أمل فؤاد عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 1981 - 2007 / 7 / 19 - 12:41
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في أوقات كثيرة قد تتنازع الروح مطالب النفس والجسد .. من هنا يبدأ صراع جديد كل الجدة .. حيث أن الروح وقد أصبح لها حضور قوي .. وإرادة اختيار وقدرة على التحكم ولها أيضاً صوتا مسموعا .. يصبح النزاع أكثر حدة بقدر ما يكون أهدأ أثراً أيضاً .. ذلكأن المعاين تجربته يصبح أكثر حرية .. وقدرة على التفضيل.. ويرى نفسه ما بين اختيارين .. اختاير الرغبة وتحقيقها وتلبية من ثم مطالب النفس وإرضائها بأي مقاييس كانت .. وبن الروح وصعودها المستمر .. وشعره بنشوة التحرر ليصبح أكثر نخوفاً من قبل من إنجاز أي تلبية للنفس أو الرغبات حتى لا يفقد متعة حضور الروح والاستمتاع بنشوة الشعور بسمو الروح هذه وقوتها وما تصنعه من تغليب لشهوة القلب والفكر على شهوة الحواس والنزوع لتحقيق الرغبة لذا يصبح وكأن هناك شيئاً من الخيار الحر للمتمرن بأن له الحق لأن يفاضل بين الأشياء والاحتياجات ويكون أيضاً أقرب مسافة للروح وتموجاتها من اقترابه لأن يحقق أي شيء أو لذة خاصة بالنفس أو متصلة بأهواء القلب .
في هذا العراك الباطني تصبح الأمور أيضاً أكثر اقتراباً من حسمها الفعلي .. حتى يكون هناك ميلاً لأحد الجهتين وفي نهاية المطاف والمحاولة .. يصبح المعاين أو المتمرن أكثر اقتراباً من سمو الروح وانطلاقها ومساعدتها على إكمال مشوارها وصعودها وتحررها من أن يعيد قيده النفسي .. أو يستسلم ينزوع الحواس بكل ما لها من حضور وغاب .. فقد أصبحت الحواس بالنسبة له مجرد أدواب أو وسائل مشروطة ومقيدة لتحقيق إمكان التحرر أكثر وأكثر .. ليبات الألم لذة في ذاته لأنه يغير من الطبيعة فيه .. من هنا يصبح اقتسام الطريق بين بين مسألة معقولة .. وغير محسومة بعض الشيء .. حتى تأخذ الطريقة لديه اتجاها وتحولاً واضحاً لدخل في مسائل عشقه الروحي وتفرده مع الله وضعاً غير متردد أبداً بل يصبح متحفزاً لكي يعرف أكثر ويقترب أكثر من بؤرة التوحد بنور الله ويصبح أكثر يقيناً بأن هناك إلهاماً ما يتلقاه وهو في طريقه إلى السماء , ويصبح أكثر شفافية من قبل .. وتصبح أشماء الأشياء أكثر وضوحاً وتصبح ملامسة الحياة طبيعية بقدر ماهي متفانية في الله أيضاً كما أ، صور البشر تتغير لرؤيته لهم من زاوية مختلفة كل الاختلاف عما قبل .. ليرى ما كان غير قادر على رؤيته أو يشعر بما لم يكن قادر على الشعور به قبلا .. إنها مرحلة الاستقرار نوعا ما , ولكنه استقار صاعد أيضاً .. أي أنه في صعود متواصل لا يقف عند حد .. ولكنه قد يأخذ مراحل أقل حدة لاكتساب مقدرات تجلي جديدة بعد أن تغيرت طبيعة الحواس وتحللت وتحررت وسائل الاستقبال والارسال لديه على نحو وإن لم يكن مكتملاً إلا أنه يعطيه القدرة على أن يقرأ كل الرسائل المستقبلة أو المرسلة بيقين أكثر تمكناً لذا فهذا الاقتراب من فضائل السماء أعطاه القدرة على التحرر وقد أعطاه أيضاً القدرة إلى الوصول لنقطة صالحة لأن يبدأ الخطوة الأولى في مسيرة الحياة مع العقل وبشعور أكثر نقاءً ويقين أكثر حضوراً وتشكلا وتمكناً .
من الجميل أن يتوافق الإحساس بشعور اليقين في مخالجة جميلة ورائعة .. والأجمل أن يتحسس المعاين تجريته عن يقين تام ويصبح مدركاً تمام الإدراك مسألة المنتهى كما هو مدركاً للمبتدى .. ولكن قد يخالجه بعض الشك في وصوله المبدئي والأولى حيث يصبح وكأنه في حالة بدء من جديد .. أو كأنه في حالة وقوف مفاجئ في منتصف الطريق .. ولكن قد يصل يقينه مرة أخرى كلما تجاوز خطوط الشك بأن يعاود الاستماع لرسائل الروح على صورة إلهامات مفهومة .. ويحاول الصبر على مايلاقيه من مشقة مرة أخرى .. حيث أنه قد يرى تضاد بين ذاته الجديدة وبين اختيارات قديمة أو ولاءات وانتماءات قديمة تعج بها نفسه وعقله ليقرر في النهاية إسقاط كل شيء .. وتفريغ عقله من كل شيء وتحرير نفسه من التعلق بأي شيء ليسهل عليه إعادة القراءة من جديد قراءة للفكر والوجدان بشيئ من الفهم والوعي الجديد .. ليقرر فيما بعد ما يبقي عليه وما دعه بعيداً عن الاختيار .. إنها مسألة إعادة نشأة في كل شيء .. وكأن هناك مرحلة غربلة لكل شيء , لم يعد ممكنا الإبقاء على الحال كما كان سابقاً ولم يعد ممكناً التوافق مع الآخرين على صورة قديمة من النفاق أو الإدعاء .. فلا بد من إعادة الاتفاق على صورة جديدة .. وحيث أن الآخر باقياً كما هو كان لا بد من اتخاذ قرار بالانفكاك , والتحرر من اسر قوالب علاقات قد تعيد سيرته الأولى أو هي علاقات استلاب أكثر من علاقات إيجاب وتأثير للمتاح .. لذا لم يعد هناك حاجة بالشعور بالتوالف النفسي الذي يعتمد على مبدأ المنافقة او حتى الاشباع السطحي للنفس وغرورها .. ولكن ماكان له مكانته الفاضلة يبقى على ما هو عليه من مكانة وتفضيل .. هنا يصبح توافق الروح والعقل مسألة صعبة وسهلة في آن .. من الصعب التوافق على نهج قديم مرفوض مسبقاً ومن السهل الابقاء على نهج تم اختياره بالتجربة والمفاعلة على أنه نهج مقبول وحسن أو مستحسن .. إنها مرحلة حسم المواقف وإعطاء اعتبارات جديدة لنوع الحياة واتخاذ سبلاً جديدة لنوع الحوار والتفاعل بين المعاين وبين الآخرين في دائرته الجديدة .
ولن يكون صعباً على المعاين أن يحدد ما يريد وما لا يريد بعد أن اهتدى لطيب الحوار مع ذاته ويقينه .. وقد استعوض خسارته الأولى عن النفس بيقين الحضور الجديد للنور والهدي على خطه على أمل أن يعيد حساباته من خلال تفاوض أكثر عقلانية وأكثر تفهماً لطبيعة العقل والمفس والروح واتخاذ مواقع جديدة لها .. وأدوار محتومة بقرار اليقين المسبق على كل فعل .. إنها مسألة تواجد جديد بشكل جديد .. يتخذ طريق السماء ولغتها وسيلة جديدة لتفهم وقراءة العالم ومفرداته على نحو عاقل وإرادة مفعولة ومنفعلة وفاعلة أيضاً .. دون استلاب لقدرة التحكم واتخاذ القرار .. هنا تتأرجح الروح بين النور والنار .. وتأسس لغة عشق جديدة .. تتفرد لغتها وتبدعها وتتحسس الطريق لغاية الغايات .. يفتنها بريق الحياة الجديد .. وتبتعد بثوبها تتوسم ارتداء ألوانا جديدة وارضا جديدة بلا نفاق .. أرضاً تشع النور والضياء .. وتعترك آلامها بقسوة ولكنها قسوة التخلي ونشوة التحلي .. لتحرك ساكن جوارحها وتترف من الشوق آيات وآيات .. تتشوق وتتشوف أحرف الكلمات سطوراً من الإيمان وتصبح وتمسي تتلقى إلهامها بكل مالها من حس وحواس ووهج حيران .. تتفقد تاريخها وتقرأه مرات ومرات .. وتتسطح لديها الأشياء والوجوه تصبح في خبر كان .. وتفتح أبواب لوعتها على اليقين تبدع صراطه بالمستعان .. وتتوجع أهاتها بكل قوة وتفرح بنور الأمل يسطع حاملا مشاعل الحب والإحسان ..
مع بداية التحرر الحقيقي والشعور به تصبح اللغة قادرة على اكتساب معانيها لدى المعاين لتجربته بالفعل .. وهي معاني مختلفة عما كانت عليه من قبل , ليس إلا لأن الأشياء والعالم والكون قد اكتسب معنى جديد .. فأفاض على المعاين شيئاً من الإبداع المتحرر من سلطة الذاتية المحضة ومن قيد اللحظة والفكر المسبق .. حتى يبات كل شيء وقد أصبح أو وكأنه أصبح في مكانه الصحيح .. من هنا تعاد القراءة أكثر من مرة .. وقوام التفكير بإعادة الصياغة حتى يصل الأمر إلى أفضل وجه ممكن له .. ولكن في مسيرة هذه الأحداث وهذه القراءات يتملك المعاين الخوف والتذبذب بين الثبات والتغيير حتى يصبح بإمكانه التمركز في بؤرة واحدة .. تثبت ثباتاً تاماً ومطلقاً.
في مسائل اليقين لا يجدي نفعاً البحث في الصور .. لذا تتجه المعاينة نحو الحقائق الثابتة والمطلقة في الأشياء والكون .. واتخاذ التحليل سبيلا للمعاينة والتصور العام والوصول لأتم حقيقة ممكنة أيضاً , هي في الواقع منتهى الوصول لليقين .
من ناحية أخرى يأخذ التذبذب صفة الحركة حتى لا يقف المعاين عند نقطة دون سواها من هنا كانت الحركة الذهنية والجسدية أهم صفة للمعاين حيث أنه ولا بد أن يتحرك حركات تعينه على اكتشاف الواقع والذات .. والروح بانطلاقها تتخذ مسار الحركة الدائرية ليس إلا أنها أكمل الحركات وأفضلها وأكثرها سلاسة ويسر أو مرونة أيضا ً .
عند هذا الحد يصبح المعاين أكثر إدراكا لحركته وأخطائه وسقطاته أيضاً وليكمل المسيرة لا بد له أن يتخذ الإرادة القوية سبيلاً لتخطي أي عقبة جديدة .. حتى لا ينحرف به الطريق نحو أهداف غير مرغوب فيها أبداً .. لا بد أن يستمر في المقاومة ومحاولة الوصول لغاية هي أنبل ما يكون في ذاتها ولذاتها .
إن اليقين المطلق كائن وممكن حدوثه في لحظات التجلي السامية جدا .. يصل لها المعاين في لحظات عشق وتوحد بالله أو الملأ الأعلى بكل ما يزخر به من سمو وشفافية أيضاً .. وعند التحول والتغيير والتبادل المستمر تأخذ الروح لها أيضاً هيكلة جديدة وجادة أيضاً وتكشف عن جانبها غير المحسوس .. ولكن له حضور قوي .. بعد أن انطلقت من عقالها المقيد لها في فترات ما قبل التجربة والتحرر .
#أمل_فؤاد_عبيد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟