|
|
التناص الديني في مَسْرَحِيَّتَيْ -الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ- (2017) و-دُنْيَا النَّاسِ: مُفَارَقَاتٌ مُؤْلِمَةٌ- (2026) لِ خَالِدِ سَرْوَاح
أشرف إبراهيم زيدان
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:44
المحور:
كتابات ساخرة
تتنوع أنماط التناص في مَسْرَحِيَّتَيْ "الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ" (2017) و"دُنْيَا النَّاسِ: مُفَارَقَاتٌ مُؤْلِمَةٌ" (2026) لِــ خَالِدِ سَرْوَاح تنوعًا يعكسُ ثراء المرجعيات الثقافية والفكرية التي استند إليها المؤلف في بناء عالمه المسرحي. فمن ناحية، يحضر التناص الديني من خلال توظيف آيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية شريفة تُستدعى في سياقات مختلفة لإضفاء أبعاد أخلاقية وروحية على الأحداث والشخصيات، ولتعزيز بعض الدلالات التي يسعى النصُ إلى ترسيخها. ومن ناحية أخرى، يبرز التناص التاريخي عبر الإحالة إلى وقائع وشخصيات وأحداث من التاريخين العربي والأوروبي، بما يسهم في توسيع أفق النص وربط القضايا المعاصرة بخبرات وتجارب إنسانية سابقة. كما يتجلى التناص الأدبي من خلال استدعاء نصوص وشخصيات وأفكار تنتمي إلى التراث الأدبي العالمي والعربي، ومن أبرزها مسرحية هاملت، فضلًا عن التناصات الداخلية التي تربط بين أعمال المؤلف نفسه، ولا سيما العلاقة بين الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ ودُنْيَا النَّاسِ. وإلى جانب ذلك، يوظف المؤلف عددًا من الأمثال الشعبية والتعبيرات المتداولة في البيئة المحلية، وهو ما يمنح النصوص طابعًا واقعيًا ويقربها من وجدان المتلقي، فضلًا عما تحمله هذه الأمثال من حمولات ثقافية ودِلالية تسهم في تكثيف المعنى وإثراء الخطاب المسرحي. ويكشف هذا التنوع في مصادر التناص عن وعي المؤلف بأهمية الحوار مع النصوص والخطابات السابقة، وعن قدرته على دمج مرجعيات مختلفة داخل بنية نصية واحدة بما يخدم رؤيته الفكرية والفنية. ومن ثم، فإن دراسة هذه التناصات لا تقتصر على رصد مظاهر حضورها، بل تمتد إلى تحليل وظائفها الدلالية والجمالية ودورها في إنتاج المعنى وبناء الرؤية النقدية للنص. وقد آثر الباحثُ تصنيفَ التناص إلى ثلاثة أنماط رئيسة: ديني، وأدبي، وثقافي. غير أن طبيعة النصين اقتضت أحيانًا الجمعَ بين أكثر من نوعٍ من التناص تحت عنوانٍ واحد؛ إذ قد يستدعي الموقفُ الواحدُ مرجعياتٍ متعددةً تتداخل فيها الأبعادُ الدينيةُ والتاريخيةُ والثقافية، بما يجعل الفصلَ (الحادَّ) بينها أمرًا غيرَ يسير.
التناص الديني: القرآن والسنة
يتجلى التناص الأول من الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ في استدعاء مصطفى للحديث النبوي الشريف بعد أن أصرَّ الغريب على اتهامه بالعجز، رغم علمه أن المشكلة تكمن في ابنته أحلام: أي شيخ؟ أنا أعلم الناس بنفسـي )باسـتحياء) وابنتـك تعلـم هذا ً جيدا. ولو ُ كنت أعاني من شيء ُ لكنت أول من يسعى لعلاج نفسي. (بانفعال) ألم تقل لي من قبل أنك سـألت ابنتـك وأكـدت لك الحقيقة؟ ألم تعتذر لي مرات ومـرات وتسـتعطفني وتلـتمس مني الصبر َ وحاولت مرة تقبيل ... ألم يحدث كـل هـذا أم أننـي أكذب عليك كما تكذب أنت َّ عليّ الآن؟! "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". ومنذ متى وأنـت تتحدث بهذه الجرأة غير المعهودة؟ )يومئ الغريب لرجـب بـأن يتكلم عنه). (145) يقوم هذا التناص على المفارقة؛ إذ يُوظَّف الحديث في سياق إدانة سلوك والد أحلام الذي يواصل اتهام مصطفى ويتجاهل الحقيقة التي تكشفت أمامه. فالحديث النبوي يحذِّر من فقدان الحياء الذي يمنع الإنسان من ارتكاب الخطأ أو الظلم، بينما يجسد الغريب في هذا الموقف نموذجًا لمن تخلَّى عن الحياء والإنصاف؛ إذ لم يتردد في التشهير بمصطفى وتحميله المسؤولية كاملة، ثم لم يُبدِ أي خجل أو اعتذار عندما ثبت عكس ذلك. ومن ثمّ، فإن التناص يضفي على المشهد بعدًا أخلاقيًا، ويُبرز موقف المؤلف الناقد للعادات الاجتماعية التي تُلقي اللوم على الرجل تلقائيًا في حالات تأخر الإنجاب أو تعثر الزواج دون دليل. كما يُسهم استحضار الحديث في منح الموقف قوةً دلالية؛ إذ ينتقل من كونه خلافًا شخصيًا بين أسرتين إلى كونه قضية أخلاقية تتعلق بالعدل والحياء وتحمل المسؤولية، وهو ما يعمّق الأثر النقدي للمشهد في ذهن القارئ أو المشاهد. ومن ناحية فنية، يسهم هذا التناص في إضفاء عمق دلالي على الحوار. فالحديث النبوي يستدعي في ذهن القارئ منظومة كاملة من القيم الإسلامية المرتبطة بالحياء والضمير ومراقبة النفس، مما يجعل المعنى أوسع من حدود الموقف المباشر. فالقضية ليست مجرد زيارة دجال من عدمها، بل تتعلق بمدى التزام الإنسان بمبادئه عندما يتعرض لضغوط المجتمع. كما ينسجم هذا التناص مع ظاهرة بارزة في أعمال المؤلف، وهي كثرة توظيف النصوص الدينية من القرآن الكريم والسنة النبوية. فالمؤلف يلجأ إلى هذه المرجعيات بوصفها جزءا من الوعي الثقافي للشخصيات والمجتمع الذي تتحرك فيه الأحداث. ولذلك لا تبدو الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عناصر دخيلة على النص، بل تشكل جزءا من نسيجه الفكري والحواري، وتساعد على إبراز المواقف الأخلاقية وتوجيه دلالات الأحداث. ويمكن القول إن استدعاء الحديث النبوي في هذا المشهد يحقق أكثر من وظيفة؛ فهو يؤكد مرجعية مصطفى الأخلاقية، ويعمق الصراع بين العقل والخرافة، ويكشف تأثير الضغوط الاجتماعية في الأفراد، كما يبرز اعتماد المؤلف على التناص الديني بوصفه أداة فنية وفكرية تمنح النص بعدا ثقافيا وأخلاقيا يتجاوز حدود الحدث المسرحي المباشر. ومن ثم يصبح الحديث النبوي جزءا من المعركة الفكرية التي تخوضها المسرحية بين الإيمان الواعي القائم على القيم والمبادئ، وبين الاستسلام للأوهام والخرافات تحت ضغط المجتمع والرأي العام. تبلغ دلالة المشهد السادس من الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ ذروتها من خلال التناص القرآني مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة 8، المسرحية 172). ويؤدي هذا التناص وظيفة مركزية في المشهد، لأنه يوفر المرجعية الدينية العليا التي تحسم الجدل كله. فالآية الكريمة تؤكد أن العدل والشهادة بالحق واجبان لا يسقطان بسبب القرابة أو العداوة أو المصالح الشخصية. كما أن النص القرآني يربط بين العدالة والتقوى، فيجعل الإنصاف معيارًا حقيقيًا للإيمان، لا مجرد الشعارات أو الانتماءات. ومن الناحية الدرامية، تأتي الآية لتدين بصورة غير مباشرة جميع المبررات التي قدمتها الشخصيات الممتنعة عن الشهادة. فخوف أحدهم (أ. سيد أحمد) من قطيعة الرحم، أو حرصه على المصالح العائلية، أو رغبته في تجنب الصدام الاجتماعي، كلها أعذار تتلاشى أمام الأمر القرآني الصريح بإقامة العدل والشهادة بالقسط: "ولكـن هـل ترضـى لي أن أشـهد شهادة تتسبب في قطيعة رحم بيني وبين أختي؟" (171). وهكذا يصبح التناص القرآني أداة حجاجية قوية يستخدمها المؤلف لإبراز التناقض بين ما تدعو إليه النصوص الدينية وما يمارسه بعض الناس في الواقع. وعلى المستوى الرمزي، يعيد هذا المشهد تأكيد الدلالة الأساسية لعنوان المسرحية الشَّيَاطِينِ الْخُرْسِ. فالشياطين هنا ليسوا أصحاب الباطل وحدهم، بل أولئك الذين يعرفون الحق ثم يحجمون عن النطق به لأسباب تتعلق بالمصلحة أو القرابة أو الخوف من العواقب: "هكذا حال معظـم الإخـوان في كـل زمـان ومكـان. المفـروض يكون اسمهم الإخوان المنافقين أو الكذابين" (172). ولذلك يرسخ المشهد الفكرة المحورية للنص، وهي أن الظلم لا يستمر بسبب الظالمين فقط، وإنما بسبب صمت القادرين على قول الحقيقة وإحجامهم عن أداء واجبهم الأخلاقي والديني: "ما هو إلا شيطان أخرس مثل الشيخ الشيشيني" (171). وبذلك يتحول التناص القرآني إلى حجر الأساس الذي ترتكز عليه الرؤية الفكرية للمسرحية بأكملها، حيث يصبح العدل قيمة مطلقة لا يجوز التضحية بها تحت أي ظرف من الظروف. إن عبارة "إنها نقمة وخبيثة من الخبائث" (27)، الواردة في المشهد الرابع من مسرحية دُنْيَا النَّاسِ، تُعدّ تناصًا دينيًا. فالأصل اللغوي للعبارة يرتبط باستعمال القرآن الكريم لكلمتي "الخبيث" و"الخبائث" في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: 157). وكذلك قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ (النور: 26). فإذا استخدم الكاتب عبارة "خبيثة من الخبائث" لوصف شخص أو فعل أو ظاهرة، فإنه يستدعي الحقل الدلالي القرآني المرتبط بالخبث والفساد والقبح الأخلاقي، حتى وإن لم يقتبس آيةً كاملةً اقتباسًا مباشرًا. وعليه يمكن تصنيف هذا الاستدعاء ضمن التناص الديني غير المباشر (الامتصاص أو الإشارة)، لأن النص يستثمر مفردة ذات حمولة دينية وأخلاقية مستقرة في الوعي الثقافي للقارئ. يكشف هذا المشهد عن أحد المحاور الرئيسة في المسرحية، وهو فضح التناقض بين المظهر الديني والسلوك الواقعي، حيث تواصل المسرحية نقدها اللاذع للنفاق الاجتماعي والديني من خلال شخصية بائعة السجائر المنتقبة. فالنقاب، الذي يُفترض أن يكون رمزًا للالتزام الديني والاحتشام، يتحول داخل المشهد إلى مجرد قناع خارجي لا يعكس حقيقة السلوك أو الأخلاق. ولهذا تتعمد الإرشادات المسرحية وصف النقاب بأنه "مبهرج" (24)، وهي صفة تحمل مفارقة واضحة؛ لأن النقاب في جوهره يقوم على البساطة والستر، بينما يتحول هنا إلى أداة استعراضية فارغة من مضمونها الروحي. وتزداد المفارقة حدة حين تشير الإرشادات إلى أن النقاب "يتطاير ويكشف وجهها" (28)، وكأن المسرحية تريد الإيحاء رمزيًا بانكشاف الحقيقة وراء المظهر الديني المصطنع. فالقناع الخارجي لا يستطيع إخفاء التناقضات الأخلاقية الكامنة خلفه، بل يصبح ذاته علامة على الزيف الاجتماعي. ومن ثم، لا ينتقد النص النقابَ بوصفه ممارسة دينية، وإنما ينتقد توظيفه الشكلي من قبل أشخاص لا تنعكس القيم الدينية على سلوكهم الحقيقي. ويتعزز هذا المعنى من خلال طبيعة عمل البائعة نفسها؛ فهي تبيع السجائر التي تصفها بأنها "خبيثة من الخبائث"، أي إنها تدرك البعد الأخلاقي أو الديني السلبي لما تبيعه، لكنها تستمر في الاتجار به من أجل الربح. وهنا تكشف المسرحية عن صورة من صور الانفصال بين القول والفعل؛ إذ تتحول اللغة الدينية إلى مجرد ألفاظ محفوظة تُستخدم دون أن تؤثر في السلوك الاقتصادي أو الأخلاقي. كما أن احتكار السجائر وتخزينها انتظارًا لارتفاع الأسعار يضيف بعدًا آخر للنقد، لأن الشخصية لا تكتفي ببيع سلعة ضارة، بل تمارس أيضًا الجشع والاستغلال التجاري في وقت الأزمات. وتتجلى السخرية بوضوح في الحوار بينها وبين الزبون؛ فهي تقسم بالله على أمر يتعلق بسلعة تصفها في الوقت نفسه بأنها نقمة وخبيثة من الخبائث. ومن هنا يبرز التناقض الكوميدي المأساوي في آن واحد؛ إذ يُستدعى الخطاب الديني لتبرير ممارسات تناقض القيم التي يفترض أن يدافع عنها الدينُ نفسه. وهذا النوع من المفارقة يعد من السمات الأساسية في مسرح الأخلاق، حيث تُستخدم الشخصيات لكشف الانحرافات الاجتماعية بصورة ساخرة وتعليمية. وفي مقابل هذه الصورة الزائفة للتدين، يقدم المشهد نموذجًا مختلفًا من خلال شخصية الدكتور مصطفى، الذي يرفض شراء البيبسي تضامنًا مع أبناء غزة ومقاطعةً للمنتجات المرتبطة بالعدوان أو الدعم السياسي غير المباشر للاحتلال. وتبدو هذه الشخصية هنا أكثر انسجامًا بين الفكر والممارسة؛ فهو لا يكتفي بإطلاق الشعارات أو التعبير العاطفي عن التعاطف، بل يحاول ترجمة موقفه إلى سلوك استهلاكي عملي. ولذلك يقول: "أنا لن أشتري بيبسي ولن أحاسب عليه لأنه من الأشربة التي يجب أن نقاطعها" (28)، في إشارة إلى تحمّل الفرد مسؤوليته الأخلاقية تجاه اختياراته اليومية. ومن خلال هذا التباين بين الشخصيتين، تبني المسرحية مقابلة أخلاقية واضحة: فبائعة السجائر تمثل التدين الشكلي القائم على المظهر والكلام، بينما يمثل مصطفى التدين المرتبط بالفعل والموقف الأخلاقي. وهكذا لا تهاجم المسرحية التدين ذاته، بل تهاجم تحوله إلى قشرة اجتماعية أو وسيلة للتربح والتظاهر، في حين تحتفي بالمواقف التي تربط بين الإيمان الحقيقي والسلوك العملي المسؤول. وعليه، فإن المشهد الرابع يوسع دائرة النقد الاجتماعي في المسرحية، ليشمل الاستغلال التجاري، والاستهلاك، والنفاق الديني، والقضايا السياسية المرتبطة بالوعي العربي المعاصر، وبخاصة قضية التضامن مع غزة. ومن خلال المزج بين السخرية والحوار اليومي البسيط، ينجح النص في تقديم رؤية نقدية تكشف هشاشة كثير من المظاهر الأخلاقية السائدة في المجتمع. يتناص المشهد السابع من دُنْيَا النَّاسِ مع حديث "خير الصدقة سقي الماء" (46) من خلال توظيفه لتأكيد فكرة المبادرة إلى فعل الخير في حياة الإنسان وعدم تأجيله إلى ما بعد وفاته. فالأب في المشهد لا يثق ثقة كاملة في أن أبناءه سينفذون وصاياه الخيرية أو سيحافظون على ما يتركه من أموال ويوجهونه إلى أوجه البر التي يرغب فيها، ولذلك يفضل أن يقوم بنفسه بالأعمال الخيرية وهو على قيد الحياة. ومن ثم فإن استدعاء الحديث النبوي لا يهدف فقط إلى بيان فضل سقي الماء، بل يتجاوز ذلك إلى إبراز قيمة المبادرة إلى الصدقة والقيام بها مباشرة قبل فوات الأوان. فالأب يدرك أن الإنسان أدرى بنياته وأقدر على توجيه ماله إلى الوجهة التي يراها صائبة ما دام حيًا، أما بعد موته فإن الأمر يصبح معلقًا بإرادة الورثة ومدى التزامهم برغباته. وبذلك يكتسب التناص بعدًا دلاليًا أعمق؛ إذ يوظف المرجعية الدينية لتدعيم رؤية المشهد القائلة إن الخير الذي ينجزه الإنسان بنفسه ويشهد أثره في حياته أكثر ضمانًا من الخير الذي يؤجل تنفيذه إلى ما بعد الوفاة. كما يكشف المشهد عن هاجس إنساني يتمثل في الخوف من تبدل الأحوال أو تغير مواقف الأبناء، الأمر الذي يدفع الأب إلى تحويل أمواله إلى أعمال خيرية نافعة قبل أن يغادر الحياة. ولهذا فإن الحديث الشريف يسهم في إضفاء مشروعية دينية وأخلاقية على موقف الأب، ويعزز الرسالة التي يريد المؤلف إيصالها بشأن أهمية اغتنام فرصة العطاء ما دام الإنسان قادرًا عليه. ينتقل هذا المشهد إلى معالجة أزمة اجتماعية وإنسانية تتعلق بتراجع مكانة الأب داخل الأسرة الحديثة. فالأب لم يعد يُنظر إليه باعتباره رمزا للحماية والرعاية، بل تحول إلى مجرد مصدر للإنفاق. وتكشف كلمات مصطفى عن شعور عميق بالخذلان حين يتحدث عن الأب الذي يجلب الطعام ثم يُنسى تماما ولا يجد لنفسه نصيبا مما أحضره: "د. مصطفى: صدقت. الوالد يسعد لإطعامه أولاده، لكنه يغضب عندما ينسونه تماما من الشيء الذي أتى هو به لهم... من منا يضمن أن أبناءه سيتذكرونه بعد وفاته؟ (45، 46). وتعكس هذه الصورة انهيار قيم البر والامتنان، وهيمنة النزعة المادية والعلاقات النفعية داخل الأسرة. ويبلغ هذا الإحساس ذروته حين يشكك مصطفى في وفاء الأبناء بعد وفاة آبائهم، فيقرر أن يقوم بنفسه بفعل الخير قبل موته، مستندا إلي ومتناصا مع الحديث الشريف: "يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: نعم. قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: سقْيُ الماءِ" (رواه سعد بن عبادة). وهنا يتحول المشهد من نقد اجتماعي إلى تأمل وجودي في مصير الإنسان وعلاقته بأبنائه وأعماله. فالنص يؤكد أن الإنسان لم يعد يثق حتى في أقرب الناس إليه، ولذلك يفضّل أن يضمن أثره الخيري بنفسه بدلا من تركه رهنا بوفاء الأبناء أو إهمالهم. وبهذا يربط النص بين فساد المجتمع الخارجي وتفكك الروابط الأسرية الداخلية، ليقدم صورة شاملة لأزمة أخلاقية عميقة يعيشها الإنسان المعاصر. بناءً على سبق، يوظف المؤلف التناص الديني في العملين بوصفه أداة نقدية فعالة، لا لمجرد الاستشهاد بالنصوص المقدسة أو استحضارها، بل لتسليط الضوء على مظاهر الخلل والتناقض في المجتمع. فالنصوص الدينية المستدعاة تُستخدم معيارًا أخلاقيًا تُقاس عليه السلوكيات والممارسات الاجتماعية، ومن ثم يصبح التناص وسيلة لكشف المسافة بين القيم الدينية الحقيقية والواقع المعيش. وفي هذا الإطار، يوجه المؤلف نقدًا لاذعًا لبعض المظاهر السلوكية التي تتخذ من التدين الشكلي غطاءً لها، فيبرز التناقض بين المظهر الديني والسلوك العملي لدى بعض الشخصيات. فالعبرة في نظره ليست بالمظهر أو الشعارات، وإنما بالالتزام الحقيقي بالقيم التي يدعو إليها الدين من صدق وأمانة وعدل ورحمة. ومن خلال هذا الطرح يسعى إلى فضح ما يراه انحرافًا عن جوهر التدين الصحيح وتحول بعض الممارسات الدينية إلى مجرد قشور أو مظاهر خارجية. كما يوظف التناص لتأكيد فكرة المبادرة إلى العمل الصالح وعدم تأجيله. فعندما يستدعي الأحاديث النبوية المتعلقة بالصدقة وفعل الخير، فإنه يبرز قناعة بعض الشخصيات بأن الإنسان ينبغي أن ينجز أعمال البر بنفسه ما دام قادرًا على ذلك، وألا يعول كثيرًا على الآخرين في تنفيذ رغباته بعد وفاته. وينبع هذا التصور من شعور تلك الشخصيات بما تراه من جحود أو تقصير من بعض الأبناء تجاه آبائهم وهم أحياء، الأمر الذي يجعلها أكثر حرصًا على اغتنام الفرصة لفعل الخير قبل فوات الأوان. ومن جهة أخرى، يصبح التناص الديني أداة لمواجهة الدجل والتضليل الفكري، إذ يهاجم المؤلف الشخصيات التي تتحدث في أمور الدين بغير علم أو التي تسعى إلى التقليل من قيمة القرآن الكريم ودوره في حياة الأفراد والمجتمعات. فاستدعاء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا السياق لا يخدم الجانب الجمالي للنص فحسب، بل يؤدي وظيفة دفاعية تؤكد مركزية النص الديني في تشكيل الوعي الأخلاقي والثقافي، وتفضح في الوقت نفسه زيف الخطابات التي تحاول التشكيك في هذه المرجعية أو الانتقاص منها. ويبرز التناص كذلك خطورة كتمان الشهادة والامتناع عن قول الحق، وهي قضية يمنحها المؤلف أهمية خاصة لما لها من آثار اجتماعية وأخلاقية خطيرة. فمن خلال استدعاء النصوص الدينية التي تحض على أداء الشهادة وتحذر من كتمانها، يوجه نقدًا إلى كل من يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. ويشتد هذا النقد عندما يتعلق الأمر بأشخاص يفترض فيهم أن يكونوا قدوة للآخرين، سواء كانوا من أصحاب الخطاب الديني أو من المثقفين وأصحاب الرأي، لأن صمت هؤلاء لا يُعد تقصيرًا فرديًا فحسب، بل يسهم في ترسيخ الظلم وإضفاء الشرعية عليه. وعلى هذا النحو، يتحول التناص الديني في العملين من مجرد إحالة نصية إلى أداة فكرية ونقدية تسهم في بناء رؤية المؤلف للمجتمع، وتكشف موقفه من عدد من القضايا الشائكة المرتبطة بالدين والأخلاق والسلوك الإنساني، وتؤكد رغبته في إعادة الاعتبار للقيم الأصيلة التي يرى أنها تعرضت للتشويه أو التراجع في الواقع المعاصر.
#أشرف_إبراهيم_زيدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السيرة الذاتية المختصرة للأستاذ الدكتور خالد سعد سرواح
-
ملخص الشياطين الخرس ودنيا الناس للأستاذ الدكتور خالد سرواح،
...
-
الفكر والعمل، الجامعة والصناعة، المثال والواقع: إنجلترا في ث
...
-
مدخل إلى التحليل التقابلي
-
تعريف الأسلوبية ونطاقها
-
الأسلوبية المعرفية
-
السمات الفونولوجية والجرافولوجية في الأسلوبية
-
الخصائص النحوية والتركيبية في الأسلوبية
-
الأسلوبية التداولية
-
اللغة وتجسيد الأزمة: قراءة في قصيدة -وكأن شيئا ما كان-
-
نقاء الجوهر: قراءة في قصيدة كم كنت
-
تحليل قصيدة والليل صديق من ديوان سماء بلا طير (2019)
-
تحليل قصيدة -ليل وغربة- للشاعر يحى كامل السيد
-
تحليل الأخطاء: دراسة أخطاء الكتابة الإنجليزية لدى المتحدثين
...
-
مقدمة في علم الأسلوب والتحليل التقابلي
-
فاطمة المرنيسي والنصوص الدينية
-
السمات المعجمية والدلالية في الأسلوبية
-
الاختلاف والشك والعنف الروحي في الإصلاح: نظرة عامة
-
الحياة في المجتمع الإنجليزي في القرن الثامن عشر
-
الوصمة الاجتماعية والتحامل المجتمعي
المزيد.....
-
حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
-
توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا
...
-
تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت
...
-
السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا
...
-
إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة
...
-
اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
-
-وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض
...
-
سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي
...
-
ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
-
مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
المزيد.....
-
زمن المضاف إليه
/ د. خالد زغريت
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|