نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 09:18
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ليس من السهل أن يقترب الباحث من الظاهرة الدينية بوصفها موضوعاً للدرس والتحليل، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانحيازات العقائدية، وليس من السهل أيضاً أن يعيد قراءة التاريخ الديني من زاوية الإنسان ومشاعره ومخاوفه وتحولاته الاجتماعية. فهذه المهمة تتطلب شجاعة فكرية، ومعرفة متعددة الاختصاصات، وقدرة على مساءلة المسلّمات التي تحولت، بفعل التكرار والتوارث، إلى حقائق يصعب الاقتراب منها. وفي هذا السياق يبرز اسم المفكر والباحث العراقي الدكتور فالح مهدي، بوصفه واحداً من الأصوات التي اختارت الاشتغال على الأسئلة الشائكة في تاريخ الأديان والفكر الديني والأنثروبولوجيا، واضعةً العقل النقدي في مواجهة الموروث، والبحث في مواجهة اليقين المغلق.
ولد الدكتور فالح مهدي في بغداد عام 1947، وتخرج في كلية القانون بجامعة بغداد عام 1970. غير أن اهتماماته لم تتوقف عند حدود تخصصه القانوني، إذ اتجه مبكراً إلى دراسة الأديان والفلسفة والعلوم الإنسانية، وسافر إلى الهند عام 1973 لمواصلة دراسته، حيث حصل على الماجستير في العلوم السياسية ودبلوم في القانون الدولي من جامعة بونا عام 1976، ثم واصل دراساته العليا في فرنسا، ونال الدكتوراه من جامعة باريس عام 1987 عن أطروحته الموسومة (أسس وآليات الدولة في الإسلام: العراق نموذجاً). وقد ارتبط مساره الأكاديمي والبحثي بالتدريس والبحث في القانون الدولي والقانون الدستوري، فضلاً عن اهتمامه الواسع بتاريخ الأديان وتحليل الظواهر الثقافية والاجتماعية.
لكن ما يميز تجربة فالح مهدي ليس تعدد اختصاصاته فحسب، بل طبيعة الأسئلة التي اختار أن يشتغل عليها. فهو لا يتعامل مع الدين باعتباره مجرد منظومة من النصوص والمعتقدات، وإنما باعتباره ظاهرة إنسانية وتاريخية تشكلت في سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية متباينة. ومن هنا تأتي أهمية مشروعه البحثي الذي يحاول تفكيك العلاقة بين الإنسان والمقدس، وبين الخوف والمعتقد، وبين السلطة الدينية والبنية الاجتماعية.
بدأت رحلته الفكرية مبكراً مع كتابه (البحث عن منقذ: دراسة مقارنة بين ثماني ديانات)، الذي أنجزه وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وصدر عن دار ابن رشد في بيروت عام 1981، ثم أعيد نشره في القاهرة عام 1991. وتكمن أهمية هذا العمل في محاولته دراسة فكرة المنقذ ضمن منظومات دينية متعددة، والكشف عن المشترك الإنساني الذي أنتجته الحاجة إلى الخلاص والأمل في تجاوز المحنة والموت والمصير المجهول. ففكرة المنقذ ليست مجرد تصور ديني منعزل، بل تعبير عن قلق الإنسان أمام محدودية وجوده، ورغبته في العثور على قوة تتجاوز عجزه وتمنحه معنى لحياته.
في كتابه (صلوات الإنسان: من سومر إلى الإسلام) يتجه مهدي إلى استكشاف الجذور التاريخية للطقوس والممارسات الدينية، متتبعاً امتداداتها وتحولاتها عبر الحضارات القديمة. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من إعادة الاعتبار إلى حضارة بلاد الرافدين بوصفها أحد المنابع الأساسية التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الدينية والثقافية للمنطقة. فالعراق ليس مجرد جغرافيا احتضنت حضارات متعاقبة، بل فضاء معرفي وإنساني شهد نشوء تصورات كبرى عن الكون والموت والخلود والآلهة والإنسان.
أما في كتابه (جذور الإله الواحد: نقد الإيديولوجية الدينية)، فيقترب من واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ المعتقدات، وهي التحولات التي شهدتها فكرة الألوهية وانتقالها بين الثقافات والحضارات. وتبرز هنا أهمية المنهج المقارن، الذي لا يكتفي بترديد الروايات المتوارثة، بل يحاول وضعها ضمن سياقاتها التاريخية، والبحث في التفاعل والتأثير والاقتباس بين الثقافات القديمة. وهي مقاربة تفتح الباب أمام إعادة قراءة التاريخ الديني بعيداً عن التصورات التي تجعل كل عقيدة جزيرة معزولة عن محيطها الحضاري.
ولعل كتابه (تاريخ الخوف: نقد المشاعر في الحيز الدائري)، الصادر عام 2020، يمثل محطة مهمة في مشروعه الفكري، وقد سبق لي أن تناولته في قراءة نقدية نشرتها في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 16 تشرين الثاني 2023، تحت عنوان (فالح مهدي ونقد المشاعر في الحيز الدائري لتاريخ الخوف).
في هذا الكتاب لا يتعامل مهدي مع الخوف بوصفه انفعالاً نفسياً عابراً، بل باعتباره ظاهرة إنسانية وتاريخية تتداخل فيها العوامل البيولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية. إنه يحاول تتبع جذور الخوف منذ المجتمعات البدائية، مروراً بالعصر الزراعي والتحولات الصناعية والتكنولوجية، وصولاً إلى الإنسان المعاصر الذي لم يتخلص من مخاوفه رغم ما حققه من تقدم علمي ومعرفي. وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها تضع الخوف ضمن شبكة واسعة من العلاقات: الخوف من الموت، والخوف من المجهول، والخوف من السلطة، والخوف من العائلة والمجتمع، والخوف من المعتقد والتقاليد. فالإنسان الذي يخشى العقاب الدنيوي قد يخضع لسلطة سياسية مستبدة، والذي يخشى العقاب الأخروي قد يصبح أسيراً لتأويلات دينية تتحكم في سلوكه وقراراته. وهكذا لا يعود الخوف مجرد حالة داخلية، بل يتحول إلى أداة لإنتاج الطاعة وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي.
من المسائل اللافتة في الكتاب عودة الباحث إلى الموروث الرافديني، ولا سيما ملحمة كلكامش، لفهم تصورات الإنسان القديم عن الموت والخلود والزمن. فموت أنكيدو يمثل لحظة فاصلة في وعي كلكامش، إذ يكتشف أن القوة والسلطة والمجد لا تمنح الإنسان حصانة من الموت. ومن هنا تبدأ رحلته المضنية بحثاً عن الخلود، حتى يلتقي أتونبشتم، الذي نال الخلود وفق الرواية الملحمية بعد نجاته من الطوفان.
لكن الدلالة الإنسانية العميقة في هذه الرحلة تكمن في عودة كلكامش من دون أن يحقق الخلود الجسدي، وقد أدرك أن قيمة الإنسان لا تتوقف عند انتصاره على الموت، بل فيما يتركه من أثر في حياة الآخرين. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة عودته إلى أوروك بوصفها عودة إلى مسؤولية الإنسان تجاه مدينته ومجتمعه، وإلى المعنى الذي يصنعه العمل والحياة المشتركة.
إن استحضار هذا الموروث ليس مجرد استعادة أدبية لنص قديم، بل محاولة لفهم الجذور التاريخية لبعض التصورات التي انتقلت وتطورت في الثقافات اللاحقة. غير أن المقارنة التاريخية بين المعتقدات تحتاج دائماً إلى التمييز بين التشابه والتأثير المباشر، وبين الاقتباس والتحول المستقل؛ فالتاريخ الديني مجال معقد لا تكفي فيه المشابهات وحدها لإثبات علاقات النسب والتأثر.
أما في كتابه (الخضوع السني والإحباط الشيعي: نقد العقل الدائري)، يتجه مهدي إلى تحليل البنى النفسية والاجتماعية التي أسهمت في تكوين بعض أنماط الوعي المذهبي، محاولاً تجاوز القراءة التقليدية للصراعات الطائفية. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في نقل النقاش من حدود الاختلافات العقائدية إلى دراسة الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي جعلت الانتماء المذهبي، في بعض البيئات، يتقدم على الانتماء الوطني والإنساني.
كما لا يقل كتابه (البؤس الأنثوي: دور الجنس في الهيمنة على المرأة) أهمية من حيث اختياره موضوعاً يرتبط بتاريخ السلطة داخل المجتمع والأسرة، وبكيفية توظيف الثقافة والتقاليد والتصورات الاجتماعية في تكريس التفاوت بين الرجل والمرأة. فالتحرر لا يتحقق بمجرد تغيير القوانين، ما لم يصاحبه تفكيك للبنى الذهنية التي تعيد إنتاج التمييز وتمنحه شرعية اجتماعية.
وإلى جانب هذه المؤلفات البحثية، يمتلك فالح مهدي تجربة أدبية في القصة والرواية، من بينها (الثوبان) و(هجرة النور) و(أصدقائي الكلاب)، فضلاً عن أعمال باللغة الفرنسية، الأمر الذي يكشف عن اتساع اهتماماته بالإنسان وأسئلته الوجودية والاجتماعية، وعن إدراكه أن الأدب مثل الفلسفة والبحث العلمي، يستطيع أن ينفذ إلى مناطق في التجربة الإنسانية قد تعجز عنها اللغة التقريرية المباشرة.
إن قراءة تجربة فالح مهدي تضعنا أمام سؤال جوهري: ما وظيفة المثقف في مجتمع تحكمه المسلّمات، وتتنازع وعيه الهويات المغلقة، وتتحول فيه بعض المعتقدات إلى أدوات للفرز والإقصاء؟ هل يكتفي المثقف بإعادة إنتاج ما هو سائد، أم يذهب إلى مساءلة الأفكار التي تحولت إلى محرمات اجتماعية؟
إن قيمة المشروع النقدي لا تكمن في الاتفاق مع جميع أطروحاته، ولا في التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، بل في قدرته على إثارة الأسئلة وفتح مساحات للنقاش، وإخضاع الأفكار للفحص والمقارنة والاستدلال. فالمفكر الحقيقي ليس من يمنحنا إجابات جاهزة، وإنما من يدفعنا إلى إعادة النظر فيما اعتدنا اعتباره بديهياً. ومن الضروري، في هذا السياق، أن نميز بين نقد الدين ونقد توظيفه السياسي، وبين دراسة المعتقدات وتحويلها إلى مادة للتجريح أو الانتقاص من المؤمنين بها. فحرية الاعتقاد وحرية البحث والنقد قيمتان متلازمتان، ولا يمكن بناء مجتمع مدني يحترم الإنسان من دون حماية حقه في الاعتقاد، وحق الباحث في مساءلة التاريخ والنصوص والتأويلات، بعيداً عن التهديد والتكفير والمصادرة.
لقد عانى المجتمع العراقي طويلاً من توظيف الدين والمذهب في الصراع على السلطة، ومن تحويل الاختلافات الفكرية إلى حدود فاصلة بين المواطنين. ولذلك فإن الاشتغال على تاريخ الأديان، وتحليل المشاعر الجمعية، وفهم آليات الخوف والطاعة والخضوع، ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة معرفية تساعد على فهم جانب من أزماتنا المعاصرة.
إن الدكتور فالح مهدي، بما قدمه من مؤلفات وأبحاث ودراسات، يمثل تجربة تستحق القراءة والحوار والنقد الموضوعي. وقد تختلف معه في بعض استنتاجاته أو منطلقاته، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يحجب أهمية الجهد المعرفي الذي يبذله، ولا أن يتحول إلى خصومة مع حقه في البحث والتعبير.
في النهاية، لا تكمن معضلتنا في نقص المعتقدات أو تعددها، بل في عجزنا أحياناً عن تحويل المعرفة إلى سلوك، والاختلاف إلى حوار، والحرية إلى ممارسة يومية. ولعل أهم ما يمكن أن نتعلمه من مشروع نقدي يشتغل على تاريخ الخوف هو أن الإنسان لا يتحرر من خوفه بمجرد تغيير الأفكار التي يخشاها، بل حين يمتلك شجاعة التفكير، وحق السؤال، والقدرة على الاختلاف من دون أن يخشى العقاب أو الإقصاء. فالمعرفة التي لا تجرؤ على مساءلة الموروث تظل أسيرة له، والعقل الذي يخشى السؤال لا يستطيع أن يقود الإنسان نحو الحرية.
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟