أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - البابا تواضروس… كل سنة وأنت طيب














المزيد.....

البابا تواضروس… كل سنة وأنت طيب


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 12:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

ليس أقسى على الأوطان من أن ينجح أحدٌ في غرس بذور الشتات بين أبنائها وإقناعهم بأنهم غرباءُ بعضهم عن بعض. وليس أجملَ من رجلٍ يقف في وجه تلك الفكرة، لا بسيفٍ ولا بخصومة، بل بكلمةٍ محبة تُعيدُ الناسَ إلى بديهيتهم الأولى: أنهم أبناء بيتٍ واحد، وأبٍ واحد.

يوم ٤ نوفمبر، حلّ عيد ميلاد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. وفي هذا اليوم، لا أريد أن أكتب عن الصيدلاني المثقف الذي صار البابا رقم ١١٨ في تاريخ مصر الحافل بباباوات أجلاء أثبتوا وطنيتهم في المحكّات والمحن، بل أكتب عن رجلٍ جعل من الانتماء إلى مصر موقفًا حاسمًا لا يحتمل المساومة، وصنع من المحبة رسالةً تتجاوز أسوار الكنائس لسائر بيوت مصر، وأرسى من وحدة المصريين قضيةً وطنية لا تخصُّ المسلمين وحدهم ولا المسيحيين وحدهم، بل تخصُّ مصر.

"وطنٌ بلا كنائسَ أفضل من كنائسَ بلا وطن"، عبارةٌ خالدة قالها قداسة البابا تواضروس، ودوّنها التاريخ. عبارةٌ سجّلت فلسفته الوطنية وموقفه من الإرهاب الإخواني عام ٢٠١٣ الذي ضرب الكنائس واستهدف أشقاءنا المسيحيين في صلواتهم ومناسباتهم الدينية وحتى في حفلات أعراسهم. تلك الاعتداءات الصعبة التي أسفرت عن نيران التهمت دور العبادة، كان من الممكن أن تتحول إلى لهيب يكوي صدور الناس؛ لولا حكمة هذا الرجل النبيل التي نجحت في إطفاء الحريق قبل أن يمتد إلى النفوس؛ حتى إننا شهدنا بعيوننا ثكالى مسيحيات يغفرن للإرهابيين قتلة بناتهن وأبنائهن، ويدعون لهم. تلك معجزة مسيحيي مصر الملغزة العصيّة على الفهم؛ لكنها تطبيقٌ دقيق لوصية السيد المسيح عليه السلام: “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”. كافح البابا من أجل الحفاظ على الوطن؛ فالمبنى، مهما بلغت قداسته، يمكن إعادة بنائه، أما الوطن إذا انهار فأحجار الكون لا تكفي لإعادته. وشرح البابا تلك الفكرة بوضوح، فقال: الكنيسة تُبنى من الطوب والحجارة، أما الوطن فهو الناس، وإذا ضاع الوطن، كيف نستعيده؟!

تلك العبارة الخالدة لم تكن محض حكمة بلاغية جميلة؛ بل كانت موقفًا عمليًّا في لحظة مفصلية شديدة الخطورة. ففي الوقت الذي كان الإرهاب يحاول فيه جرّ المصريين إلى فخّ التناحر والانتقام المتبادل، دعا البابا أبناءه إلى ضبط النفس، ورفض أن تتحول آلامُ الأقباط إلى وقودٍ لفتنةٍ محققة أرادها أعداءُ مصر. فقد أدرك بحكمته أن المتطرف لا يروم إحراق مبنى الكنيسة؛ بل قصد إحراق الجسر الذي يصل بين المصريين، وتمزيق جسد مصر.

وفي ٣ يوليو ٢٠١٣، وقف قداسة "البابا تواضروس" إلى جوار فضيلة شيخ الأزهر الدكتور "أحمد الطيب"، وممثلي القوى الوطنية، في مشهد إعلان خريطة الطريق. وكان اصطفافًا وطنيًّا يقول إن مصر وطنٌ لا ينهض إلا بجميع أبنائه، وأن مصيرها أكبرُ من التباين الطائفي أو الخلاف السياسي. فحين تكون مصر هي القضية، لا تعود وحدة المصريين شعارًا احتفاليًّا، بل مسؤولية تاريخية.

في لقائه بالمستشارة الألمانية "آنجيلا ميركل" في مارس ٢٠١٧، وحين سألته عن أحوال المسيحيين في مصر وهل يعانون من الاضطهاد، تحدث عن علاقة المسلمين والمسيحيين بوصفها علاقة محبةٍ وتاريخٍ مشترك وتعاونٍ اجتماعي ومصير مشترك، وأن المشاكل التي تنشأ من الفقر والجهل والازدحام، لا تفرِّق بين مسلم ومسيحي، وعلى الأسرة المصرية مواجهتها معًا يدًا بيد، شعبًا ودولة. هنا تبرز الفلسفة الوطنية لهذا الرجل العظيم؛ فأن تحب وطنك لا يعني أن تنكر أزماته، بل أن ترفض تحويل مشاكله إلى سلاحٍ في يد خصومه يروم هدمه.

وفي عام ٢٠١٦، حين تصاعدت الاعتداءات الطائفية في "المنيا"، حذّر البابا من استغلال الأحداث لضرب الوحدة الوطنية، وقال إن هدف مرتكبي تلك الجرائم هو تدمير البلاد. تألم على شهداء شعبه، مثلما تألم ذووهم، لكنه حذرهم من أن يسمحوا للألم بأن يقودهم إلى الكراهية.

والحقُّ أن مواقفه الوطنية المشهودة، من العسير رصدها في مقال. لهذا أكتفي، في عيد ميلاده، بأن أتمنى لقداسته الصحة ودوام العطاء ونثر زهور المحبة. أحيّي فيه رجلًا لم ينسَ أن للكنيسة المصرية دورًا وطنيًّا مثلما لها دور روحي، وأن أجراسها لا تعلو على صوت الوطن، بل تنبض في قلبه. وأدعو الله تعالى أن تكون المحبة فعلًا يوميًّا بين المصريين، لا عبارة نرددها في المناسبات. فالمحبة ليست أن نتشابه، بل أن نختلف دون أن نهدم البيت الذي يجمعنا. وأن نعرف أن جرح جارنا ليس انتصارًا لنا، وأن حريق داره لا يضيء دارنا. نختلف في صلواتنا، ونتحد في مصيرنا.

مقامُ الشِّعر:
إذا استوطنَ الحبُّ القلوبَ، تهاوت على عتباتِها أسوارُ الطوائفِ، وصارَ الوطنُ محرابًا ومذبحا.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صلاتان إلى سماء واحدة
- صعوبات التعلم... أم (صعوباط) التعلّم؟!
- -منتدى مصر-…وسؤال الغد
- جريمة على طرف اللسان
- “فجأةً- … في -مهرجان الجونة-
- نظرية الغباء
- قلبي يُحلِّقُ... فوق سفح الهرم!
- “نجيب محفوظ-… تاجٌ ونصلٌ... وخلود
- “شعبان يوسف-… غارسُ الزيتون
- حكاية الورقة الأولى
- -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات
- الشارعُ … مقياسُ الحضارة
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!


المزيد.....




- اليهود الشرقيون والليكود.. لماذا تفوق نتنياهو على آيزنكوت؟
- الأوقاف: 26 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان بالإبراهيمي 130 مرة و ...
- إيهود باراك يدعو آيزنكوت للإسراع بتشكيل الحكومة وإسقاط نتنيا ...
- أكتوبر.. 26 اقتحاما إسرائيليا للأقصى ومنع الأذان بالإبراهيمي ...
- القوى الوطنية والإسلامية بخانيونس تطالب بدخول اللجنة الإداري ...
- تقرير رسمي يوثق تصاعد اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى وا ...
- مفتي سلطنة عمان يدعو الأمة الإسلامية لإغاثة غزة عقب السيول ا ...
- النزاهة: الحبس سنة لمحمد الصيهود وإلزامه برد وغرامة تتجاوز 5 ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- البحرين تؤجل الأحكام ضد رجال الدين الشيعة وسط انتقادات واحتج ...


المزيد.....

- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ... / عبدالله الفكي البشير
- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - البابا تواضروس… كل سنة وأنت طيب