الثامن من اذار بين ارث نضال العاملات والنسوية الاشتراكية
بيان صالح
الحوار المتمدن
-
العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 18:48
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
البدايات: حين مهدن العاملات الطريق لنا اليوم
في الثامن من آذار، لا نستحضر ذكرى عابرة، إذ نستحضر تاريخاً من النار والنضال والمواجهة ضد الظروف التي أثقلت كاهل النساء العاملات. هذا اليوم خطته أيادي العاملات في المصانع، ورفعته أصوات المناضلات في الشوارع، حتى صار يوماً عالمياً لتجديد العهد مع العدالة والمساواة ونظام اشتراكي لا طبقي. وهو يوم لا يحيا بالخطب العاطفية وحدها، إذ يحيا بالعودة إلى السياقات التاريخية التي صنعته، وبالوعي بالدور المحوري الذي اضطلعت به الحركة الاشتراكية النسوية في توثيقه والدعوة إلى اعتماده مناسبةً أممية توحد أصوات النساء عبر الحدود.
لم يولد الثامن من آذار من فراغ. تعود جذوره إلى احتجاجات العاملات في قطاع النسيج في نيويورك عام 1857، حين خرجت آلاف النساء رفضاً لأجور زهيدة وساعات عمل امتدت إلى ست عشرة ساعة يومياً، في ظروف لم تكن تختلف كثيراً عن العبودية المقنعة. ورغم قمع الشرطة لذلك الحراك، فإنه أسس لبذور التنظيم النقابي النسوي، وغرس في وعي العاملات فكرة أن الصمت ليس خياراً، وأن الشارع ساحة مشروعة للمطالبة بالحقوق.
وبعد أكثر من نصف قرن، في الثامن من مارس 1908، عادت شوارع نيويورك لتمتلئ بخطى خمسة عشر ألف امرأة يرفعن شعار "خبز وورد"، الخبز رمزاً للأمان الاقتصادي وكرامة العيش، والورد إشارةً إلى حقهن في حياة إنسانية لائقة لا تختزل المرأة في آلة إنتاج. طالبن بتقليص ساعات العمل، ومنع عمالة الأطفال، ونيل حق التصويت الذي كان يعامَل وقتها باعتباره امتيازاً لا حقاً طبيعياً. وقد كان لذلك المشهد وقع استثنائي، إذ جمع في صورة واحدة بين المطلب الاقتصادي والمطلب السياسي، معلناً أن قضية المرأة لا تتجزأ.
في عام 1909، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي أول يوم وطني للمرأة تكريماً لنضالات عاملات النسيج، لتتوسع الفكرة بعدها خارج حدود الولايات المتحدة وتجد صدىً في أوساط الحركات العمالية والاشتراكية في أوروبا. وفي عام 1910، وأثناء مؤتمر النساء الاشتراكيات في كوبنهاغن، طرح اقتراح تخصيص يوم عالمي للمرأة، وكان من أبرز المدافعات عنه المناضلة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتكين (1857-1933)، التي كرست حياتها للربط بين قضية المرأة والتحرر الطبقي، وأسهمت إسهاماً محورياً في تأسيس هذا اليوم بوصفه تعبئةً نضالية لا احتفالاً شكلياً. وقد وافق المؤتمر بالإجماع على الاقتراح، في إشارة إلى أن الفكرة كانت تعبر عن حاجة حقيقية يشعر بها النساء المناضلات في كل مكان.
في العام التالي، خرجت مئات الآلاف من النساء في ألمانيا والنمسا وسويسرا والدنمارك لإحياء اليوم لأول مرة في تاريخه. لكن اللحظة التي كرست رمزيته الثورية جاءت عام 1917، حين أضربت العاملات الروسيات في بتروغراد مطالبات بـ"الخبز والسلام" في خضم حرب طاحنة كانت تستنزف أرواح الشعب وقوت العائلات. ذلك الإضراب، الذي اندلع في الثالث والعشرين من فبراير وفق التقويم الروسي الموافق الثامن من مارس وفق التقويم الغريغوري، كان الشرارة الأولى للثورة الروسية التي أطاحت بالقيصرية، فتحول اليوم من مناسبة مطلبية إلى حدث غير مجرى التاريخ بأسره، ومنح هذا اليوم بعداً ثورياً لم يفقده حتى اليوم.
ظل الثامن من آذار حاضراً في الدول الاشتراكية لعقود طويلة، محتفظاً بطابعه النضالي والطبقي، حتى اعتمدته الأمم المتحدة رسمياً يوماً عالمياً للمرأة عام 1977. وهكذا يجمع هذا اليوم بين صمود العاملات في أمريكا وشجاعة النساء في روسيا ووعي المناضلات الاشتراكيات في أوروبا، ليبقى وعداً متجدداً بأن الحقوق لا تمنح، إذ تنتزع بالنضال المنظم، وأن مسيرة المساواة ما تزال مستمرة، تحملها أجيال مدينة لمن سبقهن وعازمة على مواصلة الطريق حتى نهايته.
النسوية الاشتراكية: حين أصبح التحرر مسألة نضال يومي
شكلت النسوية الاشتراكية التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أحد الأسس النظرية الأكثر رسوخاً في تفسير اضطهاد المرأة وتحديد شروط تحررها. وقد ارتبطت بأسماء مناضلات ومفكرات بارزات من كلارا زيتكين وروزا لوكسمبورغ وألكسندرا كولونتاي إلى فلورا تريستان وكلارا ليمليخ وسيلفيا بانكهورست، ثم تطورت لاحقاً مع أجيال من المنظرات والمناضلات في القرن العشرين.
لم تنظر هذه التيارات إلى اضطهاد النساء بوصفه ظاهرة مستقلة عن النظام الاجتماعي السائد، بل اعتبرته جزءا لا يتجزأ من آلية الاستغلال الرأسمالي ذاتها، يتغذى منها ويعيد إنتاجها في آن واحد. فالمرأة العاملة في هذا التصور تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال فلسا واحدا.
انطلاقاً من هذا الفهم العميق، انتقدت النسوية الاشتراكية ما كان يعرف بـ"النسوية البرجوازية"، أي تلك الحركة التي ركزت جهودها على الحقوق السياسية والقانونية كحق التصويت والوصول إلى التعليم والمشاركة في الحياة العامة. ورغم الإقرار بأهمية هذه المطالب وضرورة تحقيقها، رأت أنها لا تمس جوهر المشكلة بالنسبة لنساء الطبقة العاملة، لأن المساواة القانونية وحدها لا تنهي التبعية الاقتصادية ولا تكسر قيود الاستغلال المادي. فامرأة تمتلك حق التصويت وتعيش في فقر مدقع وتعتمد اقتصادياً على الرجل لأن سوق العمل لا يمنحها عملاً أو أجراً عادلاً، تظل غير متحررة فعلياً، مهما كانت حقوقها الرسمية على الورق.
لذلك أكدت هذه التيارات أن نضال النساء يجب ألا يكون منفصلاً عن النضال الطبقي العام، إذ هو في جوهره جزء من حركة أشمل تستهدف تغيير علاقات الإنتاج ذاتها. ولم تكن ترى صراعاً قائماً بين الرجال والنساء داخل الطبقة العاملة، إذ كانت تعتبر أن هذا التصور يصب في مصلحة المنظومة التي تريد تشتيت الطبقة العاملة وإشغالها بصراعات داخلية بعيداً عن مواجهة الطرف الذي يراكم الربح على حساب العمل. ومن هذا المنطلق ارتبط النشاط التنظيمي للحركة النسوية الاشتراكية بالحركة العمالية الأوسع، حيث عملت على تنظيم النساء العاملات داخل إطار سياسي ثوري يجمع لا يفرق.
كما طرحت هذه التيارات رؤية متكاملة لإعادة تنظيم المجتمع بحيث تتحرر المرأة اقتصادياً عبر دمجها الكامل في الإنتاج الاجتماعي، وتوفير خدمات عامة شاملة كالحضانات ودور الرعاية والمطاعم الجماعية، بما يخفف العبء الهائل للعمل المنزلي الملقى على كاهل المرأة ويكسر تبعيتها البنيوية داخل الأسرة التقليدية. لم يكن تحرر المرأة في هذا التصور مسألة أخلاقية أو ثقافية أو خطابية فحسب، إذ كانت تراه مسألة بنية تحتية اقتصادية تتطلب تغييراً جذرياً في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة.
بهذا المعنى الجذري، رأت النسوية الاشتراكية أن الاشتراكية ليست خياراً سياسياً إضافياً يمكن إلحاقه بقضية المرأة من الخارج، إذ هي الشرط الأساسي لتحقيق تحررها الحقيقي والمستدام. ومن خلال هذا الربط العميق والمتماسك بين النسوية والصراع الطبقي، أسهمت هذه التيارات في صياغة تصور نظري رصين ما يزال حاضراً بقوة في النقاشات المعاصرة حول العلاقة الجدلية بين قضية المرأة والصراع على البنية الاقتصادية للمجتمع.
السياق الصناعي: الرأسمالية وولادة الوعي النسوي العمالي
في أواخر القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا توسعاً صناعياً هائلاً غير ملامح القارة وأعاد رسم خريطة علاقاتها الاجتماعية. المصانع تكاثرت، والمدن تضخمت بالموجات البشرية القادمة من الريف، غير أن الثروة الهائلة التي تراكمت لم تكن من نصيب من صنعوها بأيديهم وسواعدهم. النساء، إلى جانب الرجال والأطفال، عملن لساعات طويلة مرهقة في ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط شروط الصحة والأمان، مقابل أجور أدنى بكثير ودون حماية قانونية حقيقية تقيهن من الطرد التعسفي أو الإصابة في العمل.
في هذا السياق المحدد، لم يكن اضطهاد المرأة مسألة ثقافية مجردة تتعلق بالعادات والتقاليد وحدها، إذ كان جزءاً لا يفصل من بنية اقتصادية رأسمالية تستفيد استفادة مباشرة من عملها الرخيص ومن هشاشة موقعها الاجتماعي وافتقارها إلى أوراق ضغط قانونية أو تنظيمية.
ضمن هذا المناخ المشحون، برزت الحركة الاشتراكية تعبيراً سياسياً عن مصالح الطبقة العاملة ومطامحها في عالم أكثر عدلاً. وانخرطت النساء المناضلات في صفوفها منطلقاتٍ من قناعة فكرية راسخة تشكلت عبر سنوات من الملاحظة والدراسة والنضال المباشر: اضطهاد المرأة هو نتيجة مباشرة ومقصودة لنظام يقوم في جوهره على استغلال العمل وتعظيم الربح على حساب حياة البشر وحقوقهم.
فرقت النسوية الاشتراكية بوضوح تام بين قضية المرأة العاملة وقضية المرأة البرجوازية، مؤكدةً أن الجمع بينهما تحت مسمى واحد يطمس التناقضات الحقيقية ويخدم مصالح الطبقة المهيمنة. فبينما ركزت التيارات الليبرالية على انتزاع حق الاقتراع ضمن حدود النظام القائم دون المساس ببنيته الاقتصادية، رأت هي أن هذا الطرح يعالج الأعراض الظاهرة دون أن يقترب من الجذور العميقة. كان السؤال الذي لا يهادن: أي تحرر هذا الذي يمنح سيدة ميسورة حق التصويت، فيما تبقى العاملة غارقة في وحل الفقر والاستغلال اليومي؟ وأي مساواة تلك التي تبنى على أساس متصدع من الظلم الاقتصادي؟
من خلال الكتابات والمنابر النضالية التي أسستها الحركة الاشتراكية النسوية، حللت العلاقة العضوية بين الرأسمالية واضطهاد النساء بعمق نادر. وهكذا لم يكن الاقتصاد الرأسمالي يستغل المرأة رغم وعيه بازدواجية موقعها، إذ كان يستغلها بسببها تحديداً، مستفيداً من كل خطوة تخطوها بين المصنع والمنزل.
لم تكن هذه التيارات في كل هذا تدعو إلى صراع بين النساء والرجال يفرق ما ينبغي أن يتوحد، إذ كانت تدعو في جوهرها إلى صراع واضح المعالم بين أصحاب رأس المال والطبقة العاملة، ربطت من خلاله تحرر المرأة بتحول جذري شامل يغير شروط الإنتاج ذاتها ويسقط المنظومة التي تجعل استغلال النساء جزءاً بنيوياً من الاقتصاد الرأسمالي.
الجنوب العالمي: حين لا تزال المصانع تحتفظ باسمها
إذا كان النضال الذي أطلقته عاملات نيويورك عام 1857 قد انطلق من مصانع النسيج، فإن مصانع النسيج ذاتها لا تزال قائمة اليوم، غير أنها انتقلت إلى حيث تكون اليد العاملة أرخص والقوانين أهش والرقابة أضعف. انتقلت إلى بنغلاديش وكمبوديا وإثيوبيا والمغرب وغيرها من دول الجنوب العالمي التي تحولت إلى ورش خلفية رخيصة للرأسمالية العالمية، تنتج ما يرتديه الشمال ويستهلكه، فيما تبقى العاملات فيها خارج أي حماية حقيقية.
في بنغلاديش وحدها، تعمل أكثر من أربعة ملايين امرأة في قطاع الملابس الجاهزة، ينتجن ما يصدَر إلى أسواق أوروبا وأمريكا بأجور لا تتجاوز في أحسن أحوالها 95 دولاراً شهرياً. وحين انهار مبنى رانا بلازا عام 2013 وقتل أكثر من 1100 عاملة وعامل تحت أنقاضه، كشف ذلك الانهيار عن حقيقة واحدة فاضحة: أن الخيط الرابط بين فستان يباع في باريس بمئتي يورو وامرأة تموت تحت الركام في دكا هو خيط رأسمالي ممتد لا تقطعه حدود. وقد وثقت تقارير منظمة العمل الدولية وعدد من المنظمات الحقوقية هذه الكارثة بوصفها إحدى أسوأ الكوارث الصناعية في تاريخ صناعة الملابس.
لكن الجنوب العالمي لا يعني المصنع وحده. ففي دول الخليج العربي، تعيش مئات الآلاف من العاملات المنزليات القادمات من الفلبين وإندونيسيا وإثيوبيا وسريلانكا في ظل نظام الكفالة، وهو نظام يربط الوضع القانوني للعاملة بصاحب العمل ربطاً يحول أي شكوى من استغلال أو عنف إلى مخاطرة بالترحيل لا إلى مسار للإنصاف. هؤلاء النساء لسن غائبات عن النقاشات الدولية فحسب، إذ هن غائبات عن القوانين ذاتها التي يفترض أن تحميهن، لأن العمل المنزلي في كثير من هذه الدول مستثنى من قانون العمل أصلاً.
وفي أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً في ظل سياسات التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على مدى عقود. فعندما تقلَص الخدمات العامة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، لا تختفي هذه الخدمات فعلياً، بل تنتقل أعباؤها إلى المجال المنزلي، حيث تتحمل النساء تعويض ما أسقطته السياسات النيوليبرالية من موازنات الدولة عبر مزيد من العمل غير المدفوع والوقت المستنزف. وبهذا المعنى، لا يكون التقشف سياسة اقتصادية محايدة، بل سياسة ذات آثار اجتماعية وجندرية واضحة تدفع النساء ثمنها أولاً وبدرجة أكبر.
وهنا يكتسب الإرث النظري للنسوية الاشتراكية بعداً جديداً يتجاوز حدود أوروبا التي نشأت فيها. فحين ربطت تلك التيارات تحرر المرأة بتحرر الطبقة العاملة من الاستغلال الرأسمالي، كانت تضع الأساس النظري الذي يفسر ما يجري اليوم في مصانع الجنوب ومنازل الخليج وأحياء الفقر في كيب تاون وليما وكراتشي. لأن المسألة في جوهرها واحدة: منظومة تحتاج إلى عمل رخيص وأجساد هشة وقوانين مثقوبة، وهي تجد كل ذلك في امرأة فقيرة في الجنوب العالمي أكثر مما تجده في أي مكان آخر.
ولا يكتمل الحديث عن واقع النساء في العالم من دون التوقف أيضاً عند أولئك اللواتي يدفَعن إلى بيع أجسادهن من أجل لقمة العيش، في اقتصادات غير عادلة تجعل البقاء نفسه مرهوناً بالجسد والعمل الهش. فكما يحدث في أماكن عدة من العالم، من بلدان سياحية فقيرة إلى مدن كبرى تعيش على اقتصاد الظل، تصبح أجساد النساء آخر مورد متاح في مواجهة الفقر والتهميش.
لذلك لا يكون الثامن من آذار يوماً عالمياً حقيقياً ما لم تكن عاملة المصنع في دكا، وعاملة المنزل في الرياض، وبائعة السوق في أديس أبابا، والمرأة التي تقاتل يومياً من أجل البقاء في اقتصاد غير رسمي أو قاسٍ، حاضرات في مركزه لا في هامشه؛ لا بوصفهن ضحايا يستشهد بهن لإثارة العواطف، بل بوصفهن فاعلات في نضال لم يتوقف ولن يتوقف حتى تتغير الشروط البنيوية التي تجعل استغلالهن ممكناً ومربحاً ومستمراً.
الأزمات تكشف الحقيقة: هشاشة المكاسب في ظل الرأسمالية
هذه الهشاشة البنيوية التي تعيشها نساء الجنوب لا تقتصر عليهن وحدهن، إذ تكشف الأزمات الاقتصادية أن النساء في الشمال أيضاً لم ينلن سوى مكاسب معلقة لا جذور راسخة لها في بنية النظام ذاته. فالتجارب في بلدان توصف بأنها متقدمة في مجال المساواة بين الجنسين تظهر بجلاء أن هذه المكاسب، رغم أهميتها الكبيرة، تبقى هشة وقابلة للتآكل في ظل نظام رأسمالي لم يتغير في بنيته الأساسية. فعند كل أزمة اقتصادية، تعود الدعوات التي تدفع المرأة إلى الانسحاب من سوق العمل تحت ذرائع تبدو اجتماعية في ظاهرها وهي اقتصادية في جوهرها، كتقليل البطالة أو تخفيف الإنفاق العام أو العودة إلى "الدور الطبيعي" للمرأة في البيت والأسرة.
حتى في الدول الاسكندنافية والأوروبية التي يضرب بها المثل في المساواة، لا تزال مشاركة النساء في المناصب القيادية العليا محدودة نسبياً، إذ لا تتجاوز في كثير من القطاعات 25 إلى 35 في المئة من مواقع الإدارة العليا، وتنخفض إلى نحو 10 إلى 15 في المئة في المناصب التنفيذية العليا، مع استمرار فجوة في الأجور تتراوح في المتوسط بين 10 و13 في المئة. كما تستقبل بيوت الإيواء سنوياً مئات النساء الهاربات من العنف الأسري، وهو ما يدل دلالة واضحة على أن المساواة القانونية المنقوشة في الدساتير والتشريعات لا تعني بالضرورة نهاية الاضطهاد الفعلي المعاش يومياً. وليست هذه الهشاشة حكراً على الجنوب وحده، إذ إن المنظومة الاقتصادية ذاتها التي تضغط على أجور العاملات في مصانع دكا هي التي تدفع نحو سياسات تقشف وخصخصة تمس حياة العاملات في المستشفيات والمدارس ودور الرعاية في أوروبا، فتجعل هشاشة المكاسب ظاهرة مشتركة تتخذ أشكالاً مختلفة بين الشمال والجنوب لكنها تنبع من جذر واحد.
هذه الوقائع الموجعة تؤكد أن الحقوق التي تنتزع بالنضال والتضحية يمكن أن تتعرض للتراجع والتآكل التدريجي ما لم يتم تغيير البنية الاقتصادية العميقة التي تقوم عليها علاقات الاستغلال والتمييز. فالحق الذي يمنح ضمن نظام لا يؤمن بالمساواة حقاً يظل حقاً معلقاً، قابلاً للسحب حين تقتضي مصالح النظام ذلك.
حين لا يعني الصعود النسائي انتصاراً نسوياً
إن وجود امرأة في مركز القيادة لا يعني بالضرورة انتصاراً لقضايا النساء، وهذه ليست مفارقة نظرية مجردة، إذ يقدم لنا التاريخ أمثلة ملموسة وصارخة على ذلك. أبرز هذه الأمثلة تجربة مارغريت تاتشر (1925-2013)، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة، والتي حكمت البلاد بين عامي 1979 و1990. وقد شكل وصولها إلى أعلى هرم السلطة حدثاً رمزياً ذا دلالة تاريخية في مجتمع كان المجال السياسي فيه طويلاً حكراً على الرجال. غير أن هذا الوصول لم يترجم إلى سياسات تعزز المساواة الاجتماعية أو تحمي الطبقة العاملة من وطأة الاستغلال.
على العكس تماماً، ارتبط عهدها ارتباطاً وثيقاً بسياسات خصخصة واسعة وتقشف اقتصادي ممنهج أضعفا النقابات العمالية وضربا قطاعات العمال في الصميم وعمقا الفوارق الاجتماعية بشكل ملحوظ، وهي سياسات دفعت ثمنها النساء، وبخاصة العاملات والفقيرات منهن، بصورة مضاعفة ومؤلمة.
لا يكفي أن تتقدم النساء إلى مواقع السلطة إذا بقيت شروط العمل جائرة وظالمة، ولا يكفي أن يتردد خطاب "التمكين" و"كسر السقف الزجاجي" فيما يظل العمل المنزلي والرعائي غير معترف به اجتماعياً وغير محسوب في ميزان الاقتصاد الرسمي. هذه التجربة تذكرنا بأن تحرر النساء لا يقاس بجنس من يجلس على كرسي الحكم، إذ يقاس بطبيعة السياسات التي تطبَق ومدى انحيازها الفعلي لمصالح الأكثرية المسحوقة. فليس كل صعود نسائي إلى السلطة فعلاً نسوياً بالمعنى التحرري للكلمة، وليس كل تمثيل شكلي في المناصب الرفيعة انتصاراً حقيقياً للحركة النسوية التي نذرت نفسها للدفاع عن العاملات والمهمشات.
إن وجود النساء في مواقع القيادة وصنع القرار خطوة مهمة وضرورية في مسار تحقيق المساواة، إذ يفتح المجال أمام كسر الاحتكار التاريخي للسلطة ويمنح النساء حضوراً سياسياً ومؤسساتياً طال انتظاره. غير أن المعيار الحقيقي والجوهري لأي تقدم اجتماعي لا يقتصر على عدد المقاعد التي تشغلها النساء في مجالس الإدارة أو قاعات البرلمانات، وإنما يتمثل في مقدار التحسن الفعلي الملموس في حياة النساء الأكثر تهميشاً وبعداً عن دوائر النفوذ: العاملات بأجور زهيدة، والفقيرات المحاصرات في شباك الفقر المتوارث، واللاجئات الهاربات من الحروب والاضطهاد، وضحايا السياسات التقشفية اللواتي يدفعن ثمن أزمات لم يصنعنها. ومن هذا المنظور الجذري، يبقى الثامن من آذار يوم مساءلة عميقة للنظام القائم وسياساته وبنيته، لا مناسبة لمجاملته أو التكيف مع اشتراطاته.
الثامن من آذار: كيف نناضل لا كيف نحتفل
في ختام هذا المسار التاريخي الممتد من نيويورك إلى بتروغراد، ومن كوبنهاغن إلى كل مدينة في العالم شهدت خروج النساء مطالبات بحقوقهن، لا يكون استحضار الثامن من آذار عودة عاطفية إلى الماضي، إذ يكون استعادةً واعية لمعناه الأصلي الذي تحاول قوى كثيرة تجميله وتفريغه من محتواه الطبقي والنضالي. فاستعادة هذا اليوم لا تعني التنكر للنضالات الإصلاحية التي حققت مكاسب لا يمكن الاستهانة بها، إذ تعني قبل أي شيء إعادة وصل هذه المكاسب بجذورها الاجتماعية والطبقية لحمايتها من الردة والتراجع.
ورغم كل ما انتزع من حقوق بالنضال والدم والتضحية عبر عقود طويلة، فإن ما تحقق لم يسقط البنى العميقة التي تعيد إنتاج التمييز يومياً في كل مصنع ومكتب ومنزل، ولم ينه استغلال النساء في سوق عمل يقوم في أساسه على الفجوة الممنهجة في الأجور، والعمل غير المدفوع الذي لا يذكر في الحسابات الرسمية، والهشاشة الاقتصادية المتوارثة جيلاً بعد جيل. إن النظام الذي قاومته العاملات في مصانع النسيج ما يزال حياً يرزق، يتبدل في أشكاله وآلياته وخطابه، غير أنه يحتفظ بجوهره الثابت القائم على الهيمنة والاستغلال الممنهج.
إن الإرث الذي تركته الحركة النسوية الاشتراكية لم يكن دعوةً لاحتفال سنوي تعلق فيه اللافتات وتوزع الورود وتعقد الندوات ثم يعود الجميع إلى حياتهم كما كانت، إذ كان دعوةً صريحة وملحة لتنظيم ونضال عابر للحدود والثقافات واللغات، يربط بين المساواة ويفضح النظام الرأسمالي الطبقي في تناقضاته الجوهرية، وبين تحرر النساء وتحرر المجتمع بأسره من منطق الاستغلال.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف؟ كيف نناضل؟ ما هو شكل التنظيم المطلوب اليوم؟ هل هو حزب اشتراكي سياسي تقليدي، أم شبكات اجتماعية لامركزية، أم منظمات نسوية عابرة للحدود؟ وكيف يمكن ربط عاملة في مصنع نسيج في بنغلاديش بمستهلكة في أوروبا بطريقة تخلق وعياً مشتركاً حول سلاسل الاستغلال العالمية بدلاً من إخفائها؟ وكيف يمكن مواجهة سياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية والتي تقع آثارها الأشد على النساء العاملات والفقيرات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تختزل في وصفة تنظيمية واحدة صالحة لكل زمان ومكان، إذ تختلف الشروط السياسية والاجتماعية من سياق إلى آخر. ومع ذلك، تشير التجارب المعاصرة إلى عدد من الاتجاهات الواضحة، من بينها تعزيز التنظيم النسوي المستقل، وبناء شبكات تضامن نسوي وعمالي عابرة للحدود. كما يبرز دور بعض الأحزاب اليسارية والقوى التقدمية التي تبنت دعم قضايا المساواة بين الجنسين وساندت مطالب الحركة النسوية، سواء عبر العمل البرلماني أو من خلال التحالف مع الحركات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يصبح من المهم ربط النضال النسوي بالنضال الاجتماعي الأوسع ضد سياسات التقشف والخصخصة، وتطوير أشكال جديدة من التنظيم تجمع بين العمل السياسي والحراك الاجتماعي والضغط النقابي. فالعولمة الرأسمالية التي ربطت اقتصادات العالم ببعضها لم تنتج فقط تحديات مشتركة، بل خلقت أيضاً شروطاً جديدة لتضامن عابر للقارات، يمكن أن يحول نضالات النساء من معارك محلية معزولة إلى حركة اجتماعية عالمية أكثر وعياً بذاتها وبأهدافها.
لذلك، في الثامن من آذار وفي كل يوم يأتي بعده، لا يكون السؤال المحوري: كيف نحتفل بهذه المناسبة؟ إذ يكون: كيف نناضل ونتنظم ونبني؟ لأن الحقوق التي انتزعت بالأمس تحتاج إلى وعي متجدد وتنظيم متراكم لحمايتها اليوم، وإلى إرادة نسوية يسارية ثورية لا تكل لتوسيعها يوماً بعد يوم، حتى تتحقق المساواة الكاملة التي لا تقبل النصف ولا ترضى بالفتات.