|
|
مراجعة كتاب اليمين واليسار في الإسلام لأحمد عباس صالح
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 04:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة "الاسلام في جانبه الروحي ثورة إنسانية شاملة" يُمثل كتاب «اليمين واليسار في الإسلام» لأحمد عباس صالح، الصادر في مطلع السبعينيات من القرن العشرين، لحظة فكرية دالة في مسار المثقف العربي اليساري الذي لم يجد في الأطر الماركسية المستوردة إجابات كافية عن أسئلة العدالة والتحرر في السياق الإسلامي. فالكتاب ليس مجرد قراءة تاريخية لأحداث صدر الإسلام، بل هو محاولة منهجية لإعادة اكتشاف نزعة اجتماعية تقدمية كامنة في التجربة الإسلامية المبكرة، عبر إسقاط مقولات اليمين واليسار على الصراع الذي دار حول السلطة والثروة والكرامة الإنسانية. أحمد عباس صالح، أحد رموز اليسار المصري، لم يأتِ إلى الإسلام بوصفه خصماً أو بديلاً خارجياً، بل بوصفه أفقاً حضارياً يمكن أن يستوعب مطالب العدالة الاجتماعية ويؤصلها. ومن هنا تكتسب المقاربة الحضارية أهميتها؛ إذ لا تكتفي بنقد الأطروحة أو تأييدها، بل تتساءل عن دلالة هذا التحول اليساري نحو الإسلام، وعن إمكاناته في إعادة بناء مشروع تحرري أصيل ينبع من داخل المنظومة الحضارية العربية الإسلامية لا من خارجها. فماهي خصائص المقاربة الحضارية حول اليسار المتحول إلى الاسلام؟ وهل يمكن الجميع بينهما دون الوقوع في تناقض؟ وماهي تبعات ذلك الجمع؟ الإطار العام للكتاب ومنهجه ينطلق صالح من فرضية أساسية مفادها أن التاريخ الإسلامي المبكر لم يكن مساراً وحدوياً منسجماً، بل كان مسرحاً لصراع طبقي واجتماعي حاد بين قوى تميل إلى المساواة وتوزيع الثروة (اليسار) وقوى تتمسك بالتراتبات الموروثة وتحمي مصالح الأثرياء والأشراف (اليمين). يعيد المؤلف قراءة المرحلة المكية والمدينة، ثم عهد الخلفاء الراشدين، وصولاً إلى الفتنة الكبرى واستشهاد الحسين، من خلال هذه الثنائية. يرى أن الدعوة المحمدية الأولى كانت في جوهرها ثورة اجتماعية حملها الفقراء والمستضعفون ضد أرستقراطية قريش التجارية. ويجد في مواقف علي بن أبي طالب وفي خطاب العدالة لدى بعض الصحابة تعبيراً عن هذا اليسار الإسلامي، بينما يرى في سياسات عثمان بن عفان وفي صعود الأمويين انتصاراً لليمين الذي أعاد ترتيب المصالح لصالح النخبة. المنهج هنا تاريخي-اجتماعي في ظاهره، لكنه محمول على رغبة إيديولوجية واضحة: إثبات أن النزعة الاشتراكية ليست غريبة عن الإسلام، بل هي جزء أصيل من رسالته إذا فُهمت فهماً صحيحاً. هذا التوجه يجعل الكتاب نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته «اليسار المتحول إلى الإسلام»، أي ذلك التيار الذي ينتقل من المرجعية الماركسية أو الاشتراكية القومية إلى البحث عن جذور العدالة داخل التراث الديني نفسه. اليسار المتحول إلى الإسلام: دلالة التحول الحضاري "الدعوة الاسلامية لم تكن مجرد نحلة من النحل، ولم تكن دعوة لنبد الأصنام أو الاتجاه إلى التوحيد فقط، بل هي إلى جانب هذا ثورة اجتماعية توفرت لها كل أسباب الثورة." يكتسب تحول اليسار إلى الإسلام في هذا السياق بعداً حضارياً أعمق من مجرد مناورة سياسية أو تكتيك خطابي. فهو يعبر عن أزمة المرجعيات المستوردة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حين بدا أن النماذج الاشتراكية التطبيقية (الناصرية، البعثية، التجارب السوفياتية) قد أنتجت استبداداً جديداً بدل أن تحقق التحرر المنشود. في مواجهة هذا الإخفاق، لجأ بعض المثقفين اليساريين إلى التراث بحثاً عن شرعية أخلاقية واجتماعية أعمق. صالح لا يتخلى عن هاجس العدالة الطبقية، لكنه يعيد صياغته بلغة إسلامية. الفقر لم يعد نتيجة علاقات إنتاج رأسمالية فقط، بل أصبح ظلماً يناقض جوهر الرسالة المحمدية. والاستغلال لم يعد مفهوماً اقتصادياً صرفاً، بل انتهاكاً للكرامة التي أقرها الإسلام للإنسان. بهذا المعنى، يتحول الإسلام من خصم طبقي أو أفيون للشعوب، كما في بعض القراءات الماركسية التقليدية، إلى خزان قيمي يمكن أن يغذي مشروعاً يسارياً أصيلاً. هذا التحول يحمل إمكانات حضارية مهمة. فهو يقطع مع الثنائية العقيمة بين «التقدم» المستورد و«التراث» المحافظ، ويقترح أفقاً ثالثاً: قراءة تقدمية للتراث نفسه. كما أنه يمنح اليسار العربي شرعية شعبية أوسع، لأن الخطاب الإسلامي قادر على مخاطبة وجدان الجماهير بطريقة تعجز عنها المقولات المادية المجردة. غير أن هذا التحول ينطوي أيضاً على مخاطر الاختزال؛ إذ قد يتحول التاريخ الإسلامي إلى مجرد ساحة إسقاط لمقولات حديثة، فيُفقد خصوصيته ويُختزل في صراع طبقي أبدي. ان «اليسار المتحول إلى الإسلام» مصطلح يصف ظاهرة فكرية وسياسية برزت بقوة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، واستمرت بأشكال مختلفة حتى اليوم. ويقصد به انتقال قطاع من المثقفين والناشطين اليساريين العرب من المرجعيات الماركسية أو الاشتراكية القومية أو الليبرالية التقدمية، إلى البحث عن جذور العدالة الاجتماعية والتحرر داخل المنظومة الإسلامية نفسها. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الخطاب أو تكتيك سياسي، بل كان تعبيراً عن أزمة حضارية عميقة، ومحاولة لإعادة تأسيس مشروع تحرري ينبع من الذات الثقافية لا من خارجها. لقد ظهر هذا التحول في سياق إخفاق التجارب الاشتراكية العربية (الناصرية، البعث، التجارب اليسارية الأخرى) في تحقيق العدالة الموعودة، وفي ظل صعود الاستبداد باسم التقدم، وتفاقم الشعور بالاغتراب عن الجماهير التي ظلت مرتبطة وجدانياً بالإسلام. اكتشف بعض اليساريين أن المقولات المادية المجردة عاجزة عن مخاطبة الوجدان الشعبي، وأن الشعارات الأممية قد تؤدي إلى قطع الصلة مع التربة الثقافية المحلية. من هنا جاء التحول: لم يعد الإسلام «أفيون الشعوب» أو عائقاً أمام التقدم، بل أصبح خزاناً قيمياً يمكن أن يمدّ مشروع العدالة بشرعية أخلاقية واجتماعية أعمق. كتاب أحمد عباس صالح «اليمين واليسار في الإسلام» يُعدّ أحد التعبيرات المبكرة والواضحة عن هذا المسار، حيث أعاد قراءة التاريخ الإسلامي المبكر بوصفه صراعاً بين قوى المساواة (اليسار) وقوى التراتب والمصلحة (اليمين). على المستوى الحضاري، يمثل هذا التحول محاولة لتجاوز الثنائية القاتلة التي حكمت الفكر العربي الحديث لفترة طويلة: إما تراث محافظ يُقدَّم بوصفه عائقاً أمام التقدم، أو حداثة مستوردة تقطع مع الهوية وتؤدي إلى الاغتراب. اليسار المتحول إلى الإسلام يقترح أفقاً ثالثاً: قراءة تقدمية ونقدية للتراث نفسه، تستخرج منه إمكانات العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. هو اعتراف بأن المشروع التحرري لا يمكن أن ينجح إذا ظل غريباً عن الرموز والقيم التي تشكل وعي الأغلبية. كما أنه يعبر عن رغبة في استعادة الفاعلية التاريخية من داخل الحضارة العربية الإسلامية، لا بالانقطاع عنها. فكرياً، يدل هذا التحول على انتقال من مركزية الصراع الطبقي المادي إلى رؤية أوسع تجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الأخلاقي والروحي. العدالة لم تعد مجرد إعادة توزيع للثروة، بل أصبحت مرتبطة بمفاهيم الكرامة والظلم والاستضعاف كما وردت في الخطاب الإسلامي. هذا الانتقال يفتح إمكانية بناء خطاب يساري أصيل، لكنه يحمل في طياته خطرين: خطر الاختزال، حين يُحوَّل التاريخ الإسلامي إلى مجرد ساحة إسقاط لمقولات حديثة. وخطر التوظيف السياسي، حين يُستخدم الإسلام كغطاء شرعي لمشروع يساري دون مراجعة حقيقية للمنطلقات. في السياق الراهن، تكتسب ظاهرة اليسار المتحول إلى الإسلام دلالة متجددة. فمع تفاقم اللامساواة، وأزمات الشرعية، وصعود خطابات الهوية، يعود السؤال من جديد: هل يمكن بناء مشروع عدالتى يجمع بين الالتزام الاجتماعي العميق والانتماء الحضاري؟ بعض التيارات اليوم تعيد إنتاج هذا التحول بأسماء مختلفة (يسار إسلامي، إسلام اجتماعي، قراءات مقاصدية تقدمية…)، محاولةً تجنب أخطاء الجيل السابق في الإسقاط المباشر، والبحث عن تأصيل أكثر دقة. كتابات معاصرة عن هذا التحول هناك كتابات معاصرة عديدة تتناول ظاهرة «اليسار المتحول إلى الإسلام» أو ما يُعرف بـ«اليسار الإسلامي»، سواء بالتأييد أو بالنقد أو بالتحليل التاريخي والاجتماعي. هذه الكتابات تتنوع بين الدراسات الأكاديمية والمقالات التحليلية والكتب التي تعيد قراءة التجربة أو ترصد تحولاتها في العقود الأخيرة. أبرز المحاور والاتجاهات المعاصرة مشروع حسن حنفي واستمرارية النقاش حوله يظل حسن حنفي المرجع الأساسي لتيار «اليسار الإسلامي». كتاباته مثل سلسلة «الدين والثورة في مصر» (وخاصة الجزء المتعلق باليمين واليسار في الفكر الديني) و«اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية» ما زالت تُناقش وتُنقد حتى اليوم. ظهرت دراسات أكاديمية حديثة تحلل مشروعه بوصفه محاولة لتأسيس «لاهوت تحرري إسلامي»، وتبحث في حدوده وإمكاناته في سياق ما بعد الربيع العربي الدراسات حول التحول الفردي والجماعي من اليسار إلى الإسلام هناك أبحاث ترصد حالات تحول شخصيات يسارية بارزة إلى مواقف أقرب إلى الإسلام السياسي أو الاجتماعي (مثل طارق البشري في مصر، أو بعض الناشطين الفلسطينيين واللبنانيين). دراسة نيكولا دوت-بويار عن «اليسار المتحول للإسلام» من خلال حالة الكتيبة الطلابية في حركة فتح، نُشرت ضمن سلسلة «مراصد» في مكتبة الإسكندرية، وتُعد نموذجاً لتحليل هذا التحول ميدانياً. كتابات تتناول تجربة منير شفيق وعادل حسين وغيرهما ممن انتقلوا من مواقع يسارية أو قومية إلى تبني خطاب إسلامي ثوري. 3. اليسار الإسلامي في المغرب العربي ظهرت كتابات تناقش محاولات التوفيق بين المطالب الاجتماعية والديمقراطية والمرجعية الإسلامية، وتقيّم نجاحاتها وإخفاقاتها بعد 2011. التحليلات النقدية والمعاصرة كتابات تنتقد الظاهرة بوصفها تلفيقاً أو محاولة فاشلة للتوفيق بين الماركسية والإسلام (امتداداً لنقد مصطفى محمود في «أكذوبة اليسار الإسلامي»). دراسات أكاديمية غربية وعربية حديثة مثل كتاب هشام سلام «سياسة بلا طبقات» الذي يحلل العلاقة المعقدة بين اليسار والحركات الإسلامية في مصر في ظل الإرث السلطوي. مقالات ودراسات عن «ما بعد الإسلاموية» واليسار المسلم في تركيا وإيران، ترى في بعض التجارب محاولة لصياغة يسار إسلامي ديمقراطي واشتراكي التوجه. النقاش الفرنسي والأوروبي حول «الإسلامو-يسارية»: رغم اختلافه عن السياق العربي، إلا أن الجدل الفرنسي (منذ بيير-أندريه تاغييف وصولاً إلى كتابات ميشيل أونفري وغيرها) أعاد إحياء النقاش حول التحالفات أو التقاطعات بين اليسار الراديكالي والتيارات الإسلامية، وأثر بشكل غير مباشر على الكتابات العربية التي تتناول الظاهرة. الكتابات المعاصرة لا تقتصر على تكرار أطروحات السبعينيات والثمانينيات، بل تحاول الإجابة عن أسئلة جديدة: هل نجح اليسار المتحول إلى الإسلام في بناء مشروع مستدام أم ظل ظاهرة نخبوية؟ كيف تغيرت دلالته بعد صعود الإسلام السياسي الحركي ثم أزمته؟ وهل يمكن الحديث اليوم عن «يسار إسلامي» حقيقي أم عن تحالفات ظرفية ومراجعات فردية؟ الظاهرة إذن ما زالت حية في النقاش الفكري، وإن كانت أقل حضوراً سياسياً مما كانت عليه في عقود سابقة. قراءة نقدية للأطروحة الأساسية تكمن قوة الكتاب في قدرته على إحياء البعد الاجتماعي المنسي أو المهمش في كثير من القراءات التقليدية للتاريخ الإسلامي. فالتأكيد على أن الدعوة الإسلامية حملت منذ لحظاتها الأولى مشروعاً لتحرير المستضعفين، وأن الصراع حول الخلافة لم يكن دينياً خالصاً بل اجتماعياً أيضاً، يفتح أفقاً خصباً لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والعدالة. كما أن التركيز على شخصية الحسين بوصفه رمزاً للمقاومة ضد الاستبداد والترف الأموي يمنح السرد بعداً أخلاقياً وإنسانياً عميقاً. ومع ذلك، فإن المقاربة تعاني من عدة إشكاليات منهجية. أولاً، الإسقاط المفاهيمي؛ فمقولتا اليمين واليسار نتاج للثورة الفرنسية والصراعات الأوروبية الحديثة، ونقلهما بحرفيتهما إلى القرن السابع الميلادي ينطوي على مفارقة تاريخية. الصراعات في صدر الإسلام كانت مركبة، تتداخل فيها العوامل القبلية والدينية والشخصية والاقتصادية، ولا يمكن اختزالها في ثنائية طبقية حديثة. ثانياً، الانتقائية في قراءة النصوص والأحداث. يميل المؤلف إلى إبراز المواقف التي تدعم أطروحته وتهميش أو تأويل ما يتعارض معها. فموقف عمر بن الخطاب من العدالة الاجتماعية، على سبيل المثال، أكثر تعقيداً مما يوحي به التصنيف اليميني-اليساري. كما أن تجربة علي بن أبي طالب نفسها شهدت توترات داخلية لا تنسجم دائماً مع الصورة النقية لـ«اليسار». ثالثاً، ضعف البعد المقاصدي والفقهي. فالكتاب يركز على السرد التاريخي-السياسي أكثر مما ينشغل بتأصيل فقهي أو مقاصدي لمفهوم العدالة في الإسلام. وهذا يجعل الأطروحة أقرب إلى البيان الإيديولوجي منها إلى البناء النظري المتماسك الذي يمكن أن يؤسس لمشروع حضاري مستدام. الأفق الحضاري لليسار الإسلامي كما يتجلى في الكتاب رغم هذه الإشكاليات، يفتح كتاب صالح أفقاً حضارياً يستحق التأمل. فهو يشير إلى إمكانية إعادة بناء مشروع نهضوي يجمع بين الالتزام بالعدالة الاجتماعية والانتماء إلى المنظومة القيمية الإسلامية. هذا المشروع لا يرى في الإسلام عائقاً أمام التقدم، ولا في اليسار خصماً للتراث، بل يسعى إلى صياغة تركيب جديد. في السياق المعاصر، حيث تعاني المجتمعات العربية من تفاقم اللامساواة ومن أزمات الشرعية السياسية، تعود أسئلة الكتاب لتطرح نفسها بقوة. هل يمكن لليسار أن يجد في الإسلام مرجعية أخلاقية تحول دون سقوطه في الاستبداد؟ وهل يمكن للإسلام السياسي أو الاجتماعي أن يستوعب مطالب العدالة دون أن يتحول إلى محافظة اجتماعية؟ كتاب صالح، رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدوره، لا يزال يثير هذه الأسئلة ويدفع إلى التفكير في إمكانية تجاوز الثنائيات القاتلة. التحول الذي يجسده المؤلف ليس مجرد انتقال فردي من الماركسية إلى الإسلام، بل هو تعبير عن حاجة حضارية أعمق: الحاجة إلى مشروع تحرري ينبع من الذات الحضارية ولا يكون مجرد صدى لتجارب الآخرين. وفي هذا يكمن أهم ما في الكتاب؛ أنه شهادة مبكرة على إمكانية هذا التركيب، حتى لو ظل التركيب نفسه ناقصاً أو محكوماً بحدود اللحظة التاريخية التي أنتجته. خاتمة "اننا نولد من جديد، من صلب تلك الحضارة العظيمة..." يظل كتاب "اليمين واليسار في الإسلام" نصاً مؤسساً في مسار اليسار المتحول إلى الإسلام. هو نص يحمل حماسة جيل آمن بالعدالة وبحث عنها في تراثه بعد أن خذلته النماذج المستوردة. وهو في الوقت ذاته نص يكشف حدود الإسقاط الإيديولوجي على التاريخ، ويذكر بأن أي قراءة تقدمية للتراث تحتاج إلى أدوات منهجية أكثر دقة وإلى حساسية أكبر تجاه تعقيد التجربة التاريخية. يُعرّف المؤلف اليمين واليسار بالمعنى الاصطلاحي الحديث، لا بالمعنى اللغوي أو القرآني التقليدي: "اصطلاح اليمين للدلالة على المحافظين، واصطلاح اليسار للدلالة على الثوريين، اصطلاح غربي يرجع إلى قيام أول هيئة برلمانية في العالم الغربي حيث جلس المحافظون في اليمين وجلس المعارضون في اليسار... ومنذ هذا التاريخ والكلمة تتغير وتتطور في إطار معناها هذا إلى أن أصبح اليسار يعني الآن الاشتراكيين على مختلف درجاتهم." ثم يوضح المعنى الذي يقصده في سياق الإسلام:" ولكننا هنا نعني باليسار هؤلاء الذين اهتموا بالجانب الاجتماعي في الإسلام واعتقدوا أنه إلى جانب كونه ديانة سماوية تنظم العلاقة بين الله والإنسان، فلسفة اجتماعية تنظم العلاقة بين الناس بعضهم والبعض الآخر لصالح الغالبية العظمى التي تتكون من الفقراء والمستضعفين... إذن فاليسار الذي نعنيه هنا هو اليسار بمعناه الاصطلاحي الحديث، أي هؤلاء الذين يعنون بالمسألة الاجتماعية ويؤمنون بأن الإسلام الصحيح قد قصد إلى حلها واعتبرها طريقاً إلى النجاة في الحياة الآخرة وللصلاح في الحياة الدنيا." ويحدد النزعة الاشتراكية في الإسلام: "وعلى هذا فاليسار الذي نقصده في الإسلام هو الذي يتجه إلى رفع الجور عن الفقراء والمستضعفين، والمساواة بين أبناء المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات، أي باختصار هو النزعة الاشتراكية في الإسلام. أما اليمين الذي نقصده فهو الاتجاه المعارض لهذا، وهو الذي سمح بالفروق الشاسعة بين أفراد المجتمع الإسلامي؛ وهو الذي حارب ضد اليسار لتظل فئة قليلة تحتفظ بالثروة وتتحكم سياسياً واجتماعياً في غالبية المسلمين.» ويضيف حول استخدام مصطلح "الاشتراكية" : " وسوف نستعمل "النزعة الاشتراكية" كثيراً هنا... على أن المقصود هنا من استعمال كلمة اشتراكية ببساطة هو المعنى الجماعي، أي العمل لصالح الأغلبية وتقديم صالح الجماعة على صالح الأفراد... إذن فاليسار الإسلامي الذي سنتحدث عنه هنا هو الاتجاه ذو النزعة الجماعية وهو ما يمكن بناء على ما سبق تسميته بالاتجاه الاشتراكي، في حين يعني اليمين الإسلامي الاتجاه ذا النزعة الفردية الذي يبحث عن الصالح الفردي قبل أن يبحث عن الصالح الجماعي." ويؤكد على المبادئ العامة: "إنما الذي يعنينا من هذا كله هو المبادئ العامة التي تتفق والاتجاه نحو العدل الاجتماعي والمساواة والحض عليهما. وهو الأمر الذي لا يجادل أحد في وجوده في الإسلام." يُنقل ما يوافق هذا المنحى: "حين يحكم السيف تضيع الكرامة ويستسلم الناس ويستدعون من أنفسهم كل الكوامن الخبيثة ليعايشوا السلطة القاهرة بأسلحة من طباعها، وفي بعض فترات التاريخ يبدو الواقع حاداً شديد الحدة، فيخيل للإنسان الذي يعايش هذا الواقع أن كل ما قرأه عن القيم الخيرة والنزوع البشري إلى الخير إن هو إلا أوهام كتّاب حالمين لم يصطدموا بالواقع... وليست المسألة بعد ذلك صراعاً بين قوى ظالمة وقوى مظلومة، إنما هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانية العليا والقيم السفلى، ومهما تلبس القوى من أردية المنطق والعدالة والسياسة فإنها في الواقع تنخر في صميم الكيان البشري وتوشك أن تودي بهذا الكيان إلى الفناء.» هذا الكتاب يقرأ التاريخ الإسلامي المبكر من منظور صراع طبقي/اجتماعي بين تيار «يساري» يهتم بالعدل الاجتماعي وتيار «يميني» يدافع عن الثروة والسلطة الفردية. ان دلالة اليسار المتحول إلى الإسلام تكمن في كونه تعبيراً عن حاجة حضارية مزدوجة: حاجة اليسار إلى شرعية ثقافية وشعبية، وحاجة الإسلام إلى استعادة أبعاده التحررية والاجتماعية التي همّشتها القراءات المحافظة أو السياسية الضيقة. هو محاولة للخروج من الاغتراب المزدوج: اغتراب اليسار عن مجتمعه، واغتراب الخطاب الإسلامي عن مطالب العدالة. ورغم كل ما شاب هذه المحاولة من حدود وإسقاطات، فإنها تظل شاهداً على إمكانية التفكير خارج الثنائيات الجاهزة، وعلى أن البحث عن مشروع تحديثي أصيل يمر حتماً عبر إعادة اكتشاف الإمكانات الكامنة داخل الذات الحضارية نفسها. من منظور حضاري، يمثل الكتاب دعوة مستمرة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين القيم الإسلامية ومطالب العدالة الاجتماعية. وهي دعوة لا تزال قائمة، بل تزداد إلحاحاً كلما تعمقت أزمات اللامساواة وفقدان المعنى في العالم العربي. رحيل الزمن عن الكتاب لا يلغي أسئلته، بل يمنحها فرصة لأن تُطرح من جديد بوعي أعمق ونقد أكثر صرامة. فهل يؤدي فشل الخيارات المكررة والبدائل المستهلكة للعودة لهذه الاطروحة؟ المصدر: أحمد عباس صالح، "اليمين واليسار في الإسلام"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1973م . كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في وداع جان-كلود باسيرون… عقل سوسيولوجي صارم وأنيق يغادر
-
مراجعة كتاب أبي الوليد ابن رشد الشرح الكبير لكتاب النفس لأرس
...
-
مفهوم هيجل الفلسفي بين ميتافيزيقا الذاتية وحقيقة الجوهر
-
بيداغوجيا فلسفية وتطبيق الفلسفة في مجال التربية والتعليم، مق
...
-
تأثيرات المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع الأوروبية على الاست
...
-
فن المجابهة وتأويل الحرب عند اتيان باليبار بين العولمي والمح
...
-
رؤية حفار المعرفة ميشيل فوكو للجامعة والتربية
-
العقل الغربي وكمون الرغبة التدميرية ودواعي اللجوء إلى العنف
...
-
في ضرورة اعتماد سياسات الحياة زمن التحولات الجذرية والأزمات
...
-
الكتابة الفلسفية في المسألة الحضارية هي فعل نضالي
-
مراجعة كتاب ميشيل فوكو الانهمام بالذات جمالية الوجود وجرأة ق
...
-
أنطولوجيا ارسطو بين المعرفة بالمبادئ والفعل وفقا للغايات
-
في شروط الفعالية التاريخية للفلسفة بين المعرفة النظرية والجد
...
-
ماذا يتطلب نقل المجتمع من وضع غير سوي إلى وضع سوي؟
-
ثورة الطلاب في فرنسا وتبلور فكر 68 وموقف الفلاسفة النسقيين م
...
-
الفكرة الأوراسية بماهي تحول حضاري في العلاقات بين الأمم والد
...
-
الاغتراب عند هيجل بوصفه وعياً بالفجوة بين العالم الواقعي وال
...
-
فكرة اليسار الجديد عند آين راند
-
مقاربة معاصرة حول التصور المنطقي الوضعي للحقيقة والمنظور الف
...
-
أفكار وتجارب في تعليم التفلسف لليافعين في العالم
المزيد.....
-
متحف -شماش- في بغداد يستقطب الزوار ويحيي التراث اليهودي في ا
...
-
الإسلامية المسيحية تحذر من خطورة المخطط الاستيطاني: الجديد ف
...
-
متحف «شماش» في بغداد.. محاولة لتوثيق ذاكرة الوجود اليهودي في
...
-
-شماش-.. أول متحف يوثق ذاكرة يهود العراق في قلب بغداد
-
الفاتيكان يؤكد جاهزية البابا الصحية لجولته المرتقبة في أمريك
...
-
دار الإفتاء الليبية تحرم شراء وارتداء ملابس شركة نايكي بسبب
...
-
-تحالف غير مقدس-.. كيف رأت أمريكا الإخوان المسلمين منذ تأسيس
...
-
-الطلاق الصامت-.. هل يتفكك الإجماع الصهيوني بين اليهود الأمر
...
-
بزشكيان: المرشد الأعلى منح الحكومة صلاحيات حل الأزمات عبر ال
...
-
ميرتس يواجه قواعد الحزب المسيحي الديمقراطي وسط أزمة متصاعدة
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ نيل دونالد والش
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
المزيد.....
|