|
|
الهوية الوطنية غيرالهوية العقائدية
عبدالجبار الرفاعي
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 14:03
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
عبد الجبار الرفاعي الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. الهوية العقائدية شأن شخصي، أما الهوية الوطنية فشأن عام مشترك بين المواطنين جميعًا. نصاب الهوية الوطنية يقوم على الانتماء إلى رقعة جغرافية مشتركة، وعلى مصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ مشترك، وذاكرة جمعية تتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة، بغض النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية. تتمثل ملامح الثقافة الوطنية ورموزها فيما تراكم في العقل الجمعي من سردية تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتصل حاضره بجذوره الممتدة في الزمن. كما تتجلى في الشخصيات المؤسسة، وكل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه، وأسهمت في بناء كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. تنعكس الهوية الوطنية في اللغة، والآداب، والفنون السمعية والبصرية، والأديان والمعتقدات، والأمثال، والأساطير، والعلوم والمعارف، والشعار الرسمي للدولة، والنشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتمنح ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا. كما تظهر في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم، وكل ما يسهم في ترسيخ الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون على أنهم جزء حي من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركون في مصيره، ومسؤولون عن تنميته وحمايته. الهوية الوطنية هوية جامعة الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تقبل الانغلاق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. الهوية الوطنية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وترى بأن العيش المشترك لا يتأسس إلا على الاعتراف بالاختلاف في إطار كيان سياسي واحد، وشراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتكرس المساواة في الحقوق، وفي الفرص، على أساس "العدالة بإنصاف"، على وفق ما عبر عنه جون رولز (1921 ــ 2002) في كتابه "نظرية في العدالة". ويخضع في اطارها الجميع للقانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد، ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة، التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات للدين أو المذهب أو القومية، وترسخه في الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فرعًا تلتقي فيه الهويات جميعًا. الهوية الأيديولوجية العقائدية أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية بالانغلاق، إذ تقسم العالم إلى مَن ينتمي إليها ومَن لا ينتمي إليها. وهي تتوهم الاصطفاء، وتكرس شعورًا بالتفوق الزائف، وتبني هويتها الجمعية على نفي الآخر وإقصائه. في ظل هذه الهوية يُلغى الوطن لصالح جماعة طائفية أو عرقية، وتُصادر الدولة في كيان هش، وتُستبعد المصلحة الوطنية لحساب الولاءات الضيقة. تنتج هذه الهوية خطابًا تعبويًا لا يقبل التنوع، ولا يعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفًا، ولا يطيق العيش المشترك. الهوية الوطنية مشروع لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، ويقوم على العيش المشترك بكرامة في ظل دولة القانون. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار يختزل الحقيقة في تفسير واحد، ويختطف الوطن لحساب جماعة، ويهدد وحدة المجتمع، ويقوض أسس الدولة الوطنية. حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يُنتزع من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُزج به في صراعات السلطة والثروة، كما هو حال الأيديولوجيات القومية واليسارية. في سياق هذا التحول يفتقد الدين رسالته السامية، ويتحول إلى وسيلة للاستحواذ على السلطة والثروة، ويستعمل كأداة في صراع النفوذ والسيطرة، ويُستخدم لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. ذلك ما نراه ماثلًا في تجارب الأصوليات في سائر الأديان، سواء أكانت هذه الأديان سماوية أم أرضية. الأصوليات تهبط برسالة الأديان من معناها السامي وغايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتصيّرها أداة أيديولوجية لا تكترث بالهوية الوطنية، ولا تعترف بشرعية الدولة المؤسسة على هذه الهوية، وما تكفله من استيعاب للتنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، وإنما تنزع إلى تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى رؤيتها الأيديولوجية. لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث الراسخ في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام قد تتوارى في بعض الأزمنة لكنها لا تموت. تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، وإنما بوصفها منبعًا للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاته حول المشروعية السياسية وغيرها، وتكوَّن فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة. يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها من الدول الدينية إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحرياته وحقوقه، ويُفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بما هو قيمة في ذاته، وإنما يُستعمل أداةً للسلطة وخدمتها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. في الدول الدينية يتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، وتُستدعى السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. أما الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين فتقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم. الخلافة وأمثالها من الدول الحاكمة باسم الله، في ضمير أكثر المسلمين، تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنه يعبر عن هويتهم السياسية. وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة ومتآكلة، فإنه يظل رمزًا ما دامت خطبة الجمعة تُلقى على المنابر باسمه بما هو خليفة، ويُرفع له الدعاء، وتُسك النقود باسمه. وقد أسهم ذلك في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي من خلال وصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية ما تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم الدينية والسياسية، تستمد قوتها وفاعليتها من الصور الرومانسية للخلافة كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتواصل إعادة إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة والهوية السياسية. في دول الخلافة وأمثالها، كان المسلم يستطيع التنقل من بلد إلى آخر بحرية، والإقامة في أقاليمها المختلفة الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية تتمثل في عقيدته. هذا الانتماء رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت تقع ضمن إطار دول الخلافة، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. لا تزال هذه العوامل تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث. الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة وفاعلة في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يترسخ بعد المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى "الوطن" في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء إلى أرض، وتاريخ، وثقافة، ومصالح، ومصائر مشتركة. ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد واحتقار. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر. بعد انهيار آخر دولة خلافة، ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حيّين في اللاشعور الجمعي، يتجدد حضورهما في الذاكرة، ولم يغادر المسلم الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. لبث المتخيَّل الديني يعمل عبر قرون طويلة على ترسيخ صورة الخلافة بما هي عنصر أساسي من مكونات هوية المسلم السياسية، حتى تشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما أخفق في إنجازه في الواقع. وما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية وهيمنتها على الذاكرة السياسية، الأمر الذي جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة. من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث. لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بما هي مشروع يطمح إلى استعادة المجد السياسي للمسلمين عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية) . لم أعثر على فقيه أو متكلم في تاريخ الإسلام، قبل حسن البنا: يقول إن "الحكومة ركن من أركان الإسلام"، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب والفرق المتنوعة. ويرى الماوردي "ت 450هـ" أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا ركن من أركانه. ويذهب إمام الحرمين الجويني "ت 478هـ" إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. غير أن أكثر من منظّر من منظّري الإسلام السياسي في العصر الحديث جعل الحكم ركنًا من أركان الدين. في سياق أدبيات جماعة الإخوان المسلمين وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو إلى العودة لنموذج الحكم الذي ساد قرونًا طويلة في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كلٌّ على شاكلته، بما هي رمز لوحدة المسلمين، ومصدر للهوية السياسية، وأفق لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن الوعي المؤدلج لم يدرك أن الخلافة، بما هي مشروع سياسي تاريخي، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة تقوم على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. وحين يتحول الحنين إلى الماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل لا حضور له خارج الذاكرة. لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بما هو الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. وتصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. ويتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل من يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل من الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامل مواطنًا لا تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. وتقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. في دولة المواطنة، يكون الإنسان مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، والحريات، والحقوق، والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تتأسس على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. ودولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا. لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بما هو كيان سياسي يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. وتتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. وتمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بما هي رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة. يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعي يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يرسخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. وقد أسهم صعود الهويات الطائفية، وحدّة الاستقطاب التي تزامنت مع الألفية الجديدة، في إعاقة تشكل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى ذلك إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وإضعاف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بما هي الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة. لا تقوم الدولة الوطنية الحديثة على حدود أيديولوجيا عقائدية تضيق برؤية الإنسان خارج تصوراتها، ولا على منظور طائفي أو قومي مغلق يعجز عن احتضان التعدد. إن تقديم الهوية الاعتقادية، أو الطائفية، أو القومية على الهوية الوطنية يُفشل مشروع الدولة الحديثة، ويعيد إنتاج الانقسام، ويقوّض إمكان قيام دولة جامعة يجد فيها الوطن أبناءه جميعًا، ويؤمّن لهم شروط الأمن، والعدالة، والحرية، والمساواة. تتأسس الدولة الوطنية على ميثاق وطني جامع يحتضن الخصوصيات الثقافية والدينية، ويمنحها إطارًا للعيش المشترك، من غير أن يسمح لها بتصدر المجال العام أو التحول إلى أدوات لتفتيت أسس الدولة المدنية أو تهديد عقدها الاجتماعي. تمثل الوحدة الوطنية الأفق الذي تنتظم فيه الانتماءات الفرعية، وتكتسب معناها، وتغدو مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. في هذا الواقع تتجلى الدولة بما هي فضاء أخلاقي لحماية كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا جهازًا لفرض هوية واحدة أو احتكار معنى الانتماء. لا يكتمل معنى الوطن إلا حين يشعر كل فرد أن انتماءه إليه لا يُنتقص بسبب دينه، أو مذهبه، أو قوميته، وأنه شريك متكافئ في الحقوق والواجبات. المواطنة ليست توصيفًا قانونيًا مجردًا، وإنما هي تجربة عيش يومي يتجسد فيها الاعتراف المتبادل، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، ويتحول فيها التنوع إلى طاقة خلّاقة لبناء الحياة المشتركة. حين تُستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة، يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، ويشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء، ويضعف الإحساس بالمصير المشترك، وتتآكل الثقة، ويغدو الوطن مجالًا للتنازع والاحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة، والحرية، وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بما هو مواطن لا تابع. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية، والمساواة، والاحترام، والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.
#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ضآلة امتيازات العلوم الطبيعية في التراث
-
سلطة الخوارزميات الخفية
-
محمد في المصادر السريانية: كتاب يعيد استكشاف المراحل التكوين
...
-
تهذيب اللغة ضرب من الكرم الأخلاقي
-
معارك السلطات على اللغة والتأويل
-
تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى
-
العالم كما ترسمه اللغة
-
اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية
-
الشكوك بوصفها منهجًا في التراث العلمي
-
في التدين الشعبوي يحتجب الله
-
أسلمة الفلسفة أيديولوجيا لا فلسفة
-
تعليمُ الفلسفة تعليمٌ للتفكير الفلسفي
-
مدينة الشطرة محطة الوعي الأولى
-
في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف
-
التدين العقلاني الأخلاقي
-
انحسار دور العقل إثر تحريم الفلسفة
-
الحق في الاختلاف
-
المعرفة العلمية بالأديان تخفض التعصب
-
في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
-
الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
المزيد.....
-
المؤسسة الدولية الإسلامية تعتمد 1.3 مليار دولار لتمويل شراء
...
-
الصحفية اليهودية لومر: -أتمنى أن يتعلم الجميع العربية-.. ومغ
...
-
«ترامب يبكي والإسلام يضحك»... خسارة الرئيس الأمريكي تقلق حلف
...
-
النزاهة تطالب بتعديل قانون أوقاف المسيحيين والإيزيديين ومعال
...
-
من الزيدية إلى الحوثية.. كيف تحول الإحياء المذهبي إلى تنظيم
...
-
افتتاح متحف -شماش- اليهودي في بغداد
-
ساويرس يعلق على فوز عبد الرحمن السيد وعلاقته بالإخوان
-
كواليس هجوم -كتائب حزب الله-.. لماذا أبعد الزيدي اللجنة الشي
...
-
نتنياهو: فقط حكومة وطنية واسعة بقيادتي والليكود تستطيع مواجه
...
-
مدرسة بابا نويل في البرازيل تحتفل بتخريج 55 سانتا عند تمثال
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ نيل دونالد والش
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
المزيد.....
|