أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مسعد عربيد - الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الثامنة والعشرون)















المزيد.....


الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الثامنة والعشرون)


مسعد عربيد

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:05
المحور: القضية الفلسطينية
    


• أبرز أعلام الصهيونية المسيحية في القرن التاسع عشر
• اللورد بالمرستون
- اسمه الكامل هنري جون تمبل بالمرستون (1784–1865) Henry John Temple Palmerston
- كان وزيرًا للخارجية البريطانية ثم رئيسًا لوزرائها في القرن التاسع عشر.
- كان بروتستانتيًا، ينتمي إلى كنيسة إنجلترا (الأنغليكانية)، التي كانت الكنيسة البروتستانتية الرسمية في إنجلترا آنذاك.
أبرز مواقف بالمرستون من اليهود
- ينبغي فهم علاقة بالمرستون باليهود أساسًا 1) من حيث ارتباطها بالمصالح البريطانية في فلسطين والمشرق العربي، و2) من منظور السياسية البريطانية تجاه اليهود في المجتمعات الأوروبية وعودتهم إلى فلسطين واستيطانها.
ومن أجل فهم دور بالمرستون في دعم الصهيونية المسيحية وعودة اليهود إلى فلسطين، ينبغي وضع مواقفه في سياق الإستراتيجية البريطانية في القرن التاسع عشر. فخلال ذلك القرن تداخلت ثلاثة عناصر في صياغة هذه الإستراتيجية: 1) المصالح الإمبريالية البريطانية، 2) الدافع الديني الإنجيلي، و3) فكرة "استعادة" اليهود إلى فلسطين.
- أبدى بالمرستون اهتمامًا بحماية اليهود، خصوصًا في البلدان الخاضعة للدولة العثمانية والنفوذ البريطاني، كما أنه دعم منح اليهود حقوقًا مدنية وسياسية أوسع في بريطانيا، وتحقيق المساواة القانونية لليهود مع الآخرين من غير اليهود.
- على خلاف غيره من مؤيدي الصهيونية المسيحية، ولم يكن بالمرستون متديناً أو من أنصار "التيار المسيحي الداعي لاستعادة اليهود إلى فلسطين Christian Restorationism ، بل كان براغماتيًا وسياسيًا ودبلوماسياً. ولكنه من الجدير التذكير بأنه تأثر بأفكار صديقه وقريبه اللورد شافتسبري الذي كان من أكبر دعاة الصهيونية المسيحية وداعمي عودة اليهود إلى "أرض إسرائيل".
- خلال فترة توليه منصب وزير الخارجية البريطانية، تدخلت حكومته في قضايا تتعلق باليهود، ومن أشهرها قضية دمشق سنة 1840، عندما اختفى راهب مسيحي واتُّهم بعض يهود دمشق بقتله، وضغط بالمرستون على السلطات العثمانية للإفراج عن المعتقلين اليهود. (انظر ملحق 2)
السياق التاريخي والسياسي
ا) التدخل البريطاني في أزمة الدولة العثمانية عام 1840
كان بالمرستون آنذاك وزير الخارجية البريطاني، وكانت بريطانيا قلقة من توسع محمد علي في مصر وسورية، ومن وهن الدولة العثمانية واحتمال انهيارها أو وقوع بعض مناطقها تحت نفوذ قوة منافسة، خصوصًا روسيا وفرنسا.
لذلك دعمت بريطانيا الدولة العثمانية في صراعها مع محمد علي على بلاد الشام، (ما يُعرف باسم الحرب السورية 1839–1841 أو الحرب المصرية العثمانية الثانية)، وهو صراع انتهى بانتصار العثمانيين بدعم وتدخل بريطانيا وقوى أوروبية أخرى.
وهنا أصبحت فلسطين ومجمل سورية الكبرى جزءًا من الحسابات الإستراتيجية البريطانية، كما ظهرت فكرة بالمرستون التي تقول إن دعم الوجود اليهودي في فلسطين وتقويته ويتقاطع مع المصالح البريطانية ويخدمها.
ولم تكن دوافع بريطانيا في ذلك نابعة من محض رغبتها في دعم الدولة العثمانية، بل سعت إلى تعزيز نفوذها في فلسطين وكـ «حامية» للجالية اليهودية.
ب) موقع فلسطين في الإستراتيجية الاستعمارية البريطانية
غالبًا ما تفيض الكتابات التاريخية بدور بريطانيا في دعم الاستيطان اليهودي في فلسطين في الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أي الفترة بين صدور وعد بلفور والاحتلال البريطاني لفلسطين (1918- 1948)، وصولاً إلى انسحابها من فلسطين، لتقع فريسة في أيدي العصابات الإرهابية الصهيونية وتحتل 78% من أرضها وتقيم عليها دولة الكيان الصهيوني.
غير أن ارتباط الأطماع الاستعمارية البريطانية بالمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين بدأ قبل ذلك بعقود. فمع بدايات القرن التاسع عشر، أخذت مصالح بريطانيا الإمبريالية تندمج مع أيديولوجيا الصهيونية المسيحية التي سادت بين البروتستانت الإنجيليين في العصر الفيكتوري (أي فترة حكم الملكة فيكتوريا بين عامي 1837 و1901).
ج) دور بالمرستون: من السياسة الإمبراطورية إلى الصهيونية المسيحية
لم تكن أفكار بالمرستون منفصلة عن تيار الصهيونية المسيحية.، مع أنه لم يكن متدنيًا. فقد رأى بعض البروتستانت الإنجيليين البريطانيين أن عودة اليهود إلى فلسطين يمكن أن تكون جزءًا من المخطط الإلهي، استنادًا إلى تفسيرهم للنبوءات التوراتية.
هنا تأتي أهمية دور اللورد شافتسبري كحلقة وصل، وهو الذي كان من أبرز المدافعين البريطانيين عن إعادة اليهود إلى فلسطين، ويجمع بين العقيدة الدينية والرؤية السياسية لمصالح بريطانيا. فبفضل تأثير شافتسبري على سياسات بالمرستون في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، رغم اختلاف الدوافع بينهما، توفر الدعم السياسي البريطاني لمشروع "عودة" اليهود إلى فلسطين واستيطانها.
د) المحصلة: فلسطين ك "مشروع استيطاني" في خدمة الإمبريالية البريطانية
لعله من أهم آثار هذه المرحلة هو التوافق بين المصالح الإمبريالية البريطانية والوجود اليهودي في فلسطين، وهو ما تجلى بوضوح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
مع توسع الإمبراطورية البريطانية، وخصوصًا بعد شق قناة السويس (1869) واحتلال بريطانيا لمصر سنة 1882، ازدادت الأهمية الاستراتيجية لفلسطين لموقعها الجغرافي بالقرب من مصر وطريق السويس والطرق المؤدية إلى الهند.
هكذا أخذ الخطاب البريطاني ينظر إلى اليهود، ليس فقط باعتبارهم جماعة دينية مضطهدة في أوروبا، وإنما أيضًا باعتبارهم جماعة أوروبية يمكن أن يكون وجودها في فلسطين متوافقًا مع المصالح البريطانية.
ه) من بالمرستون إلى بلفور
في هذا السياق يمكننا فهم التطورات خلال العقود اللاحقة بين عامي 1840 و1917: من تشجيع بالمرستون في أربعينات القرن التاسع عشر لاستيطان اليهود في فلسطين كونه يخدم المصالح البريطانية، إلى تعهد الحكومة البريطانية بتأييدها لإنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين (وعد بلفور 1917).
خلاصة القول، إن وعد بلفور لم يأتي من فراغ، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الأفكار والمخططات البريطانية الدينية والاستراتيجية والسياسية حول فلسطين واليهود ونتاجًا لبيئة وتطورات سياسية واستراتيجية.
أبرز مواقف بالمرستون وإنجازاته
تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين واستيطانها
(مذكرة بالمرستون إلى السفير البريطاني في إسطنبول)
أرسل بالمرستون في 11 أغسطس 1840 مذكرة إلى السفير البريطاني في إسطنبول بونسوبي Ponsonby، تضمنت تعليمات بالغة الأهمية، حث فيها الدولة العثمانية على تسهيل هجرة يهود أوروبا إلى فلسطين واستيطانها، وتوفير الحماية لهم، بغية استخدام وجودهم كعنصر من عناصر النفوذ البريطاني. وتشكل هذه الرسالة أول مقترح رسمي صادر عن دولة أوروبية لدعم الاستيطان اليهودي في فلسطين كاستراتيجية دبلوماسية معتمدة.
كان هدف بالمرستون تعزيز فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين، لأسباب استراتيجية وجيوسياسية. هذا بالإضافة إلى توسيع نطاق الحضارة الغربية نحو الشرق. غير أن رسالته تُعدّ شهادة نادرة على مشاعر الدعم والتعاطف مع الفكرة الصهيونية قبل عقود من ظهور الصهيونية اليهودية الهرتسلية. (انظر ملحق 1)
توظيف الدين والعلاقة مع التيار الإنجيلي
كان بالمرستون غير مبالٍ بالدين والتدين، بل كان في نظر الكثيرين من معاصريه علمانياً. ولكن اهتمامه بالدين كان نابعًا من دوافع ودواعٍ عملية وسياسية. وكما أسلفنا في الفصل السابق، فإن شافتسبري، الذي كان مسيحيًا إنجيليًا متشددًا ومؤمنًا ب “عودة اليهود" إلى "وطنهم إسرائيل"، ترك أثرًا كبيرًا على دفع سياسة بالمرستون وشكّل ضغوطًا كبيرة عليه، ووفر المبررات الدينية في قالب يخدم المصالح الإمبريالية البريطانية.
هكذا وظّف بالمرستون الرؤية الإنجيلية المسيحية في خدمة السياسة البريطانية، وربط "عودة" اليهود إلى فلسطين بالمصالح الإمبريالية البريطانية.
الربط بين الاستراتيجية الإمبريالية وفكرة "عودة اليهود"
عطفًا على ما ذكرناه أعلاه، فإن توظيف بالمرستون للدين جاء في إطار سعيه لمعالجة التحديات التي واجهتها الإمبراطورية البريطانية آنذاك. ومن أهم تلك التحديات:
استراتيجية جيوسياسية: خلق منطقة نفوذ بريطانية في المشرق العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط. ومن خلال تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين في ظل الحكم العثماني، كان بالمرستون يأمل بإنشاء "دولة عازلة"، أي كيان يهودي موالي في فلسطين يعمل كقاعدة لخدمة المصالح البريطانية، وكحاجز في وجهة المنافسين.
الحد من نفوذ المنافسين: كانت فرنسا قد نصبت نفسها حاميةً للكاثوليك في بلاد الشام، وروسيا حاميةً للمسيحيين الأرثوذكس؛ ونظراً لعدم وجود طائفة مسيحية تابعة تاريخياً لبريطانيا داخل الدولة العثمانية، سعى بالمرستون، كما يرى مؤرخون، لجعل بريطانيا حاميةً لليهود الذين سيهاجرون من أوروبا والغرب إلى فلسطين بذريعة دينية توراتية: "عودتهم إلى أرض أجدادهم". هذا بالإضافة إلى مواجهة الطموحات التوسعية لمحمد علي، والي مصر.
ضخ رأس المال: جادل بالمرستون بأن المستوطنين اليهود سيجلبون معهم رؤوس الأموال وعائدات الضرائب والخبرات التقنية الأوروبية، مما سيساهم في دعم الدولة العثمانية المفلسة وتحديث فلسطين والمنطقة.
هكذا، وفي سياق مساعي الهيمنة الجيوسياسية لبريطانيا، أضحت فلسطين ركيزة إستراتيجية هامة في مخططاتها السياسية التي أفضت بعد عقود مديدة إلى وعد بلفور عام 1917.
إرساء البنية الدبلوماسية: أول قنصلية أوروبية في القدس
خلال عامي 1838-1839، وبتشجيع من شافتسبري، افتتح بالمرستون أول قنصلية بريطانية في القدس، وأصبحت بريطانيا أول قوة أوروبية تؤسس قنصلية في فلسطين. وقد كان من بين مهام هذه القنصلية توفير الحماية لليهود المقيمين في فلسطين، ما مهّد لسابقة قانونية ودبلوماسية تتيح لبريطانيا التدخل المباشر في الشؤون الفلسطينية.
تلى ذلك، إنشاء مؤسسات بريطانية أخرى في فلسطين، شملت المزيد من الكنائس الأنجليكانية والمراكز التبشيرية والمدارس والمستشفيات، نذكر منها، على سبيل المثال، "كنيسة المسيح" في القدس، وهي أول كنيسة بروتستانتية في تلك المنطقة، وافتتاح مكتب ل «جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود» البريطانية التي تأسست عام 1809 في لندن والتي سعت، دون نجاح، إلى تحويل اليهود إلى المذهب البروتستانتي.
دعم الدولة العثمانية في صراعها مع محمد علي: كما أسلفنا، دعمت سياسات بالمرستون خلال "الأزمة الشرقية" (1839–1841) الدولة العثمانية في صراعها مع محمد علي حاكم مصر ومشروعه لبناء دولة عصرية وقوية في مصر وتوسعه إلى بلاد الشام. وقد أدّى هذا الموقف إلى تعاظم أهمية فلسطين والمشرق العربي وموقعهما في الإستراتيجية البريطانية.
التدخل في قضية دمشق عام 1840 (وتُُعرف ايضًا بـ "فرية الدم): تدخّل بالمرستون على الصعيد الدبلوماسي خلال "قضية دمشق" حين تم اتهام بعض اليهود بقتل كاهن مسيحي، وأصدر تعليماته للقنصل البريطاني في مصر بالضغط على محمد علي لحماية اليهود من الاتهامات المعادية لهم. (أنظر ملحق 2)
إرث بالمرستون
■ كان من أوائل السياسيين البريطانيين الذين ربطوا الوجود اليهودي في فلسطين بالمصلحة الاستراتيجية البريطانية، ما رسخ فلسطين وموقعها في قلب المصلحة الإمبريالية البريطانية، ومهّد لاحقًا لخلق البيئة التي نمت فيها الصهيونية اليهودية والمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.
■ امتدت تأثيرات قراراته الجيوسياسية منذ أربعينيات القرن التاسع عشر عبر مسار تاريخي طويل وصولاً إلى وعد بلفور. وقد تجلت هذه التأثيرات في:
- إرساء سوابق سياسية وتاريخية لانخراط بريطانيا في إدخال فكرة "إعادة توطين اليهود في فلسطين" إلى التفكير السياسي البريطاني باعتبارها فكرة يمكن أن تخدم المصالح الإمبراطورية، وليس مجرد قضية دينية.
- تشجيع ودعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتوفير الحماية لهم.
- ترسيخ الفكر الصهيوني في بريطانيا كمرحلة تمهيدية لاستخدام الاستيطان اليهودي في فلسطين لخدمة المصالح الاستراتيجية البريطانية فيها وفي المنطقة بشكل عام.
■ تطورت مواقفه في دعم الصهيونية المسيحية و"عودة" اليهود إلى فلسطين، مأ أسهم في خلق المناخ الذي جعل دعم المشروع الاستيطاني الصهيوني سياسيًا مقبولًا لدى قطاعات من النخبة والفئات الشعبية البريطانية.
■ في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تبنى عدد من الصهاينة اليهود مثل تيودور هرتسل وحاييم وايزمان وغيرهما حجة بالمرستون في إقامة وطن لليهود يخدم الإستراتيجية البريطانية. هذا بالإضافة إلى الصهاينة غير اليهود مثل آرثر بلفور وديفيد لويد جورج الذين عملوا على إصدار وعد بلفور.
ملحق (1)
مذكرة بالمرستون إلى السفير البريطاني في إسطنبول
السياق التاريخي والسياسي
منذ بدايات القرن التاسع عشر، شرع محمد علي حاكم مصر بمشروعه الطموح لبناء دولة قوية في مصر، وفي ثلاثينيات ذلك القرن أخذ بالتوسع إلى بلاد الشام على حساب الدولة العثمانية.
خشيت بريطانيا من تداعي الدولة العثمانية وسقوط المناطق الخاضعة لها في يد نفوذ منافسيها، خاصة فرنسا وروسيا، فأخذ بالمرستون يسعى لإسناد سيطرة السلطان العثماني على أراضي إمبراطوريته. وفي سياق هذا الصدام بين محمد علي والدولة العثمانية، أخذت تتبلور إستراتيجية بالمرستون والإمبراطورية البريطانية.
فحوى المذكرة
في 11 أغسطس 1840، وجّه بالمرستون، الذي كان وزير الخارجية البريطاني آنذاك، مذكرة إلى السفير البريطاني في إسطنبول، جون بونسونبي Ponsonby، تضمنت تعليمات للتعامل مع "عودة اليهود" إلى فلسطين. وتُعدّ هذه المذكرة واحدة من أبرز المحطات التاريخية والتأسيسية في الدبلوماسية البريطانية تجاه فلسطين والمشرق العربي والمشروع الاستيطاني الصهيوني. وكان ذلك قبل ظهور الحركة الصهيونية السياسية بقيادة هرتسل بعدة عقود.
لم تدعو المذكرة صراحة إلى إنشاء دولة يهودية مستقلة، بل كانت أقرب إلى:
- حثّ السفير البريطاني في إسطنبول على التوسط لدى السلطان العثماني لتشجيع "عودة اليهود" الأوروبيين إلى فلسطين والاستقرار فيها ومنحهم حماية وحقوقاً خاصة.
- حماية الوجود اليهودي في فلسطين من جانب القوى الأوروبية.
- استخدام الوجود اليهودي كعنصر من عناصر النفوذ البريطاني.
- تقوية المنطقة في مواجهة احتمالات توسع محمد علي أو النفوذ الروسي والفرنسي.
من هنا أخذت فلسطين تحتل موقعًا هامًا في الدوائر الحكومية، ليس فقط لأهميتها الدينية، وإنما باعتبارها موقعًا استراتيجيًا يخدم السياسة الاستعمارية البريطانية.
- بالطبع، كان لبالمرستون دوافع سياسية واستراتيجية، فقد رأى أن استيطان اليهود في فلسطين، وما يصاحب ذلك من استجلاب رؤوس الأموال، سيعود بالنفع على الدولة العثمانية ويحدّ من نفوذ محمد علي.
مقتطفات من المذكرة
من أبرز ما جاء في هذه المذكرة، نقتطف ما يلي:
■ «يوجد في الوقت الحاضر بين اليهود المشتتين في أنحاء أوروبا اعتقاد قوي بأن الوقت يقترب الذي ستعود فيه أمتهم إلى فلسطين؛ ولذلك فقد أصبح رغبتهم في الذهاب إليها أشد، وأصبحت أفكارهم أكثر تركيزًا من ذي قبل على الوسائل التي تمكنهم من تحقيق هذه الرغبة."
■ «من المعروف جيداً أن يهود أوروبا يمتلكون ثروات طائلة؛ ومن البديهي أن أي بلد يختار عددٌ كبيرٌ منهم الاستقرارَ فيه، سيجني فوائد جمة بفضل الثروات التي سيجلبونها معهم إليه.»
■ «سيكون من الأهمية البالغة بالنسبة للسلطان تشجيع اليهود على العودة إلى فلسطين والاستقرار فيها؛ فالثروة التي سيجلبونها معهم ستُعزز موارد أراضي السلطان. كما أن عودة الشعب اليهودي -بموافقة السلطان وحمايته وبناءً على دعوته- ستُشكّل عامل ردعٍ ضد أي نوايا سيئة قد تظهر مستقبلاً من جانب محمد علي أو خلفائه.»
■ «عليّ أن أوجه سعادتكم بأن تعرضوا هذه الاعتبارات على الحكومة التركية بشكل سري، وأن توصوا بشدة بتقديم كل أشكال التشجيع العادل ليهود أوروبا للعودة إلى فلسطين.»
مبررات بالمرستون
من أهم المبررات التي تذرع بها بالمرستون في انتهاج سياسته المقترحة في هذه المذكرة:
المصلحة الاقتصادية للدولة العثمانية: إقناع السلطان العثماني بأن السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين سيعود بالنفع المالي والاقتصادي على الإمبراطورية، بفضل رؤوس الأموال والمهارات والخبرات التجارية التي سيجلبونها معهم.
المصلحة البريطانية في إقامة حاجز استراتيجي: رأى بالمرستون أن استيطان اليهود في فلسطين سيقيم كيانًا يدين بالولاء للدولة العثمانية بوساطة وتوجيه بريطانييْن، وسيشكل حائلاً دون محاولات محمد علي في التوسع.
دعم بريطانيا في منافستها مع النفوذ الفرنسي والروسي: كما رأى أن الاستيطان اليهودي في فلسطين سيمنح بريطانيا نفوذاً موازياً في منافستها مع فرنسا وروسيا القيصرية والحد من نفوذهما في تلك المنطقة.
دوافع بالمرستون
لا شك، كما ذكرنا في أكثر من مكان، أنه كان للدافع الديني البروتستانتي القائم على معتقدات الصهيونية المسيحية أثر في إستراتيجية بالمرستون التي تأثرت بأفكار اللورد شافتسبري. غير أن الدوافع السياسية والجيوسياسية كانت العامل الرئيسي في سياسة بالمرستون وقراراته. وقد تمثّلت هذه الدوافع في حماية مصالح الإمبراطورية البريطانية في المنطقة: في 1) تأمين خطوط المواصلات إلى الهند، و2) الحفاظ على "رجل أوروبا المريض" (الدولة العثمانية) والحيلولة دون تداعيها، و3) خلق قوة موازية تمنع التمدد الفرنسي أو الروسي.
نتائج المذكرة
= تأسيس النفوذ البريطاني: أسهمت هذه الرسالة في تأسيس العلاقات الدبلوماسية البريطانية في فلسطين، والتي أخذت على عاتقها حماية اليهود في فلسطين.
= سابقة لمستقبل سياسي: يعتبر بعض المحللين هذه الرسالة بمثابة الجذور الأولى لـوعد بلفور، إذ أكدت أن فكرة استخدام الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيطانها - لتأسيس موطئ قدم للسياسة الاستعمارية البريطانية في فلسطين - لم تبدأ في القرن العشرين، بل كانت حاضرة بوضوح في الفكر السياسي البريطاني منذ منتصف القرن التاسع عشر.
ملحق (2)
قضية دمشق عام 1840
وتُعرف أيضًا باسم قضية افتراء الدم في دمشق (Damascus Affair)، وهي حادثة وقعت في دمشق، التي كانت آنذاك تحت حكم محمد علي، حاكم مصر، وأخذت أبعادًا سياسية ودينية ودبلوماسية مهمة في تاريخ القرن التاسع عشر.
في الخامس من فبراير/شباط 1840 اختفى راهب كاثوليكي يُدعى الأب توما ومعه خادمه المسلم إبراهيم عمارة ولم يُعثر عليهما، فانتشرت تهمة تقول إن بعض يهود دمشق قتلوا الرجلين واستخدموا دمهما في إعداد خبز الفصح اليهودي. ونتيجةً لذلك، تمّ اعتقال عدد من وجهاء اليهود في دمشق وتعذيب بعضهم ووفاة بعض آخر.
تحولت هذه القضية إلى قضية دولة إذ تزامنت مع صراع القوى الأوروبية على النفوذ في بعض مناطق الدولة العثمانية وبلاد الشام ومصر. ويرى مؤرخون أن هذه القضية كشفت أيضًا عن نزاع ديني محلي مرتبط بالصراع بين بريطانيا وفرنسا حول مستقبل الدولة العثمانية ومصر وبلاد الشام.
بتوجيه من بالمرستون والحكومة البريطانية، وصل وفد إلى مصر للتفاوض مع محمد علي، شارك فيه الثري اليهودي موسى مونتيفيوري، من أجل إطلاق سراح المعتقلين. وأصدر محمد علي في أغسطس 1840 أمراً بوقف المحاكمات وإطلاق سراح جميع المعتقلين وإعلان براءتهم.
تُعتبر قضية دمشق نقطة تحول بارزة في تاريخ المنطقة، حيث سرّعت من التدخلات الدبلوماسية الأوروبية في شؤون بلاد الشام، وذلك قبل النزاع الطائفي بين الموارنة والدروز في جبل لبنان وأحداث عام 1860، وكانت دافعاً لإنشاء العديد من التنظيمات السياسية والحقوقية اليهودية في أوروبا وشبكات دولية للدفاع عن اليهود. كما أسهمت في تنامي الوعي لدى بعض اليهود الأوروبيين بأنهم، حتى بعد حصول بعضهم على حقوق مدنية في أوروبا، ظلوا بحاجة إلى تنظيم سياسي ودولي للدفاع عن مصالح الجماعات اليهودية.



#مسعد_عربيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركي ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...
- الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة ... إلى الإنجيلية الأمير ...


المزيد.....




- الملكة رانيا تستحضر التراث الأردني بالمدرقة الكركية في افتتا ...
- خبير مكياج يظهر بنسخة مطابقة لممثلة أمريكية على السجادة الحم ...
- محمد رمضان يتواصل مع زوج عاملة النظافة لتبرئتها
- ناريشكين: أوروبا تسقط عيوبها التاريخية على روسيا
- الصين تطلق المجموعة 21 من أقمار الاتصالات-SpaceSail-
- مصر.. مودة الأدهم تعود لجمهورها بعد خروجها من السجن
- إسرائيل.. تهديدات بالقتل وتسلل مريب أمام منزل آيزنكوت
- مصر تلغي تسهيلات الدخول لمواطني 3 دول
- عراقجي: إيران لا تكن أي عداء لدول الخليج
- وساطات -مكوكية- لتجنب جولة حرب جديدة في المنطقة، وإيران تقول ...


المزيد.....

- العصر الفارسي وأصول إسرءيل / محمود الصباغ
- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مسعد عربيد - الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الثامنة والعشرون)