أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - علاء الزيدي - تاريخنا المجيد ليس تاريخنا !














المزيد.....

تاريخنا المجيد ليس تاريخنا !


علاء الزيدي

الحوار المتمدن-العدد: 1924 - 2007 / 5 / 23 - 09:36
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


زعق بي معلم التاريخ في الصف السادس الإبتدائي " عباس ديوان " صابـّا ً لعناته المتتالية على رأسي :
- لك شنو " إبن حَسْنـة " .. قابل هو زعطوط مثلك يلعب وياك ؟!
هذه الغضبة المُضَرية لم تصدر عن إنسان غارق في الورع والتقوى ، بل عن شخص كان مخموراً على الدوام ، حتى في صفوف الدراسة ، التي لم يكن يتورع عن ملء أرضياتها بالبصاق ، بين لحظة وأخرى ، دون اهتمام بنفسيات التلاميذ الصغار وصحتهم وتربيتهم ، ناهيك عن رائحة العَرَق " المْسَيـَّح " الرديء التي كانت تفوح من فمه ، وهو يدرِّس هؤلاء الصغار المساكين " تاريخهم " المجيد !
كل ّ جريمتي أنه سألني عن اسم ذلك الصحابي الذي " فتح " تلك البلاد ، فأجبت بأنه " شـرحبيل بن حَسْنة " – بتسكين السين وليس فتحها – ولم تكن تلك غلطتي . فاسم الصحابي إياه لم يكن مُشكـّلا ً ( مُحَرَّكا ً ) في كتاب التاريخ من الأساس . كما إن أحدا ً من أهلي وأفراد عائلتي وجيراني ومعارفي وأقاربي لم يكن يعرف هذا الصحابي ، ولم يرو ِ لي أحد أية قصة أو حكاية عنه .
تفتح هذه القصة أذهاننا على حقيقة مرة . و هي أن تلاميذنا وطلابنا يدرسون تاريخا ً ليست لهم علاقة به ، وشخصيات لايعرفونها ، وأحداثا ً لاتدخل في صلب اهتماماتهم أو تمثـّل شيئا ً مؤثرا ً في حياتهم الراهنة .
وإذا سألني سائل عن سبب هذا التخبط ، رددت على الفور بأنه المفكر السوري-التركي ساطع الحصري . فقد استـُقدِمَ هذا الرجل إلى العراق إبـّان تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي ، لوضع مناهج تتواءم وطبيعة تفكير المؤسسة الحاكمة ذات الرموز المستوردة ، ومن الطبيعي أن يفصـِّل الرجل مناهج على مقاسات السلطة ، التي لاتني تفتخر بكونها ممثلة أو وريثة شرعية لما تسمى بالثورة العربية الكبرى المنطلقة من الحجاز بدعم أوروبي أو بريطاني تحديدا ً . ومن هنا ، جاءت مناهج ساطع الحصري الدراسية مختصرة وموجزة لطبيعة تفكير السلطة الحاكمة آنذاك ، وهي سلطة عروبية لاعراقية و ذات قشور إسلاموية سنيـّة ، وكذلك أضفى الحصري المعبـّأ بالكراهية الطائفية التاريخية ، العثمانلية والشامية الأموية ، على تلك المناهج أبعادا ً أشد ّ طائفية ً وعنصرية ، وهكذا فقد جاءت المناهج غريبة عن واقع وتاريخ وطبيعة تفكير وتراث الغالبية من العراقيين . وربّما أمكن تلمـّس هذا الأمر بوضوح حتى في كتب القراءة للصفوف الدراسية الأولى في الإبتدائيات العراقية . فمن المستحيل أن تجد في هذه " القراءات " أسماء للشخوص تحاكي الواقع العراقي . ففي الوسط والجنوب ( وهو الشطر الأعظم من العراق ) تشيع أسماء مثل علي وحسين وحسن وعبد الحسين وعبد الحسن وعبد الكاظم وإلخ ... لكنك لاتجد في كتب القراءة إلا أسماء قدري ورازي ودينا ونازدار . ولو سلـّمنا بأن قدري من أصل تركي ودينا مسيحية ونازدار كردية فهل سمعت بعراقي اسمه رازي أو بازي ! إنها الطائفية والشوفينية العمياء التي تسللت حتى إلى التمثيليات والمسلسلات في العهود المقبورة ، حيث لتجد كل الأسماء الغريبة إلا أسماء غالبية العراقيين !
كان ساطع الحصري كتلة من المقت لكل ماهو شيعي وجعفري ، لذلك جاء تاريخنا وجغرافيتنا وحسابنا وكتابنا غريبة عنا وعن رموزنا الحقيقية التي نشأنا وشببنا على احترامها ورضعنا تقديرها وتكريمها مع الحليب . لاحظ مدى كراهية الحصري لنا من المثال التالي :
يذكر الصحفي العراقي الرائد رفائيل بطي في مذكراته التي جمعها وحققها نجله الدكتور فائق بطي تحت عنوان " ذاكرة عراقية " ( المدى ، ج1 ، ط2 ، ص 61-62 ) أن ساطع الحصري مدير المعارف العام يومذاك كان يمارس سلطة دكتاتورية في وزارة المعارف ، وحينما تم افتتاح كلية الحقوق ببغداد وتقدم إليها المئات من خريجي المدارس الخاصة الذين يحملون " تذاكر تصديق " تؤكد أن شهاداتهم تعادل الشهادة الثانوية ، ومنهم خريجو المدرسة الجعفرية في بغداد ، رفض الحصري التركي- السوري هذه التذاكر وركب رأسه معاندا ً حتى تدخّل البلاط الملكي وحسم الأمر بقبولها . ويضيف بطي بأنه كان يحمل أيضا " تذكرة تصديق " من أحد الآباء الدومنكيين تشهد بأنه أنجز دراسته في مدرسة الآباء الدومنكيين في الموصل ، فقصد الحصري سائلا ً إياه تقديره لتلك الشهادة ، فقال الحصري بملء فمه :
- إن التقويم العثماني الذي على منضدتي لسنة 1914 يعد ّ مدرسة الآباء الدومنكيين في الموصل من بين المدارس الإعدادية الراقية ذات الصفوف العشرة .
ويقول الراحل رفائيل بطي إن روعه هدأ بهذا الجواب وخرج من مكتب الحصري غانما ً !
إذن ، فسورة غضب الحصري إزاء " تذاكر التصديق " كانت مجرد مسرحية لمنع الشيعة الجعفرية من الوصول إلى دكـّة القضاء والمحاماة !
بهذه العقلية الضيقة وضعوا لنا المناهج الدراسية ، ولولا دم قلوبنا الذي صرفناه على شراء الكتب المتنوعة ، رغم فقرنا المدقع في الوسط والجنوب ، ونحن نعوم على بحار النفط التي كان ومازال يتنعم بملياراتها غيرنا ، ولولا المنابر والمجالس التي أنارت لنا الدروب المظلمة ، لخرجنا إلى دنيا العمل والحياة لانفرق بين الناقة والجمل كما كان شعب معاوية بن أبي سفيان !
لذلك ، فمن المهام الضرورية بعد توفير الأمن وتوفير المتطلبات الحياتية الأساسية للناس وإعادة الهيبة القانونية لا القسرية والتعسفية إلى الدولة ومؤسساتها ، إعداد ووضع مناهج دراسية منسجمة مع واقع الناس وتاريخهم الوطني الحقيقي . فربما كانت دراسة حياة وسيرة مناضلين وطنيين مثل يوسف سلمان يوسف " فهد " ومحمد سعيد الحبـّوبي وشعلان أبو الجون وغيرهم أهم ّ ألف مرة من دراسة شخصيات وهمية صنعتها الشوفينية والطائفية ، في محاولة منهما لتزيين وتجميل حقب الغزو والهيمنة الأجنبية .



#علاء_الزيدي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزعيم مداحا
- لطم وحدوي
- صدى السنين – إعترافات متطرف
- القتل الوردي .. ماركة بعثية مسجلة
- جمجمة وعظمتان !
- طائف ميت
- هل سيعي رئيس الوزراء الدرس الأردني ؟
- التاريخ الاسود يخرج لسانه لعباس الأبيض !
- عظام فخذ بطول عود الثقاب !
- طالبان في الشطرة
- الرجاء عدم التعرض للإخوة الإرهابيين !
- مات صدام غدا !
- دكتور إياد .. كيف تسمعني أجب !
- العراقي .. منفعل ..عصبي .. هائج
- البوابة الشرقية - بلا حارس أجير
- هل هي خاتمة أحزان العراقيين ؟
- ماذا جرى في المجر الكبير ؟ -- التليفزيون البريطاني .. شاهد ...
- حزب البعث العربي الإسراطيني !
- قد لا يعالج السرطان بالدعاء دائما
- التلازم اللاشعوري بين الجلبي وقص الاذن !


المزيد.....




- بالأسماء.. دول عربية بقائمة التعرفة الجديدة لترامب.. إليكم ا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن قصف الجنوب السوري ويحذر: لن نسمح بوجود ...
- انتشال رجل من تحت أنقاض فندق في ميانمار بعد خمسة أيام من الز ...
- مفاجأة.. أوباما يظهر بالصدفة في خلفية صورة طفلين في الشارع! ...
- المفوضية الأوروبية تناقش سبل الرد على رسوم ترامب الجمركية
- أول تعليق صيني على رسوم ترامب الجمركية
- الأعاصير تجتاح جنوب ووسط الغرب الأمريكي (فيديو)
- اليمن.. 6 قتلى بغارات أمريكية جديدة
- الصين تطور طائرة ركاب -صامتة- أسرع من الصوت!
- رغم مذكرة توقيفه من الجنائية الدولية.. نتنياهو يصل هنغاريا ( ...


المزيد.....

- الانسان في فجر الحضارة / مالك ابوعليا
- مسألة أصل ثقافات العصر الحجري في شمال القسم الأوروبي من الات ... / مالك ابوعليا
- مسرح الطفل وفنتازيا التكوين المعرفي بين الخيال الاسترجاعي وا ... / أبو الحسن سلام
- تاريخ البشرية القديم / مالك ابوعليا
- تراث بحزاني النسخة الاخيرة / ممتاز حسين خلو
- فى الأسطورة العرقية اليهودية / سعيد العليمى
- غورباتشوف والانهيار السوفيتي / دلير زنكنة
- الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة / نايف سلوم
- الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية / زينب محمد عبد الرحيم
- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - علاء الزيدي - تاريخنا المجيد ليس تاريخنا !