|
طقوس للمرأة الشقية محمود شقير
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 6615 - 2020 / 7 / 10 - 17:08
المحور:
الادب والفن
طقوس للمرأة الشقية محمود شقير اعتقد أن هذه المجموعة القصصية هي الأولى عربيا التي جاءت بصورة (القصة القصيرة)، والتي صدرت في عام1986عن دار ابن رشد للنشر والتوزيع في عمان، حيث لم تتعدى أكبر قصة صفحة ونصف، وهناك قصص أقل من نصف صفحة، وهذا ما يجعل "محمود شقير" أحد رواد القصة القصيرة في المنطقة العربية. المجموعة تتشكل من اثنان وثمانين قصة، يغلب فيها حضور المرأة، والمطر، ومضمون الخريفي، وتتمحور الأحداث حول الحب، الهموم الشخصية، الاحتلال، الهجرة، الصرع الطبقي، فالأفكار متنوعة ومتشعبة، وجاء السرد فيها بطريقة القص الخارجي، إذا ما استثنينا قصة وحيدة "مدينة ما" والتي جاءت بضمير المخاطب، رغم قصر القصص، إلا أن المتلقي يشعر بكبر القصة وضخامتها، حتى أنه يمتلئ بها، وهذا يعود إلى التقنية العالية التي صيغت بها، سنختار نماذج لتبيان جمالية التقديم، والطريقة التي استخدمها "محمود شقير" في صياغة القصص. ننوه إلى أن قصة العنوان "طقوس للمرأة الشقية" لا نجد في فيها ذكر للمرأة الشقية، فهي تتحدث عن المرأة كحال بقية القصص، بل نجده في قصة "لغز": "المرأة الشقية التي دأبت منذ تسعة وعشرين يوما على شطف درجات البناية ذات الطوابق الخمسة، وتنشيفها بالخرق البالية التي تحضرها معا من كوخها البعيد، قبل أن تطل عليها النسوة المتخمات من أبواب بيوتهن، مثل أبقار سمينة، بملابس النوم التي تشف عن أفخاذ متوقحة.. المرأة الشقية إياها، بارحت البناية في اليوم الثلاثين بعد وصولها بدقائق معدودات، وقبل أن تستلم أجرها الشهري، كيلا تتهمها النسوة المتخمات بالسرقة، لأنها قبل أن تبدأ بشطف الدرج، أخذت تعده درجة درجة كما تفعل كل صباح، فإذا به ـ يا للمفاجأة ـ أربع وسبعون درجة بدلا من خمسة وسبعين." ص23، حضور المرأة، الانحياز للفقراء، مهاجمة الأغنياء، النبل والمثل التي يتمتع بها الفقراء، واللافت في هذه القصة أن ذكرة "المرأة الشقية" يلازمه ذكر النساء المتخمات، وكأن حضورها بمفردها يوازي جميع نساء العمارة، وإذا عدنا إلى الفعل، نجدها حاضرة وهي مركز الأحداث، بينما النساء المتخمات لا يفعل سوى "تطل عليها، تتهمها" فعمليا يقتصر فعلهن على المراقبة، والكلام السيء، بينهما "الشقية" تشطف وتمسح الدرج، وهذا يعطي اشارة إلى تفاهة عملهن، وأهمية عمل "الشقية"، وحدث المفاجأة جاء من خلال شطرتين"ـ ـ"، وكأن القاص أراد كسر وتيرة القص وسلاسته، ليتوقف القارئ عند الحدث، فالدرجة الزائدة جعلت "الشقية" تتخلى عن اجرتها، لتكون منسجمة مع ذاتها وأخلاقها. وعندما تم أهمل القاص ذكر ردة فعل المتخمات على مغادرتها، اراد به الاشارة إلى تفاهتهن، بحيث ـ لا داع ـ لذكرهن، لأنهن سطحيات ولا يقمن بأكثر من المراقبة واتهام الآخرين. كما أن المكان "كوخ الشقية البعيد"، له دلالة ويشير إلى التوسع الأفقي، الفضاء الرحب، وهذا يتلاءم مع نطرتها الواسعة، بينما "المتخمات"، سكان العمارة حجب عنهن الفضاء، فهن يسكنن في بناء "طبقات فوق بعض" فلا يرين الفضاء الرحب، لهذا "الشقية" امتاز عنهن بسعة رؤيتها، وحكمة تفكيرها، حيث فضلت التخلي عن اجرتها على اتهامها بالسرقة. الفلسطيني مسكون بالمكان، لهذا نجده يلازمه، مهما تعرض لضغوط وملاحقات امنية، ومهما كان نوع وموضوع الأدب الذي يكتبه، ابن القدس الذي يعرف تفاصيلها، يحسن التعبير عن مدينته، ويحس وصفها، في قصة "عهد" نجد العهد الذي يربط "محمود شقير" بالقدس: "ثمة لوحة على الجدار، زجاجة وبضع حبات من التفاح، وعلى الشريط أغنية: أحن إلى قهوة أمي، وفي الخارج مطر ينقر زجاج النوافذ. أمامه كأس من النبيذ، تنمو في صدره بلاد بعيدة، سور عتيق يغسله المطر، نوافذ خشبية مرنخة، قباب، مآذن وصلبان، تمر مصفحة في عرض الشارع، يتراشق من تحت عجلاتها رذاذ كثيف، تدوي أجراس الكنائس حزينة، إنه يوم الأحد، يتسرب عبر باب زجاجي، يحتسي نبيذ اللطرون، ويحلم بسماء صافية وشوارع ى تعكر صفوتها المصفحات. توقف المطر، غابت الصورة، عاد يحدق فبي اللوحة الصامتة، ذابت الأغنية، كم هو بعيد عن تلك البلاد!! عب كأس النبيذ دفعة واحدة، خرج إلى الشارع يراقب اندياح الماء كالذكريات ثم مال على صفصافة في القلب وكتب علة جذعها عهدا" ص31. تتحدث القصة عن مكانين، البيت الذي يسمع فيه أغنية "قهوة أمي"، والمطر الذي يفجر فيه الذكريات التي تأخذه إلى "بلاد بعيدة"، فالمطر هو الجامع بين المكانين، البيت الآن، والبلاد البعيدة، فكان "سور عتيق غسله المطر" بمثابة والدة جديدة للقاص، وكلنا يعلم أن الماء له قدسية "التعمد به، الاغتسال به" يخرج الإنسان من حالة دنيا إلى حالة عليا، فكريا ومعرفيا وأخلاقيا، وهذا ما جعل القاص (يتحرر) من بيته إلى "بلاد بعيدة" فتدفقت معرفته بطريقة تبدو عادية، لكنها عميقة، متناولا السور والنوافذ والقباب والمآذن والصلبان. واللافت أن اقاص لا يذكر القدس رغم مكانتها، وهذا يعود إلى أنه يتحدث عنها من مكان بعيد، فلا يريد أن يتعمق أكثر في تناولها، لكيلا تتعبه وتعمق جراحه، فكتفى بذكر أشياء فيها، كما أن الحالة (الرومنسية) التي يتذكر فيها البلاد البعيدة، لا تعطيه مساحة لتعمق أكثر في تقديم تفاصيل أخرى، وهذا ما أكده عندما تحدث بإيجاز عن "مصفحة"، فالبلاد البعيدة تحمل ذكرياتها حزينة ومؤلمة، ولا يريد أن يعكر صفة جوي "النبيذ والتفاح والأغنية واللوحة والمطر" والجميل في بنية القصة ربط الذكريات بالمطر، فالمقطع الثالث يتوقف فيه تدفق الذكريات مع توقف نزول المطر، "توقف المطر، غابت الصورة،" وهذا ينسجم مع (رمزية) المطر، سبب الحياة، لكنه هنا سبب إحياء الذكريات، التي بدت كالحبوب التي تنمو وتظهر بعد نزول المطر.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عبود الجابري والتماهي بين الإنسان والمكان
-
هدوء وجيه مسعود
-
صوت المرأة في مجموعة -ذاك الرجل وتلك الشجرة- مها أبو هلال
-
القصة الكلاسيكية في مجموعة -خبز الآخرين- محمود شقير
-
بنية القصيدة في -فوضى وضياع-/ -خرابيش- وجيه مسعود
-
ما زن دويكات وحجم السواد
-
كميل ابو حنيش -البرزخ-
-
أثر المكان في ديوان -لحن في حنجرة الريح- للشاعر سميح محسن *
-
الثقافة والكتابة وجيه مسعود -خرابيش, عن توفيق زياد, شعر-
-
التقديم الناعم في - دار شهله- وجيه مسعود
-
منهل مالك الكتابة والأنثى
-
الاتحاد والتماهي في نصّ -كل ذاك السِّوى- ل -فراس حج محمد-
-
السلاسة في -جلد على وهن- وجيه مسعود
-
المعرفة والروح في قصيدة -دلني يا حلم- كميل أبو حنيش
-
محمد مشية وعالم الومضة
-
وجيه مسعود الصعود والهبوط في -كم وددت-
-
الفلسطيني في رواية كلام على مصطبة ميت خالد أبو عجمي
-
التغييرات الفلسطينية في رواية -اغتراب- أسامة المغربي
-
اخناتون ونيفرتيتي الكنعانية صبحي فحماوي
-
خرابيش وجيه مسعود
المزيد.....
-
د. أحمد الشهري يشيد بـ-إيلاف- كأول صحيفة رقمية ويستعرض تحولا
...
-
وزير الدفاع الأمريكي يخط كلمة -كافر- باللغة العربية على ذراع
...
-
-مارفل- تحشد قائمة ضخمة من النجوم لفيلم -Avengers: Doomsday-
...
-
المخرج باسل الخطيب يعتذر عن عمادة المعهد السينمائي السوري
-
افتتاح أحدث مجمع مسرحي في روسيا
-
قصور الثقافة تعلن أسماء الفائزين في مسابقتي -مصر ترسم ومصر ت
...
-
حين يصبح الألم إبداعا.. سوسن شوربا التي حولت التمثيل إلى مقا
...
-
ثبت الآن تردد قناة روتانا سينما على القمر نايل سات وعرب سات
...
-
ثبت الآن تردد قناة روتانا سينما على القمر نايل سات وعرب سات
...
-
داوني جونيور وستيوارت وماكيلين أبرز العائدين إلى سلسلة أفلام
...
المزيد.....
-
تحت الركام
/ الشهبي أحمد
-
رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية
...
/ أكد الجبوري
-
نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر
...
/ د. سناء الشعلان
-
أدركها النسيان
/ سناء شعلان
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
-
اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110
/ وردة عطابي - إشراق عماري
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
المزيد.....
|