أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - مقعدٌ اسمه «رَحلة».. ولوحٌ اسمه «سَبّورة»: ماذا تخبّئ مفردات المدرسة العراقية؟














المزيد.....

مقعدٌ اسمه «رَحلة».. ولوحٌ اسمه «سَبّورة»: ماذا تخبّئ مفردات المدرسة العراقية؟


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 12:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أرضٍ عرفت الكتابة قبل آلاف السنين، ومن حضارة جعلت من الطين وسيلة لتدوين المعرفة والقوانين والأساطير، يأتي سؤال صغير في ظاهره، لكنه يفتح نافذة واسعة على الذاكرة الثقافية العراقية:
لماذا يجلس الطالب العراقي على «رَحلة»، ولا يجلس على مقعد؟ ولماذا يكتب على «سَبّورة»، وليس على لوح؟
هل تساءلت يوما لماذا أنفرد العراق دونا عن كل شعوب العالم-العربي والأجنبي- بتسمية مقعد المدرسة ب"رحلة"؟
قد تبدو المسألة مجرد اختلاف في اللهجة والتسمية، لكنها تصبح أكثر إثارة حين نتوقف عند الكلمات التي نستخدمها يومياً دون أن نسأل عن حكايتها. وهي تسمية تحمل، إذا تجاوزنا معناها الاصطلاحي إلى قراءتها الرمزية، صورة جميلة عن علاقة الإنسان بالمعرفة.
فالرحلة في معناها اللغوي هي الانتقال والسفر من مكان إلى آخر، واكتشاف فضاءات جديدة. ومن هنا يمكن أن نقرأ المقعد المدرسي العراقي بوصفه بداية رحلة، لا مجرد قطعة خشبية يجلس عليها الطالب.
إنه يجلس في مكانه جسداً، لكنه يفترض أن يرحل بعقله وفكره إلى عوالم أخرى؛ من الحروف الأولى إلى العلوم، ومن المعرفة البسيطة إلى الأسئلة الكبرى. وكأن المدرسة لا تمنحه مقعداً للجلوس فقط، بل تمنحه نقطة انطلاق نحو المجهول.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: الطالب ثابت في مكانه، لكن عقله في رحلة لا تتوقف.
ولم يتوقف هذا العمق عند المقعد، بل امتد إلى "السَبّورة" (اللوح الذي يكتب عليه المعلم).
في المعاجم اللغوية، تُشتق السبورة من "السَّبْر"، وهو الفعل الذي يستخدمه الجراح لاختبار عمق الجرح واستكشاف عمقه، أو الأداة التي يمسكها النحات لِيحفر أثراً ويُشكل تمثالاً يمنح المادة الصامتة روحاً وهواية. المعلم العراقي حين يقف أمام السبورة، لا يلقن دروساً جافة، بل يمارس دور الجراح الذي يسبر أعماق العقول ليداوي جهلها.
ولعل أجمل ما في هذه المفردات أن المدرسة العراقية تجمع بين صورتين رمزيتين: «الرَّحلة» التي تشير إلى الحركة والاكتشاف، و«السَّبّورة» التي تمثل الفضاء الذي نرسم وننحت صور الحياة وفك أسرار جماله.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال أوسع من حدود المدرسة: هل يمكن أن تحمل المفردات اليومية شيئاً من الذاكرة الحضارية للمجتمع، حتى بعد أن ينسى الناس الظروف التي نشأت فيها؟
فالعراق الذي عرف الألواح الطينية والكتابة المسمارية في حضارات سومر وبابل وآشور، لم يكن غريباً عن فكرة تحويل المعرفة إلى أثر مكتوب، وعن جعل الكتابة وسيلة لحفظ التجربة الإنسانية ونقلها عبر الأجيال.
ولا يعني ذلك أن كل مفردة عراقية امتداد مباشر لتلك الحضارات، لكن من الجميل أن نقرأ هذا التراكم الثقافي بوصفه جزءاً من ذاكرة مجتمع جعل للكتابة والتدوين والتعليم حضوراً عميقاً في تاريخه.
ربما لا تحمل «الرَّحلة» فلسفة واعية وضعها من أطلق هذه التسمية، وربما لم يقصد من سمّى اللوح «سبّورة» أن يمنحه كل هذه الدلالات. لكن اللغة لا تعيش فقط بما قصده أصحابها، بل أيضاً بما نستطيع نحن أن نكتشفه فيها.
وهكذا تصبح المدرسة أكثر من جدران وصفوف ومقاعد؛ تصبح رحلة تبدأ بمقعد صغير، وقد تنتهي بعقل قادر على تغيير العالم.
تحية لكل من جلس يوماً على «رَحلة» عراقية، ووقف أمام «سَبّورة» يتعلم منها؛ فلعل أجمل رحلة في حياة الإنسان هي تلك التي لا تنتهي عند حدود المدرسة، بل تستمر ما دام العقل يسأل، والإنسان يبحث، والمعرفة تفتح أبوابها.
فالحضارة ليست ما تركه الأجداد خلفهم فقط، بل قد تكون أيضاً ما بقي في لغتنا دون أن ننتبه إليه.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع الذاكرة الرافدينية وثنائية ...
- من العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع: الذاكرة الرافدينية وثن ...
- ثنائيات صناعة الحضارة وانهيارها: من البروتستانت إلى الفرس
- حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية
- حين يبقى اسم الغزاة… انجلترا وفرنسا وروسيا نموذجا
- الإنسان كائن الحياة لا سيدها: من -الحيوان العاقل- إلى -الكائ ...
- كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟
- العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
- حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة


المزيد.....




- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء وارتداء ملابس شركة نايكي بسبب ...
- -تحالف غير مقدس-.. كيف رأت أمريكا الإخوان المسلمين منذ تأسيس ...
- -الطلاق الصامت-.. هل يتفكك الإجماع الصهيوني بين اليهود الأمر ...
- بزشكيان: المرشد الأعلى منح الحكومة صلاحيات حل الأزمات عبر ال ...
- ميرتس يواجه قواعد الحزب المسيحي الديمقراطي وسط أزمة متصاعدة ...
- بحماية قوات الاحتلال.. مستوطنون يؤدون طقوساً تلمودية و«انبطا ...
- مستوطنون يغلقون طرقاً حيوية في سلفيت ويعرقلون حركة المواطنين ...
- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء ملابس -نايكي- بسبب شعارها ودعم ...
- لا يشجع ريال مدريد وروما فقط.. هذه الاهتمامات الرياضية لبابا ...
- تحالف غير مسبوق.. مطالب في إسرائيل بحكومة ائتلافية يهودية-عر ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - مقعدٌ اسمه «رَحلة».. ولوحٌ اسمه «سَبّورة»: ماذا تخبّئ مفردات المدرسة العراقية؟