مهدي بندق
الحوار المتمدن-العدد: 2039 - 2007 / 9 / 15 - 08:28
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في عام 1940، وفي غمرة الخراب الشامل للحرب العالمية، وتحت وطأة الاحتلال الألماني لفرنسا، كتب الفيلسوف الوجودي "ألبير كامو" مقالاً كبيراً بعنوان "أسطورة سيزيف" اعتبره هو نفسه –رغم عدميته- دعوة للعيش في صميم صحراء الحياة وهجيرها الفظيع.
أما سيزيف هذا فقد كان رجلاً إغريقياً استطاع أن يخدع "ثاناتوس" إله الموت، بل وأن يقيده في السلاسل، ليشله عن القيام بوظيفته، فكان أن غضب "زيوس" كبير الآلهة غضباً شديداً فأمر بأن يرفع "سيزيف" صخرة ضخمة من أسفل التل إلى قمته، فلما رفعها أسقطها "زوس" إلى أسفل آمراً "سيزيف" أن يعود ليرفعها، وكلما فعل ذلك سيزيف هوت الصخرة إلى القاع، وهكذا إلى الأبد.
ذلك هو العقـــاب الجــــدير بــإله قــــاس مثل "زيـــوس"، أن يجعــلك تعاين العبث L’absurd في كل ما تفعل، حتى ليبدو لك الموت شافياً مما أنت فيه، رغم أنك ما عوقبت هكذا إلا لأنك حاولت أن تفر من الموت قدرك!
من هنا يستنتج "كامو" أن سؤال الفلسفة الأهم هو "هل تستحق الحياة أن تعاش رغم عبثيتها وخلوها من المعنى بله البهجة والسرور؟!"
قد يرى بعضنا أن هذا السؤال مجلى من تجليات الفلسفة الغربية التي لا تؤمن بعالم آخر، إليه ينتقل "الشهيد" الذي يفجر نفسه ليضمن بذلك تدمير أعدائه، فهذا الشهيد لا يقصد إلغاء الذات، بل إلغاء الباطل، فإذا قتل في المعركة فإنه لا يموت، إنما ينتقل إلى حياة أخرى.. الحياة مع الله.
من وجهة نظر الثقافة العالمية –وليس الغربية فحسب- فإن شهيدنا يدعى انتحارياً، ليس لأنه يقتل نفسه فحسب، بل لأنه لا يفرق في معسكر أعدائه بين الجنود المحاربين وبين النساء والأطفال والشيوخ العزل، فكأنه بفعلته هذه يجبرهم على الانتحار دون إرادتهم، كأنه يجيب –نيابة عنهم- على السؤال الفلسفي "هل تستحق الحياة أن تعاش؟" قائلاً: لا، ولان إجابته تلك ليست مجرد تأمل مجانيّ، بل هي فعل إنساني عام تؤكده الحروب المتواصلة والمذابح الجماعية والمجازر المخططة؛ فلا شك في كونها إجابة جادة، مرعبة في جديتها، مخلصة من وجه النظر الفلسفية، وليس من وجهة النظر الدينية فحسب، لأنها تدعونا إلى الالتفات إلى الجانب الآخر من الوجود ألا وهو العدم، إذ إننا بغير هذا الالتفات نحكم على أنفسنا بالتفاهة والسطحية والغباء.
ربما تـُضيّـق هذه النظرة الإنسانية الشاملة من مساحة الخلاف بين المثاليين والماديين حول تسمية الشهيد بالانتحاري، أو العكس. فالعبرة ليست بالاسم بل بالمسمى. وصخرة سيزيف التي يحملها الفلسطيني من سفح اليأس إلى قمة الرجاء لكي تهوي منه في كل مرة، لا مشاحة رمز لعالم عبثي. لا معنى له ولا معقولية فيه. والإجراء المنطقي على مستوى الفرد –لقطع هذه الدائرة الجهنمية- هو السعي إلى نفي الحياة ذاتها. الفرد الذي يفعلها هنا قد يكون معذوراً، لأنه يكون في الغالب قد فقد أحباءه، من لا تعاش الحياة إلا بهم. هذا "الفرد" الذي يقول للحياة "لا" مفهوم ومعذور. وإن اختلفنا حول ما إذا كان مخطئاً أو مصيباً. بيد أن الذين يحبذون فعلته، ويستحسنون "لفرد" آخر أن يكررها، هؤلاء الذين لا يفعلونها بأنفسهم. يجيبون -على المستوى الاجتماعي- على السؤال الفلسفي بكلمة "نعم"! غير أنهم يستخدمون القائلين بـ "لا" ليحققوا لأنفسهم أغراضاً سياسية، هي جزء لا يتجزأ من قبولهم هم بالحياة. أولئك يصدرون عن نفاق واضح وغش مؤكد، والدخول معهم في حوار إخلال بشرط الصدق الذي لا يملكه إلا أصحاب الأفعال، أعني أبناء الشعب الفلسطيني ذاته، الملتزمين بفلسفةِ وأخلاقياتِ المقاومة الشرعية (القتال وليس القتل).
والحق أن الفلسطينيين هم أجدر الناس بالعيش حتى وإن كان في صميم الصحراء، وهجيرها اللاهب. فهم الذين يمنحون ، بنضالهم المستمر، عالمنا العبثيَّ هذا شيئاً من المعنى. يفعلون ذلك في ظروف إحباط ليس لها مثيل:
كان الجزائريون يقاتلون بسلاح تمدهم به مصر الناصرية التي كانت قائدة العالم العربي المشرأب للوحدة. وكان العصر عصراً للتحرر الوطني، تدعمه شعوب العالم، ويؤيده المعسكر الاشتراكي المناوئ للاستعمار. أما الفلسطينيون فيواجهون بالأيدي العارية استعماراً استيطانياً أقام لنفسه دولة "نووية" على أراضيهم، تساندها وتعتمد عليها إمبراطورية "عولمية" شاء لها التاريخ أن تنفرد بالكوكب بعد أن سقط غريمها "الاشتراكي". وبعد أن انفرط النظام العربي فعلياً، وبعدما تراجعت حركة التحرر الوطني إلى نقطة الصفر أو ما يقرب.
الفلسطيني إذن بهذه التحديات التاريخية هو البطل التراجيدي لعصر العولمة، فهل قـُدر عليه أنت يموت والسيف في يده، مثل هاملت، بما يؤكد عبثية الوجود؟ لحسن الحظ أن المجتمع السياسي ليس فرداً "هاملتياً" يملك صيغة تراجيدية يمارس بها ترف التأمل الفلسفي، ومن ثم فإن سؤال الانتحار الجماعي ليس مطروحاً على أجندته. فلا جرم أن تكون "نعم" هي بداية إجابة الشعب الفلسطيني، بغض النظر عما يفعله بعض الأفراد، أو بعض التنظيمات في الاتجاه المضاد.
إن أصحاب الإجابة بـ "نعم" من الصادقين، لا ريب يدركون مغزى مقولة الجنرال النمساوي الأشهر "كارل فون كلاوزفيتز" : الحرب هي السياسة بوسائل عنيفة. وهم يعرفون أن الحرب إذا تعذرت بسبب الخلل الاستراتيجي في موازين القوى؛ فالأحرى بالطرف الأضعف أن يعكس المعادلة، لتصبح "السياسة هي الحرب بغير وسائل عنيفة" وهو شعار يختلف جذرياً عن الشعار الذائع "إن اختيارنا للسلام اختيار استراتيجي". وآية ذلك أن اللهاث خلف سلام مع عدو آيته العنف والغطرسة إنما هو استسلام لا غش فيه.
لندع الآن سؤال الفلسفة عن معنى الحياة، ومعه صخرة سيزيف "ملطوعين" على سفح التل، ولننطلق نبحث في السهوب الفسيحة عن إجابة لسؤال السياسة: كيف يمكن للشعب الفلسطيني بما هو متاح، أن يحقق أهدافه المشروعة، وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره؟ حينئذ سيجد الفلسطينيون الإجابة موجودة بالفعل بين أيديهم. إنها "الديموقراطية" بما هي فكر وممارسة Praxis في آن. إنها فكر ينبذ الثيوقراطية بكل أشكالها، وممارسةُ سياسية ينبغي النضال لفرضها –بالتوازي مع النضال ضد العدو- على سلطة الحكم الذاتيّ دون إبطاء، حتى لا يتكرر تركيز السلطات في يد فرد مهما تكن التبريرات، وحتى لا يستنام للخرافة السياسية القائلة : فلان رمز للوطن! حيث تنطلق كل الشرور من هذا الشعار الساذج الفظ.
إن الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب العربية مقاربة ً لمعنى كلمة الديموقراطية –فلسفة العصر- فعناصرها تكاد أن تكون مكتملة لديه، فهو جماعة سياسية متجانسة بالفعل، لا يعكر على تجانسها اختلاف أديان، أو يعتورها تنابذ طوائف. معظم أعضائها، مشتغل بدرجة أو بأخرى بالشأن العام، أناس عركتهم المحن فصمدوا للكوارث، وأنضجتهم المعاناة فاستبانوا جبروت العدو وضعف الصديق. ثم أنهم أفادوا تماماً من الاحتكاك المباشر بالغرب المتقدم –ممثلاً في إسرائيل ذاتها- سواء في ميادين الحروب المختلفة، أو في حقول السياسة ودهاليز الدبلوماسية، فضلاً عن الحداثة والتحديث في الإدارة، والتعليم والتقنية.
وتلك هي عناصر البناء الفوقي الذي سقفه الديموقراطية، وإن كل تعزيز لهذه العناصر إنما يسهم في تقريب اليوم الموعود.
ساعتها ستكون صخرة سيزيف قد أصبحت بيتاً غير قابل للتدحرج إلى أسفل التل، شريطة أن يكون الأساس اقتصاداً عصرياً منتجاً.
وهذا قول يحتاج إلى دراسة مستقلة، بل وإلى دراسات..
#مهدي_بندق (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟