أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - معاوية في المصادر المسيحية المعاصرة















المزيد.....

معاوية في المصادر المسيحية المعاصرة


رماز هاني كوسه

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 14:58
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تعد فترة حكم معاوية و صراعه مع الامام علي احدى اكثر الفترات اشكالية بالتاريخ الاسلامي و قد أشبعت بحثا و تحليلا لأحداثها التي أوردتها مصادر التاريخ الإسلامي . سأحاول بهذا المقال القاء نظرة على تلك الفترة و أحداثها من خلال المصادر المسيحية المعاصرة للأحداث و القريبة منها لنتعرف على نظرة الطرف الآخر لتلك الأحداث و شخصية معاوية بن ابي سفيان تحديدا ، و ذلك من خلال ما كتبه الراهب يوحنا الفنكاوي و الأسقف سيبيوس من أرمينيا و ما يرد بمؤلف الحوليات المارونية.

بداية جميع المؤرخين المسيحيين بتلك الفترة كانت لهم نظرة واحدة للسيطرة العربية على الشام و فارس و مصر . تتلخص هذه النظرة بأن الخضوع للعرب هو عقوبة إلهية نتيجة للخطايا التي ارتكبها مسيحيو تلك البلاد فأرسل الرب العرب كعقوبة لهم . و هنا لا يستعمل المؤرخون لفظة العرب أو المسلمين بل يستعملون كلمات أخرى مثل مهجراي و بني هاجر و تفسر بالهاجريين أو المهاجرين أو ابناء اسماعيل و أحيانا لفظة ساراسين و هي تعود للفترة الرومانية و اليونانية و تصف سكان البوادي في سوريا و سيناء .

نبدأ مما كتبه الراهب يوحنا الفنكي ( نسبة لبلدة فنكا في الرافدين ) المتوفي سنة 693م و الذي كتب بالسريانية و ترجم منغانا قسم من أعماله إلى الفرنسية ( الكتاب 15) ببداية القرن العشرين و يتحدث فيه يوحنا الفنكي عن سيطرة بني هاجر على بلاد الشام و فارس و ما أحدثوه من تخريب فيهاقائلا : ( وهكذا فإن الرب، لمعاقبة بني هاجر على الخراب الذي أحدثوه، أعطاهم قائدين منذ بداية مملكتهم وقسمهم إلى قسمين.) هنا يوحنا الفنكي لا يستخدم لفظة المسلمين بل كالعادة يلجأ لاستخدام لفظة أبناء هاجر باشارته للعرب كونهم من نسل هاجر جارية النبي ابراهيم وفق العهد القديم و يشير إلى انقسام دولة العرب لقسمين و هو ما يتوافق مع السردية الإسلام بفترة صراع معاوية و الامام علي و يعزو الانقسام إلى ما ارتكبه بني هاجر من أفعال عاقبهم الرب عليها . يتابع الفنكي قائلا :( فقال أولئك الذين في الغرب: "السيادة لنا، ويجب اختيار الملك منا". وعارَضهم أهل الشرق وادعوا أن ذلك هو حقهم. ونتيجة لهذا النزاع، اشتبكوا. وعندما سوّوا الأمر بالطرق التي تخصهم، كان النصر من نصيب الغربيين ) هنا يشير الفنكي إلى الحرب بين معاوية و الإمام علي و يستخدم عبارة ملفتة و هي تسوية الأمر بالطرق التي تخصهم و نقرأ منها تلميحا لعملية التحكيم المعروفة بين علي و معاوية من خلال إشارته لتسوية الخلاف بينهما ( بالطرق الاي تخصهم ) مع ملاحظة غياب أي ذكر لعملية الاغتيال التي تعرض لها الإمام علي أو محاولة اغتيال معاوية . عملية التسوية انتهت بوصول معاوية الى الحكم و الذي يؤكده الفنكي :( وتولى مقاليد حكم الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية رجلٌ منهم يُدعى **معاوية**. وازدهرت العدالة في عهده، وأُرسِي سلام عظيم في البلدان التي كانت تحت حكمه، وسمح للجميع بالعيش كما يحلو لهم. لقد تلقوا، كما قلت، من الرجل الذي كان مرشدهم، أمراً لصالح المسيحيين والرهبان. وبالمثل بسبب توجيهه تمسكوا بعبادة إله واحد، وفقاً لعادات الشريعة القديمة. أولاً، لقد كانوا متعلقين جداً بتقاليد محمد الذي كان قائدهم، لدرجة أنهم فرضوا عقوبة الإعدام على كل من يبدو أنه لا يطيع أوامره) . و هنا نرى الفنكي يتحدث بإيجابية كبيرة عن فترة حكم معاوية الذي ساده السلام أقله بالنسبة إلى المسيحيين و هو ما نراه يتفق مع السردية الإسلامية التي تتحدث عن اعتماد معاوية على المسيحيين بمفاصل دولته . و نلاحظ إشارة منه لطبيعة الدين الجديد من كونه يتعلق بعبادة إله واحد مثل الشريعة القديمة و يقصد بها اليهودية و الشريعة التوراتية فهنا الفنكي يميز تماما بين الدين الجديد (الذي يراه مشابها لليهودية ) عن المسيحية التي تعتمد التثليث ( ليس ثلاثة آلهة بل أقانيم ) . و لكن يبقى غياب أي ذكر لاغتيال الإمام علي أو محاولة اغتيال معاوية أمرا غريبا و هو الحدث الأساسي وفق التاريخ الاسلامي الذي مهد لسيطرة الأمويين .

لننتقل الآن إلى الحوليات المارونية و هي نصوص من القرن السابع الميلادي و محفوظة بالمتحف البريطاني و تغطي فترة الصراع بين معاوية و الإمام علي و وصول معاوية للخلافة و أوردها روبرت هويلاند بكتابه الإسلام كما رآه الآخرون . هذه النصوص تؤرخ للفترة المعاصرة لحكم علي و معاوية في التاريخ الاسلامي و تورد النص الآتي :

AG 969 [658 م]
(أمر معاوية بقتل حذيفة، ابن أخته. وهدد عليٌّ أيضاً بالصعود مرة أخرى ضد معاوية، لكنهم ضربوه وهو يصلي في الحيرة فقتلوه. بعد ذلك، نزل معاوية إلى الحيرة حيث قدمت له جميع القوات العربية أيمان البيعة، وعاد إثر ذلك إلى دمشق)

هنا النص يوثق بوضوح لاغتيال الامام علي في الحيرة بينما رأينا يوحنا الفنكي لم يورده بالمقابل السردية الاسلامية توثق الاغتيال في الكوفة و تنسبه لابن ملجم من الخوارج بينما الحوليات هنا تنسبه لمجهول و غالبا لعدم معرفة الكاتب بتفصيلات التيارات الاسلامية التي دخلت الصراع حينها فبالنسبة للكاتب الصراع كان بين الإمام علي و معاوية . و تبقى محاولة الاغتيال التي تعرض لها معاوية غائبة عن النص رغم أنها موثقة و بالتفصيل بكتب التاريخ الإسلامية . بينما تنفرد الحوليات المارونية بالاشارة لأمر معاوية قتل ابن اخته حذيفة و ما يغيب كليا عن سير التاريخ الإسلامي .
بعد استقرار الحكم لمعاوية تتابع الحوليات المارونية الحديث عن عهده و تورد النص التالي :
(تجمع الكثير من العرب في القدس وجعلوا معاوية ملكا وصعد ونصب (ملكا)
في الجلجلة (مكان صلب المسيح )وصلى هناك. وذهب إلى الجسمانية ونزل إلى قبر مريم المباركة وصلى به. في تلك الأيام كان العرب قد تجمعوا هناك لمعاوية. وحدث زلزال، هدم الكثير من مدينة أريحا ، وكذلك العديد من الكنائس المجاورة والأديرة.)

هنا النص يتحدث عن تتويج معاوية ملكا للعرب . و صراحة أي قارئ للنص غير عربي أو غير مسلم سيظن أننا أمام عملية تتويج تقليدية لملك مسيحي فالطقوس تمت في أماكن مقدسة مسيحية دون أي ذكر لمكان ديني إسلامي . و ما يقوى هذا الانطباع دلائل أخرى مثل وجود نقش جدارا الذي يوثق لتجديد حماماتها و يفتتح النص فيه بعلامة الصليب اضافة لنصوص اخرى مثل نص ينسب لاسقف كان أسمه اركولوف زار فلسطين عام 670 م و أملى ماشاهده على مرافقه ( اسمه ادمان) الذي نشره تحت اسم de locis sanctis . وجدت اجزاء من هذه المذكرات في دير سانت جيرمانوس في بارنيس وفي دير في سازبورغ وبيرنه ونشرت مطبوعه عام 1619 على يد الناشر qrestser :

( احد اليهود المؤمنين بيسوع سرق الكفن الذي كان جسد يسوع ملفوفا به وبقي مع هذا اللص المؤمن لسنوات عديده انتقل بعدها إلى أحد أولاده وبعد مرور خمسه أجيال على هذه السرقه وقع الكفن في أيدي اليهود غير المؤمنين بيسوع ألا أن هذا الخبر سرعان ماوصل إلى أسماع اليهود المومنين بيسوع ونشأ نزاع وتوتر شديدين في القدس عندها وصل الخبر ألى معاويه أمير السراسنه في القدس والذي دعا الطرفين للحضور وعندما مثل الطرفان أمامه طلب الرداء من اليهود غير المؤمنين بيسوع واستلمه بكل احترام وتبجيل يليق بهذا الرداء المقدس ثم أمر معاويه بإشعال نار عظيمه وخطب في الناس قائلا : فلندع يسوع مخلص هذا العالم والذي دفع ثمن خطايانا ليكون هو الحكم فيمن له الحق بتملك هذا الرداء المقدس . و ألقى الرداء في النار ألا أن الرداء حلق في الهواء لبضعه ثوان ثم توجه وحط في أيدي المؤمنين)
ما يمنح مذكرات اركولوف نوع من المصداقية هو الموقف الإيجابي الذي تقفه من معاوية رغم أن النظرة التقليدية الاوروبية تعتبر المسلمين اضطهدو مسيحيي الشام بعد سيطرتهم عليها .الرواية هنا تظهر معاوية كشخصية مقبولة من الشعب .بل و يلجأ إليه مسيحيي الشام للتحكيم بينهم و بين اليهود فينتصر لهم . نلاحظ هنا أن أركولوف لا يشير لمعاوية بالخليفة أو ملك العرب مثلا بل يستخدم كلمة ساراسين( أمير السراسنة ) لوصفهم و هي لفظة تعود للفترة الرومانية و تصف سكان البوادي في سيناء و صحراء العرب و تطور استخدامها لاحقا لتشير للمسلمين من قبل الأوروبيين كما ورد سابقا .

الوصف المسهب في النصوص السابقة للتتويج و الاحتفالات التي طغى عليها الطابع المسيحي إضافة لما ذكره أركولوف عن تحكيم معاوية لصالح المسيحيين يخلق هذا الانطباع بأننا أمام حاكم مسيحي تقليدي ( بالنسبة لغير المطلع على التاريخ الاسلامي ) و هو كان سببا بطرح نظريات عن كون معاوية مسيحيا أو ربما يتبع أحد التيارات المسيحية كالنسطورية أو الأريوسية . لكن هذا الطرح يفقد قيمته إذا تابعنا قراءة ما تورده الحوليات نفسها حيث يتابع النص الحديث عن تلك الفترة :
( في يوليو من نفس العام تجمع الأمراء وكثير من العرب وقدموا ولاءهم لمعاوية . ثم صدر قرار على أنه يجب أن يعلن ملكا في جميع القرى والمدن الخاضعه لسلطانه و ينبغي جعل الهتافات والدعاء له , وقد سك الذهب والفضة، ولكن لم يقبل ذلك لأنه ليس عليها الصليب.وعلاوة على ذلك معاوية لم يضع تاج مثل الملوك الآخرين في العالم. ووضع عرشه في دمشق
ورفض الذهاب إلى عرش محمد )
هنا النص يبدأ باظهار التمايز بين معاوية و المسيحية عبر نقطتين .الأولى بذكر اسم النبي محمد و برفض معاوية الذهاب لعرشه و المقصود المدينة المنورة ( يثرب ) و هو ما يتفق مع السردية الإسلامية باتخاذ معاوية دمشق عاصمة له بدلا من المدينة المنورة . النقطة الثانية بسك العملة من دون علامة الصليب و التي لم تقبل . هنا تورد الحوليات إشارة لمحاولة معاوية إزالة الرموز الدينية المسيحية عن العملة الرسمية و بالتأكيد لأن ذلك لا يتفق مع الدين الذي يتبعه معاوية ( فلو كان مسيحيا لماذا يزيل علامة الصليب) . و تراجع معاوية عن ذلك لرفض العملات الجديدة من قبل المجتمع الشامي باعبار غالبيته كان مسيحيا حينها فاضطر للعودة الى المسكوكات ذات الرموز المسيحية كنوع من البراغماتية و لكسب تأييد السكان و هو بحاجة ذلك . إذا أضفنا ما قاله الفنكي عن ( التمسك بعبادة إله واحد وفق الشريعة القديمة ) و ما أوردته الحوليات عن محاولة معاوية إزالة الصليب عن العملة تتوضح الصورة للقارئ بأننا أمام تيار ديني مختلف و متمايز عن المسيحية كليا . مع بقاء نقطة مهمة و هي غياب لفظة المسلمين لوصف أتباع الدين الجديد بل اكتفت الحوليات بالإشارة لهم بكلمة العرب . مع تأكيدها على أنهم يتبعون شريعة النبي محمد الذي أشارت الحوليات لان عرشه كان في يثرب بإشارة ضمنية لاعتباره ملكا على قومه و الأرجح أن ذلك لنزع أي صبغة دينية عنه من قبل الكاتب و تأكيدا منه لعدم الاعتراف بنبوته . ملاحظة مهمة هنا و هي التأكيد على عدم وضع معاوية للتاج كباقي الملوك و هو ما يتفق مع المرويات الإسلامية باعتماد الخلفاء العمامة كغطاء للرأس . و يبدو أنه كان مثار استغراب من الكاتب ليورد مثل هذه الملاحظة .

لنطلع الآن على ما كتبه سيبيوس عن تلك الفترة . سيبيوس (Sebeos) هو مؤرخ و أسقف أرمني عاش في القرن السابع الميلادي و كان معاصرا للأحداث من الحروب البيزنطية الفارسية و صولا لتولي معاوية الحكم و التي وثقها في كتابه "تاريخ هرقليوس" (أو تاريخ سيبيوس) أقدم نسخة مخطوطة معروفة ومتبقية لكتاب "تاريخ سيبيوس" هي نسخة متأخرة نسبياً، حيث اختفى النص الأصلي الذي كُتب في القرن السابع الميلادي و لم يبق إلا مخطوطة وحيدة تعود للقرن السابع عشر ( نسخت في عام 1672 ميلادي). 
و عثر عليها في مدينة بدليس الواقعة في تركيا حاليا ضمن المرتفعات الأرمينية . و محفوظة في مكتبة بالعاصمة الأرمينية يريفان . و قد اعتبرت نسبتها نسبتها للقرن السابع الميلادي صحيحة نظراً لتطابق لغتها (الأرمينية الكلاسيكية / الجرابار) والمعلومات الواردة فيها مع تفاصيل تلك الفترة بدقة لا يمكن لناسخ غير معاصر اختلاقها.
يتحدث سيبيوس عن معاوية في ثلاثة مواضع . الموضع الأول و يتعلق بالمعاهدة بينه و بين الأرمن عام 654 م قبل أن يصبح خليفة و يذكر من خلال السرد تفاصل المعاهدة التي تعهد فيها معاوية للأرمن بحمايتهم من الهجمات البيزنطية و سمح لهم بالاحتفاظ بجيش من 15 الف فارس مع مصاريف طعامهم و التي ستؤخذ بعين الاعتبار عند تقدير مبلغ الجزية المطلوب منهم إضافة لتعهد الأرمن بالدفاع عن الدولة العربية ضد أعدائها مع شروط أخرى يوردها بالتفصيل الدكتور فايز نجيب اسكندر في كتابه ( المسلمون و البيزنطيون و الأرمن في ضوء كتابات سيبيوس ) . من هذه المعاهدة نفهم أن معاوية أعطى الأرمن نوعا من الحكم الذاتي مقابل التعهد بالولاء للدولة العربية . رغم أن سيبيوي يصف المعاهدة بالنسبة الأرمن (بأنهم فضلو الموت "العرب" بدلا من الجحيم " البيزنطيين " ) بإشارة منه لمدى سوء العلاقة مع البيزنطيين . موضوع المعاهدة يتفق مع الصورة النمطية التي عرفت عن معاوية ببراغماتيته السياسية و تعامله الجيد مع المسيحيين وفق السير الإسلامية و كذلك وفق المصادر المسيحية التي تحدثت عنه و يبدو أنه كان يعتبرهم ركيزة أساسية للحكم فلجأ لكسب ودهم .
الموضع الثاني الذي تحدث به سيبيوس عن معاوية هو ذكره لرسائل معاوية إلى الامبراطور البيزنطي حيث يورد النص الآتي : (إذا كنت تريد أن تقضي حياتك في سلام، فتخلَ عن هذا الإيمان المغلوط... وآمن بالله العظيم الذي أعبده إله أبونا إبراهيم...) .
فهنا معاوية واضح أنه يفصل نفسه كليا عن إيمان الإمبراطور و هو على المذهب المسيحي الخلقيدوني داعيا إياه للإيمان بإله ( أبونا ابراهيم ) متجنبا أي ذكر للسيد المسيح . فالنص هنا يوضح أيضا أننا أمام تيار ديني جديد يتبعه معاوية و يدعو إليه الإمبراطور و هو متمايز كليا عن المسيحية و يعود بجذوره إلى النبي ابراهيم الذي يصفه بالأب . و هذا الوصف موجود لدي اليهود و العرب الذين ينسبون أنفسهم عرقيا إلى ابراهيم اليهود عبر ابنه اسحاق و العرب عبر ابنه اسماعيل . ما يلاحظ بنص الرسالة هنا عدم ورود كلمة الإسلام أو المسلمين برسالة معاوية بل التأكيد على ديانة ابراهيم و هو ما رأيناه يتكرر سابقا بنص الفنكي الذي أشار لعبادة السراسنة إله واحد مثل الشريعة القديمة و. يفصد بها اليهودية . ممكن أن يفسر غياب كلمة الإسلام أو المسلمين ( بحال صح نسبة الرسالة لمعاوية) بأنه مقصود من معاوية بمحاولة منه للتأثير على البيزنطيين بالإشارة للروابط الدينية المشتركة . أو ممكن ببساطة أن سيبيوس أغفل نقل كلمتي إسلام أو مسلمين كرفض منه للاعتراف بالديانة الجديدة بل و التأكيد على ارتباطها بالشريعة القديمة ( اليهودية ) و التي نقضها العهد الجديد ( المسيحية ) .
ننتقل للموضع الثالث الذي تحدث به سيبيوس عن معاوية و أورد فيه ما يلي :

(. ولم يتمكنوا من التوقف عن استخدام السيوف، وأخذ الأسرى، والمعارك الضارية في البر والبحر، حتى قوي عود معاوية وقهرهم جميعاً. أخضعهم، وحكم كملك على ممتلكات أبناء إسماعيل، وصنع السلام مع الجميع)
هنا يتحدث عن الصراع بين الإمام علي و معاوية و غلبة معاوية في نهاية الأمر وفق نفس السيناريو التقليدي المعروف مع وجود اشارة لحدوث معارك بالبحر و هو ما لا يرد ذكره بالمصادر الإسلامية و الأرجح أنها إضافة من الكاتب فلا توجد حدود بحرية بين مناطق سيطرة الإمام علي و مناطق سيطرة معاوية . مع تكرار نفس الملاحظة بغياب ذكر لاغتيال الإمام علي و محاولة اغتيال معاوية و التي يبدو انهما لم تكونا معروفتان على نطاق واسع لغياب ذكرهما لدى الفنكي و سيبيوس بينما انفردت الحوليات المارونية بذكر اغتيال الإمام علي .
يمكن تلخيص صورة معاوية وفق المصادر الثلاثة التي ذكرتها كما يلي :
– معاوية وصل للحكم بعد صراع عسكري مع الإمام علي و ثبت سلطته في دمشق رافضا العودة إلى يثرب و هو ما يتفق تماما مع السردية الإسلامية .
– شعبيا كان معاوية مقبولا من المسيحيين لذلك يتكرر الوصف دوما بأن عهده مان عهد سلام للجميع . المسيحيون كانوا حينها غالبية سكان الشام التي اختارها معاوية مركزا للحكم و استمالتهم أمر مفهوم باعتباره كوسيلة لتوطيد حكمه . و هذا يحمل دلالة على قدرة معاوية السياسية بكسب التأييد و ولاء السكان له و هو ما يفسر بقاءه حاكما في دمشق ل 40 عاما ( 20 عاما كوالي و 20عاما كخليفة ) .
–نظرت المصادر المسيحية لمعاوية باعتباره ملكا على العرب و لم تظهر أي صفة دينية له . و أشارت للصراع بين الطرفين بأنه صراع على الحكم بين الشرقيين ( الرافدين ) و الغربيين ( الشام ) انتصر بمحصلته الغربيين . مع غياب الإشارة لأي سبب ديني رغم إشارتها للنبي محمد و الإمام علي إلا أنهم لم تربط بينهم أبدا و لم تصف الإمام علي بأنه ابن عم النبي محمد . بالنسبة لغير العرب نظروا للموضوع برمته كصراع سياسي لا أمثر دون الاهتمام بالتفصيلات الدينية .
–دينيا أوضحت النصوص أننا أمام دين جديد مختلف تماما عن المسيحية و ربطته بشكل أساسي مع اليهودية أو بشكل أدق مع ديانة ابراهيم و هو أمر يتفق كليا مع النظرة الاسلامية ( ملة أبينا ابراهيم ) . يبقى غياب الإشارة للحكام الجدد بلفظة مسلمين أو غياب الإشارة للإسلام باسمه الصريح أمر مستغرب من المؤرخين المسيحيين . يمكن أن نعزوه لرفضهم الاعتراف بالديانة الجديدة و التركيز على ربطها بالشريعة القديمة ( اليهود ) و التي نقضها العهد الجديد كأسلوب للقول بأنها ديانة غير صحيحة أو غير معترف بها أقله بالنسبة لهم .



#رماز_هاني_كوسه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطرد من الجنة في التوراة و دلالاته
- مصير المحاربين القتلى من سومر الى الفايكينغ
- صورة المسيح بين القرآن و الأناجيل المنحولة
- الرقص الشرقي بين الدين و الغريزة
- تاريخ يعيد نفسه
- الكلمة بين افلوطين و انجيل يوحنا و القرآن
- ادراك العالم عند افلاطون
- الخصاء كعادة بشرية
- ما بين رفع الخبز و سكب الماء
- الصمد .... من اوغاريت الى مكة
- القوزللي .... اصول لغوية و دلالات ميثولوجية
- ٦٣٢ م ... ام ٦٣٤م
- الافعى و قبلة الحياة
- يسوع ...... حقيقة تاريخية أم شخصية وهمية
- حيلة كانط .... أخلاق الفطرة
- عقوبات سادية
- السير الإسلامية .... هل يجوز نقدها أم هي حقائق مطلقة
- كوثر ... كوشر بين العربية و السريانية
- أكانت تفاحة آدم ..... أم تفاحة أفروديت
- الدولة الأموية مابين الإسلام و النصرانية


المزيد.....




- تهديدات متكررة بوجود قنابل تربك حركة الطيران في أوروبا.. ماذ ...
- -الأخيار فازوا-.. شاهد تعليق زهران ممداني على فوز عبدالرحمن ...
- 7 قتلى في ضربات أوكرانية ضد حافلات ركاب في لوغانسك
- الدفاع الروسية: استمرار تقدم قواتنا على كافة المحاور في أوكر ...
- بورتوريكو: أمريكيون بلا صوت!
- -الدعم السريع- تعلن السيطرة على بكوري في النيل الأزرق
- كيف قرأت موسكو والمسؤولون الروس -خسارة ترامب- معركة التجديد؟ ...
- السيد: ترامب في حربه على إيران مقاول يماطل في الإنجاز
- الإعلان عن تمويل أوروبي جديد لأوكرانيا بـ4.36 مليار يورو
- مقتل جندي تركي بنيران إيرانية على الحدود


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - معاوية في المصادر المسيحية المعاصرة