جلفر في الشرق الأوسط: من ليليبوت إلى بلاد -التغريدة العظمى-


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 20:31
المحور: قضايا ثقافية     

جلفر في الشرق الأوسط:
من ليليبوت إلى بلاد "التغريدة العظمى"
حين استيقظ جلفر في ليليبوت، وجد نفسه مقيّدًا بخيوط رفيعة، لا تُرى من بعيد، لكنها تكفي لتشلّ عملاقًا.
لم يكن يعرف أن تلك الخيوط ستصبح لاحقًا اسمًا آخر:
"تحالفات"،
"خطوط حمراء"،
"بيانات شجب"،
و"مؤتمرات طارئة".
في ليليبوت، كانت الحرب قائمة بين شعبين لأن أحدهما يكسر البيض من الطرف الكبير، والآخر من الطرف الصغير.
وفي الشرق الأوسط، تطورت المسألة قليلًا:
الطرف يكسر البيض باسم الطائفة،
والآخر يكسره باسم القومية،
وثالث يفضّل قليه بزيت الجغرافيا السياسية.
النتيجة واحدة:
البيض مكسور…
والدجاجة تهاجر.

بروبدينغناغ: حين يصبح العملاق طفلًا
في أرض العمالقة، بدا جلفر ككائن ضئيل، تتقاذفه الأصابع.
كان فجأة عاجزًا عن التأثير في مصيره.
تخيلوا الآن الشرق الأوسط في قاعة مجلس الأمن:
يتكلم كثيرًا،
يصرخ أكثر،
لكن حين ترفع إحدى القوى العظمى حاجبها،
يصغر الجميع فجأة.
الخطابات نارية،
لكن القرار الحقيقي يُكتب بقلم في مكان آخر.
جلفر في بروبدينغناغ كان يُعرض في القصور للفرجة.
والشرق الأوسط يُعرض في نشرات الأخبار بالطريقة ذاتها:
"مأساة اليوم"
"انفجار الغد"
"تحليل المساء"
ثم فاصل إعلاني.

لابوتا: جمهورية الخبراء الذين لا يرون الأرض
في جزيرة لابوتا الطائرة، كان العلماء غارقين في الحسابات، يحاولون استخراج أشعة الشمس من الخيار، أو بناء بيوت من الأسطح إلى الأساسات.
أليست هذه نسخة مألوفة؟
خطط تنمية بلا كهرباء.
استراتيجيات رقمية بلا إنترنت.
مؤتمرات إعادة إعمار قبل انتهاء الهدم.
الخبراء يناقشون خرائط،
والناس تبحث عن ماء.
لابوتا كانت تطفو فوق الأرض،
والسياسة الحديثة تطفو فوق الواقع.

أرض الهويننم: حيث تحكم الخيول… وتُدار الشعوب
في الفصل الأخير، يصل جلفر إلى أرض
Houyhnhnms
الخيول العاقلة التي تحكم بمنطق بارد،
ويقابل
Yahoos
البشر المتوحشين.
المفارقة أن جلفر بدأ يفضّل الخيول على بني جنسه.
في الشرق الأوسط، يتكرر المشهد ولكن بترتيب مختلف:
كل طرف يرى نفسه "هويننم" عقلانيًا،
ويرى الآخر "ياهو" همجيًا.
المؤتمرات تبدأ بلغة منطقية،
وتنتهي ببيانات انفعالية.
والحوار يتحول بسرعة إلى عراك…
ثم إلى وسم على وسائل التواصل.

فصل إضافي لم يكتبه سويفت: مملكة التغريدة العظمى
لو عاد سويفت اليوم، لكتب فصلًا جديدًا:
جزيرة لا تُقاس مساحتها بالكيلومترات بل بعدد المتابعين.
فيها تُعلن الحروب بتغريدة،
وتُوقف باتصال هاتفي،
وتُختصر الجغرافيا في 280 حرفًا.
جلفر هناك لن يحتاج إلى قيود من خيوط،
يكفيه إشعار واحد ليصبح أسيرًا للرأي العام.

العملاق المربوط بخيط
أراد سويفت أن يسخر من أوروبا عصره،
لكنه كتب — من دون قصد — دليل استخدام للشرق الأوسط الحديث.
في ليليبوت نتقاتل على البيض،
في بروبدينغناغ نبدو صغارًا أمام العمالقة،
في لابوتا نحلق في نظرياتنا،
وفي أرض الهويننم نختلف على من هو الإنسان ومن هو الحيوان.
أما جلفر…
فهو نحن.
نستيقظ كل صباح ونظن أننا أبطال الرواية،
ثم نكتشف أننا مجرد شخصية في فصل ساخر
يكتبه التاريخ بقلم بارد…
ويضحك.

السخرية وفهم الجغرافيا السياسية
حين كتب Gulliver’s Travels، لم يكن Jonathan Swift يسخر من أطفال يكسرون البيض، بل من أنظمة تحرق القارات لأسباب أصغر من البيضة.
ولو استيقظ اليوم، لما احتاج إلى خيال.
كان سيكتفي بفتح نشرة أخبار.

ليليبوت: حروب البيضة المقدسة
في ليليبوت، اندلعت حرب أهلية لأن الملك قرر أن البيض يجب أن يُكسر من الطرف الصغير.
الطرف الآخر اعتبر ذلك اعتداءً على العقيدة.
هل تبدو القصة مألوفة؟
في الشرق الأوسط، لا تُخاض الحروب على البيض، بل على:
• من يملك تفسير النص،
• من يملك مفاتيح السماء،
• من يملك الحق الحصري في تمثيل الله على الأرض.
والنتيجة:
مدن تُكسر من الطرفين.
الجميع يتحدث عن “الكرامة”.
ولا أحد يسأل عن الكهرباء.

بروبدينغناغ: حين تكتشف أنك لست سوى تفصيل في تقرير استخباراتي
في أرض العمالقة، كان جلفر كائنًا صغيرًا، يُحمل بين إصبعين.
يشرح لهم بفخر نظام بلاده،
فيضحك الملك قائلاً:
"أنتم تتفاخرون بفنون القتل؟"
في الشرق الأوسط، تشرح الدول “إنجازاتها السيادية”،
بينما تُرسم خرائطها في غرف مكيفة خارجها.
تُعقد قمم.
تُصدر بيانات.
ثم يأتي اتصال من عاصمة بعيدة…
فتتغير اللغة خلال دقائق.
السيادة هنا مفهوم مرن،
يتمدّد مع حجم القاعدة العسكرية الأقرب.

لابوتا: مملكة الخطط التي لا تمس الأرض
في جزيرة لابوتا الطائرة، كان العلماء منشغلين باختراع حلول لمشكلات لا وجود لها،
بينما الشعب في الأسفل يعاني الجوع.
أليست هذه خطط “الرؤية 2050” في بلاد بلا 2026 مستقرة بعد؟
مشاريع موانئ عملاقة في دول لا تستطيع تشغيل مستشفى.
مدن ذكية فوق أرض لا ماء فيها.
مؤتمرات “استقرار إقليمي” تعقد في فنادق محصنة،
بينما الاستقرار الحقيقي يقف عند الحاجز العسكري.
الطائرات تحلّق،
والأرض تغرق.

أرض الهويننم: من هو الإنسان… ومن هو الياهو؟
في الفصل الأخير، يلتقي جلفر بـ
Houyhnhnms
الخيول العاقلة التي تحكم بالمنطق البارد،
ويقابل
Yahoos
البشر المتوحشين الذين تحركهم الشهوة والغضب.
في الشرق الأوسط، كل نظام يرى نفسه “هويننم”:
حكيم، عقلاني، حارس الاستقرار.
ويرى شعبه — عند أول احتجاج — “ياهو”:
غوغاء، مندسون، أدوات خارجية.
المعارضة ترى السلطة ياهوًا.
السلطة ترى المعارضة ياهوًا.
والقوى الدولية ترى الجميع ياهوًا… عند الحاجة.
الفرق الوحيد أن سويفت جعل الخيول تحكم بصدق،
أما هنا فالجميع يرتدي قناع الحصان
ويتصرف بغريزة الياهو.

الفصل غير المنشور: جلفر في جمهورية الصواريخ الدقيقة
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الهيبة بعدد الكتب،
بل بمدى الصاروخ.
الدبلوماسية تمر عبر القبة الحديدية،
والحوار يحتاج إلى مظلة دفاع جوي.
تُبنى العقائد العسكرية بسرعة،
بينما تُبنى المدارس ببطء شديد.
الجميع يتحدث عن “الردع”.
ولا أحد يتحدث عن الإنسان.

حوار تخيلي بين ياهو ووزير شرق أوسطي
الياهو: لماذا تقاتلون؟
الوزير: من أجل الاستقرار.
الياهو: لكن الاستقرار غائب.
الوزير: لهذا نقاتل أكثر.
الياهو: لماذا تكممون الأفواه؟
الوزير: حماية للوحدة الوطنية.
الياهو: لكن الوحدة تتآكل.
الوزير: لهذا نشدد القبضة.
الياهو: ومتى تنتهي الحرب؟
الوزير: عندما ينتصر السلام.
الياهو: وكيف ينتصر؟
الوزير: بعد أن يخسر الجميع.

جلفر لم يعد يعود إلى وطنه
في نهاية الرواية، لم يعد جلفر قادرًا على التعايش مع البشر.
صار يرى فيهم انعكاسًا للياهو.
لو عاش في الشرق الأوسط اليوم،
لربما لم يحتج إلى رحلة بحرية كي يكتشف عبث السلطة،
ولا إلى جزيرة طائرة ليرى انفصال النخبة عن الواقع،
ولا إلى خيول عاقلة ليفتقد المنطق.
كان سيجلس في مقهى،
يفتح هاتفه،
ويقرأ الأخبار.
ثم يبتسم ابتسامة سويفتية باردة،
ويكتب:
"لم أكن أكتب خيالًا…
كنت أكتب بروفة مبكرة لهذا العالم."