عادل عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 4534 - 2014 / 8 / 5 - 11:46
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هيجل و نيتشه
الصراع على هيراقليطس
عادل عبدالله
"إن العلاقة بين هيجل ونيتشه، هي العلاقة بين ’نعم’ تقبل كل شيء و ’لا’ ترفض كل شيء"
- أويغن فنك -
يقول هيدجر في أحدى دراساته عن هيراقليطس : "أن سياق التفكير عند المفكرين والكتاب المتأخرين، هو الذي يحدد اختيارهم لكلمات هيرقليطس وطريقتهم في اقتباسها وهو الذي يحدّد كذلك مجال تفسيرهم لها"( 1).
ولذا فـ" إن أصحاب النظر والبصيرة يعلمون أن هيرقليطس يتحدث إلى أفلاطون على نحو يختلف عن حديثه إلى أرسطو أو إلى احد آباء الكنيسة أو هيجل أو نيتشه"( 2).
ونحن نعتقد من جهتنا، أن استحضار هيدجر لمجموعة أسماء الفلاسفة أولئك، "أفلاطون، وأرسطو وآباء الكنيسة وهيجل ونيتشه" لم يكن عفويا أو مُساقا على سبيل المثال المجرد حسب, أي المثال الذي لا مصداق واقعي له، إنما نعتقد جازمين، أن اختلاف أولئك الفلاسفة في قراءتهم لكلمات هيرقليطس على نحو واقعي، هي التي مهّدت وسوّغت لهيدجر أن يضع تلك الأسماء كلّها في نصّه.
إذ إن قراءة أفلاطون لهيرقليطس كانت مختلفة حقا عن قراءة أرسطو له، مثلما هي مختلفة بطبيعة الحال عن القراءة اللاهوتية – المسيحية التي وضعها له كليمنت الاسكندري, بوصفه احد آباء الكنيسة، أما قراءة هيجل لهيرقليطس، فهي مختلفة بكل تأكيد عن قراءة نيتشه له، استناداً إلى مبدأ تأويل كل منهما "على طريقته للنص الهيرقليطي الموجود في شذراته.
أسوق هذه الملاحظة الأولية, لسببين: الأول هو من أجل أن لا يفاجأ القارئ أو يتّهم بالتناقض و الحيرة، حين يقرأ في هذا المبحث أو ذاك عن نيتشه ، احد تلك المبادئ الهيرقليطية التي تم له التعرف عليها لدى هيجل، بطريقة مختلفة وفهم مغاير لها، قد يصل إلى حد التناقض مع ذلك الفهم الذي تمت له قراءته لدى هيجل، أما السبب الآخر، فهو التعرف الأولي على طبيعة القراءة النيتشوية لهيرقليطس، قدر تعلق الأمر باختلافها عن قراءة هيجل، وهو الأمر الذي نريد التلميح من خلاله إلى عظمة مكنون شذرات هيرقليطس من حيث قدرتها على التفتح في "المختلف" في مبادئ اثنين من أعظم الفلاسفة الألمان، في العصر الحديث.
ولعلنا نستطيع إيجاز هذا الخلاف بين هيجل ونيتشه عبر القول إن " نيتشه في دراسته للفلسفة اليونانية والتاريخ القديم بصورة عامة، وقف على طرف النقيض مع العمل الذي أنجزه هيجل، سواء في نظرته وتفسيره للتاريخ عامة أو فهمه وتأويله للفلسفة اليونانية على وجه التحديد، ويظهر هذا التناقض بين المشروعين في أن نيتشه وصف وصفا تهكميا التأويل الهيجلي للتاريخ عندما قال هيجل عنه بأنه "مسيرة الله في الأرض" لأنه يمثل خطـّا ورواقا للروح ينتهي ويكتمل في ألمانيا أو إن شئنا الدقة في برلين"( 3).
بعبارة أكثر دقة "إذا كان هيجل يعتقد أن الروح انطلق من حيث انعدمت الحرية عند الشرق، والظهور الجزئي للحرية عند اليونان القدامى والانتشار الكلي في ألمانيا، فأن نيتشه يرفض هذا الفهم الذي يكبر ويكتمل كلما توجه نحو الحداثة، لان العكس هو الذي حدث تاريخيا حسب نيتشه"( 4).
ومن هنا نرى أن العديد من مؤلفات نيتشه تهاجم العقلانية الغربية بوصفها انحرافا عن المسار الصحيح لنوع العقلانية اليونانية التي كانت متحدة مع الحسي والواقعي في تناسق وانسجام أخّاذ كما سنتعرف على ذلك.
أما نوع الخلاف الآخر من بين مجموعة من خلافات أساسية شتى، فهو ما يتعلق بأحد المفاهيم التي تخص هيراقليطس، اعني "وحدة الكل"، أو علاقة الله بالإنسان، فإذا كان هيجل " قد ردم الهوة بين الفرد الإنسان تحت سلطة وقوة الروح الكلي والعقل، بمعنى، جعل التاريخ الإنساني ينطلق ابتداء من الله، فان رد نيتشه عليه قد اخذ مسارا آخر يقابله مقابلة النقيض للنقيض، حين عمل نيتشه على أنسنة التاريخ، وأنسنة الإنسان إلى جانب ذلك, أي إسقاط كل الزوائد التي علقت بالإنسان والتاريخ, مثل العقل والمنطق والنظام والدين المسيحي خصوصا واستعادة الأصل المتمثل في الإرادة والقوة والصراع والتكرار اللا هادف"( 5)،
باختصار شديد، إذا كان هيجل ونيتشه وهذه هي نقطة الاتفاق الأولي بينهما "يمثلان سوية الوعي التاريخي الذي يستدير ويفكر في ماضي الغرب برمته لقدر قيمته، وكلاهما يتخذان موقعيهما عن سابق تصميم في دائرة مفكري اليونان الأوائل، ويعود كلاهما إلى الأصول"( 6).
ثم كانا يتفقان من بعد في نقطة مفادها "كلاهما ينتميان إلى هيراكليتس"( 7) فان ما يختلفان به، وفيه، وعليه هو "إن العلاقة بين هيغل ونيتشه، فتلك القائمة بين ’نعم’ تقبل كل شيء و ’لا’ ترفض كل شيء"( 8).
فلئن "افلح هيجل في القيام بعمل تصوري جبار وذلك باستعادته فكرا كافة استحالات الفهم الإنساني للوجود وإدخالها جميعا في وحدة منظومته العليا، وجمعه سائر الموضوعات المتناقضة في تاريخ الميتافيزيقيا في تلك الوحدة وقيادة هذا التاريخ على هذا النحو إلى نتيجة ختامية"( 9). فان "ذلك التاريخ نفسه، في نظر نيتشه، لا يعدو كونه تاريخ ضلال دام طويلاً، وهو يشن عليه حربا عنيفة في هوى لا يعرف حداً ويوزع الشكوك والاتهامات في بغضه المجنون ومرارته اللاذعة"( 10).وهو نقد يذكّرنا بالنقد اللاذع الذي وجهه (كيركجورد) إلى هيجل كذلك.
لما تقدم كله، وتذكيرا بمضمون هذه الملاحظة الأولية التي دوّناها، أقول، إن مفاهيم أساسية ومبادئ كبرى، مما هو مشترك بين هيرقليطس وهيجل كالصيرورة، ووحدة الأضداد، والكل مما قد تم لنا التعرف عليه في نوع فهم خاص بها لدى هيجل، سنرى أن تلك المفاهيم الهيرقليطية أنفسها، قد وجدت لها معاني جديدة وتأويلات مغايرة تصل إلى حد التناقض في نوع القراءة النيتشوية مع قراءة هيجل لها.
هيجل – نيتشه
صلتا العقل والعاطفة
لم تكن صلة هيجل بهيرقليطس، مشوبة بأي نوع من العاطفة، كما أن جميع عبارات التوقير التي قالها بحقه، لم تكن في حقيقتها سوى احترام "معرفي" و إشادة "عقلية" فائقة بسلفه، بل أن أكثر عبارةَ توقير خصّ بها هيجل سلفه، وهي: "ما من عبارة قالها هيرقليطس إلا احتضنتها في منطقي" لم تكن في حقيقتها معبّرة سوى عن علاقة "منطقية" باردة بين الفيلسوفين، هذا، إذا غضضنا الطرف، عن صيغة التعالي الخفي التي ينسبها هيجل إلى نفسه في هذه العبارة، قدر تعلق الأمر، بصلة "منطق" هيرقليطس، بـ(منطقه)، اللفظة التي تشي بمنزلته العظيمة بالقياس إلى كل ما أُدخل هيجل فيها.
بعبارات أكثر قربا من قصدنا، إن هيجل لم يتحدث عن شخصية هيرقليطس، ولم يقل بشأن هذه الشخصية الفريدة, ومن خلال طرح نفسي تشوبه العاطفة والتضامن النفسي، - لا الموقف المعرفي- أي عبارة يمكن أن نفهم القصد هذا من خلالها.
إن السؤال الذي يتوجب طرحه الآن من خلال مضمون ما تقدم هو: هل كانت علاقة نيتشه بهيرقليطس، شبيهة بعلاقة هيجل به؟.
هل شاب هذه العلاقة نوع من العاطفة، والإعجاب الشخصي، بل والحب أيضا تجاه الشخصية التي اتخذها نيتشه بقصد مبيت، متعدد الإغراض, عونا وخلاصا ومصدرا أساسيا لفلسفته؟.
من خلال قراءاتنا الماضية سبق لنا التعرف على نوع الصلة "المعر فية" الفلسفية ، بين نيتشه وهيرقليطس، بحيث يمكن القول باطمئنان بالغ، أن هذه الصلة لم تكن عقلية فلسفية الطابع حسب، إنما كانت ايضا، صلة عاطفة وحب وغبطة وإعجاب منقطع النظير، من قبل نيتشه بهيرقليطس، بل إنها بعبارة جامعة، (صلة وجودية) تضم على نحو حميم، لا يمكن الفصل بين عنصريه، نوعي علاقة نيتشه به، اعني صلته الإنسانية النفسية الشخصية، صلة الحب والإعجاب والعاطفة والتعاطف من جهة، وصلة المعرفة التي تمثلت باستحضار نيتشه لجميع مبادئ فلسفة هيرقليطس في فلسفته.
فإذا كنا قد تعرفنا خلال قراءاتنا الماضية على نوع الصلة الثاني (المعرفي) فان نوع الصلة الأول – وهو الأكثر خفاء- يمكن الإشارة إليه عبر الفقرات الآتية:
أولا- إن كلاً من هيرقليطس ونيتشه، كانا قد كتبا فلسفتيهما بالطريقة نفسها، اعني الطريقة الرمزية التي يشتبك فيها الشعر بالفلسفة.
ثانيا- كان كلاهما ارستقراطياً في مواقفه السياسية، كارهاً للديمقراطية ومتجاوزاً لرأي العوام، غير معولٍ عليه في أيما مسألة معرفية أو سياسية، فإذا كنا نستطيع أن نستحضر هنا شاهداً من هيرقليطس، هو قوله: "إن رجلاً صالحاً عندي يساوي عشرة آلاف رجل إذا كان هو الأفضل". فان شاهدنا، أو شواهدنا من نيتشه، يصعب إحصاؤها في هذا الشأن، لكثرتها، ولذا نخص بالذكر منه، فصله "ما النبيل"؟ في كتابه ما وراء الخير والشر( 11)، وكتابه "أنساني مفرط في إنسانيته".( 12) وكتابه "أصل الأخلاق وفصلها".( 13) , يقول ديورانت, ناقلا عن نيتشه بعضا من مواقفه السياسية :
" إن الفضائل والقيم الارستقراطية آخذة في الانطفاء والاختفاء، لقد فقدت الحياة قيمتها عندما تخلينا عن أخلاق البطولة، وأخذنا بمبادئ المساواة والديمقراطية التي تكفر بعظماء الرجال".( 14)
مثلما كان كلاهما، مهتما بنوع الإنسان، لا بكثرة الناس، مفضلين الرجل القوي الحكيم على الآلاف سواه، كما مرّ بنا قول هيرقليطس، أما المسألة قدر تعلقها بنيتشه، فانه يصف نفسه بأنه "المتأمل المتوحد وصديق الألغاز".( 15) وكان "ينفر من الجماعة".( 16) وكان "يشكو من عجزه عن تحمل الناس الذين يعيش في ظهرانيهم ويعلن انه يصاب بجملة من إخطار عسر الهضم عندما يجلس إلى الطاولة ويأكل من الطعام الذي يأكل منه الناس العاديون".( 17)
ثالثا- كلاهما كان، متوحداً، معتزلا للناس، مضطهداً منهم، ومجافياً لهم .
رابعا- كلاهما قال باستحالة المعرفة وامتناعها على نحو كلي.
خامسا- كلاهما نظر إلى الوجود نظرة جمالية خالصة، بوصفه لعباً.
سادسا- كلاهما تمثل شخصية المعلم، والرسول المنقذ للبشرية، عبر نوع دعوة نبوئية رمزية، تعي على الدوام، الفارق بين صاحب الدعوة والمنتدب لاعتناقها، فلقد وضع نيتشه "نصب عينيه الكتب المقدسة عندما أبدع هذا العمل زرادشت ثم قال بأن الأجزاء الثلاثة الأولى منه أنجزت في عشرة أيام بمعنى أنها الهام خارق، وزرادشت يبشر بتعاليمه وهو في عمر المسيح ثم يرتقي الجبل ليلتقي بمريديه".( 18)
سابعا- كلاهما يمزج بين فلسفته وشخصيته وسلوكه، على نحو كلي.
فما الذي يمكن أن نستخلصه من كل ذلك، كنتيجة له؟ يبدو أن جملة اويغن فنك، "إن نيتشه يرجع إلى هيراكليتس ..أن أصل فلسفة نيتشه,إنما هو هيراكليتس" هي التعبير الأكثر توفيقا وقربا لوصف صحة العلاقة بين الفيلسوفين.
هل تسوّغ لنا هذه المقدمة كلها، السؤال حول، إمكان استبدال اسم (زرادشت) بـ(هيرقليطس) – كما أشرنا في مفالنا السابق المنشور في حوارنا المتمدن - ليصبح عنوان الكتاب الأكثر تعبيرا عن فلسفة نيتشه كلها، "هكذا تكلم هيرقليطس" بدلا من تسميته المثبتة على غلافه؟
ذلك لأننا كنا قد تعرفنا أولا، على مبادئ فلسفة هيرقليطس، متفتحة في نص نيتشه، وهذا تعبير مكافئ لقول فنك عن نيتشه "أن أصل فلسفة نيتشه,إنما هو هيراكليتس ". مثلما تعرفنا من بعد، عن أواصر القربى النفسية الشخصية، بين الفيلسوفين، وهذا التعبير مكافئ للشطر الآخر من العبارة " إن نيتشه يرجع إلى هيراكليتس"، ولما كان الكتاب الأكثر أهمية في فلسفة نيتشه هو كتابه (هكذا تكلم زرادشت) وكان وجه أهميته متأتٍ من كونه يعبر عن نيتشه أنسانا وفيلسوفاً، أصبح القول باستبدال عنوانه على وفق الطريقة التي افترضناها ممكناً.
- للمقال صلة قادمة -
الهوامش
(1 ) ينظر هيدجر: الشذرة 16، ضمن كتاب نداء الحقيقة، ص 364
( 2) المصدر نفسه: ص 370
( 3) عنيات، عبد الكريم: نيتشه والإغريق، إشكالية أصل الفلسفة منشورات الاختلاف، الرباط، دار الأمان، الرباط، 2010، ص 13
( 4) المصدر نفسه: ص 13
( 5) المصدر نفسه: ص 13
(6 ) فنك، أويغن: فلسفة نيتشه، ترجمة الياس بديوي، ص 4
( 7) المصدر نفسه: ص 4
( 8) المصدر نفسه: ص 4
( 9) فنك، أويغن: فلسفة نيتشه. ص 4
( 10) المصدر نفسه : ص4
( 11) ينظر، نيتشه، ما وراء الخير والشر، ترجمة حسّن بورقية, إفريقيا الشرق, الدار البيضاء, 2006. ص 243 وما بعدها.
( 12) ينظر نيتشه: إنساني مفرط في إنسانيته، ص 127، 193، من الجزء الأول و ص 199 – 200.
( 13) ينظر نيتشه: أصل الأخلاق وفصلها، ص 31، 32، 132.
( 14 ) ديورانت,وول: قصة الفلسفة, ص 529- 530.
( 15) شتاينر، رودولف: نيتشه مكافحا ضد عصره، ترجمة حسن صقر، دار الحصاد، دمشق 1998، ص 41.
( 16) المصدر نفسه: ص 55.
( 17) المصدر نفسه: ص 56.
( 18) المصدر نفسه: ص 31.
#عادل_عبدالله (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟