروث المشترك!
.
.
صحيح,عبر القياس بالدرجة الأولى, أسحب قراءتي للأدب والنقد الأدبي بدون تفكير وتدقيق,على الفكر السياسي وأنقل بسرعة وتسرّع, اعتراضاتي على ممارسات أدبية إلى الحقل الفكري. لكنني اعتقد أن ممارسات شبه حرفية تتكرر في حقلين متداخلين ومتجاورين, وأكثر المشتغلين بينهما,جاؤوا إلى الأدب من السياسة والعكس...خلاسيون والأبرز في ذلك أدونيس ويمثّل القاعدة لا الاستثناء, وأصلا بلادنا وثقافتنا ما تزالان في مرحلة ما قبل التخصّص.
.
.
بضعة ملاحظات على عجل,في محاولة تفسير الركاكة الفكرية (السائدة) حسب فهمي:
_مشكلة الاستشهاد والشواهد,مرّة تكون كثيرة ومتفرّقة ويتعذّر على المتلقّي إعادة قراءتها من المصدر وفي سياقها, أو بالعكس تبدو كمحاولات للتفلسف وإنتاج الأفكار.
_مشكلة التعبير والاختصار,وتداخلها مع مشاكل اللغة والثقافة العربيتين, لغة قديمة وثقافة مستقرّة, تتخبّطان بين منجزات الحداثة والأفكار الجديدة ومنظومات التفكير والقيم المستحدثة,والمتحوّلة باستمرار.
_مشكلة السلطة وعلمانيتها الملتبسة, والمعارضة وديمقراطيتها الأكثر التباسا. وتبرز هنا مشكلة الخلط "المتعمّد ربما" بين التحليل والفكرة والرأي_تجنّبا أو تقرّبا_ من هذه القوة أو تلك_ في السلطة أو المعارضة.
_مشكلة الخلط بين,أبحاث تخصّصية وحوارات منهجية تلتزم معايير وحدود واضحة, وبين النشاط الاجتماعي السياسي_الثقافي مع الآراء والمواقف والانفعالات المتغيّرة.
_ مشكلة الديمقراطية والعلمانية(في المستويين النظري والتطبيقي).
هل القضيتين,مترابطتان؟منفصلتان؟ متجاورتان؟ متخالفتان؟
_في البحث الواقعي,يسهل التحقق من ذلك وبمعايير صلبة وملموسة وعلى درجة عالية من الوضوح والدقّة...بالمقارنة بين نظم الحكم القائمة في دول الأمم المتّحدة...!
الأيديولوجيا مشكلة التنظير والبحث النظري دوما, زوابع في فنجان.
.
.
هذه تبريرات أسوقها,كعذر أولا, لتدخّلي في قضايا شائكة وتتطلب جهودا أكبر وجدّية أعمق لا شك.....
لكن أن يكتب أحدهم مئات الصفحات وعشرات الكتب, ولا تعرف رأيه الحقيقي في أي قضيّة...شخصية أو مشتركة,المرأة, العلمانية,حقوق الإنسان.... هل يعتبرها البعض قضايا شخصية,ربما!
.
.
تساؤل أخير غير برئ:
ألا توجد تعريفات بسيطة وعملية, وتكفي للتداول الاجتماعي والسياسي؟ وفي حال عدم وجودها أليست هي بالتحديد, مشكلة المثقّفين وقضيّتهم الأولى!؟
.
.
تعجبني عبارة لفرويد مختصرة ومكثّفة ويفهمها البدوي والفارس والأمير:
الوضوح قيمة معرفية وأخلاقية.
.
بل الوضوح قيمة جمالية.
#حسين_عجيب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟