ساطع راجي
الحوار المتمدن-العدد: 1958 - 2007 / 6 / 26 - 09:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لسباق الرئاسة الأمريكية منطقه الخاص، ومن هذا المنطق ستخرج الكثير من المواقف والتصريحات غير المقصودة لذاتها وما كانت لتظهر على السطح بالشكل الذي سنراه لولا السباق الرئاسي، ويبدو أن السيدة هيلاري كلنتون قد وقعت مبكرا في شراك هذا المنطق عندما أطلقت تصريحاتها التي ألقت فيها اللوم في تردي أوضاع العراق الأمنية على الحكومة العراقية لوحدها عندما قالت أن الجيش الأمريكي نجح وان الحكومة العراقية هي التي فشلت.
يمكن توجيه الكثير من النقد للحكومة العراقية لأدائها الضعيف وتكوينها الهش لكن الفشل الأمني والسياسي أيضا، لا يمكن أن تتحمله هذه الحكومة فقط وهي ليست المسؤولة عنه بالكامل، وخاصة الأمني منه، ففي كل الأحوال تعتبر القوات الأمريكية وحليفاتها هي المسؤولة الأولى عن الوضع الأمني وبالتحديد وفق صيغة القرار الذي قدمه الأمريكان واعتمده مجلس الأمن وتم توصيف وضع العراق بموجبه بـ( بلد تحت الاحتلال) وكان الساسة العراقيون الذين يقودون العملية السياسية اليوم هم أول من رفض صيغة القرار تلك.
لقد نجح الجيش الأمريكي في إسقاط نظام صدام حسين وفي وقت قياسي وبخسائر بشرية ومادية ضئيلة، سواء للعراقيين أو الأمريكان، ولكن منذ تلك اللحظة بدأ التخبط والضعف والارتباك في أداء الجيش الامريكي، ولعل حوادث السلب والنهب وتسرب الأسلحة من معسكرات الجيش العراقي هي من العلامات المبكرة على الخلل الذي أصاب أداء الجيش الأمريكي، وتواصل هذا الخلل من خلال استمرار تدفق الأسلحة والإرهابيين إلى العراق عبر الحدود التي فشل الجيش الأمريكي في ضبطها منذ أربع سنوات، بل أن كميات الأسلحة وأعداد الإرهابيين في تطور وتزايد، وشهدت ارض العراق عجز الجيش الأمريكي عن ضبط الأمن في اكثر من محافظة واحدة في نفس الوقت، فعندما حدث تطور نسبي في محافظة الانبار نتيجة لتركيز الجهد العسكري الأمريكي عليها اخذ الوضع في بغداد بالانهيار، وما إن بدأ التركيز الأمريكي ينصب على بغداد حتى تدهور الوضع في الأنبار وانهار الأمن تماما في ديالى، لقد اتبع الجيش الامريكي ستراتيجية غريبة ومثيرة للتساؤلات تقوم على محاصرة الإرهابيين والمتمردين في محافظة ما وترك فسحة محددة لهم للخروج من الحصار إلى مكان ما حيث يبدأون بالتجمع وتنظيم صفوفهم من جديد وليطلقوا مرحلة أخرى من الموت والدمار في إحدى محافظات العراق وقد اثبت أسلوب ( قطعة الجبن والفئران) انه غير ناجح تماما، ولو حاولنا وضع قائمة بالمناطق والمدن التي شهدت حملات عسكرية أمريكية واسعة وقيمنا وضعها الأمني اليوم لوجدناها في اغلبها مازالت أماكن ساخنة رغم الجهود والتضحيات الأمريكية والعراقية على السواء، ويبدو أن تلك الحملات العسكرية لم تحقق إلا الصخب والانتقادات للعراقيين والأمريكان، ولم يحاول أي من قادة القوات الأمريكية في العراق تفسير هذا النهج المكلف في العمل، أي ان يتم تجاهل التردي الأمني في إحدى المحافظات وسيطرة الإرهابيين والمتمردين عليها لعدة اشهر وربما لأكثر من عام كما هو الحال مع ديالى مثلا، قبل أن تبدأ القوات الأمريكية بالتحرك.
لقد قدم الجيش الأمريكي الكثير من التضحيات في عملية إسقاط النظام الدكتاتوري وتثبيت الأمن والاستقرار في العراق، كما أن هذا الجيش نهض بمهمة جسيمة تمثلت في مواجهة المنظمات الإرهابية التي تمد اذرعها إلى مختلف بقاع العالم في العراق، وبعض أسباب الخلل في أداء هذا الجيش تكمن خارج المؤسسة العسكرية ،إنها تحديدا في السياسة وسباقاتها التنافسية ومعاركها، ومنها سباق الرئاسة بعدما استنزفت الانتخابات النيابية الأمريكية الكثير من الجهود، ومن هذه الأجواء التنافسية جاءت تصريحات السيدة هيلاري كلنتون في محاولة لتبرئة نفسها من التهم التي توجه لها ولبقية زملائها الديمقراطيين بالوقوف وراء عرقلة تمويل القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، والتشكيك في دور وأداء هذه القوات، والإساءة إلى الجنود الأمريكان وهم في حالة حرب وغيرها من صيغ الاتهام، والسيدة كلنتون تعرف أن موقف وعلاقة المرشح الرئاسي من الجيش الأمريكي وخاصة عندما يكون في حالة حرب له دور كبير في تحديد فرص نجاح المرشح، لذلك فأنها تحاول التخلص من كل تلك التهم ومن التاريخ القريب ( صوتت لصالح الحرب في العراق ثم سحبت تصويتها بعد مرور اكثر من ثلاثة أعوام على ذلك) لها عبر هذا التصريح وغيره من التصريحات التي ستظهر تباعا خلال معركة الرئاسة، كلنتون لم تستطع تجاهل الوضع الصعب في العراق لذلك كانت بحاجة إلى كبش فداء ووجدت في الحكومة العراقية ضالتها، وكانت إشارتها محددة هي، عجز الحكومة عن اتخاذ القرارات اللازمة لتحسين الوضع في العراق، والمقصود بذلك مسائل مثل اجتثاث البعث وضباط الجيش السابق والتعديلات الدستورية وحل الميليشيات وغيرها، ورغم أهمية هذه المواضيع إلا إنها ليست حلولا سحرية للوضع الأمني في العراق، فهناك التنظيمات الإرهابية وبقايا النظام السابق والمتطرفين السياسيين وكل هؤلاء لا يعبأون كثيرا بمثل تلك الخطوات التي تشير إليها كلنتون التي يبدو إنها استعارت هذه الملاحظات من خصومها الجمهوريين الموجودين في السلطة باعتبارها نقاط خلاف وتجاذب بين هؤلاء الجمهوريين والحكومة العراقية.
من المثير أن تتولى امرأة منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، لكن يبدو أن السيدة كلنتون متهربة ومتذبذبة اكثر مما ينبغي لرئيس أن يفعل فما بالك برئيس الولايات المتحدة.
#ساطع_راجي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟