أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خميس بن محمد عرفاوي - صناعة القانون في تونس زمن الاستعمار الفرنسي : التشريع الرادع للجرائم السياسية نموذجًا















المزيد.....

صناعة القانون في تونس زمن الاستعمار الفرنسي : التشريع الرادع للجرائم السياسية نموذجًا


خميس بن محمد عرفاوي
(Arfaoui Khemais)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 15:02
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يعود الكثير من التشريعات المعمول بها حاليا في البلاد التونسيّة إلى عهد الاستعمار الفرنسي. وقد عهد بإعداد القوانين والأوامر قبل سنة 1910، إلى الكتابة العامة للحكومة التونسيّة. وأُحدثت في هذه السنة الكتابة العامة للعدلية، وعُيّن على رأسها برنار روا (Bernard Roy) الكاتب العام السابق للحكومة التونسيّة (توفي سنة 1919)، الذي عُهد إليه بالإشراف على مختلف اللجان المحدثة لإعداد القوانين التونسية، وعلى إدارة الشؤون العدليّة الأهليّة، وكذلك بعرض القوانين والأوامر والأنظمة المتعلقة بالقانون المدني والقانون التجاري والقانون الجزائي ونشرها.
بماذا توّج هذا العمل؟ وقع إصدار أربع مجلات قانونية، وهي: مجلة العقود والالتزامات (1906)، ومجلّة المرافعات المدنيّة (1910)، والمجلة الجنائيّة (1913)، ومجلّة المرافعات الجنائيّة (1921). وعلاوة على ذلك، استصدرت بواسطة الأوامر العليّة جملة من النصوص، منها ما يتعلق بردع الجرائم السياسية. والتشريع في هذه المادة هو الذي يعنينا في هذه الورقة.
يمثّل هذا التشريع نسخة من التشريع الفرنسي، خلافًا لبقيّة المجالات القانونيّة التي يُعتبر فيها النظام التشريعي مختلطًا. ففي هذا المجال، وقع نقل القوانين الفرنسيّة وتطبيقها حسب الظروف الخاصة بالبلاد التونسيّة (1). وهذا ما يستدعي منّا تتبّع أصول التشريع التونسي المتعلق بردع الجرائم السياسيّة قبل الخوض فيه مباشرة.

1) الأصول التشريعيّة

اعتمد المشرع في صياغة التشريعات المتعلقة بردع الجريمة السياسيّة على التشريعات المحليّة وعلى القوانين الفرنسية.

أ – في التشريع المحلي ما ينصّ على ردع الجرائم السياسيّة

ليس هناك نصوص قانونيّة يُستند إليها للحكم في القضايا السياسيّة قبل انتصاب الحماية إلاّ الفصلين 232 و 237 من "قانون الجنايات الجاريّة أحكامه على من بمملكة تونس من المخلوقات"، الصادر سنة 1861. إنّ ذلك القانون متأثّر بالقوانين الحديثة من ناحية أنه يتميّز بتلطيف عام للعقوبات. ولكنه احتفظ ضمنيّا بالنظام العقابي الإسلامي في مجال ما يعرف بالبغي. فالفصل 232 يكتفي بالتنصيص على معاقبة الترغيب في البغي أي في الخروج عن الحاكم المسلم. وحسب الفقهاء فإن عقوبة البغي هي القتل استنتاجا ممّا ورد في سورة الحجرات: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله﴾ (الآية 9). وعلى هذا الأساس، فإنّ الفصل 237 يعاقب بالقتل الباغي وصاحب الفتنة اللذين يتسبّبان في إزعاج ما يعرف في العهد المعاصر بالراحة العامة.
غير أنّ العمل بهذا القانون لم يدم طويلا إذ أصدر الباي أمرًا سنة 1864 الذي أوقف العمل بالمؤسسات المنبثقة عن إصلاحات 1861 وسلك في ردع خصومه والثائرين ضدّه مسلك التعسّف والجور. وبذلك فإنّ التشريع التونسي الحديث المتعلّق بردع الجريمة السياسيّة صيغ في عهد "الحماية". وقد تمّ ذلك انطلاقا من التشريعات الفرنسيّة المتجسّدة خاصة في المجلّة الجنائيّة وبعض القوانين المتعلّقة بالحريّات العامة والمتمثلة في قانون الصحافة (1881) وقانون الاجتماعات (1881) والتشريعات المتعلقة بالجمعيات (1901) والتجمهر.
ونظرا لكثافة المادة وتعقدها سنركز على المجلة الجنائيّة التي تمثل التشريع الأساسي في مجال ردع الجريمة السياسية.

ب - المجلة الجنائيّة الفرنسيّة هي مصدر التشريع الجزائي في تونس

تعود هذه المجلة إلى قانون الجنايات الصادر في عهد نابليون بونابرت، سنة 1810 وهي تمثّل مصدر التشريع التونسي المتعلّق بردع الاعتداءات على أمن الدولة الخارجي والداخلي. فهي تحمي ما يسميه أحد الكتاب استقلال الدولة، في فصولها 75 إلى 85 الرادعة للجنايات والجنح المرتكبة ضدّ أمن الدولة الخارجي. ويمكن أن نجمع هذه الجرائم في أربع مجموعات: الخيانة، التجسّس، الإضرار بالدفاع الوطني والنيل من الأمن القومي. أمّا "حماية النظام السياسي" فهي من مشمولات الفصول 86 إلى 101 التي تعاقب مرتكبي الجنايات والجنح المقترفة ضدّ أمن الدولة الداخلي. تتعلّق المجموعة الأولى من هذه الجرائم بالاعتداءات على ولي الأمر وعلى أفراد أسرته. وقد ألغيت هذه الجرائم ضمنيّا بحكم حلول الجمهوريّة الثالثة وأصبحت حماية حياة رئيس الجمهوريّة وأفراد أسرته من مشمولات الحق العام باعتبارهم أفرادا.
وتتمثّل بقيّة الجرائم ضدّ أمن الدولة الداخلي في: الاعتداء والمؤامرة والاستعمال غير الشرعي للقوّة العامة والنيل من الوحدة الترابيّة والجرائم المرتكبة بواسطة القتل والتخريب وأخيرا المشاركة في انتفاضة. كما تعاقب المجلّة الجنائيّة جرائم أخرى أخذ بها المشرّع في تونس ويمكن اعتبارها ذات طابع سياسي وهي: تكتّل الموظفين والتمرّد والجمعيّات والاجتماعات غير المرخّص فيها والتجمهر المسلح.
يبدو القانون الجنائي الفرنسي محافظا على طابعه القديم المتّسم بالقسوة والمجسّد لإرادة الحكم الديكتاتوري. فالعقوبات التي كان ينصّ عليها لردع الجرائم السياسيّة ترهيبيّة تقوم على التضحيّة بمن يعتبر منحرفا لترهيب الآخرين. فهي تجسيد لفكرة المنفعة أو المصلحة الاجتماعيّة (l utilité sociale). وقد سبق أن ندد النائب "فكتور هيغو" بذلك الطابع بقوله: "لم يكن للقانون الجزائي إلاّ غاية واحدة ووحيدة هي حماية المجتمع. وهنا تكمن نظريّة علماء الإجرام بأكملها. كلّ شيء يكمن في تقديم نماذج. إنّ العقوبة الجيّدة تقاس بحدّ الترهيب الذي تقرره. وبهذا تصبح العقوبة الأكثر ترهيبا هي الأفضل...".
ورغم أن العقوبات القاسيّة كالحكم بالموت أو بالأشغال الشاقة قد ألغيت في ما يتعلق بجرائم الاعتداء على أمن الدولة إلى جانب عناصر التلطيف الأخرى، فإنّ شلّ المعارضين يبدو هو الغاية الأساسيّة من النظام الجزائي الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وخلافا لشدّة القانون الجنائي، فإنّ النصوص المنظمة للحريات العامة التّي سبق ذكرها والصادرة في بداية عهد الجمهوريّة الثالثة، تجسّد النزعة الليبراليّة في المجال السياسي وتعتمد السجن كعقوبة رئيسية.
فماذا نقلت السلط الاستعماريّة إلى تونس وهل حافظت على النصوص المنقولة كما هو؟

2) التشريع المتعلّق بردع جرائم الاعتداء على أمن الدولة في تونس

أ‌- صلاحيات المحاكم الفرنسيّة في تونس

أدخل التشريع الفرنسي الخاص بالمادة المذكورة إلى تونس منذ 1883 مع تنظيم المحاكم الفرنسيّة بها. تنظر تلك المحاكم في القضايا التي تحدث بين الفرنسيين والمتمتعين بالحماية الفرنسيّة وكذلك الأوروبيين. وقد وسّع أمر 2 سبتمبر 1885 في صلاحياتها على القضايا المتعلقة بالتونسيين في بعض الحالات من بينها حالة ارتكاب جرائم ضدّ أمن الدولة بواسطة الصحافة. فقد نصّ قانون الصحافة لسنة 1881 الذي أصبح ساري المفعول في البلاد التونسيّة بمقتضى أمر 14 أكتوبر 1884، على أنّ التحريض بواسطة القول أو الكتابة من أجل ارتكاب إحدى الجرائم ضدّ أمن الدولة الخارجي والداخلي المقرّرة في الفصل 75 وما بعده إلى غاية الفصل 101 من المجلة الجنائيّة الفرنسيّة وغير المتبوعة بفعل، يعاقب، باعتباره تواطؤا، بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنتين.

ب‌- إصدار المجلة الجنائيّة التونسيّة

وقد تمّت «تونسة» الفصول 75 إلى 101 من المجلة الجنائيّة الفرنسيّة ضمن المجلة الجنائيّة الصادرة سنة 1913. فهذه المجلة تعاقب الاعتداءات على أمن الدولة الخارجي في فصولها 60 إلى 62 وتعاقب الاعتداءات على أمن الدولة الداخلي في فصولها 63 إلى غاية الفصل 81. وتتجسّد "التونسة" في العناصر التالية:
أوّلًا- المحافظة على التشريع والتقاليد المحليين: نصّت المجلة الجنائيّة التونسيّة على معاقبة الاعتداءات ضدّ حياة "الأمير" أو أحد أفراد عائلته والاعتداءات على كرامتهما وشرفهما ضمن باب الاعتداءات على أمن الدولة الداخلي.
ثانيًا- ابتكار جرائم "خاصة" نصّ عليها الفصل 81 يتمثل أوّلها في التحريض بواسطة الكتابة أو الفعل أو القول على "بغض أو احتقار الأمير أو الحكومة أو الإدارة الدوليّة". وتتمثّل الجريمة الخاصة الثانية في "إثارة الغضب في الناس بكيفيّة محيّرة للأمن العام". وأخيرا فإنّ "حمل الناس على عدم الانقياد لقوانين البلاد" جريمة خاصّة ثالثة، عقوبتها مثل الجريمتين الأخريين، ثابتة، تتمثّل في خمس سنوات سجنا وخطية. وبذلك فإن الفصل المذكور يحجر النقد ويحمي نظام "الحماية" والمصالح الاستعمارية.
ثالثًا- تشديد العقوبات: لا تميّز المجلة الجنائيّة التونسيّة الاعتداءات على أمن الدولة الخارجي والداخلي بمعاملة خاصة وبسلّم عقوبات خاص بل إن الطابع السياسي يبدو عامل تشديد للعقوبة.

ت‌- عقوبات المجلة الجنائيّة التونسية

وهكذا فإن المجلة نصّت على عقوبات مشدّدة. فقد قررت تسليط عقوبة القتل في كل حالات الاعتداء على أمن الدولة الخارجي وفي بعض حالات الاعتداء على أمن الدولة الداخلي وهي الاعتداءات على حياة الأمير أو أحد أفراد أسرته إذا توفي وكذلك الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح وإثارة الهرج والقتل والسلب في التراب التونسي. أمّا العقوبة الشديدة الثانية التي يعاقب بها القانون الجنائي التونسي بعض الاعتداءات على أمن الدولة الداخلي فهي الأشغال الشاقة المؤبّدة أو لمدّة معيّنة وهي عقوبة مهينة، خاصة بجرائم الحق العام. وزيادة على ذلك تنص المجلة على عقوبات ألطف وهي: النفي والسجن لمدة معيّنة.
وبالتالي فإنّ المشرّع في تونس عامل المعارض المتّهم في قضيّة سياسيّة بقسوة تفوق معاملة المجرم العادي، لا سيّما أنّ العقوبات الرئيسيّة المقرّرة في مادة الجنايات والجنح السياسيّة ثابتة لا تتضمن نهايات كبرى ونهايات صغرى ولا سلم خاص في ظروف التخفيف وذلك إلى حدود سنة 1923(1).

ث‌- الأوامر الجائرة (Les décrets scélérats)

لعدة اعتبارات(3) أصدرت حكومة الحماية أمري 29 جانفي 1926 المعروفين بالأوامر الجائرة أو الآثمة وهما الأمر المتعلق بزجر الجنايات والجنح السياسيّة والأمر المنقّح للتشريع المتعلّق بالصحافة.
إنّ هذين الأمرين يجسّدان مثالا بارزا للقانون الاستعماري في مستوى التشريع ومستوى القضاء. فمن الناحية التشريعيّة عرّف الأمر المتعلق بزجر الجنايات والجنح السياسيّة بهذه الجرائم وقدّم قائمة فيها. أما التعديلات الأكثر أهميّة فتتمثل في إلغاء الفصول 60 إلى 81 والفصل 107 من المجلة الجنائيّة التونسيّة وتطبيق نصوص المجلة الجنائيّة الفرنسيّة الرادعة للاعتداءات ضدّ أمن الدولة الخارجي والداخلي. ونقل الأمر المذكور نصّ الفصل 81 الذي تحدثنا عنه مضيفا إليه ما يفيد جريمة الهمس أو "التشويش". فالفصل الرابع من أمر 1926 يعاقب مرتكبي الأفعال التي تضمنها الفصل 81 سواء كانت "لدى العموم أو لا"، أي أنه يجرّم الأفعال التي لا يتوفر فيها عنصر الإشهار مثل حديث بين شخصين أو المسارة.
كما نقل أمر 1926 العقوبات المنصوص عليها في المجلة الجنائيّة التونسية. وهي كما رأينا، عقوبات صارمة، ولكن الجديد في أمر 1926 أنّه كرّس مفهوم الجريمة السياسيّة ولعل أهم ما جاء به هذا الأمر هو نقل الحكم في تلك القضايا من القضاء الأهلي إلى المحاكم الفرنسية. ونظرا إلى أنه يعيّن الجرائم ذات الطابع السياسي فإن هذا التعيين يفيد خاصة الدفاع ويفترض نظام السجن السياسي. ومن ناحية أخرى ينص أمر 1926 في الفصل السابع على تطبيق الفصل 463 من المجلة الجنائيّة الفرنسيّة المتعلّق بظروف التخفيف على الجرائم المعينة. كما لا يخفى أن العقوبات التي ينصّ عليها القانون الفرنسي ملطّفة في القضايا السياسية. وبالتالي فإنّ الأمر الجديد لم ينقل من المجلة الجنائيّة التونسيّة إلاّ العقوبات الرادعة للاعتداءات ضدّ الأمير أو أفراد عائلته وكذلك العقوبات المشلّة الرادعة للجرائم الخاصة التي أتينا على ذكرها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ القانون الجزائي الفرنسي وتبعا لذلك القانون الجزائي التونسي شهدا تحويرات مع اقتراب الحرب العالميّة الثانية. من ذلك ردع الدعاية الأجنبيّة فكلّ من تلقّى مباشرة أو بصفة غير مباشرة مبالغ من أطراف أجنبيّة وباشر دعاية سياسية، يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات وبالخطيّة من 1000 إلى 10.000 فرنك. ويمكن الحكم زيادة على ذلك بالتجريد من كل الحقوق المدنيّة والعائليّة أو بعضها لمدة أدناها خمس سنوات وأقصاها عشر سنوات.

ونشير إلى أنّه علاوة على المجلة الجنائية استصدرت السلط الاستعماريّة أمر 14 أكتوبر 1884 حول الصحافة وأمر 13 مارس 1905 المتعلق بالاجتماعات وأمر 15 سبتمبر 1888 المتعلق بالجمعيات وأمر 5 أفريل 1905 المتعلق بالتجمهر.

ج‌- جرائم الحق العام ذات الطابع السياسي

علاوة على الردع بواسطة التشريعات المتعلقة بالجنايات والجنح والمخالفات السياسيّة، حاكمت سلط الحماية القوى الوطنيّة والديمقراطيّة بمقتضى نصوص جزائيّة تتعلّق بردع جرائم الحق العام. ولا شكّ أنّ لهذه المحاكمات طابعا سياسيّا، إذا نُظر إلى الجنايات والجنح والمخالفات من حيث الدوافع الكامنة وراء ارتكابها والمقاصد التي يرمي المتعدّون إلى تحقيقها وأخيرا الظروف التي ارتكبت فيها التعديات أو أجريت خلالها التتبّعات. وفي الكثير من الحالات، فإن جرائم الحقّ العام تكون تابعة لجرائم سياسيّة (Délit connexe). وقد وردت هذه النصوص في المجلّة الجنائيّة نذكر منها ما يتعلق بالعصيان وبتشارك المفسدين وبتعطيل حريّة العمل وبإفساد أو هدم هياكل أو أشياء وبقتل النفس والنهب والسرقة والإضرار بملك الغير والحريق.
ووردت نصوص أخرى في أوامر نشرت على حدة وهي: الأسلحة والاكتتابات الماليّة.

ح‌- مصير التشريع المتعلق بردع الجريمة السياسيّة بعد سنة 1956

أُلغي أمر 1926 وأُعيد إدراج الفصول الملغاة في المجلة الجنائيّة التونسيّة سنة 1955، وأُحيل النظر فيها إلى المحاكم التونسيّة (أمر 8 ديسمبر 1955). وأُدخلت تنقيحات على بعضها، وعلى غرار ما حدث للمجلة الجنائيّة الفرنسيّة أُبطل العمل ببعضها الآخر، وهي الفصلان 65 و66 المتعلقان بالاعتداءات التي تستهدف أعضاء عائلة الأمير، والفصل 81 الذي نصّ على الجرائم «الخاصة» التي تعرّضنا لها سابقًا، بينما حافظ الفصل 67 على معاقبة الاعتداء على رئيس الدولة دون أعضاء عائلته. على أنّ معاقبة الجنح التي تستهدف الأفراد، مهما كانت صفتهم، هي من مشمولات مجلة الصحافة والحق العام. ويبدو أنّ النتيجة المباشرة للتغييرات المذكورة هي إلغاء الضمانات القانونيّة المتعلقة بالجريمة السياسيّة في مختلف مراحل القضيّة وأثناء قضاء العقوبة. وهذا ما جعل بعض مجموعات المساجين لأسباب سياسيّة يطالبون في السبعينيات بسنّ قانون خاص بالسجين السياسي.

الخاتمة

كيف يمكن أن نقيم التشريع التونسي المتعلّق بردع الجنايات والجنح السياسية، الذي سنّته سلط الحماية؟ هناك من يرى أنه يمثل تجاوزا للعادات السياسيّة السائدة قبل 1881 إذ قيّد السلطة السياسيّة بالشرعيّة القانونيّة وحكّم المؤسسة القضائيّة في الصراعات السياسية. ويبدو هذا التشريع نقلا لنظام الحقّ الخاص بالمجتمعات الديمقراطيّة الليبراليّة والمجسّد للمركزيّة السياسيّة واحتكار العقاب من قبل الدولة. ولكن التشريع التونسي له طابع خصوصي، فهو لا يضمن حقّ الأفراد أو المجموعات في الاستقلاليّة ولا يعترف بالفرديّة القانونيّة أي أنه لم يوضع لحماية حقوق الفرد وحرياته.
وزيادة على هذا التناقض، فإنّ نظام الحماية لم يقتصر على ردع المعارضين للنظام الاستعماري بواسطة القضاء العدلي، بل وظّف مجالات أخرى منها القضاء الإداري الذي يمنح لممثلي السلط العليا صلاحيات لتقرير اعتقال المعارضين أو الحدّ من حريتهم الفردية بإبعادهم ووضعهم تحت المراقبة الإدارية. ومنها أيضا القضاء العسكري المعروف بصرامته وبأحكامه التي لا تراعي الإجراءات كثيرًا.
وبالعودة إلى الحاضر، تبرز الحاجة إلى مراجعة المجلة الجزائية(4) التي عفا عليها الزمن، وتحديث الفصول المتعلقة بالاعتداءات على أمن الدولة، وإلى الإقرار بصفة السجين السياسي.

الهوامش:

1- - هناك ظرفان أساسيان أثّرا في محتوى التشريع التونسي المتعلّق بردع الجرائم السياسية، وهما: خضوع البلاد التونسيّة للاستعمار الفرنسي المباشر، والمحافظة على سلطة الباي وحمايته من «الأخطار الداخليّة والخارجية»، وفق ما نصت عليه اتفاقيّة المرسى سنة 1883.
2- نشير إلى أنّ أمر 15 سبتمبر 1923 المعدّل لبعض فصول المجلّة الجنائيّة، ضبط نهايات صغرى وقرّر تطبيق ظروف التخفيف على العقوبات التّي يمكن أن تحطّ بدرجتين. كما أنّه خوّل للقاضي تمتيع المحكوم في جنحة بتأجيل التنفيذ.
3- يتمثّل أهمّ الأسباب للتعجيل بنقل النظر في القضايا السياسيّة إلى المحاكم الفرنسيّة فيما لاحظته السلط الاستعماريّة من تساهل في الأحكام التي كانت تسلّطها المحاكم الأهليّة على مرتكبي الجنح والمخالفات من النشطاء السياسيين والنقابيين والعمال التونسيين الراجعين إليها بالنظر.
4- تم تغيير عنوان المجلة الجنائية إلى المجلة الجزائية سنة 2005.



#خميس_بن_محمد_عرفاوي (هاشتاغ)       Arfaoui_Khemais#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار حول كتابي جذور القضاء العدلي في تونس (1881-1956)
- كلمة في حق الأستاذة نعيمة الرياحي
- الشيوعيّون ومسألة التحالفات تجربة الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ نم ...
- تصريح السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز
- واقع الحركة النقابية في تونس ومستقبل العمل النقابي
- الوطن العربي وتعاقب الثورات (1916- 2011)
- الاتحاد العام التونسي للشغل: استفحال أزمة القيادة
- الأخطبوط الاستيطاني يلتهم أراضي الضفة الغربية ويهدد البدو ال ...
- الإستعمار الفرنسي والأعيان المحليين في سنوات 1920: استراتيجي ...
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ...
- دور الاتحاد العام التونسي للشغل في الثورة وفي الانتقال الديم ...
- الحركة النقابية للشغيلة في تونس وتلازم البعدين الوطني والاجت ...
- تقديم كتاب -كتابات ومعارك من أجل تونس عادلة ومستقلة-
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون
- اليسار الجديد في تونس في مرآة الثورة البلشفية
- نَفْحةٌ من الاقتراع التفضيلي في القانون الانتخابي التونسي
- ماذا يبقى من الثورة التونسيّة؟ دراسة آنية واستشرافية


المزيد.....




- كيف قد يُغري عرض ترامب الأخير لبوتين بشأن أوكرانيا لتصعيد حر ...
- دميترييف للأوروبيين: لا تقلقوا من تصريحات كوشنر بشأن المحادث ...
- -يا إلهي.. كم هي قوية-.. آخر كلمات مساعدة طيار -ليرجيت-
- عزيزي: لن نسمح لترامب بمغادرة المنطقة دون تعويضات
- سماع دوي انفجارات في قشم وبندر خمير جنوبي إيران
- لتقديم المشورة والتدريب العسكري بمواجهة الحوثيين.. تقرير يكش ...
- ترامب وبوتين يرسمان مستقبل أوروبا من دونها؟ القادة الأوروبيو ...
- هل تحوّل تيك توك إلى خطر على الصحة النفسية؟ بروكسل تكشف ما ت ...
- أردوغان يحذّر من انهيار اتفاق غزة: 1800 قتيل منذ وقف إطلاق ا ...
- المفوضية تحذر: 15.4 مليون سوداني بحاجة لمأوى ومستودعاتنا -فا ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خميس بن محمد عرفاوي - صناعة القانون في تونس زمن الاستعمار الفرنسي : التشريع الرادع للجرائم السياسية نموذجًا