أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - السعادة غاية الحياة لا وسيلتها قراءة فلسفية في العلاقة بين العمل والعبادة والخلاص الإنساني















المزيد.....

السعادة غاية الحياة لا وسيلتها قراءة فلسفية في العلاقة بين العمل والعبادة والخلاص الإنساني


حسن خليل غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
انشغل الفكر الديني والفلسفي عبر العصور بسؤال المصير الإنساني بعد الموت، حتى أصبح هذا السؤال عند كثير من الناس محور الاهتمام الأكبر في الحياة. غير أن التركيز المفرط على المستقبل الغيبي أدى، في أحيان كثيرة، إلى تراجع الاهتمام بالحياة الحاضرة وما تتطلبه من بناء الإنسان والمجتمع وتحقيق شروط السعادة والكرامة والعدالة.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الله، بوصفه الخالق الحكيم للكون، لم يهب الإنسان الحياة لتكون مجرد مرحلة عبور إلى عالم آخر، بل أراد لها أن تكون مجالاً لتحقيق المعنى والسعادة والإبداع والعمران. فالإنسان لم يُخلق لكي يعيش قلقاً دائماً على مصيره الأخروي، بقدر ما خُلق لكي يوظف ما أُعطي من عقل وإرادة وقدرة على العمل في بناء حياة تليق بكرامته الإنسانية.
ومن هذه الزاوية، يصبح العمل المنتج، والسعي إلى إسعاد الذات والآخرين، واحترام القوانين الكلية التي تحكم الوجود، شكلاً من أشكال العبادة العملية التي تتجاوز حدود الطقوس المجردة إلى فضاء المسؤولية الحضارية والإنسانية.
من يدير الكون: القوانين أم المعجزات اليومية؟
إن الله، العقل الفعّال والمنظِّم للكون اللامتناهي، خلق الكليات العامة التي تمثل المبادئ والقوانين التي تنتظم بها الموجودات كلها. أما التفاصيل الجزئية فقد تركها لتتفاعل مع تلك القوانين ضمن حركة الحياة المتجددة.
وعندما نتحدث عن الجزئيات لا نقصد الأمور الصغيرة فحسب، بل نقصد أيضاً مظاهر الحياة المختلفة التي تشكل أجزاء من ذلك الكون الهائل. فالحياة على كوكب الأرض، على اتساعها وتعقيدها، ليست سوى جزئية محدودة ضمن الكون اللامتناهي.
لقد أودع الله في الكون قوانين ثابتة تنظم حركته، كما أودع في الكائنات الحية شروط بقائها واستمرارها. وكلما استطاع الإنسان أن يكتشف هذه القوانين ويفهمها ويُحسن استخدامها، ازداد قدرته على السيطرة على ظروف حياته وتسخير الطبيعة لخدمته. ومن هنا يمكن النظر إلى العقل الإنساني بوصفه الأداة التي من خلالها يشارك الإنسان في إدارة التفاصيل التي تركها الخالق مفتوحة أمام المعرفة والعمل والاجتهاد.
لماذا لا تموت الأنواع: قانون البقاء الذي يحكم الحياة
من القوانين الكلية التي تحكم الحياة قانون وحدة النوع. فكل نوع من أنواع الكائنات يمتلك خصائص مشتركة تميزه عن غيره، وتؤمن له شروط الاستمرار والبقاء.
فعند التأمل في عالم النحل مثلاً، نلاحظ نظاماً وظيفياً بالغ الدقة والتكامل. وتتوزع الأدوار داخله بصورة منسجمة تضمن استمرار الجماعة واستقرارها. غير أن أهمية هذا المثال لا تكمن في جعله نموذجاً مباشراً للمجتمع البشري، بل في إظهار أن التعاون وتقاسم الوظائف يمثلان قانوناً عاماً من قوانين انتظام الحياة.
فإذا كانت خلية النحل تؤدي وظائفها بدافع الغريزة، فإن الإنسان يمتلك ما هو أرقى من الغريزة، وهو العقل الواعي القادر على تنظيم شؤونه بإرادة حرة وبناء مؤسساته على أساس المعرفة والتخطيط والاختيار. ولذلك فإن نجاح المجتمع البشري لا يتحقق بمحاكاة الطبيعة حرفياً، بل بتحويل قيم التعاون والتكامل إلى منظومة أخلاقية وحضارية واعية.
وينطبق الأمر ذاته على سائر الكائنات الحية، حيث نلاحظ وجود قواعد عامة تحكم بقاء الأنواع واستمرارها، سواء في عالم الحيوان أو النبات أو في قوانين الطبيعة ذاتها.
الرزق لا يسقط من السماء: العمل باعتباره السنّة الإلهية الأولى
حين يقول النص القرآني:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
فإن هذا لا يعني أن الرزق يُمنح للكائنات دون سعي أو جهد، بل يعني أن الله وضع القوانين التي تجعل الحصول على الرزق ممكناً ومتاحاً لمن يعمل ضمنها.
إن قانون العمل من أهم السنن التي تحكم الحياة الإنسانية. فالإنسان مطالب بالسعي واستخدام قدراته من أجل الحصول على حاجاته وتأمين أسباب عيشه. غير أن هذا القانون لا يلغي مسؤولية المجتمع تجاه الأطفال والعجزة والمرضى وغير القادرين على العمل. فالعمل هو الأصل في إنتاج الرزق، أما التكافل فهو الأصل في حماية من تعجز ظروفهم عن تأمين احتياجاتهم.
ولذلك فإن الحياة لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما يقترن الحق في العمل بالقدرة على ممارسته، ويقترن الإنتاج بالعدالة الاجتماعية التي تضمن كرامة الإنسان.
هل خُلقت الحياة لنعيشها أم لنعبرها؟
تقوم الفكرة الأساسية في هذا البحث على أن الله خلق الحياة للإنسان لتكون مجالاً لتحقيق السعادة والاكتمال الإنساني، لا مجرد معبر مؤقت إلى حياة أخرى.
وهذا لا يعني إنكار البعد الأخروي أو التقليل من قيمته، بل يعني إعادة الاعتبار إلى قيمة الحياة الحاضرة بوصفها جزءاً من المشروع الإلهي ذاته.
فالإنسان الذي يطور قدراته، ويسهم في تقدم مجتمعه، ويخفف آلام الآخرين، ويحارب الفقر والمرض والجهل، إنما يحقق مقاصد سامية لا تقل أهمية عن أي ممارسة روحية أو طقسية.
ومن هنا يصبح السعي إلى حياة كريمة وسعيدة جزءاً من الوفاء لإرادة الخالق، لا خروجاً عليها.
عندما تتحول العبادة من طقس إلى مشروع حياة
لقد أدت بعض التفسيرات الدينية إلى حصر مفهوم العبادة في الطقوس والشعائر، بحيث بدت العلاقة مع الله وكأنها قائمة على أداء مجموعة من الواجبات الشكلية فحسب.
إلا أن السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه هو: إذا كان الله كاملاً وغنياً عن العالمين، فهل يمكن أن تكون غاية الخلق إشباع حاجة لدى الخالق؟ أم أن الغاية الحقيقية تكمن في الارتقاء بالإنسان نفسه؟
إن العبادة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها أفعالاً منفصلة عن الحياة، بل باعتبارها وسائل لتجسيد القيم في الواقع. فالصلاة التي لا تعزز النزاهة، والصوم الذي لا يربي الإرادة، والزكاة التي لا تحقق التضامن، تفقد جانباً مهماً من معناها المقصود.
لذلك فإن قيمة العبادة لا تُقاس بعدد ممارساتها فقط، بل بقدرتها على تحويل الإنسان إلى كائن أكثر عدلاً ورحمة وإنتاجاً ومسؤولية.
هل يريد الله للإنسان أن يكون سعيداً؟
إذا كان الإنسان يشعر بالرضا عندما ينجح في تحقيق الخير لنفسه ولمن حوله، فمن المنطقي أن يكون انسجام الإنسان مع قوانين الحياة مصدراً لسعادته.
ولأن الله أودع في الإنسان قدرات عقلية وروحية وأخلاقية تساعده على بناء حياة متوازنة، فإن تنمية هذه القدرات تشكل الطريق الطبيعي نحو السعادة.
والسعادة هنا ليست مجرد متعة عابرة، بل حالة من التوافق بين الإنسان وذاته ومجتمعه وقيمه. وهي ثمرة العمل والإبداع والمحبة والتعاون والشعور بالمعنى.
أما البؤس فغالباً ما يكون نتيجة تعطيل هذه الإمكانات أو إساءة استخدامها أو بناء أنظمة اجتماعية وسياسية واقتصادية تحول دون تحققها.
من يصنع الجحيم الأرضي؟
لقد وفر الخالق شروط الحياة وإمكانات السعادة، لكنه لم يُعفِ الإنسان من مسؤوليته في تحقيقها.
فالحروب التي يشعلها البشر، والظلم الذي يمارسونه، والاستغلال الذي يفرضونه على بعضهم بعضاً، ليست نتاجاً لقوانين الحياة، بل نتاج خيارات بشرية خاطئة.
ولهذا فإن إلقاء المسؤولية كاملة على القدر أو على الإرادة الإلهية يؤدي إلى إعفاء الإنسان من واجبه الأخلاقي، ويحول دون مساءلة المسببين الحقيقيين للبؤس والعنف والخراب.
إن الإنسان مسؤول عن أفعاله بقدر ما هو مسؤول عن نتائج تلك الأفعال، سواء على المستوى الفردي أم الاجتماعي.
الدين والحياة: هل افترق الطريقان؟
لا يمكن إنكار أن الممارسات الدينية تمنح ملايين البشر الراحة النفسية والطمأنينة الروحية، ولذلك يصعب تصور إلغاء حضورها من الحياة الإنسانية.
غير أن الدور الحضاري للمؤسسات الدينية يجب ألا يقتصر على توجيه الناس نحو النجاة الأخروية فحسب، بل ينبغي أن يمتد إلى المشاركة في بناء الإنسان القادر على العمل والإبداع والإنتاج وخدمة المجتمع.
فمن واجب هذه المؤسسات أن تدافع عن حق الإنسان في التعليم والعمل والكرامة والعدالة، وأن تجعل من السعادة الإنسانية هدفاً من أهداف رسالتها التربوية والأخلاقية.
إن المجتمع يحتاج إلى علماء ومهندسين وأطباء ومربين ومبدعين بقدر حاجته إلى الوعاظ والمرشدين، بل إن نجاح هؤلاء في خدمة الإنسان قد يكون من أسمى صور التعبير عن القيم الدينية نفسها.
خاتمة: أقصر الطرق إلى الله
إن أكبر خطأ وقع فيه الإنسان عبر تاريخه هو اعتقاده أن طريقه إلى الله يمر أحياناً عبر الابتعاد عن الحياة. بينما تشير سنن الوجود إلى حقيقة مختلفة: فكلما ازداد الإنسان قدرة على نشر العدل وتقليل الألم وإنتاج المعرفة وصناعة السعادة، اقترب أكثر من تحقيق المقاصد الكبرى التي أرادها الخالق للحياة البشرية.
إن الله وهب الإنسان العقل ليكتشف، والإرادة ليختار، والعمل ليبني، والمحبة ليتشارك مع الآخرين في صناعة عالم أفضل. ولذلك فإن الحياة ليست محطة انتظار، وليست اختباراً عابراً منزوع القيمة، بل هي المجال الذي تتجسد فيه أعلى القيم الإنسانية.
ومن هنا يصبح العمل عبادة، والإنتاج رسالة، والعلم فضيلة، والسعادة مسؤولية أخلاقية، ويغدو الإنسان أكثر قرباً من الله عندما يجعل وجوده سبباً في زيادة الخير والكرامة والرحمة بين البشر. فربما يكون أقصر الطرق إلى الخالق هو أن نجعل الحياة التي وهبنا إياها أكثر إنسانية وجمالاً وعدلاً وسعادة.



#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليست القضية ماذا كُتب لنا... بل ماذا سنفعل بما أُعطي لنا
- الخير أصيل فطري في الإنسان، والشر غياب العوامل الحاضنة للخير
- القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تك ...
- العقل العربي بين جمود الموروث وضغوط العولمة
- مبادئ منهجية لكتاب (أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة)
- مقدمة كتاب جديد لحسن خليل غريب تحت عنوان (أجوبة صادمة على أس ...
- الاستراتيجية العربية في مواجهة براغماتية التحالفات
- حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَ ...
- لبنان بين الطائفية والمشروع القومي: جدلية الانقسام والسيادة ...
- حل الدولتين السقف الوحيد الممكن القضية الفلسطينية بين الثابت ...
- ماذا دهاكَ بَيْتُنا صِرْتَ حُطامَا؟
- لبنان في أسر سلاح حزب الله والشرعية المعلّقة بين الأذى العسك ...
- نشيد بيوت الجنوب من تحت الركام
- الهمجوديولوجيا والمشاريع الدينية الغيبية: حين تتحول العقيدة ...
- العلاقات الأميركية – الإيرانية: تخادم المصالح وانعكاساته على ...
- الصراع مع إيران بين إستراتيجية واشنطن وحلف مكة: قراءة في كلف ...
- الوحدة العربية بين المثالية الكلاسيكية والواقعية الوظيفية
- الدور الإيراني في العراق: من شريك الاحتلال إلى مأزق التراجع ...
- لبنان بين وصايات الخارج وجدل الاتفاقات: نحو خطة خلاص وطني من ...
- حزب الله بين القرار اللبناني والوصاية الإيرانية: معضلة الدول ...


المزيد.....




- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء وارتداء ملابس شركة نايكي بسبب ...
- -تحالف غير مقدس-.. كيف رأت أمريكا الإخوان المسلمين منذ تأسيس ...
- -الطلاق الصامت-.. هل يتفكك الإجماع الصهيوني بين اليهود الأمر ...
- بزشكيان: المرشد الأعلى منح الحكومة صلاحيات حل الأزمات عبر ال ...
- ميرتس يواجه قواعد الحزب المسيحي الديمقراطي وسط أزمة متصاعدة ...
- بحماية قوات الاحتلال.. مستوطنون يؤدون طقوساً تلمودية و«انبطا ...
- مستوطنون يغلقون طرقاً حيوية في سلفيت ويعرقلون حركة المواطنين ...
- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء ملابس -نايكي- بسبب شعارها ودعم ...
- لا يشجع ريال مدريد وروما فقط.. هذه الاهتمامات الرياضية لبابا ...
- تحالف غير مسبوق.. مطالب في إسرائيل بحكومة ائتلافية يهودية-عر ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - السعادة غاية الحياة لا وسيلتها قراءة فلسفية في العلاقة بين العمل والعبادة والخلاص الإنساني