|
|
وطن حر وشعب سعيد: لماذا فشل الشعار؟ 134
طلال الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 03:01
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هذه هي الحلقة 134 في سلسلة "التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية". --------- مقدمة: 3000 صوت في بغداد، مدينة الملايين، حصل الحزب الشيوعي العراقي على 3000 صوت. هذا ليس رقماً انتخابياً. هذا تشخيص علمي. هذا هو حجم التأثير الحقيقي للأمر على الدماغ: صفر تقريباً. الحزب كان (ولا يزال!) يحمل شعاراً جميلاً: وطن حر وشعب سعيد. لا أحد يرفضه. ومع ذلك لم يسمعه أحد. لأن الشعار قُدّم كأمر. والعقل البشري لا يقبل الأوامر. 1. وصية لينين: كما قالها هو حرفياً من هو لينين؟ هو قائد الثورة الروسية سنة 1917. اسمه فلاديمير لينين. هو الذي قاد الفقراء والعمال والفلاحين، وأسقط القيصر. في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1920، ألقى لينين خطاباً في المؤتمر الثالث لاتحاد الشبيبة الشيوعية لعامة روسيا. هذا الخطاب هو وصيته للشباب. وهذا هو النص الأصلي، كما كتبه: "وإذا أتناول مسألة مهمات الشباب من وجهة النظر هذه يترتب علي أن أقول أن المهمات الموضوعة أمام الشباب بوجه عام وأمام اتحادات الشبيبة الشيوعية وجميع المنظمات الأخرى بوجه خاص يمكن تحديدها بكلمة واحدة : التعليم ." ما معنى هذا؟ لينين يقول: مهمة الشباب ليست أن يردد. مهمته أن يتعلم. كلمة واحدة: التعليم. ثم يشرح لينين ماذا يعني التعليم. ويحذر من الخطأ الذي وقع فيه الحزب بعد ذلك: "ولكن هذا الجواب : (( تعلم الشيوعية )) ذو طابع عام جدا . فماذا ينبغي لنا إذا لكي نتعلم الشيوعية ؟ ماذا ينبغي لنا أن نختار من مجمل المعارف العامة لكي نكتسب معرفة الشيوعية ؟ في هذا المضمار , تهددنا أخطار مختلفة , تظهر في اغلب الأحيان منذ أن يساء وضع مهمة تعلم الشيوعية , أو حين تفهم بصورة وحيدة الطرف إلى حد كبير ." ثم يشرح الخطر الأول، خطر الكتب وحدها: "ولكن مثل هذا التعريف للدراسة الشيوعية غير محكم أبدا وغير كاف . فلو كانت دراسة الشيوعية تنحصر في استيعاب ما هو وارد في الكتب والكراريس والمؤلفات الشيوعية , لأنتجنا بفائق السهولة شراحا سطحيين شيوعيين أو مدعيين مغرورين, الأمر الذي يسيء إلينا في غالب الأحيان ويلحق بنا الأذى؛ لان هؤلاء القوم, الذين تعلموا وقرؤوا ما في الكتب والكراريس الشيوعية, يظهرون عاجزين عن الربط بين جميع هذه المعارف ولا يستطيعون التصرف والعمل كما تقتضيه الشيوعية فعلا ." ثم يصل إلى الخطر الذي" قتل" الحزب الشيوعي العراقي، خطر الشعارات وحدها. اسمع لينين، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط. فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." هل ترى؟ لينين يقول قبل 100 سنة: إذا اقتصرتم على الشعارات فقط، ستلحقون ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. حتى لو كان عندكم مليون شاب يسمون أنفسهم شيوعيين. هذا هو ما حدث: شعار "وطن حر وشعب سعيد" أصبح شعاراً فقط، فألحق ضرراً كبيراً. ثم يشرح لينين ما هو التعليم الحقيقي: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." ما معنى "يغني ذاكرته"؟ يعني أن يملأ ذاكرته بالعلم، بالتاريخ، بالفيزياء، بالكيمياء، بالأدب، بكل ما أنتجته الإنسانية. ليس أن يحفظ شعاراً واحداً. ويكرر لينين التحذير مرة أخرى، بشكل أقسى: "إن الشيوعي الذي يدعي الشيوعية لأنه تعلم استنتاجات جاهزة , دون أن يقوم بعمل كبير جدي كثيرا وصعب جدا, دون أن ينظر بعين نافذة إلى الوقائع التي يترتب عليه أن يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ, إن مثل هذا الشيوعي يدعو للرثاء ." أي أن الشيوعي الذي يحفظ استنتاجات جاهزة، وشعارات جاهزة، دون عمل كبير وصعب، ودون تفكير ناقد، هو شيوعي يدعو للرثاء. أي يثير الشفقة. وهذه هي وصية لينين كلها: تعلّموا، لا ترددوا. فكّروا بأنفسكم. لا تحفظوا الشعارات. وفي نفس الخطاب، يقول لينين، حرفياً، ما يلغي فكرة الدولة بلا لون ولا رائحة: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." أي أن الأخلاق ليست محايدة. ليست بلا لون ولا رائحة. هي مع المستغَل ضد المستغِل، مع العمال ضد المستثمرين.
2. لينين هو كانط: تجرأ أن تعرف. لينين يجسد الحداثة لينين في وصيته هو الذي يجسد الحداثة. ليس ستالين. ليس الحزب. لينين وحده. من هو كانط؟ إيمانويل كانط هو فيلسوف ألماني، عاش من 1724 إلى 1804. هو أعظم فيلسوف للحداثة. ما هي الحداثة؟ الحداثة هي أن يخرج الإنسان من أن يكون طفلاً يُقاد، إلى أن يكون بالغاً يقود نفسه. كانط كتب سنة 1784 مقالة صغيرة، لكنها من أعظم المقالات في التاريخ، اسمها: ما هو التنوير؟ Was ist Aufklärung? ماذا قال كانط فيها؟ قال جملة واحدة، صارت شعار الحداثة كلها: "Sapere aude!" "تجرأ أن تعرف!" ما معنى تجرأ أن تعرف؟ يعني: تجرأ أن تفكر بعقلك أنت. لا تنتظر أن يفكر عنك القسيس. لا تنتظر أن يفكر عنك الملك. لا تنتظر أن يفكر عنك الحزب. فكّر أنت. ثم شرح كانط ما هو التنوير. قال، حرفياً: "التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي جلب على نفسه." ما هو القصور؟ القصور هو أن تكون عاجزاً عن استخدام عقلك بدون إرشاد من غيرك. أن تقول: أنا لا أستطيع أن أفكر وحدي. أنا أحتاج إلى من يفكر عني. وكانط يقول: هذا القصور أنت جلبته على نفسك. لأنك لست عاجزاً حقاً. أنت تستطيع أن تفكر. لكنك جبان. أنت تخاف أن تفكر. أنت تفضل أن يفكر عنك غيرك، لكي لا تتحمل المسؤولية. ولهذا قال كانط: التنوير ليس أن تتعلم معلومات أكثر. التنوير هو أن تتجرأ أن تستخدم عقلك. أن تخرج من القصور. أن تقول: أنا أفكر، إذن أنا موجود. أنا أختار، إذن أنا حر. هذا هو كانط. هذا هو التنوير. هذا هو الحداثة. والآن، ماذا قال لينين في وصيته؟ لينين قال في وصيته، حرفياً: "وإذا أتناول مسألة مهمات الشباب من وجهة النظر هذه يترتب علي أن أقول أن المهمات الموضوعة أمام الشباب بوجه عام وأمام اتحادات الشبيبة الشيوعية وجميع المنظمات الأخرى بوجه خاص يمكن تحديدها بكلمة واحدة : التعليم ." ثم قال: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." ثم قال: "إن الشيوعي الذي يدعي الشيوعية لأنه تعلم استنتاجات جاهزة , دون أن يقوم بعمل كبير جدي كثيرا وصعب جدا , دون أن ينظر بعين نافذة إلى الوقائع التي يترتب عليه أن يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ , إن مثل هذا الشيوعي يدعو للرثاء ." هل ترى؟ لينين يقول نفس ما قاله كانط، لكن بلغة ماركسية. كانط قال: تجرأ أن تعرف. لا تقبل استنتاجات جاهزة من القسيس. لينين قال: لا تقبل استنتاجات جاهزة. فكّر بفكر ناقد نفاذ. اغنِ ذاكرتك بكل الثروات الفكرية. كانط قال: اخرج من قصورك الذي جلبته على نفسك. لينين قال: اخرج من قصور الشعار. لا تقتصر على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط. لأنك إذا اقتصرت على الشعارات، ستلحق ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. كانط قال: التنوير هو أن تفكر بعقلك أنت. لينين قال: التعليم هو أن تفكر بعقلك أنت. أن تتعلم. أن تنظر بعين نافذة إلى الوقائع. لينين هو كانطي. لينين في وصيته يجسد الحداثة. لأن الحداثة هي أن تكون مستقلاً في تفكيرك. أن لا تكون عبداً طوعياً. أن لا تلبس القناع. أن لا تدخل في العقيدة الفاسدة. أن لا تهرب من الحرية. ستالين هو عكس الحداثة. ستالين هو عكس كانط. ستالين قال: لا تتجرأ أن تعرف. أنا سأعرف عنك. أنت قصير. أنت طفل. أنت تحتاج إلى من يفكر عنك. أنت تحتاج إلى الحزب. أنت تحتاج إلى القائد. ستالين أعاد الإنسان إلى القصور. أعاده إلى ما قبل التنوير. أعاده إلى العصور الوسطى، حيث القسيس يفكر عنك، والملك يفكر عنك. والحزب فعل نفس الشيء. الحزب قال للشبيبة: لا تتجرأوا أن تعرفوا. احفظوا الشعار. رددوا وطن حر وشعب سعيد. رددوا دولة مدنية. لا تفكروا. نحن نفكر عنكم. وهذا هو عكس لينين. وعكس كانط. وعكس الحداثة. ولهذا، وصية لينين هي وصية حداثية. لينين يقول: كونوا حداثيين. كونوا مستقلين. كونوا ناضجين. لا تكونوا أطفالاً. لا تكونوا عبيداً طوعيين. وكانط يقول: التنوير هو أن تخرج من طفولتك. والطفل في هذه المقالة، الطفل الذي يتعلم المشي، هو بالضبط طفل كانط. الطفل الذي يتعلم المشي لا ينتظر أن يمشي عنه غيره. الطفل يحاول بنفسه. يقع بنفسه. يقوم بنفسه. هذا هو التنوير. هذا هو Sapere aude. تجرأ أن تمشي. تجرأ أن تعرف. والحديقة في هذه المقالة هي حديقة كانط. الحديقة لا تنتظر أن يأمرها البستاني أن تزهر. الحديقة تزهر بنفسها، عندما تُحضّر التربة. هذا هو التنوير. والإنسان المزدوج في هذه المقالة هو الإنسان الذي رفض التنوير. هو الإنسان الذي قال: أنا لا أستطيع أن أفكر وحدي. أنا أحتاج إلى الحزب ليفكر عني. أنا أحتاج إلى ستالين ليفكر عني. أنا أحتاج إلى بريمر ليفكر عني. أنا أحتاج إلى مجلس الحكم ليفكر عني. هذا الإنسان هو الذي عاد إلى القصور. هو الذي قال: حشر مع الناس عيد. هو الذي دخل طوعاً في مجلس الحكم. هو الذي قال: أنا مدني، لأن الحزب قال أنا مدني. ولينين يقول له: لا. تجرأ أن تعرف. تجرأ أن تفكر. تجرأ أن تتعلم. تجرأ أن تقول لا.
3. بريمر لا يجسد الحداثة. بريمر يجسد الفاشية. والحزب تخلى عن لينين في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993 - بريمر لا يجسد الحداثة أبداً. بريمر يجسد الفاشية. بريمر هو عكس كانط. بريمر هو عكس التنوير. بريمر هو عكس لينين. بريمر هو الذي جاء بالدبابة، وحل الجيش، وأغلق المصانع، وشكل مجلس الحكم، وسرق 8 مليارات دولار من خزينة إعمار العراق. هذا ليس تنويراً. هذا ليس حداثة. هذا فاشية. هذا نيوليبرالية فاشية. هذا عبودية. بريمر قال للعراقيين: لا تتجرأوا أن تعرفوا. أنا سأعرف عنكم. أنا سأفكر عنكم. أنا سأكتب لكم الدستور. أنا سأشكل لكم مجلس الحكم. أنتم قصّر. أنتم أطفال. أنتم تحتاجون إلى من يفكر عنكم. هذا هو عكس كانط تماماً. كانط قال: تجرأ أن تعرف. بريمر قال: لا تتجرأ أن تعرف. أطعني. كانط قال: التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي جلب على نفسه. بريمر قال: التنوير هو أن تبقى في قصورك، وأن أكون أنا وصيك. أنا أبوك. أنا حزبك. أنا قائدك. كانط قال: استخدم عقلك أنت. بريمر قال: لا تستخدم عقلك. استخدم عقلي أنا. اقبل مجلس الحكم. اقبل العملية السياسية. اقبل الدستور الذي كتبته لك. بريمر لم يأتِ ليحرر العقل. بريمر جاء ليحتل العقل. جاء ليجعل العقل عبداً طوعياً. جاء ليجعل الإنسان يلبس القناع. جاء ليجعل الإنسان يدخل في العقيدة الفاسدة. جاء ليجعل الإنسان يهرب من الحرية. من يجسد الحداثة هو لينين وحده. لينين في وصيته يجسد الحداثة، بعرف كانط، أعظم فيلسوف للحداثة، في كتابه ما هو التنوير، الذي دعا إلى التفكير المستقل. كانط قال: Sapere aude! تجرأ أن تعرف! لينين قال: تعلّموا! فكّروا بفكر ناقد نفاذ! لا تقتصروا على الشعارات! كانط قال: اخرج من قصرك. لينين قال: اخرج من قصر الشعار. اخرج من قصر الحزب. اخرج من قصر ستالين. اخرج من قصر بريمر. كانط قال: لا تقبل أن يفكر عنك القسيس. لينين قال: لا تقبل أن يفكر عنك الحزب. لا تقبل أن يفكر عنك ستالين. لا تقبل أن يفكر عنك بريمر. فكّر أنت. اغنِ ذاكرتك أنت. انظر بعين نافذة أنت. لينين هو كانطي. لينين هو حداثي. لينين هو تنويري. والحزب تخلى عن تعاليم لينين في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993. وهذه هي النقطة التي تفسر كل شيء: لماذا دخل الحزب مجلس الحكم؟ لماذا قال حشر مع الناس عيد؟ لماذا صار عبداً طوعياً؟ لم يعلق بريمر أحداً على أعواد المشانق، والحزب دخل طوعاً. لماذا؟ لأن الحزب تخلى عن لينين، وتخلى عن كانط، وتخلى عن الحداثة، في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993. ماذا حدث في 1993؟ في 1993، عقد الحزب مؤتمره، وسماه: مؤتمر الديمقراطية والتجديد. وكان المفروض أن يكون تجديداً. وكان المفروض أن يكون عودة إلى لينين. لكنه كان في الحقيقة تخلياً عن لينين. الحزب في 1993 قال: نحن سنتجدد. نحن سنترك الماركسية اللينينية القديمة. نحن سنكون حزباً ديمقراطياً مدنياً. نحن سنكون حزباً بلا لون ولا رائحة. ماذا يعني هذا بلغة كانط؟ يعني: نحن سنتخلى عن Sapere aude. نحن سنتخلى عن تجرأ أن تعرف. نحن سنقبل أن يفكر عنا غيرنا. نحن سنقبل أن نكون قصّراً. نحن سنقبل أن نعود إلى القصور الذي جلبناه على أنفسنا. الحزب في 1993 تخلى عن وصية لينين، نقطة نقطة، كلمة كلمة: أولاً: تخلى عن التعليم. لينين قال، حرفياً: "وإذا أتناول مسألة مهمات الشباب من وجهة النظر هذه يترتب علي أن أقول أن المهمات الموضوعة أمام الشباب بوجه عام وأمام اتحادات الشبيبة الشيوعية وجميع المنظمات الأخرى بوجه خاص يمكن تحديدها بكلمة واحدة : التعليم ." الحزب في 1993 قال: لا. المهمة ليست التعليم. المهمة هي الدخول في العملية السياسية. المهمة هي أن نكون واقعيين. المهمة هي أن نكون مع الناس. حشر مع الناس عيد. المهمة هي أن نكون دولة مدنية. المهمة هي أن نكون ديمقراطيين. الحزب استبدل التعليم بالدخول. استبدل التعلم بالتوافق الآلي. استبدل الحديقة بمجلس الحكم. استبدل الطفل الذي يتعلم المشي بالطفل الذي يُؤمر أن يمشي. ثانياً: تخلى عن إغناء الذاكرة. لينين قال، حرفياً: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." الحزب في 1993 قال: لا. لا نحتاج أن نغني ذاكرتنا. نحتاج أن نحفظ شعاراً جديداً: دولة مدنية. دولة مدنية ديمقراطية بلا لون ولا رائحة. نحتاج أن نحفظ شعار الديمقراطية والتجديد. نحتاج أن ننسى كل الثروات الفكرية، ونكتفي بشعار واحد. الحزب استبدل إغناء الذاكرة بحفظ الشعار. استبدل العلم بالشعار. استبدل كانط بالشعار. استبدل لينين بالشعار. ثالثاً: تخلى عن الفكر الناقد النفاذ. لينين قال، حرفياً: "إن الشيوعي الذي يدعي الشيوعية لأنه تعلم استنتاجات جاهزة , دون أن يقوم بعم لكبير جدي كثيرا وصعب جدا , دون أن ينظر بعين نافذة إلى الوقائع التي يترتب عليه أن يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ , إن مثل هذا الشيوعي يدعو للرثاء ." الحزب في 1993 قال: نحن سنقبل الاستنتاجات الجاهزة. نحن سنقبل أن الديمقراطية هي الحل، بدون أن ننظر بعين نافذة إلى الوقائع. نحن سنقبل أن الدولة المدنية هي الحل، بدون أن ننظر بعين نافذة إلى الوقائع. نحن سنقبل أن التجديد هو أن نترك اللينينية، بدون أن ننظر بعين نافذة إلى الوقائع. الحزب صار هو الشيوعي الذي يدعو للرثاء. صار هو الذي تعلم استنتاجات جاهزة، دون عمل كبير جدي صعب، دون فكر ناقد نفاذ. رابعاً: تخلى عن التحذير من الشعارات. لينين قال، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه, وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." الحزب في 1993 فعل بالضبط ما حذر منه لينين. اقتصر على استيعاب الشعارات فقط. شعار وطن حر وشعب سعيد. شعار دولة مدنية. شعار ديمقراطية وتجديد. وألحق ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. الحزب لم يدرك الخطر في حينه. ولم ترمِ جهوده كلها إلى اجتنابه. بل رمت جهودها كلها إلى أن تكون شعاراً. فصار عنده شباب يسمون أنفسهم شيوعيين، وهم في الحقيقة لابسو قناع. يسمون أنفسهم مدنيين، وهم في الحقيقة عبيد طوعيون. خامساً: تخلى عن الأخلاق الطبقية. لينين قال، حرفياً: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." الحزب في 1993 قال: لا. أخلاقنا تنبثق من مصالح الديمقراطية. من مصالح الدولة المدنية. من مصالح الجميع. من مصالح بلا لون ولا رائحة. نحن لسنا مع البروليتاريا ضد البرجوازية. نحن مع الجميع. نحن مع الناس. حشر مع الناس عيد. الحزب تخلى عن الأخلاق الطبقية، وقبل أخلاق القناع. قبل أخلاق الدولة بلا لون ولا رائحة. قبل أخلاق مجلس الحكم. ولهذا، عندما جاء بريمر سنة 2003، وفتح باب مجلس الحكم، كان الحزب جاهزاً للدخول. لأنه كان قد تخلى عن لينين منذ 1993. كان قد تخلى عن الحداثة منذ 1993. كان قد تخلى عن كانط منذ 1993. كان قد تخلى عن تجرأ أن تعرف منذ 1993. كان قد تخلى عن التعليم منذ 1993. كان قد تخلى عن إغناء الذاكرة منذ 1993. كان قد تخلى عن الفكر الناقد منذ 1993. كان قد تخلى عن التحذير من الشعارات منذ 1993. كان قد تخلى عن الأخلاق الطبقية منذ 1993. الحزب الذي تخلى عن لينين في 1993، لا يستطيع أن يقول لا لبريمر في 2003. لأن من تخلى عن التفكير المستقل، سيقبل أن يفكر عنه بريمر. من تخلى عن الحداثة، سيقبل الفاشية. من تخلى عن التنوير، سيقبل الظلام. من تخلى عن التعليم، سيقبل الشعار. من تخلى عن الحديقة، سيقبل مجلس الحكم. من تخلى عن الطفل الذي يمشي بنفسه، سيقبل الطفل الذي يُؤمر أن يمشي. بريمر لم يأتِ من فراغ. بريمر جاء لأن الحزب كان قد أفرغ نفسه من لينين. بريمر ملأ الفراغ الذي تركه الحزب عندما تخلى عن لينين في 1993. بريمر لم يعلق أحداً على أعواد المشانق، لأن الحزب كان قد علق نفسه بنفسه في 1993. الحزب كان قد لبس القناع في 1993. الحزب كان قد دخل في العقيدة الفاسدة في 1993. الحزب كان قد هرب من الحرية في 1993. الحزب كان قد صار عبداً طوعياً في 1993. وعندما جاء بريمر في 2003، وجد عبداً طوعياً جاهزاً، ينتظر أن يدخل مجلس الحكم، ويقول: حشر مع الناس عيد. الخلاصة: لينين يجسد الحداثة. لينين هو كانط الماركسي. لينين يقول: تجرأ أن تعرف. تعلّم. فكّر بفكر ناقد نفاذ. اغنِ ذاكرتك. لا تقتصر على الشعارات. أخلاقك من نضال البروليتاريا. بريمر لا يجسد الحداثة. بريمر يجسد الفاشية. بريمر يقول: لا تتجرأ أن تعرف. أطعني. ادخل مجلس الحكم. كن عبداً طوعياً. كن نيوليبرالياً فاشياً بقناع مدني. الحزب تخلى عن لينين في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993. تخلى عنه نقطة نقطة: تخلى عن التعليم، وتخلى عن إغناء الذاكرة، وتخلى عن الفكر الناقد، وتخلى عن التحذير من الشعارات، وتخلى عن الأخلاق الطبقية. ومنذ ذلك اليوم، تخلى عن الحداثة، وتخلى عن كانط، وتخلى عن التنوير، وصار جاهزاً لأن يدخل طوعاً في مجلس حكم بريمر الفاشي، وأن يقول: حشر مع الناس عيد. ولهذا، العودة إلى لينين ليست عودة إلى الماضي. العودة إلى لينين هي عودة إلى الحداثة. عودة إلى كانط. عودة إلى تجرأ أن تعرف. عودة إلى التعليم. عودة إلى الحديقة. عودة إلى الطفل الذي يتعلم المشي بنفسه. عودة إلى أن تقول لا لمجلس الحكم. عودة إلى أن تنزع القناع. عودة إلى أن تخرج من العبودية الطوعية.
4. الحزب لا زال يقول أنه يتبنى الماركسية - لكن أي ماركسية؟ الحزب لا زال يقول أنه يتبنى الماركسية. هو لا يقول: نحن تركنا الماركسية. هو يقول: نحن ماركسيون. نحن لينينيون. نحن مع ماركس ولينين. لكن السؤال هو: أي ماركسية؟ أي لينين؟ هل هي ماركسية لينين في وصيته؟ أم ماركسية القناع؟ هذا هو الفرق الذي يكشف القناع الأخير. أولاً: ماركسية لينين هي ماركسية التعليم. ماركسية الحزب هي ماركسية الشعار. لينين قال في وصيته، حرفياً: "وإذا أتناول مسألة مهمات الشباب من وجهة النظر هذه يترتب علي أن أقول أن المهمات الموضوعة أمام الشباب بوجه عام وأمام اتحادات الشبيبة الشيوعية وجميع المنظمات الأخرى بوجه خاص يمكن تحديدها بكلمة واحدة : التعليم ." الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكنه لا يقول للشباب: تعلّموا. هو يقول للشباب: رددوا. رددوا وطن حر وشعب سعيد. رددوا دولة مدنية. رددوا ديمقراطية وتجديد. هذا ليس تعليماً. هذا ترديد. هذا هو ما حذر منه لينين، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه ، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات , الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية , لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." الحزب اقتصر على الشعارات فقط. فألحق ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. ومع ذلك يقول: نحن نتبنى الماركسية. نعم، يتبنى ماركسية الشعارات. يتبنى ماركسية القناع. لا يتبنى ماركسية لينين. ثانياً: ماركسية لينين هي ماركسية إغناء الذاكرة. ماركسية الحزب هي ماركسية إفراغ الذاكرة. لينين قال، حرفياً: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكنه في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993 قال: لا نحتاج أن نغني ذاكرتنا. نحتاج أن ننسى الماركسية اللينينية القديمة. نحتاج أن نكون حزباً ديمقراطياً مدنياً بلا لون ولا رائحة. هل هذا إغناء للذاكرة؟ لا. هذا إفراغ للذاكرة. هذا هو عكس لينين. الحزب يقول: نحن ماركسيون. لكنه أفرغ الماركسية من محتواها. أفرغها من التعليم. أفرغها من الفكر الناقد. أفرغها من الأخلاق الطبقية. وأبقى على الاسم فقط. أبقى على القناع فقط. هذا هو القناع عند المحلل النفسي يونغ. القناع يقول: أنا ماركسي. والوجه الحقيقي يقول: أنا نيوليبرالي في مجلس الحكم. ثالثاً: ماركسية لينين هي ماركسية الفكر الناقد النفاذ. ماركسية الحزب هي ماركسية الاستنتاجات الجاهزة. لينين قال، حرفياً: "إن الشيوعي الذي يدعي الشيوعية لأنه تعلم استنتاجات جاهزة , دون أن يقوم بعم لكبير جدي كثيرا وصعب جدا , دون أن ينظر بعين نافذة إلى الوقائع التي يترتب عليه أن يتبصر بها بفكر ناقد نفاذ , إن مثل هذا الشيوعي يدعو للرثاء ." الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكن ماركسيته هي استنتاجات جاهزة. استنتاج جاهز: دولة مدنية. استنتاج جاهز: ديمقراطية. استنتاج جاهز: تجديد. استنتاج جاهز: حشر مع الناس عيد. استنتاج جاهز: الدخول في العملية السياسية. هل نظر الحزب بعين نافذة إلى الوقائع؟ هل نظر بفكر ناقد نفاذ إلى مجلس الحكم؟ هل نظر إلى بريمر؟ هل نظر إلى النيوليبرالية؟ لا. لو نظر، لما دخل. لو نظر، لقال: هذا مجلس حكم نيوليبرالي فاشي. هذا ليس وطناً حراً. هذا ليس شعباً سعيداً. الحزب لم ينظر. الحزب قبل الاستنتاج الجاهز. ولهذا هو الشيوعي الذي يدعو للرثاء، ومع ذلك يقول: نحن نتبنى الماركسية.
رابعاً: ماركسية لينين هي ماركسية كانط. ماركسية الحزب هي ماركسية ضد كانط. لينين يجسد الحداثة. لينين يقول: تجرأ أن تعرف. Sapere aude! الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكنه يقول للشبيبة: لا تتجرأوا أن تعرفوا. احفظوا. رددوا. ادخلوا مع الناس. لا تفكروا وحدكم. نحن نفكر عنكم. هذا ليس كانط. هذا عكس كانط. هذا عكس الحداثة. هذا عكس التنوير. الحزب يتبنى ماركسية بلا كانط. ماركسية بلا تنوير. ماركسية بلا تجرأ أن تعرف. هل هذه ماركسية؟ لا. هذه ماركسية القناع. ماركسية الشعار. ماركسية الصنم. خامساً: ماركسية لينين هي ماركسية الأخلاق الطبقية. ماركسية الحزب هي ماركسية بلا لون ولا رائحة. لينين قال، حرفياً: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكنه يقول: نحن مع دولة مدنية ديمقراطية بلا لون ولا رائحة. نحن مع الجميع. نحن مع الفقراء والأغنياء. نحن مع العمال والمستثمرين. نحن مع الناس. هل هذه أخلاق البروليتاريا؟ لا. هذه أخلاق قناع يونغ. أخلاق الدولة بلا لون ولا رائحة. أخلاق مجلس الحكم. الحزب يتبنى الماركسية بالاسم، ويتبنى النيوليبرالية بالفعل. يتبنى الماركسية باللسان، ويتبنى مجلس الحكم بالقلب. هذا هو الإنسان المزدوج. سادساً: وهذا هو ما قاله بلانكو وإكو. بلانكو وإكو قالا: "Fascism and communism can become identical in the unconscious if both are idealized as absolute justice." "يمكن للفاشية والشيوعية أن تصبحا متطابقتين في اللاوعي، إذا ما جرى في كلتا الحالتين إضفاء طابع مثالي عليهما بوصفهما تجسيداً للعدالة المطلقة." الحزب يقول: نحن نتبنى الماركسية. لكنه جعل الماركسية صنماً للعدالة المطلقة. جعل الحزب صنماً للعدالة المطلقة. جعل شعار دولة مدنية صنماً للعدالة المطلقة. جعل مجلس الحكم صنماً للعدالة المطلقة. وعندما تصبح الماركسية صنماً للعدالة المطلقة، تصبح في اللاوعي متطابقة مع الفاشية. لأن اللاوعي في التحليل النفسي لا يفهم الفرق بين البرامج. اللاوعي يفهم شيئاً واحداً: هل أنت حر تفكر، أم أنت عبد تعبد؟ الحزب يعبد الماركسية، ولا يفكر بالماركسية. يعبد الشعار، ولا يتعلم الشعار. يعبد الدولة المدنية، ولا يبني الدولة المدنية. ولهذا، عندما يقول الحزب: نحن نتبنى الماركسية، فهو يقول الحقيقة باللسان، ويخدع بالفعل. هو يتبنى الماركسية كقناع، لا كعلم. كشعار، لا كتعليم. كصنم، لا كطريقة. الخلاصة: نعم، الحزب لا زال يقول أنه يتبنى الماركسية. لكنه يتبنى ماركسية الشعار، لا ماركسية التعليم. يتبنى ماركسية القناع، لا ماركسية الأصالة. يتبنى ماركسية الاستنتاجات الجاهزة، لا ماركسية الفكر الناقد النفاذ. يتبنى ماركسية بلا كانط، بلا تجرأ أن تعرف، بلا حداثة، بلا تنوير. يتبنى ماركسية بلا لون ولا رائحة، بلا أخلاق طبقية، بلا بروليتاريا. يتبنى ماركسية الصنم، ماركسية العدالة المطلقة، التي تصبح في اللاوعي متطابقة مع الفاشية. والحزب الذي يتبنى الماركسية هكذا، هو حزب تخلى عن لينين في 1993، وتخلى عن كانط، وتخلى عن الحداثة، ودخل طوعاً في مجلس حكم بريمر، وقال: حشر مع الناس عيد، ولم يعلق بريمر أحداً على أعواد المشانق. ولهذا، العودة إلى الماركسية ليست أن تقول: أنا ماركسي. العودة إلى الماركسية هي أن تعود إلى لينين. أن تعود إلى التعليم. أن تعود إلى إغناء الذاكرة. أن تعود إلى الفكر الناقد النفاذ. أن تعود إلى تجرأ أن تعرف. أن تعود إلى الحديقة. أن تعود إلى الطفل. أن تنزع القناع. أن تقول لا لمجلس الحكم.
5. الحزب يقول أنه يبني مقره الجديد ليكون بيتاً للشعب. وهو لا يقول ليكون بيتاً للكادحين الحزب يقول: نحن نبني مقرنا الجديد ليكون بيتاً للشعب. هذه هي عبارته. حرفياً. بيتاً للشعب. بيت الشعب كله. بيت الجميع. والحزب لا يقول: ليكون بيتاً للكادحين. هو لا يقول هذه الجملة. هو لا يقول: بيتاً للكادحين. هو يسكت عنها. هو يحذفها. هو يمر عليها مرور الكرام، كأن الكادحين غير موجودين. كأن الكادحين ليسوا هم الأساس. كأن الكادحين هم جزء من الشعب، لا أكثر. جزء صغير، لا يستحق أن يُذكر اسمه على البناء. وهذا الصمت هو كل شيء. لأن الصمت هنا ليس نسياناً. الصمت هنا هو اختيار. هو تخلي. هو انقلاب صامت على لينين في 1993، يترجم اليوم إلى حجر، إلى مقر، إلى بناء. لماذا الصمت أخطر من النفي؟ لو قال الحزب: نحن نبني مقرنا ليكون بيت الشعب وليس بيت الكادحين، لقلنا له: أنت تخليت عن الماركسية. أنت تخليت عن لينين. أنت تخليت عن الطبقة. ولكان النقاش واضحاً. لكن الحزب لا يقول هذا. الحزب يقول: بيتاً للشعب. ويصمت عن الكادحين. ويتركك أنت تفهم أن الكادحين داخل الشعب. أن الكادحين جزء من الشعب. أن لا حاجة لذكرهم بالاسم. أن الشعب يكفي. وهذا هو القناع عند يونغ. القناع يقول: أنا بيت الشعب. والوجه الحقيقي، الذي لا يُقال، هو: أنا لست بيت الكادحين. أنا لست بيت البروليتاريا. أنا لست بيت العمال. وهذا هو العقيدة الفاسدة عند سارتر. هو يعرف أنه تخلى عن الكادحين، لكنه يدعي أنه لم يتخلَ. هو يعرف أنه لم يقل: بيتاً للكادحين، لكنه يدعي أن الشعب يشمل الكادحين، فلا حاجة لذكرهم. هو يخدع نفسه، ويدعي أنه لا يعرف أنه يخدع. وهذا هو الهروب من الحرية عند المحلل النفسي الماركسي اريك فروم. هو هرب من حرية أن يقول: نحن بيت الكادحين. لأن أن تقول: نحن بيت الكادحين، هذا يحتاج إلى حرية. يحتاج إلى أن تقول: نحن مع الكادحين، ضد المستغِل-الطفيلي. نحن مع العمال. نحن مع من رُمي على قارعة الطريق، ضد من رماه. هذا القول يحتاج إلى شجاعة. يحتاج إلى أن تتحمل أن يقول عنك بريمر او من حل محله: أنت متطرف. أنت طبقي. أنت قديم. فالحزب هرب. هرب إلى كلمة عامة، مريحة، بلا لون ولا رائحة: الشعب. كلمة يقبلها الجميع. كلمة لا تغضب أحداً. كلمة لا تقول شيئاً. كلمة بيت الشعب. ما الفرق بين بيت الشعب وبيت الكادحين؟ بيت الكادحين يعني: بيت العمال والفلاحين والفقراء. بيت من يكدح. بيت من يعرق. بيت من ينتج. بيت البروليتاريا. لينين قال في وصيته، حرفياً: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." بيت الكادحين يعني: نحن مع البروليتاريا. نحن مع من لا يملك، ضد من يملك (وسائل الانتاج ويستغِل). نحن مع من ينتج، ضد من يسرق الإنتاج. بيت الشعب يعني: بيت الجميع. بيت الفقير والغني. بيت العامل وصاحب المصنع. بيت الكادح والبورجوازي. بيت الضحية والجلاد. بيت من أغلق المصانع، وبيت من أُغلقت مصانعه. بيت من سرق 8 مليارات دولار، وبيت من سُرق منه. عندما تقول: بيتاً للشعب، أنت لا تقول شيئاً. أنت تقول: نحن بيت الجميع. نحن بيت لا أحد. نحن بيت بلا لون ولا رائحة. نحن بيت الدولة المدنية. نحن بيت الديمقراطية والتجديد 1993. نحن بيت مجلس الحكم. نحن بيت العملية السياسية. وعندما لا تقول: بيتاً للكادحين، أنت تقول كل شيء. أنت تقول: الكادحون ليسوا أولويتنا. الكادحون ليسوا هم الأساس. الكادحون هم جزء من الشعب، مثلهم مثل غيرهم. مثلهم مثل المستثمر. مثلهم مثل صاحب المصنع. مثلهم مثل من أغلق آلاف المصانع وألقى بنصف مليون عامل على قارعة الطريق. هل هذا هو لينين؟ لا. هل هذا هو ماركس؟ لا. هل هذا هو الماركسية؟ لا. هذه هي الماركسية بالقناع. الماركسية بالاسم، بلا طبقة. الماركسية بالشعار، بلا كادحين. ولهذا، الصياغة الدقيقة هي: الحزب يقول أنه يبني مقره الجديد ليكون بيتاً للشعب. وهو لا يقول ليكون بيتاً للكادحين. هو لا ينفي الكادحين بصوت عالٍ. هو يسكت عنهم. هو يحذفهم بالصمت. هو يغيّبهم بالإهمال. وهذا هو التخلي. وهذا هو الانقلاب الصامت على لينين في 1993. الحزب الذي كان يقول في الماضي: نحن بيت الكادحين، صار اليوم يقول: نحن بيت الشعب. ولم يعد يقول: بيت الكادحين. الحزب الذي كان يقول: نحن مع البروليتاريا، صار اليوم يقول: نحن مع الشعب: طريق الشعب. ولم يعد يقول: نحن مع البروليتاريا. الحزب الذي كان يقول: أخلاقنا من نضال البروليتاريا، صار اليوم يقول: أخلاقنا من الشعب كله. ولم يعد يقول: أخلاقنا من البروليتاريا. وهذا هو الفرق بين أن تقول شيئاً، وأن لا تقول شيئاً. أن لا تقول: بيتاً للكادحين، هو أن تقول: نحن لم نعد حزب الكادحين. ولهذا، الكادحون يعرفون الفرق. الكادح يذهب إلى المقر الجديد، ويسمع: هذا بيت الشعب. فيقول في نفسه: أين بيتي أنا؟ أين بيت الكادحين؟ أين بيت العمال الذين رُميوا على قارعة الطريق؟ أين بيت من أُغلقت مصانعهم؟ فلا يجد بيتاً. يجد بيت الشعب. يجد بيت الجميع. يجد بيت لا أحد. فيخرج، ولا يصوت. ولهذا حصل الحزب على 3000 صوت في بغداد. لأن الكادح لا يريد بيت الشعب. الكادح يريد بيت الكادحين. الكادح يريد بيتاً يقول: نحن معك، ضد من سرقك. نحن معك، ضد من أغلق مصنعك. نحن معك، ضد من مص دمك. نحن معك، ضد من أنتج الموت. بيت الشعب لا يقول هذا. بيت الشعب يقول: نحن مع الجميع. نحن معك ومع من سرقك. نحن معك ومع من أغلق مصنعك. نحن مع الجميع. حشر مع الناس عيد. ولهذا، العودة إلى الماركسية ليست أن تبني بيتاً للشعب. العودة إلى الماركسية هي أن تبني بيتاً للكادحين. أن تقول بصوت عالٍ: هذا بيت الكادحين. أن تعود إلى لينين. أن تعود إلى التعليم. أن تعود إلى تجرأ أن تعرف. أن تعود إلى الحديقة. أن تعود إلى الطفل. أن تنزع القناع. أن تقول: نحن مع الكادحين.
6. بيت الشعب مفهوم خاطئ طبقياً وماركسياً - فهل سيرحب المقر بالفاسدين لأنهم جزء من الشعب؟ بيت الشعب مفهوم خاطئ طبقياً وماركسياً. لأن الشعب ليس واحداً. الشعب فيه طبقات. فيه من يسرق ومن يُسرق. فيه من يمص الدم ومن يُمص دمه. فيه من ينتج الموت ومن يموت. والسؤال الذي يفضح القناع هو: فهل الفاسدون في العملية السياسية هم أيضاً جزء من الشعب؟ فهل سيحتضنهم المقر ويرحب بهم لأنهم جزء من الشعب؟! هذا السؤال وحده يكفي لكي يسقط بيت الشعب. أولاً: الشعب ليس واحداً. ماركس قال: تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي. لا يوجد شعب واحد. يوجد شعبان: شعب يملك، وشعب لا يملك. شعب يأكل من عرق غيره، وشعب يأكل من عرقه. لينين قال في وصيته، حرفياً: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." أي أننا لسنا مع الشعب كله. نحن مع جزء من الشعب، ضد جزء آخر من الشعب. نحن مع البروليتاريا، ضد الرأسمالية. نحن مع الكادحين، ضد من يستغل الكادحين. عندما يقول الحزب: مقرنا الجديد سيكون بيتاً للشعب، فهو يقول: نحن مع الشعب كله. نحن مع الجميع. وهذا خطأ طبقي. وهذا خطأ ماركسي. لأن الشعب كله لا يمكن أن يكون في بيت واحد. لأن البيت الواحد لا يمكن أن يجمع السارق والمسروق. لا يمكن أن يجمع الجلاد والضحية. لا يمكن أن يجمع من أنتج الموت ومن مات. ثانياً: من هو الشعب؟ هل الفاسدون جزء من الشعب؟ هذا هو السؤال. وهو سؤال قاتل. الفاسدون في العملية السياسية، من هم؟ هم الذين سرقوا العراق. هم الذين أغلقوا آلاف المصانع العراقية، وألقوا بنصف مليون عامل على قارعة الطريق. هم الذين قال عنهم الحزب نفسه في مقالة انتفاضة العراق انتفاضة ضد الفاشية، حرفياً: "انها طبقة خارج التاريخ وينبغي قبرها باسرع وقت ممكن, فهي ماكنة هائلة لانتاج الموت ومص دماء البشر." هل هؤلاء جزء من الشعب؟ نعم، هم عراقيون. هم يحملون الجنسية العراقية. هم جزء من الشعب بالمعنى الجغرافي. بالمعنى القانوني. بالمعنى الإحصائي. فهل سيحتضنهم المقر؟ هل سيرحب بهم المقر؟ هل سيفتح لهم المقر أبوابه، ويقول لهم: أهلاً بكم في بيت الشعب، لأنكم جزء من الشعب؟ إذا كان المقر بيتاً للشعب، فالجواب يجب أن يكون: نعم. لأنهم جزء من الشعب. لأن بيت الشعب هو بيت الجميع. بيت الفاسد والنزيه. بيت السارق والمسروق. بيت من أنتج الموت ومن مات. هل سيقول الحزب هذا؟ هل سيقول: نعم، سنرحب بالفاسدين في مقرنا الجديد، لأنهم جزء من الشعب؟ طبعاً لا. الحزب لن يقول هذا. الحزب سيقول: لا، نحن ضد الفاسدين. نحن ضد العملية السياسية الفاسدة. نحن ضد من سرق العراق. لكن إذا كان الحزب ضد الفاسدين، فكيف يقول أن مقره بيتاً للشعب؟ لأن الشعب يشمل الفاسدين. الشعب يشمل من سرق العراق. الشعب يشمل من أغلق المصانع. الشعب يشمل من مص دماء البشر. هنا يظهر التناقض. هنا يظهر القناع. هنا تظهر العقيدة الفاسدة. الحزب يقول: بيتاً للشعب. وهو يعرف في داخله أن الشعب يشمل الفاسدين. وهو يعرف أنه لا يريد الفاسدين في بيته. لكنه يقول: بيتاً للشعب. وهو يخدع نفسه، ويدعي أنه لا يعرف أنه يفعل. هذا هو صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. الحزب يقول: بيتاً للشعب. وهو يعرف أنه يقصد: بيتاً للشعب النظيف. بيتاً للشعب الجيد. بيتاً للشعب الذي نختاره نحن. لكنه لا يقول هذا. هو يقول: بيتاً للشعب، كله. ويصمت عن أن الشعب فيه فاسدون. ثالثاً: بيت الكادحين يحل المشكلة. بيت الشعب يخلق المشكلة. لو قال الحزب: مقرنا الجديد سيكون بيتاً للكادحين، لكان الجواب واضحاً: الفاسدون ليسوا كادحين. الفاسدون لا يكدحون. الفاسدون يسرقون. الفاسدون يمصون الدماء. الفاسدون ينتجون الموت. إذن الفاسدون ليسوا في بيت الكادحين. بيت الكادحين لا يرحب بالفاسدين. بيت الكادحين يطرد الفاسدين. بيت الكادحين يقول للفاسد: أنت لست منا. أنت عدونا. أنت من الطبقة التي نناضل ضدها. هذا هو المفهوم الماركسي الصحيح. هذا هو المفهوم الطبقي الصحيح. هذا هو لينين. هذا هو ماركس. أما بيت الشعب، فهو لا يستطيع أن يطرد الفاسدين. لأن الفاسدين جزء من الشعب. فإذا طردهم، فهو ليس بيت الشعب كله. وإذا رحب بهم، فهو بيت الفاسدين. بيت الشعب يقع في فخ. فخ التناقض. فخ القناع. فخ العقيدة الفاسدة. ولهذا، بيت الشعب مفهوم خاطئ طبقياً وماركسياً. لأنه يلغي الطبقة. يلغي الصراع الطبقي. يلغي أن هناك من يسرق ومن يُسرق. يلغي أن هناك من يمص الدم ومن يُمص دمه. رابعاً: هذا هو ما حدث في مجلس الحكم. مجلس الحكم كان بيت الشعب. مجلس الحكم كان فيه الجميع. كان فيه الشيوعي والبعثي والعمامة والنيوليبرالي والفاسد والنزيه. كان بيت الشعب كله. وكان النتيجة: إغلاق آلاف المصانع، ورمي نصف مليون عامل على قارعة الطريق، وسرقة 8 مليارات دولار من خزينة إعمار العراق، على يد اللص الدولي بول بريمر. مجلس الحكم كان بيت الشعب. ولهذا كان بيت الفاسدين. ولهذا كان بيت السرقة. ولهذا كان بيت الموت. بيت الكادحين كان سيقول لا لمجلس الحكم. بيت الكادحين كان سيقول: نحن مع الكادحين، ضد الفاسدين. نحن مع من رُمي على قارعة الطريق، ضد من رماه. نحن مع من سُرق، ضد من سرق. بيت الشعب قال: نحن مع الجميع. نحن مع من رمى ومن رُمي. نحن مع من سرق ومن سُرق. نحن مع الجميع. حشر مع الناس عيد. ولهذا دخل الحزب مجلس الحكم طوعاً. لأن مجلس الحكم كان بيت الشعب. والحزب كان قد صار حزب بيت الشعب منذ 1993. منذ مؤتمر الديمقراطية والتجديد. منذ أن تخلى عن بيت الكادحين، وقبل بيت الشعب. خامساً: لذا السؤال: فهل الفاسدون في العملية السياسية هم أيضاً جزء من الشعب؟ فهل سيحتضنهم المقر ويرحب بهم لأنهم جزء من الشعب؟! إذا قال الحزب: نعم، سنرحب بهم، لأنهم جزء من الشعب، فهو يعترف أنه بيت الفاسدين. أنه بيت من أنتج الموت ومص دماء البشر. وإذا قال الحزب: لا، لن نرحب بهم، لأنهم فاسدون، فهو يعترف أن مقره ليس بيت الشعب كله. أنه بيت جزء من الشعب، ضد جزء آخر من الشعب. أنه بيت الكادحين، ضد الفاسدين. وأنه كان مخطئاً عندما قال: بيتاً للشعب. وأنه كان يجب أن يقول: بيتاً للكادحين. في الحالتين، بيت الشعب يسقط. في الحالتين، القناع يسقط. في الحالتين، يظهر الوجه الحقيقي: إما أنك بيت الفاسدين، أو أنك بيت الكادحين. لا يوجد حل ثالث. لا يوجد بيت الشعب. هذا هو الفكر الناقد النفاذ عند لينين. هذا هو تجرأ أن تعرف عند كانط. هذا هو أن تنزع القناع عند يونغ. هذا هو أن تخرج من العقيدة الفاسدة عند سارتر. هذا هو أن لا تهرب من الحرية عند فروم. الخلاصة: بيت الشعب مفهوم خاطئ طبقياً وماركسياً. لأن الشعب فيه الفاسدون. والفاسدون في العملية السياسية هم جزء من الشعب بالمعنى الجغرافي. فهل سيحتضنهم المقر ويرحب بهم لأنهم جزء من الشعب؟ إذا رحب بهم، فالمقر بيت الفاسدين. وإذا لم يرحب بهم، فالمقر ليس بيت الشعب كله، بل بيت جزء من الشعب ضد جزء آخر. والجزء الذي يجب أن يكون المقر بيته هو الكادحون. الكادحون ضد الفاسدين. العمال ضد من أغلق مصانعهم. الفقراء ضد من سرقهم. من يُمص دمه ضد من يمص دمه. ولهذا، الحزب يقول: مقرنا الجديد سيكون بيتاً للشعب. وهو لا يقول: ليكون بيتاً للكادحين. وهو يسكت عن الفاسدين. وهو يسكت عن أن الفاسدين جزء من الشعب. وهو يسكت عن أنه سيضطر أن يرحب بهم أو يطردهم. وهذا الصمت هو القناع. وهذا الصمت هو العقيدة الفاسدة. وهذا الصمت هو الهروب من الحرية. وهذا الصمت هو التخلي عن لينين في 1993. والحل هو أن يقول الحزب بصوت عالٍ: مقرنا الجديد سيكون بيتاً للكادحين. بيتاً للعمال والفلاحين والفقراء. بيتاً لمن رُمي على قارعة الطريق. بيتاً لمن أُغلقت مصانعه. بيتاً لمن سُرق. لا بيتاً للفاسدين. لا بيتاً لمن سرق. لا بيتاً لمن أنتج الموت ومص دماء البشر. عندها فقط، سيكون المقر بيتاً حقيقياً. بيتاً للكادحين. بيتاً للينين. بيتاً لماركس. بيتاً للحرية.
7. ستالين: عكس لينين من هو ستالين؟ هو الرجل الذي جاء بعد لينين، وحكم الاتحاد السوفيتي من 1924 إلى 1953. ستالين كان عكس لينين تماماً. لينين قال: تعلّموا. ستالين قال: أطيعوا. ستالين قال: أنا أعرف الحقيقة. الحزب يعرف الحقيقة. أنت لا تعرف. وظيفتك أن تطيع. إذا وافقت، أنت بطل. وإذا رفضت، أنت خائن. ولهذا كان الناس في عهد ستالين يرددون الشعارات في الشارع، ويصفقون في الاجتماعات، لكنهم في بيوتهم، في داخلهم، لا يؤمنون. كانوا خائفين. كانوا يقولون شيئاً في الخارج، ويشعرون بشيء آخر في الداخل. وهذا ما نسميه: الإنسان المزدوج. الإنسان المزدوج هو إنسان منقسم. لسانه يقول نعم، وقلبه يقول لا. وهذا الإنسان لا يمكن أن يبني وطناً حراً. لأنه هو نفسه ليس حراً. *تحنيط لينين* ستالين لم يقتل لينين بالرصاص. قتله بطريقة أخطر. حنّطه. وكان تحنيطه للينين منسجماً مع نشأته الدينية.
حوّله من قائد ثورة حي إلى مومياء في ضريح، من أيقونة ثورية إلى صنم يُزار ويُقبّل ويُعبد. لينين الذي كان يقول: حلّل، فكّر، تجاوزني، تحوّل إلى جثة محنّطة لا تقول شيئاً.
والإله الصامت هو الإله المثالي للبيروقراطية. لأن الله صامت دوماً، لا يرد، لا يصحّح، لا يقول: هذا ليس كلامي. ولذلك كل إنسان يستطيع أن يتكلم باسمه. يقول: الله قال، الله أراد. والله لن ينزل ليكذّبه.
هذا ما فعله ستالين بلينين. حوّله إلى إله صامت، لكي يستطيع أي أمين عام وأي بيروقراطي أن يقول: لينين قال، ولينين لن يرد.
وبهذا الفعل، أحال ستالين مادية الماركسية إلى مثالية. حوّل النظرية إلى دين آخر، اسمه الستالينية. دين له مومياء بدل برهان، وضريح بدل تنظيم، وكهنة بدل كوادر.
وهذا بالضبط ما فعله الحزب الشيوعي العراقي. هو لم يرث لينين المادي. هو ورث لينين الإله الصامت.
قبَروا لينين، وأبقوا اسمه على القبر، وعلى اللافتة، وعلى الحزب، ثم أحلّوا محله لاحقاً بول بريمر.
لينين في القبر، صامت، محنّط، لا يرد. وبريمر في الحزب، حي، يحكم، يأمر، يكتب الوثائق. وهم دوماً صاغرون، وقاموسهم اللغوي اختزلوه إلى مجرد كلمة واحدة أو كلمتين: نعم سيدي!
فصار الحزب يحمل اسم لينين على الباب، وبريمر يسكن داخله.
ولكنهم وضعوا اسمه على القبر ليس سوى إجابة لسؤال محتمل: من قبَر لينين؟
وهنا يبرز الحزب عضلاته مثل بوباي البحّار بعد أكله السبانخ، ويوسّع صدره، ويصيح بصوت جهوري ليسمعه سابع جار في المنطقة الخضراء أو الحمراء بأنه هو من فعل، وأنه وضع اسم لينين على قبره كدليل على أنه هو الفاعل.
فيصفّق له بريمر ويربّت على كتفه ويقول له: حسناً فعلت أيها الحزب. لقد دفنت ماضيك النتن الآن ودخلت الآن عصر الحرية والديمقراطية، واكتسبت العضوية الفخرية في نادي الليبرالية العالمية، وليس في نادي العلوية أو نادي الصيد في بغداد. إنه شرف ما بعده شرف أنك أول حزب شيوعي يُسمح له بدخول نادي الليبرالية العالمية. لم يحظَ أي حزب شيوعي بمثل هذا السبق من قبل. عليك أن تتصل بمحرر موسوعة غينيس لإدخالك فيها. لنشرب النخب معاً أيها الحزب النجيب! 8. فرويد وإريكسون: ما هو اللاوعي؟ الحديقة والطفل هنا يأتي قلب المقالة. وهنا تأتي الحديقة والطفل. أولاً: ما هو اللاوعي؟ تخيل أن عقلك مثل جبل الجليد في البحر. الجزء الذي تراه فوق الماء هو الوعي، ما تعرفه عن نفسك. والجزء الكبير المخفي تحت الماء هو اللاوعي، ما لا تعرفه عن نفسك: ذكريات الطفولة، مخاوف قديمة، أحلام. ثانياً: من هو فرويد؟ فرويد هو طبيب نمساوي، عاش من 1856 إلى 1939. اسمه سيغموند فرويد. هو أول من قال: الإنسان فيه جزء خفي، اسمه اللاوعي. فرويد اكتشف اللاوعي. لكن مشكلته أنه رأى اللاوعي كغرفة مظلمة مليئة بالأشياء القذرة. وقال: يجب أن نكشفها، ونفضحها، وننظفها. ولهذا كان يأمر اللاوعي. كان يجلس خلف المريض. المريض مستلقٍ على أريكة، لا يراه. والمريض يجب أن يتكلم. وإذا توقف، يقول فرويد: لماذا توقفت؟ أنت تقاوم. وإذا قال المريض حلماً، كان فرويد يفسره فوراً: هذا الحلم يعني أنك تكره أباك. المريض كان يسمع التفسير، فيشعر أن شيئاً غريباً دخل عليه من الخارج. فيقاوم. فرويد كان يقول: مقاومتك تثبت أن تفسيري صحيح. إذا وافقت، أنا على حق. وإذا رفضت، رفضك يثبت أنني على حق. هذا ليس علماً. هذا أمر. وهو بالضبط ما فعله الحزب: إذا وافقت على الشعار أنت مؤمن، وإذا رفضت أنت خائن. ثالثاً: من هو إريكسون؟ إريكسون هو طبيب نفسي أمريكي، عاش من 1901 إلى 1980. اسمه ميلتون إريكسون. وهو عكس فرويد تماماً. عندما كان عمره 17 سنة، أصيب بمرض شلل الأطفال. ما هو شلل الأطفال؟ هو مرض يجعل العضلات لا تتحرك. أصيب بشلل كامل. لا يستطيع أن يتحرك إلا بعينيه. الأطباء قالوا لأمه: ابنك سيموت الليلة. هو سمعهم. لم يمت. بقي ليلة كاملة يراقب جسده. يراقب كيف يحاول دماغه أن يرسل إشارة إلى يده، واليد لا تتحرك. ثم يحاول الدماغ طريقاً آخر. ومنذ تلك الليلة فهم شيئاً لم يفهمه فرويد: الدماغ لا يُؤمر. الدماغ يُحفّز. رابعاً: الحديقة - هذا هو شرح اللاوعي عند إريكسون إريكسون كان يقول: اللاوعي ليس غرفة مظلمة. اللاوعي هو حديقة. تخيل حديقة كبيرة، فيها تربة، وفيها بذور، وفيها ماء، وفيها شمس. فيها بذور أنت زرعتها ونسيتها. فيها بذور زرعها أبوك وأمك وأنت طفل. فيها بذور زرعها المجتمع. بعضها ورد، وبعضها شوك، وبعضها شجرة لم تكبر بعد. وظيفة البستاني ليست أن يأمر الوردة أن تزهر. هل تستطيع أن تصرخ في وجه وردة: أزهري! أزهري الآن! هل ستزهر؟ لا. ستموت من الخوف، أو ستنغلق. وظيفة البستاني هي أن يحضّر التربة. أن يسقي. أن يزيل الحجارة. أن يعطي الشمس فرصة أن تدخل. أن ينتظر. ثم الوردة تزهر بنفسها، في وقتها، بلونها، برائحتها. هذا هو اللاوعي عند إريكسون. وهذه هي الشبيبة عند لينين. وهذه هي الأمة عند الماركسية العلمية. فرويد كان يأتي إلى الحديقة ومعه مقص، ويقص الوردة، ويقول: انظري، أنا أعرف لماذا أنت هكذا. إريكسون كان يأتي إلى الحديقة ومعه ماء، ويسقي، ويقول: أنا أثق أنك تعرفين كيف تزهرين. الحزب فعل مثل فرويد. جاء إلى حديقة الشعب العراقي، ومعه شعار، ومعه مقص، وقال: أزهروا! كونوا سعداء! كونوا أحراراً! فلم تزهر الحديقة. لأن الحديقة لا تُؤمر. الحديقة تحتاج إلى تحضير. تحتاج إلى تعليم. تحتاج إلى أمان. تحتاج إلى أن تزيل الخوف، مثلما تزيل الحجارة. عندها ستزهر. خامساً: الطفل - هذا هو شرح الدماغ عند إريكسون وكان إريكسون يقول أيضاً: الدماغ مثل الطفل الذي يتعلم المشي. تخيل طفلاً صغيراً عمره سنة. يريد أن يمشي. يحاول أن يقف. يقع. يحاول مرة ثانية. يقع. يحاول مرة ثالثة. يقع. أمه لا تقول له: أنت فاشل! أمه لا تقول له: يجب أن تمشي الآن بأمر مني! أمه لا تعطيه كتاباً عن المشي وتقول: اقرأ النظرية ثم امشِ. الأم الحكيمة ماذا تفعل؟ هي تحضّر الأرض. تضع سجادة حتى لا يتأذى عندما يقع. تبتعد قليلاً، وتمد يديها، وتبتسم. وتقول: تعال. والطفل يحاول. يقع. يقوم. يحاول. وفي يوم من الأيام، دون أن يأمره أحد، يمشي. لماذا مشى؟ لأنه هو أراد أن يمشي. لأن دماغه نضج. لأن عضلاته نضجت. لأن التربة كانت جاهزة. لأن الأمان كان موجوداً. فرويد كان يفعل العكس. كان يقول للطفل: يجب أن تمشي لأنني قلت لك أن تمشي. إريكسون كان يقول: لا تأمر الطفل. حضّر له الأرض. واتركه يمشي. هذا هو الدماغ. الدماغ مثل هذا الطفل. لا يمكنك أن تأمره أن يتعلم الماركسية. لا يمكنك أن تأمره أن يكون سعيداً. لا يمكنك أن تأمره أن يكون حراً. يمكنك فقط أن تحضّر له الأرض: تعليم، أمان، قصة، تجربة، ثم تتركه يمشي بنفسه. والحزب فعل مثل فرويد مع الشعب العراقي. قال للشعب: امشِ! كن حراً! كن سعيداً! والشعب كان طفلاً يقع، لأن الأرض لم تكن محضرة. الأرض كانت مليئة بالخوف، والاحتلال، والجوع. فكيف سيمشي؟ لينين فهم هذا. لهذا قال: تعلّموا. أي: حضّروا الأرض. لا تأمروا الطفل أن يمشي. علموه كيف يمشي. اصنعوا له سجادة الأمان. ثم اتركوه يمشي. فرويد قال للاوعي: أطعني، وسأشفيك. إريكسون قال للاوعي: أنت تعرف كيف تشفي نفسك، سأساعدك أن تسمع نفسك. الأول أنتج مقاومة. الثاني أنتج تغييراً.
9. الأنظمة التبديدية وبريغوجين من هو بريغوجين؟ هو عالم كيمياء بلجيكي، اسمه إيليا بريغوجين، عاش من 1917 إلى 2003. أخذ جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1977. جائزة نوبل هي أكبر جائزة علمية في العالم. ماذا اكتشف؟ اكتشف أن الحياة لا تعمل مثل الساعة. الساعة آلة مغلقة. الحياة نظام مفتوح. تأخذ من الخارج، وتعطي للخارج. بريغوجين سمى الأنظمة الحية: الأنظمة التبديدية. ما معنى تبديدية؟ التبديد يعني أن تطرد الفوضى إلى الخارج. شرح بسيط: الحديقة تأخذ من الخارج: شمس، ماء. وتطرد إلى الخارج: حرارة. وبين الأخذ والطرد، تصنع وردة. جسمك يأخذ غذاءً وأكسجين، ويطرد ثاني أكسيد الكربون وحرارة، ويصنع خلايا جديدة. دماغك يأخذ معلومات وتجارب، ويطرد توتراً وخوفاً، ويصنع فكرة جديدة. الشعب يأخذ علماً وثقافة، ويطرد جهلاً وخوفاً، ويصنع ثورة. والنظام التبديدي لا يتغير بالأمر. يتغير عندما تنضج الشروط، فيعمل قفزة. مثل الماء الذي تسخنه. درجة، درجتين... يبقى ماءً. ثم عند 100 درجة، فجأة، قفزة! يتحول إلى بخار. نفس الشيء في الدماغ. تتعلم، تتعلم، ثم فجأة تفهم! قفزة! نفس الشيء في الشعب. يتعلم، يتعلم، ثم فجأة ثورة! قفزة! لا يمكنك أن تأمر الماء أن يتحول إلى بخار عند درجة 50. لا يمكنك أن تأمر الدماغ أن يفهم قبل أن ينضج. لا يمكنك أن تأمر الشعب أن يثور قبل أن تنضج شروطه. يمكنك فقط أن تحضّر الشروط: أن تسخن الماء. أن تعلّم الدماغ. أن تثقف الشعب. ثم تنتظر القفزة.
10. كيمياء الكم كيمياء الكم كلمة تبدو مخيفة. سنشرحها ببساطة. كل شيء في جسمك هو كيمياء. كل فكرة هي كيمياء. كل ذكرى، كل خوف، كل فرح، هي ذرات تتفاعل. وكيمياء الكم هي العلم الذي يشرح كيف تتفاعل هذه الذرات الصغيرة جداً، التي لا تراها بعينك. على مستوى الذرة، كل شيء احتمالي. لا يوجد شيء مؤكد 100%. يوجد احتمال. في دماغك يوجد حوالي 86 مليار خلية عصبية. ما هي الخلية العصبية؟ هي خلية صغيرة جداً في الدماغ، وظيفتها أن تنقل المعلومات. وبين كل خلية وأخرى، يوجد فراغ صغير جداً يسمى المشبك. المشبك هو الجسر بين خليتين. عندما تفكر، تنطلق مواد كيميائية من خلية إلى أخرى عبر هذا الجسر. هذه المواد تسمى نواقل عصبية. منها السيروتونين. السيروتونين هو مادة الفرح. عندما يكون عالياً، تشعر بالراحة. انتقال هذه المواد ليس أمراً ميكانيكياً. هو انتقال احتمالي. لهذا لا يمكنك أن تقول لدماغ شخص: كن سعيداً! وتتوقع أن دماغه سينتج سيروتونين بأمرك. لا. الدماغ سينتج السيروتونين عندما تتوفر الشروط: أمان، نوم، غذاء، انتباه. الشعار لا يصنع السيروتونين. التربة تصنعه. وهناك دليل أهم: الذاكرة. عندما تتعلم شيئاً جديداً، وتثبت الذاكرة في دماغك، يحدث هذا لأن دماغك يصنع بروتينات جديدة. ما هو البروتين؟ هو مادة يبنيها الجسم، مثل الطابوق الذي يبني به البيت. دماغك يصنع طابوقاً جديداً داخل الخلية، ليقوي الاتصال بين الخلايا. هذه العملية تأخذ ساعات. وتحتاج إلى نوم. وتحتاج إلى هدوء. وتحتاج إلى انخفاض الكورتيزول. ما هو الكورتيزول؟ هو هرمون التوتر. هرمون يفرزه الجسم عندما تكون خائفاً. عندما تكون خائفاً طوال الوقت، الكورتيزول يبقى مرتفعاً، والدماغ ينغلق، ولا يصنع البروتين، ولا تثبت الذاكرة. لا يمكنك أن تأمر خلية أن تصنع بروتيناً أسرع. الخلية لا تسمع الأوامر. الخلية تستجيب للشروط. لهذا كان الحزب يردد الشعار 100 مرة، ولا يتعلم أحد. لأن الترديد لا يصنع بروتيناً. الترديد يرفع الكورتيزول، ويمنع صنع البروتين. التعلم يصنع بروتيناً، لكنه يحتاج إلى وقت، وإلى نوم، وإلى قصة، وإلى تجربة.
11. الإنسان المزدوج هو لابس القناع عند يونغ الإنسان المزدوج ليس مجرد تعبير أدبي. هو عند يونغ اسمه العلمي: لابس القناع. Persona. من هو يونغ؟ كارل غوستاف يونغ هو طبيب ومحلل نفسي سويسري، عاش من 1875 إلى 1961. كان في البداية تلميذ فرويد، ثم اختلف معه وتركه. لماذا؟ لأن فرويد كان يرى اللاوعي غرفة مظلمة مليئة بالرغبات القذرة. يونغ كان يرى اللاوعي أعمق من ذلك. يرى فيه الحديقة، ويرى فيه الرموز، ويرى فيه الإنسان الكامل. ويونغ هو الذي اخترع كلمة Persona. ما هي Persona؟ ما هو القناع؟ كلمة Persona هي كلمة لاتينية قديمة. معناها: القناع الذي كان يلبسه الممثل في المسرح الروماني. في المسرح القديم، كان الممثل يلبس قناعاً. القناع له وجه واحد، ثابت، يبتسم دائماً، أو يبكي دائماً. والممثل يتكلم من خلف القناع. الناس يرون القناع، ولا يرون وجه الممثل الحقيقي. يونغ قال: كل واحد منا يلبس قناعاً في المجتمع. نلبس قناعاً في الشغل، وقناعاً آخر في البيت، وقناعاً آخر في الحزب. هذا طبيعي. لا أحد يمشي في الشارع بوجهه الحقيقي طوال الوقت. القناع ضروري لكي نعيش مع الناس. لكن الخطر يبدأ عندما يصدق الإنسان قناعه، وينسى وجهه الحقيقي. عندما يلتصق القناع بوجهه، ولا يستطيع أن ينزعه. عندما يصبح القناع هو هو. هذا الإنسان يونغ يسميه: الإنسان المزيف. Inauthentic. ما معنى مزيف؟ يعني غير أصيل. يعني ليس هو. يعني يقول شيئاً، ويشعر بشيء آخر. يعني يبتسم وهو خائف. يعني يصفق وهو غاضب. يعني يردد الشعار وهو لا يؤمن به. وهذا هو بالضبط الإنسان المزدوج. الإنسان المزدوج = لابس القناع. لسانه يقول: وطن حر وشعب سعيد. وقلبه يقول: أنا خائف، أنا جائع، أنا لا أصدق. لسانه يقول: أنا شيوعي. وقلبه يقول: أنا لا أفهم ما هي الشيوعية، أنا فقط أحفظ الشعار. لسانه يقول: نعم يا رفيق. وقلبه يقول: لا، أنا لا أوافق. هذا الإنسان لبس القناع في الاجتماع، ثم ذهب إلى البيت، ونسي أن ينزع القناع. ثم ذهب إلى النوم، والقناع ما زال على وجهه. ثم استيقظ، والقناع ما زال على وجهه. وبعد سنوات، لم يعد يعرف ما هو وجهه الحقيقي. لماذا صنع ستالين وفرويد والحزب الإنسان المزيف؟ لأنهم أمروا الدماغ. عندما تأمر إنساناً أن يكون سعيداً وهو تعيس، ماذا سيفعل؟ لا يستطيع أن يقول: أنا تعيس، لأنك ستعاقبه. فيلبس قناع السعيد. يبتسم. يردد. يصفق. عندما تأمر إنساناً أن يكون حراً بشرط أن يطيعك، ماذا سيفعل؟ لا يستطيع أن يقول: أنا لست حراً، لأنك ستسميه خائناً. فيلبس قناع الحر. يردد شعار الحرية. عندما يفسر فرويد حلم المريض تفسيراً جاهزاً، والمريض لا يصدقه، ماذا سيفعل المريض؟ لا يستطيع أن يقول: تفسيرك خاطئ، لأن فرويد سيقول: مقاومتك تثبت أنني على حق. فيلبس قناع الموافق. يقول: نعم يا دكتور، أنت على حق. وهو في الداخل لا يصدق. القناع هو الشكل الذي تتخذه المقاومة عندما لا تستطيع أن تقول لا. ولهذا قال لينين في وصيته، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية." لماذا سيلحقون ضرراً كبيراً؟ لأنهم سيلبسون قناع الشيوعي. سيسمون أنفسهم شيوعيين، وهم في الحقيقة لابسو قناع. مليون قناع لا يبني ثورة. مليون قناع يبني مسرحاً. ما هو الحل عند يونغ وإريكسون ولينين؟ الحل هو أن تنزع القناع. أن تعود إلى وجهك الحقيقي. أن تكون أصيلاً. Authentic. ما معنى أصيل؟ يعني أن تقول ما تشعر به حقاً. أن تفكر بما تفكر به حقاً. أن تتعلم لأنك تريد أن تتعلم، لا لأنك تريد أن ترضي الحزب. إريكسون كان ينزع القناع عن المريض. لم يكن يقول له: البس قناع الشفاء. كان يقول له: انزع القناع. اسمع نفسك. حديقتك تعرف كيف تزهر. لينين كان ينزع القناع عن الشبيبة. لم يكن يقول لهم: البسوا قناع الشيوعي. كان يقول لهم: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." أي: لا تلبس قناع الشيوعي. كن شيوعياً حقيقياً، بأن تتعلم، بأن تفكر، بأن تغني ذاكرتك. والطفل الذي يتعلم المشي لا يلبس قناعاً. الطفل لا يعرف أن يكذب. الطفل عندما يقع، يقول: أنا وقعت. عندما يبكي، يقول: أنا أبكي. هذا هو الأصيل. والحديقة لا تلبس قناعاً. الوردة لا تدعي أنها وردة وهي شوكة. الوردة تكون وردة. الشوكة تكون شوكة. هذا هو الأصيل. الحزب صنع الإنسان المزدوج، الإنسان لابس القناع، الإنسان المزيف، لأنه أمره أن يلبس قناع السعيد والحر. لينين وإريكسون ويونغ يقولون: انزعوا القناع. حضّروا التربة. حضّروا الأرض للطفل. تعلّموا. عندها سيظهر وجهكم الحقيقي، وسيكون وجهاً حراً وسعيداً حقاً، لا قناعاً.
12. تنبيه ضروري: هذا ليس ما قاله علي الوردي من هو علي الوردي؟ علي الوردي هو عالم اجتماع عراقي، عاش من 1913 إلى 1995. كتب كتابه الشهير: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. وهو كتاب مهم، يقرأه كل العراقيين. ماذا قال الوردي؟ قال: الشخص العراقي مزدوج الشخصية. ماذا كان يقصد؟ كان يقصد أن العراقي مزدوج بين المدنية والعشائرية. يعني: العراقي في المدينة يلبس البدلة، ويتكلم عن القانون، ويذهب إلى المقهى، ويقرأ الجريدة. وهو نفسه، عندما يرجع إلى العشيرة، يلبس الدشداشة، ويتكلم عن الثأر، ويذهب إلى المضيف، ويحكم بالعرف العشائري. الوردي كان يقصد ازدواجاً اجتماعياً. ازدواجاً بين نظامين اجتماعيين: نظام المدينة ونظام العشيرة. نظام البداوة ونظام الحضارة. نظام قديم ونظام جديد. وهذا الوصف عند الوردي هو وصف سوسيولوجي. أي وصف للمجتمع. الوردي كان ينظر إلى العراقي من الخارج، من الشارع، من السوق، من المضيف. كان يقول: هذا الإنسان يعيش في مجتمعين، فيتكلم بلغتين، ويلبس لباسين. هذا ليس ما تقوله هذه المقالة. الإنسان المزدوج في هذه المقالة ليس مزدوجاً بين المدنية والعشائرية. الإنسان المزدوج في هذه المقالة هو مزدوج بين القناع والوجه الحقيقي. بين ما يقوله وما يشعر به. بين ما يردده وما يؤمن به. الوردي يقول: العراقي مزدوج لأنه يعيش بين المدينة والعشيرة. هذه المقالة تقول: الإنسان مزدوج لأنه يعيش بين القناع والأصالة. بين العقيدة الفاسدة والحرية. بين العبودية الطوعية والتحرر. الفرق كبير: أولاً: الفرق في السبب. عند الوردي، السبب هو التاريخ الاجتماعي. العراق مر من البداوة إلى الحضارة، ولم يكتمل الانتقال، فبقي الإنسان معلقاً بين الاثنين. عند هذه المقالة، السبب هو الأمر. هو أن الحزب والستالينية وفرويد أمروا الدماغ أن يطيع، فلبس الإنسان قناعاً. السبب ليس البداوة. السبب هو القمع. السبب هو أن يُطلب من الإنسان أن يقول نعم وهو يشعر بلا. الإنسان المزدوج في هذه المقالة موجود في ألمانيا، وموجود في فرنسا، وموجود في روسيا، وموجود في العراق. موجود في كل مكان فيه حزب او نظام يأمر الدماغ. ليس خاصاً بالعراقي. ليس خاصاً بالعشيرة. ثانياً: الفرق في العلاج. عند الوردي، العلاج هو أن تكتمل المدنية. أن تنتصر المدينة على العشيرة. أن يصبح العراقي مدنياً بالكامل. عند هذه المقالة، العلاج ليس أن تنتصر المدينة على العشيرة. العلاج هو أن ينزع الإنسان القناع. أن يخرج من العقيدة الفاسدة. أن لا يهرب من الحرية. أن يتعلم. أن يحضّر التربة للحديقة. أن يحضّر الأرض للطفل. الإنسان المدني عند الوردي يمكن أن يكون لابس قناع. يمكن أن يكون صاحب عقيدة فاسدة. يمكن أن يكون عبداً طوعياً. يمكن أن يدخل مجلس الحكم النيوليبرالي ويقول: حشر مع الناس عيد. المدنية وحدها لا تحمي من القناع. والإنسان العشائري يمكن أن يكون أصيلاً. يمكن أن يقول لا. يمكن أن يرفض مجلس الحكم. يمكن أن يرفض العبودية الطوعية. العشيرة وحدها لا تصنع القناع. ثالثاً: الفرق في المفهوم. الوردي يتكلم عن شخصية مزدوجة. أي عن شخص له وجهان اجتماعيان. هذه المقالة تتكلم عن إنسان مزدوج. أي عن إنسان له وجه وقناع. له وعي ولاوعي. له لسان وقلب. الوردي يتكلم عن علم الاجتماع. هذه المقالة تتكلم عن التحليل النفسي، وعن اللاوعي، وعن كيمياء الكم، وعن بريغوجين، وعن يونغ وسارتر وفروم وبلانكو وإكو. ولهذا، يجب أن يكون واضحاً للقارئ: هذا المقال لا يتفق مع الوردي. ولا يقول ما قاله الوردي. ولا يستخدم كلمة مزدوج بنفس معنى الوردي. الوردي قال: مزدوج بين المدنية والعشائرية. المقالة تقول: مزدوج بين القناع والوجه الحقيقي، بين الشعار والإيمان، بين الطاعة والحرية، بين العبودية الطوعية والتحرر. لو كان الوردي على حق وحده، لكان الحل هو أن نلغي العشيرة ونبني المدينة. لكن المدينة التي بناها بريمر ومجلس الحكم كانت مدينة نيوليبرالية فاشية. وكانت هي نفسها تصنع الإنسان المزدوج. فالمدنية وحدها لم تحل المشكلة. بل صارت هي المشكلة. الحل ليس مدنية ضد عشائرية. الحل هو أصالة ضد قناع. تعليم ضد شعار. حرية ضد عبودية طوعية. حديقة ضد أمر. طفل يمشي ضد طفل يُؤمر أن يمشي.
13. وشعار الحزب هو أيضاً: دولة مدنية والحزب يعرف هذا. ولهذا رفع شعاراً آخر، بعد شعار وطن حر وشعب سعيد. رفع شعار: دولة مدنية. ما معنى دولة مدنية عند الوردي؟ عند الوردي، دولة مدنية تعني: دولة القانون، ضد دولة العشيرة. دولة المدينة، ضد دولة البداوة. دولة العقل، ضد دولة العرف. دولة تخرج العراقي من ازدواج المدنية والعشائرية، وتجعله مدنياً بالكامل. ما معنى دولة مدنية عند الحزب؟ عند الحزب، دولة مدنية تعني: دولة بلا لون ولا رائحة. دولة لا تعرف لمن هي. دولة لا تقول: أنا مع الفقراء ضد اعداءهم. دولة لا تقول: أنا مع العمال ضد المستثمرين. دولة يقبلها الجميع، حتى المحتل. دولة مدنية ديمقراطية، بلا لون ولا رائحة. هل هذه هي دولة الوردي؟ لا. هذه هي دولة القناع. لينين قال، حرفياً: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." أي أن الدولة ليست محايدة. الدولة إما مع المستغَل أو المستغِل, إما مع العمال أو مع الشركات. لا توجد دولة بلا لون ولا رائحة. الدولة بلا لون ولا رائحة هي دولة القناع. هي دولة الإنسان المزدوج. الحزب قال: دولة مدنية. لكنه دخل مجلس الحكم النيوليبرالي. ودخل العملية السياسية النيوليبرالية. والنيوليبرالية، كما سنرى، شكل من أشكال الفاشية. فصارت دولة مدنية عند الحزب تعني: دولة نيوليبرالية فاشية، لكن بقناع مدني. هذا هو القناع عند يونغ. هذا هو العقيدة الفاسدة عند سارتر. هذا هو الهروب من الحرية عند فروم. هذا هو التوافق الآلي. هذا هو العبودية الطوعية. هذا هو حشر مع الناس عيد. الحزب لم يبنِ دولة مدنية. الحزب لبس قناع دولة مدنية. لبس قناع الوردي. وقال للشعب: نحن مدنيون. وهو في الداخل كان في مجلس الحكم الذي صنعه بريمر. لسانه يقول: دولة مدنية. وقلبه يقول: أنا في مجلس المحتل. ولهذا، عندما يقول الوردي: الشخص العراقي مزدوج بين المدنية والعشائرية، فالحزب صار مزدوجاً بشكل آخر، أخطر: مزدوج بين دولة مدنية باللسان، ودولة نيوليبرالية فاشية بالفعل. مزدوج بين وطن حر وشعب سعيد بالشعار، ومجلس حكم بريمر بالواقع. مزدوج بين القناع المدني والوجه النيوليبرالي. هذا ليس ازدواج الوردي. هذا ازدواج القناع. الوردي كان يريد أن يخرج العراقي من العشيرة إلى المدينة. الحزب أخرج العراقي من العشيرة إلى مجلس الحكم. من عشيرة إلى عشيرة أخرى، اسمها العملية السياسية. من ثأر إلى ثأر آخر، اسمه المحاصصة. من عرف إلى عرف آخر، اسمه النيوليبرالية. والنتيجة هي نفسها: 3000 صوت في بغداد. لأن الشعب يعرف الفرق بين دولة مدنية حقيقية، ودولة مدنية قناع. الدولة المدنية الحقيقية لا تأتي من الشعار. تأتي من التعليم. تأتي من تحضير التربة للحديقة. تأتي من تحضير الأرض للطفل. تأتي من أن تنزع القناع. تأتي من أن تقول لا لمجلس الحكم. تأتي من أن ترفض العبودية الطوعية. الدولة المدنية القناع تأتي من أن تقول: حشر مع الناس عيد. وأن تدخل طوعاً في مجلس الحكم. وأن بريمر لم يعلق أحداً على أعواد المشانق، وأنت دخلت طوعاً. ولهذا، هذه المقالة لا تتفق مع الوردي. ولا تتفق مع شعار الحزب: دولة مدنية. الوردي يتكلم عن مدنية ضد عشائرية. الحزب يتكلم عن مدنية قناع ضد مدنية حقيقية. المقالة تتكلم عن أصالة ضد قناع. عن تعليم ضد شعار. عن حرية ضد عبودية طوعية.
14. الإنسان المزيف هو صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر الإنسان المزيف عند يونغ هو نفسه صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. وليس تشابهاً فقط. هو نفس الإنسان، بثلاثة أسماء: عند يونغ: لابس القناع. Persona. عند سارتر: صاحب العقيدة الفاسدة. Mauvaise foi. في هذه المقالة: الإنسان المزدوج. ثلاثة أسماء لمرض واحد. من هو سارتر؟ وما هي العقيدة الفاسدة؟ جان بول سارتر هو فيلسوف فرنسي، عاش من 1905 إلى 1980. هو أشهر فيلسوف في الوجودية. ما هي الوجودية؟ ببساطة: أنت حر. أنت مسؤول عن اختياراتك. لا أحد يختار عنك. لا يوجد قدر يختار لك. أنت الذي تختار من تكون. سارتر قال: الإنسان حر، لكن الحرية ثقيلة. الحرية مخيفة. لأنك إذا كنت حراً، فأنت مسؤول. إذا أخطأت، لا تستطيع أن تقول: الحزب أمرني. لا تستطيع أن تقول: أبي أمرني. لا تستطيع أن تقول: المجتمع أمرني. أنت الذي اخترت. ولهذا يهرب كثير من الناس من الحرية. يهربون إلى الكذب على أنفسهم. هذا الكذب سارتر سماه: العقيدة الفاسدة. Mauvaise foi. Bad Faith. ما هي العقيدة الفاسدة؟ هي أن تكذب على نفسك، وأنت تعرف أنك تكذب، لكنك تدعي أنك لا تعرف. مثال سارتر الشهير، الذي يحكيه لكل الطلاب: مثال النادل في المقهى. تخيل نادلاً في مقهى في باريس. يأتيك، وينحني كثيراً، ويبتسم كثيراً، ويقول: ماذا تريد يا سيدي؟ ويتحرك مثل الروبوت، مثل الآلة. هو يلعب دور النادل. هو يمثل أنه نادل. سارتر يقول: هذا النادل يكذب على نفسه. هو ليس نادلاً فقط. هو إنسان. هو إنسان حر، يمكنه أن يكون شاعراً، أو ثائراً، أو أي شيء. لكنه قرر أن ينسى أنه إنسان، وأن يصدق أنه نادل فقط. أنه آلة تقدم القهوة. لماذا؟ لأنه أسهل. أن تكون نادلاً أسهل من أن تكون حراً. أن تتبع الأوامر أسهل من أن تختار. هذا هو صاحب العقيدة الفاسدة. مثال آخر لسارتر: المرأة في الموعد الأول. رجل يدعو امرأة إلى موعد. في الموعد، يمسك يدها. هي تعرف أنه يريد أكثر من مسك اليد. هو يعرف أنها تعرف. لكنها تدعي أنها لا تعرف. تقول في نفسها: هو فقط يمسك يدي كصديق. هي تكذب على نفسها. لماذا؟ لأنها لا تريد أن تختار. لا تريد أن تقول نعم، ولا تريد أن تقول لا. تريد أن تبقى في المنتصف، بلا مسؤولية. هذا هو صاحب العقيدة الفاسدة. الآن اربطها بالحزب الإنسان المزدوج الذي صنعته الستالينية هو بالضبط صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. الحزبي الذي يردد: وطن حر وشعب سعيد، وهو يعرف في داخله أنه لا يوجد وطن حر، ولا شعب سعيد، لكنه يردد، ويقول لنفسه: أنا مضطر، الحزب أمرني، أنا لست مسؤولاً. هو يعرف أنه يكذب، لكنه يدعي أنه لا يعرف. هو يعرف أنه لابس قناع، لكنه يدعي أن القناع هو وجهه. هو يقول: أنا شيوعي، لأني أحفظ الشعارات. وهو يعرف في داخله أن لينين قال حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه, وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." هو يعرف هذا، لكنه يختار أن ينسى. يختار العقيدة الفاسدة. لماذا؟ لأن العقيدة الفاسدة مريحة. أن تقول: الحزب هو المسؤول، أنا فقط أنفذ. أن تقول: ستالين هو المسؤول، أنا فقط أطيع. أن تقول: فرويد هو المسؤول، أنا فقط أقبل تفسيره. أما أن تكون أصيلاً، فهذا صعب. أن تكون أصيلاً يعني أن تقول: أنا مسؤول. أنا أختار. أنا أفكر. أنا أتعلم. أنا أرفض أن ألبس القناع. وهذا هو ما طلبه لينين: "ما هكذا تبنى الشيوعية . فلا يمكن للمرء أن يصبح شيوعيا إلا بعدما يغني ذاكرته بمعرفة جميع الثروات الفكرية التي ابتدعتها الإنسانية ." لينين يقول: لا تكن صاحب عقيدة فاسدة. لا تكن لابس قناع. كن أصيلاً. تعلّم. فكّر. اختر. الخلاصة: أربعة أسماء لإنسان واحد الإنسان المزدوج: لسانه يقول نعم، وقلبه يقول لا. لابس القناع Persona عند يونغ: يلبس قناع السعيد والحر، وينسى وجهه الحقيقي. صاحب العقيدة الفاسدة Mauvaise foi عند سارتر: يكذب على نفسه، ويدعي أنه لا يعرف أنه يكذب. الإنسان المزيف Inauthentic عند الاثنين: ليس هو. ليس أصيلاً. والحل عند الأربعة واحد، عند يونغ وإريكسون وسارتر ولينين: انزع القناع. اخرج من العقيدة الفاسدة. كن أصيلاً. حضّر التربة للحديقة. حضّر الأرض للطفل. تعلّم. عندها فقط سيكون عندنا وطن حر وشعب سعيد، لا بالشعار، بل بالحقيقة.
15. الهروب من الحرية عند إريك فروم يعبد الطريق إلى الفاشية الإنسان المزدوج، لابس القناع، صاحب العقيدة الفاسدة، هو نفسه الهارب من الحرية عند فروم. والهروب من الحرية هو الذي يعبد الطريق إلى الفاشية. والستالينية كانت هي الطريق. من هو إريك فروم؟ إريك فروم هو محلل نفسي ألماني، عاش من 1900 إلى 1980. هو ماركسي وفرويدي في نفس الوقت. يعني يجمع بين ماركس وفرويد. لهذا هو أقرب واحد إلينا. فروم كان يهودياً ألمانياً. عاش صعود هتلر. رأى بعينيه كيف أن شعباً كاملاً، شعباً مثقفاً، شعب غوته وباخ وكانط، كيف أن هذا الشعب هرب من الحرية، وسلم نفسه لهتلر، وصفق للفاشية. سأل نفسه: لماذا؟ لماذا يهرب الإنسان من الحرية، وهو يريدها؟ وكتب كتابه الشهير سنة 1941: الهروب من الحرية. Escape from Freedom. ما هو الهروب من الحرية؟ فروم يقول: الحرية لها وجهان. الوجه الأول: الحرية من. الحرية من القيصر، من الكنيسة، من السيد، من الحزب. هذه حرية جميلة. نحن نحبها. الوجه الثاني: الحرية إلى. الحرية إلى ماذا؟ إلى أن تختار بنفسك. إلى أن تكون مسؤولاً. إلى أن تكون وحدك. هذه الحرية ثقيلة. هذه الحرية مخيفة. الإنسان الحديث حصل على الحرية من، لكنه لم يتحمل الحرية إلى. صار وحيداً. صار قلقاً. صار لا يعرف من هو. فهرب. كيف يهرب؟ فروم يقول: هناك ثلاث طرق للهروب. أنها بالضبط ما فعله الحزب. 1. الهروب الأول: التسلط. Authoritarianism. الإنسان الهارب يبحث عن سيد قوي، يسلم له نفسه. يقول: خذ حريتي، وأعطني الأمان. خذ عقلي، وأعطني أوامر. هذا هو العبد الذي يحب سيده. وهذا هو الحزبي الذي يحب ستالين. وهذا هو الجماهير التي أحبت هتلر. المتسلط يقول: أنا لست مسؤولاً. القائد مسؤول. أنا فقط أنفذ. هذا هو نفس صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. نفس لابس القناع عند يونغ. نفس الإنسان المزدوج. 2. الهروب الثاني: التدمير. Destructiveness. الإنسان الهارب، عندما لا يجد سيداً، يدمر. يدمر العالم الذي يخيفه. يدمر المختلف عنه. يدمر الذي يذكره بحريته. هذا هو الفاشي الذي يدمر اليهودي، والشيوعي، والمثقف. وهذا هو الستاليني الذي يدمر رفاقه، ويسميهم خونة، ويعدمهم. التدمير هو هروب من الحرية، بأن تدمر كل ما يجعلك تشعر أنك حر. 3. الهروب الثالث: التوافق الآلي. Automaton Conformity. وهذا هو أخطر هروب، لأنه هروب الحزب. وهو هروبنا اليوم. التوافق الآلي يعني: أن تصبح مثل الجميع. أن تردد مثل الجميع. أن تلبس مثل الجميع. أن تفكر مثل الجميع. أن تتوقف عن أن تكون أنت. فروم يقول: الإنسان الآلي يقول: أنا حر، لأني أفعل مثل الجميع. أنا أختار، لأني أختار ما اختاره الجميع. لكنه في الحقيقة ليس حراً. هو آلة. هو روبوت. هو نسخة. هذا هو الحزبي الذي يردد: وطن حر وشعب سعيد. هو لا يقولها لأنه يؤمن بها. هو يقولها لأن الجميع يقولونها. هو يقولها لكي لا يكون مختلفاً. لكي لا يكون وحيداً. لكي لا يكون مسؤولاً. هذا هو التوافق الآلي. هذا هو القناع عند يونغ. هذا هو العقيدة الفاسدة عند سارتر. هذا هو الإنسان المزدوج. لماذا الهروب من الحرية يعبد الطريق إلى الفاشية؟ لأن الفاشية لا تأتي من الخارج. الفاشية تأتي من الداخل. تأتي عندما يهرب ملايين الناس من الحرية في نفس الوقت. هتلر لم يخلق الألمان. الألمان الهاربون من الحرية خلقوا هتلر. ستالين لم يخلق الحزب. الحزب الهارب من الحرية خلق ستالين. وعندما يهرب الحزب الشيوعي العراقي من الحرية، من حرية التعلم، من حرية التفكير، من حرية الاختلاف، ويهرب إلى التوافق الآلي، إلى ترديد الشعار، إلى لبس القناع، فإنه يعبد الطريق إلى الفاشية، حتى لو كان شعاره: وطن حر وشعب سعيد. لأن الفاشية ليست شعاراً. الفاشية هي بنية نفسية. هي إنسان هارب من الحرية، يبحث عن سيد، ويدمر المختلف، ويتوافق آلياً مع الجميع. وهذا هو ما حذر منه لينين في وصيته، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط. فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه, وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." لماذا سيلحقون ضرراً كبيراً؟ لأن مليون شاب يرددون الشعار، هاربون من الحرية، متوافقون آلياً، لابسو قناع، أصحاب عقيدة فاسدة، هؤلاء ليسوا جيشاً شيوعياً. هؤلاء هم مادة خام للفاشية. هم جاهزون لأي سيد قوي يأتي ويأمرهم. لينين قال: الحل هو التعليم. فروم قال: الحل هو الحرية الإيجابية. إريكسون قال: الحل هو تحضير التربة للحديقة. يونغ قال: الحل هو نزع القناع. سارتر قال: الحل هو الخروج من العقيدة الفاسدة. كلهم يقولون نفس الشيء: لا تهرب من الحرية. تحملها. تعلّم. فكّر. كن أصيلاً. الطفل الذي يتعلم المشي لا يهرب من الحرية. الطفل يقع، ويقوم، ويحاول. هذا هو الحر. الحديقة لا تهرب من الحرية. الوردة تزهر كما هي. هذا هو الحر. الحزب الذي يأمر الحديقة أن تزهر، ويأمر الطفل أن يمشي، ويأمر الإنسان أن يكون حراً، هو الذي يصنع الهروب من الحرية، وهو الذي يعبد الطريق إلى الفاشية، وهو الذي أنتج 3000 صوت في بغداد. الآن أصبح عندنا السلسلة كاملة: يونغ: القناع -> سارتر: العقيدة الفاسدة -> فروم: الهروب من الحرية -> ستالين: الإنسان المزدوج -> الفاشية.
16. التوافق الآلي هو دخول الحزب مجلس الحكم والعملية السياسية. حشر مع الناس عيد. العبودية الطوعية عند دي لابوسي التوافق الآلي لم يبقَ نظرية في الكتب. التوافق الآلي نزل إلى بغداد، ودخل مجلس الحكم، ودخل العملية السياسية. وهنا ينطبق المثل العراقي: حشر مع الناس عيد. ما هو التوافق الآلي في العراق؟ فروم قال: التوافق الآلي يعني أن تصبح مثل الجميع. أن تردد مثل الجميع. أن تفعل مثل الجميع. لكي لا تكون مختلفاً. لكي لا تكون وحيداً. الحزب الشيوعي العراقي فعل هذا بالضبط سنة 2003. عندما دخل الأمريكان بغداد، ودخلوا معهم مجلس الحكم، ودخلوا معهم العملية السياسية، ماذا قال الحزب؟ قال الحزب: يجب أن ندخل مع الناس. يجب أن لا نبقى وحدنا. يجب أن نكون مع الجميع. حشر مع الناس عيد. فدخل مجلس الحكم. ودخل العملية السياسية. ودخل حكومة الاحتلال. ودخل البرلمان الذي صنعه الاحتلال. لماذا دخل؟ هل لأنه كان يؤمن أن هذه العملية ستبني وطناً حراً وشعباً سعيداً؟ لا. دخل لأنه خاف أن يبقى وحده. خاف أن يكون مختلفاً. خاف أن يقول لا. هذا هو التوافق الآلي. هذا هو القناع. هذا هو العقيدة الفاسدة. هذا هو الهروب من الحرية. الحزب لم يدخل مجلس الحكم لأنه قوي. دخل لأنه هارب من الحرية. لأنه لم يتحمل أن يقول: لا، نحن ضد الاحتلال. نحن ضد مجلس الحكم. نحن مع المقاومة. نحن مع التعليم. نحن مع الحديقة. نحن مع الطفل. أن تقول لا، هذا يحتاج إلى حرية. يحتاج إلى أن تتحمل الوحدة. يحتاج إلى أن تتحمل المسؤولية. والحزب لم يتحمل. فهرب إلى التوافق الآلي. هرب إلى حشر مع الناس عيد. ما هي العبودية الطوعية؟ وهنا يأتي دي لابوسي. من هو دي لابوسي؟ إتيان دي لابوسي هو كاتب فرنسي، عاش من 1530 إلى 1563. كان صديق مونتين. كتب كتاباً صغيراً، لكنه من أعظم الكتب في التاريخ، اسمه: مقال في العبودية الطوعية. Discours de la servitude volontaire. ماذا قال دي لابوسي؟ قال شيئاً مرعباً وبسيطاً: الطاغية ليس قوياً. الطاغية ضعيف. الطاغية لا يحكم بقوته. الطاغية يحكم لأن الناس يطيعونه طوعاً. لأن الناس يختارون العبودية. الطاغية عنده جيش صغير. والناس ملايين. لو قال الناس في يوم واحد: لا، لن نطيع، لسقط الطاغية في نفس اليوم. لكن الناس لا يقولون لا. الناس يقولون نعم. الناس يعبدون الطاغية طوعاً. الناس يحبون قيودهم. لماذا؟ لأن العبودية مريحة. العبودية تعفيك من المسؤولية. أن تكون عبداً أسهل من أن تكون حراً. أن تقول: السيد أمرني، أسهل من أن تقول: أنا اخترت. هذا هو ما سماه دي لابوسي: العبودية الطوعية. وهذا هو ما سماه فروم بعد 400 سنة: الهروب من الحرية والتوافق الآلي. وهذا هو ما سماه سارتر: العقيدة الفاسدة. وهذا هو ما سماه يونغ: القناع. وهذا هو ما سمي في هذه المقالة: الإنسان المزدوج. كلها أسماء لنفس الشيء: إنسان يختار العبودية، لأنه يخاف من الحرية. الحزب والعبودية الطوعية الحزب لم يُجبر على دخول مجلس الحكم. لم يضعه الأمريكان في السجن ويقولوا له: ادخل أو تموت. الحزب دخل طوعاً. دخل باختياره. دخل لأنه أراد أن يكون مع الناس. دخل لأنه أراد أن يكون عيداً مع الناس. هذا هو الفرق بين العبودية القسرية والعبودية الطوعية. العبودية القسرية: يضعون السلسلة في يدك بالقوة. العبودية الطوعية: أنت تضع السلسلة في يدك بنفسك، وتقول: حشر مع الناس عيد. الحزب وضع السلسلة في يده بنفسه. دخل مجلس الحكم. ودخل العملية السياسية. وصار جزءاً من نظام الاحتلال. وصار يدافع عن النظام الذي كان يجب أن يقاومه. وعندما دخل، ماذا قال للشعب؟ قال: نحن دخلنا لكي نغير من الداخل. نحن دخلنا لكي نكون واقعيين. نحن دخلنا لأن الجميع دخلوا. هذا هو صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. هو يعرف أنه دخل لأنه خاف أن يبقى وحده، لكنه يدعي أنه دخل لأنه واقعي. هو يعرف أنه باع الحرية، لكنه يدعي أنه اشترى الحرية. وعندما دخل، ماذا حدث للحديقة؟ ماتت. لأن الحديقة لا تزهر في مجلس الحكم. الحديقة تزهر في التعليم. وماذا حدث للطفل؟ وقع. لأن الطفل لا يمشي في العملية السياسية. الطفل يمشي في الأرض المحضرة، في الأمان. وماذا حدث للشعار؟ تحول إلى خداع لأنك لا تستطيع أن تقول: وطن حر وشعب سعيد، وأنت تجلس في مجلس صنعه المحتل. لسانك يقول وطن حر، وقلبك يقول: أنا في مجلس المحتل. هذا هو الإنسان المزدوج. ولهذا حصل الحزب على 3000 صوت في بغداد. لأن الشعب شم رائحة العبودية الطوعية. الشعب يعرف الفرق بين من يقول لا، ومن يقول حشر مع الناس عيد. الشعب لم يعد يصدق القناع. دي لابوسي قال قبل 500 سنة: إذا أراد الشعب أن يكون حراً، عليه أن يتوقف عن طاعة الطاغية طوعاً. عليه أن يقول لا. عليه أن ينزع القناع. عليه أن يخرج من العقيدة الفاسدة. عليه أن لا يهرب من الحرية. ولينين قال نفس الشيء قبل 100 سنة، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه ، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات , الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية , لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." لينين يقول: لا تدخلوا مع الناس لمجرد أن الناس دخلوا. لا تقولوا حشر مع الناس عيد. تعلّموا. فكّروا. قولوا لا إذا كان لا هو الحق. والحل هو عكس التوافق الآلي. الحل هو أن تخرج من الحشر. أن تقول: لن أكون مع الناس إذا كان الناس في العبودية الطوعية. سأكون مع الحديقة. سأكون مع الطفل. سأكون مع التعليم. سأكون مع الحرية، حتى لو بقيت وحدي. لأن الحرية لا تأتي من الحشر مع الناس. الحرية تأتي من أن تكون أصيلاً، حتى لو كنت وحدك.
17. بريمر لم يعلق أحداً على أعواد المشانق الحزب دخل مجلس الحكم والعملية السياسية طوعاً، ولم يقم بريمر بتعليق الشيوعيين على أعواد المشانق. هذه الجملة وحدها تكفي لكي نفهم كل شيء. لأنها تثبت أننا أمام عبودية طوعية، وليس أمام عبودية قسرية. من هو بريمر؟ بول بريمر هو الحاكم الأمريكي للعراق بعد الاحتلال سنة 2003. اسمه بول بريمر. كان رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة. هو الذي حل الجيش العراقي. هو الذي شكل مجلس الحكم. هل ذهب بريمر إلى مقر الحزب الشيوعي العراقي، ووضع المسدس على رأس الرفاق، وقال لهم: ادخلوا مجلس الحكم أو سأعلقكم على أعواد المشانق؟ لا. لم يفعل هذا أبداً. هل ذهب بريمر إلى الرفاق، وهددهم بالموت، وقال لهم: إذا لم تدخلوا العملية السياسية، سأشنقكم في ساحة التحرير؟ لا. لم يفعل هذا أبداً. بريمر لم يعلق شيوعياً واحداً على أعواد المشانق. بريمر لم يهدد أحداً بالمشنقة. بريمر فتح الباب، وقال: من يريد أن يدخل، فليدخل. والحزب دخل. دخل طوعاً. دخل باختياره. دخل وهو يبتسم. دخل وهو يقول: حشر مع الناس عيد. هذا هو الفرق بين المقاومة والتوافق الآلي. هذا هو الفرق بين الحرية والعبودية الطوعية. لو أن بريمر علّق الشيوعيين على أعواد المشانق، ولو أن الحزب دخل مجلس الحكم تحت تهديد المشنقة، لقلنا: هذا حزب ضحية. هذا حزب مجبر. هذا حزب مظلوم. وكنا سنعذره. لكن بريمر لم يفعل. الحزب لم يكن ضحية. الحزب كان مختاراً. الحزب اختار العبودية الطوعية. هذا هو ما قاله دي لابوسي قبل 500 سنة. دي لابوسي قال: الطاغية لا يحتاج إلى مشانق. الطاغية يحتاج فقط إلى أن يحب الناس قيودهم. الطاغية لا يعلق الناس على أعواد المشانق. الناس يعلقون أنفسهم بأنفسهم، طوعاً، لأنهم يخافون من الحرية. فروم سمى هذا: الهروب من الحرية. سارتر سماه: العقيدة الفاسدة. يونغ سماه: القناع. وفي هذه المقالة سمي: الإنسان المزدوج. والحزب سماه: حشر مع الناس عيد. الواقعية. التغيير من الداخل. العمل من داخل العملية السياسية. لكن الحقيقة هي: الحزب دخل طوعاً. لم يجبره أحد. لم يهدده أحد بالمشنقة. هو الذي اختار أن يدخل. هو الذي اختار أن يلبس القناع. هو الذي اختار أن يكذب على نفسه. هو الذي اختار أن يهرب من الحرية. لماذا دخل طوعاً؟ لأنه خاف أن يبقى وحده. لأنه خاف أن يقول لا. لأن أن تقول لا للاحتلال، وأن تقول لا لمجلس الحكم، وأن تقول لا للعملية السياسية، هذا يحتاج إلى حرية. يحتاج إلى أن تتحمل الوحدة. يحتاج إلى أن تتحمل المسؤولية. يحتاج إلى أن تكون أصيلاً. والحزب لم يتحمل. فهرب إلى التوافق الآلي. هرب إلى حشر مع الناس عيد. هرب إلى العبودية الطوعية. وعندما دخل مجلس الحكم، ماذا حدث؟ صار الحزب جزءاً من نظام الاحتلال. صار يدافع عن الدستور الذي كتبه الاحتلال. صار يدافع عن الانتخابات التي نظمها الاحتلال. صار يقول للشعب: شاركوا في الانتخابات، حتى لو كانت انتخابات الاحتلال. لسانه يقول: وطن حر وشعب سعيد. وقلبه يقول: أنا في مجلس الحكم الذي صنعه بريمر. هذا هو الإنسان المزدوج. هذا هو لابس القناع. هذا هو صاحب العقيدة الفاسدة. هذا هو الهارب من الحرية. هذا هو العبد الطوعي. ولهذا قال لينين في وصيته، حرفياً، وهو يحذر من هذا بالضبط: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط. فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." لينين يقول: إذا اقتصرتم على الشعارات، ستدخلون أي مجلس حكم، وستسمون ذلك واقعية. وستلحقون ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. لأنكم ستعلمون الشباب أن الشيوعية هي أن تدخل مع الناس، حتى لو كان الناس في مجلس الاحتلال. والحل هو أن نقول لا. أن ننزع القناع. أن نخرج من العقيدة الفاسدة. أن لا نهرب من الحرية. أن لا نكون عبيداً طوعيين. أن نحضّر التربة للحديقة. أن نحضّر الأرض للطفل. أن نتعلم. لأن الحرية لا تأتي من مجلس الحكم. الحرية تأتي من التعليم. من أن تقول لا، حتى لو بقيت وحدك. من أن تكون أصيلاً، حتى لو قال الناس: حشر مع الناس عيد.
18. الصياغة الدقيقة: بلانكو وإكو، 1987 البعض سيعترض ويقول: الستالينية ليست فاشية. وهو محق من الناحية التاريخية. ولهذا يجب أن تكون الصياغة علمية ودقيقة. إذا كتبنا: الستالينية هي فاشية، سيعترض علينا كثيرون، وسيكون اعتراضهم صحيحاً من الناحية العلمية. وسيضيع جوهر المقالة في جدل جانبي: هل ستالين = هتلر؟ وهذا ليس هدف المقالة. الهدف ليس أن نقول إن الستالينية هي الفاشية. الهدف أن نقول إن الاثنين يخرجان من نفس المرض النفسي: الهروب من الحرية. ولهذا نعتمد على مصدر مهم يعالج هذه المسألة: مقابلة بلانكو مع الباحث الإيطالي أومبرتو إكو 1987. من هو بلانكو؟ هو طبيب ومحلل نفسي تشيلي، اسمه إغناسيو ماتي بلانكو. عاش من 1908 إلى 1995. هو الذي جمع بين فرويد والمنطق الرياضي، وشرح كيف يعمل اللاوعي. من هو إكو؟ هو باحث إيطالي، اسمه أومبرتو إكو. عاش من 1932 إلى 2016. هو فيلسوف وروائي، صاحب رواية "اسم الوردة". هو الذي شرح كيف تعمل العلامات والرموز في عقل الإنسان. في مقابلة سنة 1987، قال بلانكو مع إكو هذه الجملة، التي ستحل مشكلتنا كلها. سأقتبسها حرفياً، بالإنكليزية وبالعربية: "Fascism and communism can become identical in the unconscious if both are idealized as absolute justice." "يمكن للفاشية والشيوعية أن تصبحا متطابقتين في اللاوعي، إذا ما جرى في كلتا الحالتين إضفاء طابع مثالي عليهما بوصفهما تجسيداً للعدالة المطلقة." هل ترى الدقة؟ بلانكو لا يقول إن الفاشية والشيوعية متطابقتان في التاريخ. ولا يقول إن الستالينية هي الفاشية. بل يقول: يمكن أن تصبحا متطابقتين في اللاوعي. ما معنى في اللاوعي؟ يعني في الحديقة. في الجزء المخفي من العقل، الذي لا نراه. في المكان الذي لا يفكر بالمنطق، بل يفكر بالصورة وبالعاطفة. متى تصبحان متطابقتين في اللاوعي؟ إذا جرى إضفاء طابع مثالي عليهما بوصفهما تجسيداً للعدالة المطلقة. ما معنى إضفاء طابع مثالي؟ يعني أن نحول الفكرة إلى صنم. إلى شيء مقدس. إلى شيء لا يقبل النقد. إلى عدالة مطلقة. عندما نقول: الفاشية هي العدالة المطلقة، والحزب الفاشي هو تجسيد العدالة المطلقة، والزعيم هو تجسيد العدالة المطلقة، فعندها لا يعود الإنسان يفكر. يعود يعبد. يلبس القناع. يدخل في العقيدة الفاسدة. يهرب من الحرية. وعندما نقول: الشيوعية هي العدالة المطلقة، والحزب هو تجسيد العدالة المطلقة، وستالين هو تجسيد العدالة المطلقة، وشعار "وطن حر وشعب سعيد" هو تجسيد العدالة المطلقة، فعندها يحدث نفس الشيء تماماً. لا يعود الإنسان يفكر. يعود يعبد. يلبس القناع. يدخل في العقيدة الفاسدة. يهرب من الحرية. في الوعي، في التاريخ، في الاقتصاد، الفاشية والشيوعية مختلفتان تماماً. واحدة مع الرأسماليين، والأخرى مع العمال. واحدة تريد أن تحافظ على الملكية الخاصة، والأخرى تريد أن تلغيها. لكن في اللاوعي، في الحديقة، إذا جعلت الاثنين صنماً للعدالة المطلقة، فإنهما تصبحان متطابقتين. لأن اللاوعي لا يفهم الفرق بين البرامج. اللاوعي يفهم شيئاً واحداً: هل أنا حر أفكر، أم أنا عبد أعبد؟ وهذا هو ما فعله ستالين. ستالين لم يجعل الشيوعية علماً، كما طلب لينين. ستالين جعل الشيوعية صنماً. جعلها عدالة مطلقة. جعل الحزب عدالة مطلقة. جعل نفسه عدالة مطلقة. ولهذا أنتج الإنسان المزدوج. الإنسان لابس القناع عند يونغ. الإنسان صاحب العقيدة الفاسدة عند سارتر. الإنسان الهارب من الحرية عند فروم. ولينين حذر من هذا بالضبط، في وصيته، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط . فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه , وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه ، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات , الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية , لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." لينين يقول: إذا اقتصرتم على الشعارات فقط، ستصنعون صنماً. وإذا صنعتم صنماً، ستصنعون إنساناً مزدوجاً. وإذا صنعتم إنساناً مزدوجاً، ستلحقون ضرراً كبيراً بقضية الشيوعية. لأنكم ستجعلون الشيوعية في اللاوعي متطابقة مع الفاشية، مع أنكم في الوعي أعداء الفاشية. الخلاصة بالصياغة الجديدة: لا نقول: الستالينية هي فاشية. نقول، مع بلانكو وإكو: الستالينية والفاشية مختلفتان في التاريخ والاقتصاد، لكنهما يمكن أن تصبحا متطابقتين في اللاوعي، إذا جرى إضفاء طابع مثالي عليهما بوصفهما تجسيداً للعدالة المطلقة. والحل هو ما قاله لينين: لا تصنعوا صنماً-ستالين حنط لينين واحاله الى صنما واخمد ايقونته الثورية. تعلّموا. لا تقدسوا الشعار. فكّروا. حضّروا التربة للحديقة. حضّروا الأرض للطفل. انزعوا القناع. اخرجوا من العقيدة الفاسدة. لا تهربوا من الحرية. عندها فقط، ستبقى الشيوعية شيوعية، ولن تصبح في اللاوعي متطابقة مع الفاشية. فروم لم يقل إن الستالينية هي الفاشية. فروم قال إن الفاشية والستالينية، على اختلافهما في الاقتصاد والطبقة والبرنامج، تشتركان في نفس الإنسان: الإنسان الهارب من الحرية. الفاشية في ألمانيا كانت تعبيراً عن رأسمالية محتضرة، تريد أن تنقذ الملكية الخاصة بتحطيم الحركة العمالية. والستالينية في الاتحاد السوفيتي كانت تعبيراً عن ثورة عمالية محاصرة، انقلبت على نفسها، وتحولت إلى جهاز بيروقراطي يأمر بدل أن يعلم. الاقتصاد مختلف. والطبقة مختلفة. والتاريخ مختلف. لا يجوز أن نساوي بينهما. لكن البنية النفسية واحدة. الإنسان واحد. في الحالتين، الإنسان هرب من الحرية، ولبس القناع، ودخل في العقيدة الفاسدة، وتحول إلى إنسان مزدوج، وتوافق آلياً مع الجميع. في الحالتين، القائد قال: أطيعوا، وستكونون أحراراً. وفي الحالتين، الجماهير قالت: سنطيع، لكي لا نتحمل مسؤولية الحرية. فروم يقول: الفاشية تنجح عندما يهرب الناس من الحرية. ونقول: الستالينية نجحت عندما هرب الحزب من حرية لينين، من حرية التعلم، من حرية التفكير. ولهذا، الستالينية ليست فاشية. لكن الستالينية تعبد الطريق للفاشية، لأنها تعود الإنسان على الهروب من الحرية، وعلى لبس القناع، وعلى التوافق الآلي. والإنسان الذي تعود على الهروب من الحرية، يصبح جاهزاً لأي سيد قوي يأتي، سواء كان سيداً أحمر أو سيداً أسود.
19. كيف تحقق بلانكو وإكو على يد الحزب على أرض الواقع؟ مجلس الحكم النيوليبرالي. النيوليبرالية هي نيوفاشية. الآن نصل إلى النقطة التي تثبت أن اقتباس بلانكو وإكو لم يبقَ نظرية في الكتب، بل تحقق على يد الحزب على أرض الواقع، في بغداد، في مجلس الحكم. أولاً: النيوليبرالية شكل من أشكال الفاشية في مقالة "انتفاضة العراق انتفاضة ضد الفاشية! (1)"، 2019 / 11 / 29، الحوار المتمدن، ورد، حرفياً: "وخصوصا اذا اعتبرنا النهج النيوليبرالي للسلطة هو بحد ذاته نوع من انواع الفاشية." ثم ورد، حرفياً، مع توقع الاعتراض: "ولكن قد يعترض البعض على اعتبار النيوليبرالية شكلا من اشكال الفاشية-وان كان هناك من اعتراض فهو اعتراض يستند فيه المعترض ليس على حقائق علمية بقدر معارضته آيديولوجيا للفكر الماركسي الذي اتبناه-, فاني لن اناقشه هنا لاني فعلت هذا من قبل وسارجع لمعالجته بتوسع اكثر في فرص قادمة. كما يمكن ايضا مراجعة مصادر اخرى مثل Neoliberalism is a form of fascism "النيوليبرالية شكل من اشكال الفاشية" By Maneula Cadelli https://renegadeinc.com/neoliberalism-is-a-form-of-fascism/" هذا هو المصدر. مانويلا كاديلي. عنوانها واضح: النيوليبرالية شكل من أشكال الفاشية. ما معنى هذا للقارئ؟ النيوليبرالية تقول: الدولة يجب أن تختفي. المدارس يجب أن تباع. المستشفيات يجب أن تباع. النفط يجب أن يباع. المصانع يجب أن تغلق. العمال يجب أن يرموا على قارعة الطريق. والإنسان يجب أن يصبح سلعة. والفقير يجب أن يموت وحده. وفي نفس المقالة ورد، حرفياً، عن نيولبرالية العراق, الرأسمالية الطفيلية بعرف الطبيب النفسي الماركسي فرانتز فانون: "انها طبقة خارج التاريخ وينبغي قبرها باسرع وقت ممكن, فهي ماكنة هائلة لانتاج الموت ومص دماء البشر." وورد: "انها اغلقت آلاف المصانع العراقية والقت بنصف مليون عامل على قارعة الطريق." هذا هو النيوليبرالي في العراق: إغلاق آلاف المصانع، ورمي نصف مليون عامل على قارعة الطريق، ومص دماء البشر، وإنتاج الموت. هذا ليس اقتصاداً. هذا فاشية. هذا نيوفاشية. ثانياً: إيكو: ما هي الفاشية؟ في تلك المقالة تم الرجوع إلى تعريف الفاشية عند أومبرتو إكو، نفس إكو الذي قابل بلانكو سنة 1987. ورد فيها: "ولذا دعوني ارجع الى تعريف الفاشية وسماتها من خلال رؤية الروائي والفيلسوف والاستاذ الجامعي عالم السيمياء (الرموز والكلمات) الايطالي امبرتو ايكو Umberto Eco (1932- 2016)." ثم شرح أن إيكو يقول: الفاشية ليست نظاماً واحداً. الفاشية لعبة يمكن أن تُلعب بأشكال عديدة. الفاشية الأبدية لها 14 سمة. ويكفي أن تكون سمة واحدة حاضرة، للسماح للفاشية بالتخثر حولها. وهذا هو المهم: الفاشية لا تحتاج إلى موسوليني بقميص أسود. الفاشية يمكن أن تتلون تلون الحرباء. يمكن أن تلبس العمامة. يمكن أن تلبس الزيتوني. يمكن أن تلبس البدلة النيوليبرالية. ورد في المقالة، حرفياً: "فالبعث هو الحاكم الآن ولكن بزي آخر, اي انهم خلعوا الزيتوني ليرتدوا العمامة." والبعث هو الحاكم الآن بزي آخر، هو زي النيوليبرالي، زي مجلس الحكم، زي العملية السياسية. وورد أيضاً، حرفياً، عن الحزب: "تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع احد فصائل السلطة الفاشية او عمله ضمن ضمن نظامها وعلى نقيض ما تقتضيه الماركسية بانها معادية لكل انواع الفاشية" ثالثاً: كيف تحقق بلانكو وإكو؟ بلانكو وإكو قالا: "Fascism and communism can become identical in the unconscious if both are idealized as absolute justice." "يمكن للفاشية والشيوعية أن تصبحا متطابقتين في اللاوعي، إذا ما جرى في كلتا الحالتين إضفاء طابع مثالي عليهما بوصفهما تجسيداً للعدالة المطلقة." كيف تحقق هذا على يد الحزب؟ الخطوة الأولى: الحزب دخل مجلس الحكم طوعاً. بريمر لم يعلق أحداً على أعواد المشانق. بريمر لم يهدد أحداً بالمشنقة. الحزب دخل باختياره. دخل لأنه قال: حشر مع الناس عيد. هذا هو التوافق الآلي عند فروم. هذا هو العبودية الطوعية عند دي لابوسي. هذا هو القناع عند يونغ. هذا هو العقيدة الفاسدة عند سارتر. الخطوة الثانية: مجلس الحكم كان نيوليبرالياً. العملية السياسية نيوليبرالية. بريمر هو اللص الدولي، كما ورد في المقالة، حرفياً: "اللص الدولي بول بريمر الذي سرق اكثر من 8 مليارات دولار من خزينة اعمار العراق" بريمر هو الذي حل الجيش، وأغلق المصانع، وباع العراق للشركات. هذا هو النيوليبرالي. الخطوة الثالثة: النيوليبرالية شكل من أشكال الفاشية. كما ورد في المقالة، وكما كتبت مانويلا كاديلي: Neoliberalism is a form of fascism. النتيجة: الحزب الشيوعي، الذي كان يجب أن يكون معادياً لكل أنواع الفاشية، دخل طوعاً في نظام نيوليبرالي فاشي، وعمل ضمنه، وتحالف مع أحد فصائل السلطة الفاشية. فصارت في اللاوعي، في الحديقة، الشيوعية والفاشية متطابقتين. ليس في الكتب، بل في بغداد. ليس في النظرية، بل في مجلس الحكم. وهذا هو الضرر الكبير الذي حذر منه لينين، حرفياً: "وقد يشتد الخطر أيضا إذا اقتصرنا على استيعاب الشعارات الشيوعية فقط. فإذا لم ندرك هذا الخطر في حينه, وإذا لم ترمي جهودنا كلها إلى اجتنابه، فان وجود نصف مليون أو مليون من الشبان والفتيات, الذين سيسمون أنفسهم شيوعيين بعد دراسة كهذه للشيوعية, لن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر كبير بقضية الشيوعية ." وورد في المقالة السؤال الذي يحسم كل شيء، حرفياً: "ولكون الملف يتسائل عن دور القوى اليسارية, فهل يمكن اعتبار حزب يدعي الشيوعية يشترك في مجلس حكم بريمر وفي صنيعته العملية السياسية ولم نسمعه يوما يطالب بجلاء القواعد العسكرية الامريكية هو حزب ينتمي الى قوى اليسار؟ واذا كان هو حزبا يساريا فما الفرق اذن بين اليسار واليمين ان لم يكن بالاسم فقط ؟" الجواب: لا. لا يمكن اعتباره حزباً يسارياً. الفرق بين اليسار واليمين صار بالاسم فقط. لأن في اللاوعي، صار اليسار واليمين متطابقين. صارت الشيوعية والفاشية متطابقتين. لأن الاثنين صارا يعبدان نفس الصنم: العدالة المطلقة لمجلس الحكم، العدالة المطلقة للعملية السياسية، العدالة المطلقة للنيوليبرالية. ولهذا انتفض الشعب العراقي. انتفاضة العراق التشرينية انتفاضة ضد الفاشية. لأن الشعب شم رائحة الفاشية، حتى لو كانت بزي شيوعي، أو بزي عمامة، أو بزي نيوليبرالي. وورد في المقالة، حرفياً، الخلاصة: "ان انتفاضة الشعب العراقي ضد الواقع الحاضر هي ايضا انتفاضة من اجل المستقبل, مستقبل يرفض الفاشية وقناعاتها الآيديولوجية." وفي نفس المقالة ورد أيضاً: "ان السلطة تمارس اكثر انواع الدفاع النفسي بدائية, الاسقاط. انها تسقط بعثيتها او ما هو صنو لها في واقع الحال على المتظاهرين." وورد: "ان البعث هو الحاكم الآن ولكن بزي آخر" ولهذا قيل إن الفاشية لا يمكن إصلاحها. الفاشية لا يمكن معالجتها بمعالجة أعراضها فقط، كما لا يمكن معالجة الحمى بإعطاء الباراسيتامول أو الأسبرين فقط بدون معرفة أسبابها ومعالجتها. هتلر وموسوليني لم يتمكنا من إصلاح نظاميهما، وكان محتما القضاء على نظاميهما. 20. الشعار والنتيجة والحل وطن حر وشعب سعيد، شعار صحيح. لكنه قُدّم كأمر: كن حراً! كن سعيداً! ردد! والدماغ لا يقبل الأوامر. الحزب كان يقول: كن سعيداً، بينما كان يخلق شروط الخوف: توتر مزمن، كورتيزول مرتفع. لا يمكنك أن تحصل على شعب سعيد بدماغ مغمور بالكورتيزول. هذا مستحيل كيميائياً. عندما تأمر إنساناً أن يكون حراً، أنت في نفس اللحظة تلغي حريته. تقول: أنت حر بشرط أن تطيعني. الدماغ يسمع التناقض، فينغلق. الانغلاق يمنع التعلم. منع التعلم يمنع القوة. والوطن الضعيف يصبح قابلاً للاحتلال. وعندما تأمره أن يكون سعيداً، تصنع تعاسة مضاعفة: تعيس، وممنوع أن تقول إنك تعيس. تحول الشعار إلى: دولة مدنية ديمقراطية لا لون ولا رائحة لها. ما معنى دولة بلا لون ولا رائحة؟ يعني دولة لا تعرف لمن هي. هل هي دولة الفقراء أم دولة الأغنياء؟ لا جواب. دولة معقمة، يقبلها الجميع، حتى المحتل. لينين لم يقل هذا أبداً. لينين قال: "إن أخلاقنا تنبثق من مصالح نضال البروليتاريا الطبقي ." الحل هو الرجوع إلى وصية لينين. الرجوع إلى الماركسية كعلم. الرجوع إلى الحداثة. الرجوع إلى كانط. لا تأمروا الحديقة أن تزهر. حضّروا التربة. لا تأمروا الطفل أن يمشي. حضّروا الأرض. لا تقولوا: كن حراً! قولوا: تعلّم كيف تكون حراً. لا تقولوا: كن سعيداً! قولوا: تعلّم كيف يصنع دماغك السعادة. لا تصنعوا صنماً للعدالة المطلقة. تعلّموا. لا تدخلوا مجلس الحكم طوعاً. قولوا لا. لا تقولوا: حشر مع الناس عيد. قولوا: سأكون مع الحرية، حتى لو بقيت وحدي. لا تكونوا عبيداً طوعيين. كونوا أحراراً. تجرأوا أن تعرفوا. Sapere aude! ستالين قال: أطيعوا، وستكونون أحراراً وسعداء. بريمر قال: أطيعوا، وستكونون مدنيين وديمقراطيين. لينين قال: تعلّموا، وستصبحون أحراراً وسعداء بأنفسكم. كانط قال: تجرأوا أن تعرفوا. الأول والثاني أنتجا 3000 صوت في بغداد. الثالث والرابع أنتجا ثورة. لينين لم يمت. الذي مات هو الحزب الذي ترك وصيته في مؤتمر الديمقراطية والتجديد 1993. والذي سيحيا هو الشبيبة التي تعود إلى وصيته: تعلّموا. تجرأوا أن تعرفوا. --------- المصادر فلاديمير لينين، مهمات منظمات الشباب، خطاب ألقي في المؤتمر الثالث لاتحاد الشبيبة الشيوعية لعامة روسيا، 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1920. الأعمال الكاملة، المجلد 31. إيمانويل كانط، ما هو التنوير؟ Was ist Aufklärung?، 1784. بلانكو مع الباحث الإيطالي أومبرتو إكو، مقابلة 1987: "Fascism and communism can become identical in the unconscious if both are idealized as absolute justice." انتفاضة العراق انتفاضة ضد الفاشية! (1)، الحوار المتمدن، 2019 / 11 / 29. Manuela Cadelli, Neoliberalism is a form of fascism, https://renegadeinc.com/neoliberalism-is-a-form-of-fascism/
#طلال_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحزب الشيوعي العراقي ولاوعي بلانكو 133
-
زانية ألبير كامو وخيانة الحزب الشيوعي العراقي 132
-
التحليل النفسي شياطين وارواح!؟ 131
-
السكرتير يسأل وأورويل يجيب 130
-
من 98 الى 2: الحزب بين اللص وابن ابيه 129
-
صناعة السعادة: لقاء حميم بين الستالينية والنيوليبرالية
-
الحزب الشيوعي العراقي وعقله الباطن الرأسمالي 127
-
طوباوية الشعار انتحار سياسي!
-
آرثر ميلر: نقيض الخرافة الستالينية, -شعب سعيد!- 126
-
العراق: من غريزة الموت لدى نظام صدام إلى متعة الشكوى 125
-
الزواج كعلاقة نفسية! 124
-
التحليل النفسي وعلم الأعصاب الحديث 123
-
التزامن: يونغ, كتاب التغيرات, وعلم الرنين المورفي 122
-
*ديمقراطية العراق السوداء: تشريح الموت الرمزي*
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 120
-
التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية 119
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 118
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 117
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 116
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 115
المزيد.....
-
-توقف الآن!-.. مشادة بين النائبين راسكين وكرينشو على الهواء
...
-
حول عبدالرحمن السيد.. ساويرس يرد على مقال -لا علاقة له بمصر-
...
-
بين موقفي -الشاباك- و-النائب العام-.. ما الذي يجري في إسرائي
...
-
الحرس الثوري يستولي على مسيرتين أمريكيتين في هرمز
-
حين يصاب القادة بالنسيان: من رونالد ريغان إلى جاك شيراك
-
الدفاع الروسية: تدمير مركز لوجستي ومحطة كهرباء شرق أوكرانيا
...
-
اتهام عشرة أشخاص بالاحتيال الانتخابي في كاليفورنيا
-
شهيد وجرحى في قصف على غزة وإسرائيل تواصل خروقها
-
الحرس الثوري: حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز
-
من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|