رحيم فرحان صدام
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 14:18
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المقدمة
إن التاريخ الإسلامي المبكر ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو الوعاء الذي تشكلت فيه عقائد الأمة ومذاهبها وتصوراتها السياسية. ومن هنا كانت خطورة المصدر التاريخي، فإذا فسد المصدر فسد ما يبنى عليه من أحكام ومواقف.
يعد الإخباري سيف بن عمر التميمي من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في منظومة الرواية التاريخية، إذ اعتمد عليه الإمام الطبري في أكثر من ثمانمائة موضع في تاريخه، لا سيما في أخطر مرحلتين من تاريخ الإسلام: حروب الردة، وموقعة الجمل، وهما المرحلتان اللتان تأسست عليهما كثير من الرؤى العقدية والسياسية المتضاربة.
ورغم هذا الحضور الكثيف في تاريخ الطبري، فقد أجمع أئمة الجرح والتعديل قاطبة على تضعيفه واتهامه بالزندقة والكذب ووضع الحديث، حتى لم يعد خلاف بينهم على سقوطه في باب الرواية. وهذا التناقض بين الموقف الحديثي الصارم منه، وبين حضوره الطاغي في المدونة التاريخية، هو ما جعل دراسته ضرورة علمية ملحة.
يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية شاملة لمرويات سيف بن عمر، من خلال الجمع بين منهجين: منهج المحدثين في نقد الرجال، ومنهج المؤرخين في نقد المتون والمقارنة بين الروايات، للوصول إلى حكم موضوعي حول قيمة مروياته، وبيان أثرها في تشويه بعض الحقائق الكبرى في صدر الإسلام، كاختلاق الشخصيات الوهمية، وتبرئة بعض الولاة الأمويين، وتحريف الأحاديث النبوية لخدمة اتجاهات قبلية ومذهبية معينة.
أولاً: ترجمته
هو سيف بن عمر الأسيدي التميميّ(1) ، الكوفي المولد، البصري المسكن(2) ، المتوفى سنة (180هـ / 796م).
وهو إخباري من الطبقة الثالثة من الإخباريين الأوائل، وقد عرف باطلاعه الواسع على تأريخ الإسلام لا سيما الردة والفتوح. وأخذ من مشاهير الأخباريين والنسابين .
وأهم مصنفاته:
1- كتاب (الفتوح الكبير والردة). (3)
2- كتاب (الجمل ومسير عائشة وعلي). (4)
ويمثل الكتابان خطوة مهمة في تطور التدوين التاريخي من الرواية القبلية القائمة على أيام العرب وأشعارها، نحو التاريخ العام الموسع وتاريخ الدول بعد السيرة النبوية وعصر الراشدين، وإن لم يخلص تماماً من الأسلوب القصصي العاطفي وشواهد الشعر.
ثانياً: طبيعة مروياته ومصادره:
تكشف روايات كتابيه عن معرفة بدخائل البيت الأموي، ولعله استقى معلوماته من قبيلة كلب، المعروفة ليس بالوفاء للأمويين وهو ما يفسر اللون الأموي واللهجة الجبرية التي تصبغ مروياته وتفسيره للحوادث.
أما مصادر أخباره فهي جملة من الشيوخ، منهم: هشام بن عروة (ت 146هـ/147هـ) من محدثي المدينة والنسابين الإخباريين، ومنهم عروة نفسه وعبد الله بن الزبير، كما أخذ معلوماته التاريخية المتعلقة بمعركة الجمل عن شهود عيان ذكر الطبري أسماءهم فيما نقله عنه.
وتظهر قيمة سيف عند الطبري إذا عرفنا أنه اعتمد عليه في أكثر من (800) موضع(5).
يرد اسمه لأول مرة في حوادث سنة (10هـ / 632م) (6) سنة ادعاء مسيلمة النبوة في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وينتهي النقل عنه في سنة (36هـ / 656م) (7) مع ابتداء خروج علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى صفين. وقد اعتمد الطبري عليه أكثر ما اعتمد في أخبار الردة ومعركة الجمل.
وجدنا أحاديثه مترعةً بمدائح بني أمية، حافلةً بالغلو في تمجيدهم، قد اختلق فيها من الأساطير ما يرفع شأنهم ويشيد بمناقبهم، بينما تخلو خلواً مطلقاً من أي ذكرٍ لبني العباس. وذلك أمارةٌ بينةٌ على أنها موضوعةٌ قبل الدولة العباسية، في غضون العصر الأموي الأخير، وتحديداً في الربع الأول من القرن الثاني للهجرة.
إذ كان العصر العباسي الأول عصر استئصالٍ للأمويين، قتلاً جماعياً وفتكاً بأنصارهم، ونبشاً لقبورهم وتخريباً لدورهم، فلم يكن قط عصراً يسمح باصطناع المفاخر لهم، أو بالنيل من خصومهم من جلة الصحابة وكبار التابعين، على نحو ما صنع سيف في أكاذيبه وأباطيله.
فالحق أنه كان يصوغ تاريخه على مقاس السلطة، ويفصل رواياته على هوى كل عصر.
ثالثاً: التقييم النقدي والمنهجية العلمية لمروياته (التحقيق الشامل):
يشكل الإخباري سيف بن عمر التميمي الحالة الأكثر إشكالية في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر. ورغم استعانة بعض المؤرخين المتأخرين كالطبري وابن كثير بمروياته لسد الفجوات القصصية في حروب الردة والفتوح، إلا أن التحقيق الاستقصائي الذي يقارن الروايات بعضها ببعض لكشف التناقضات، انتهى إلى نتيجة حاسمة.
ان علماء الجرح والتعديل الأوائل وقف منه موقفاً سلبيا في رواية الحديث(8) ، وفي كثير من الأحيان أُتهم بالزندقة وعدم الموثوقية والكذب والوضع واختلاق الأحاديث(9) ، ومن ألف في الضعفاء والمتروكين يذكره في مؤلفه، فهو ضعيف ومتروك وغير موثق في رواية الحديث.
وهذه اقوال العلماء فيه :
1- قال ابن حبان البستي : "سيف بن عمر … أُتهم بالزندقة … يروي الموضوعات عن الاثبات وكان سيف يضع الحديث"(10).
2- قال الحاكم النيسابوري: " أُتهم بالزندقة وهو بالراوية ساقط"(11).
3- قال ابو نعيم الاصفهاني :" سَيْفُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ مَرْمِيٌّ بِالزَّنْدَقَةِ سَاقِطُ الْحَدِيثِ لَا شَيْءَ".(12)
4- قال الخطيب البغدادي: " وَلَيْسَ سيف بن عمر حجَّة فِيمَا يرويهِ إِذا خَالف ذَلِك قَول أهل الْعلم"(13) .
5- قال الذهبي: " سيف بن عمر… تركوه ، واتهم بالزندقة".(14)
6- قال ابن حجر العسقلاني: "سيف بن عمر التميمي ، صاحب كتاب الردة … ضعيف الحديث عمدة في التاريخ، افحش ابن حبان القول فيه"(15) .
وقد علق الدكتور بشار عواد معروف على قول ابن حجر قائلاً : بل متروك فحديثه ضعيف جداً واذا كان ابن حبان قد افحش القول فيه ، فابن حجر لم يصفه بما يستحق فهو متروك كما قلنا ، وحتى اخباره في التاريخ ليس بشيء، فقد قال ابو حاتم الرازي : "متروك يشبه حديثه حديث الواقدي ... " (16)
وفي التاريخ، انتهى المحققون وبعض المستشرقين المعاصرين(17) إلى سقوط مروياته بالكلية واعتبارها أدباً ملحمياً (Historical Fiction) - أي روايات تمزج الخيال بالواقع لخدمة العصبية القبلية - لا قيمة توثيقية لها. (18)
والسبب أن أخباره في الكتابين مستقاة في جلها من روايات قبيلته تميم، ولهذا ظهرت فيها النظرة القبلية بشكل فج، كما يظهر فيها القصص العاطفي على أسلوب أيام العرب، من اختراع خطب طويلة، وأشعار منحولة، وأسماء وهمية لا وجود لها في المصادر الأخرى، كشخصية (عبد الله بن سبأ) التي تضخمت على يديه لتفسير الفتنة تفسيراً أسطورياً.
ولذلك فإن سيف بن عمر وإن كان معتمداً عند الطبري في الأخبار لسد الثغرات السردية، فهو متهم بإجماع أهل الحديث، وتعد مروياته أوهى مادة في تاريخ الردة والجمل، ولا يصح الاحتجاج بها في توثيق الحقائق، سواء في الحديث النبوي أو التاريخ العام أو أنساب العرب.
الهوامش
(1) للمزيد يراجـع عنه :-
ابن معين: يحيى بن معين بن عون بن زياد المري بالولاء (ت 233 هـ/ 848 م): تاريخ ابن معين- رواية الدوري ، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف ، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى،(مكة المكرمة-1399هـ/ 1979م) ، جــ3 ، ص459 ؛ النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب،(ت 303هـ/909م): الضعفاء والمتروكون، تحقيق محمود إبراهيم زايد ، الناشر دار الوعي، حلب- 1396هـ، جــ1 ، ص50 ؛ العقيلي : أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد المكي (ت 322هـ / 934م): الضعفاء الكبير، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ / 1984م.، جــ2، ص175 ؛ ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الرازي (ت327هـ/938م): الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى، (بيروت -1271هـ/ 1952 م ). جــ4 ، ص278 .
(2) ابن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ، (ت 354هـ/960م) : المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، الناشر: دار الوعي – حلب ، الطبعة: الأولى، 1396هـ . جـ1 ص345 .
(3) ابن النديم، محمد بن إسحاق، ( ت 385ه/ 995م): الفهرست، ضبطه وشرحه: د. يوسف علي الطويل، وضع فهارسه: محمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط3، (بيروت ـ 2010) . (ص: 123).
(4) ابن النديم : الفهرست (ص: 123).
(5) ينظر على سبيل المثال الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد (ت 310هـ/ 922م): تاريخ الرسل والملوك ،الناشر: دار التراث ، الطبعة: الثانية ، بيروت- 1387ه. (3/ 147) ،(3/ 186) ، (3/ 223) ، (3/ 227).
(6) الطبري : تاريخ الرسل والملوك (3/ 147).
(7) الطبري : تاريخ الرسل والملوك (4/ 562).
(8) أمثال ابن معين : تاريخ ابن معين ( رواية الدوري) ، جـ2 ، ص459 ؛ والنسائي : الضُعفاء والمتروكين ،جـ1 ، ص50 ؛ والعُقيلي : الضعفاء الكبير ، جـ2 ، ص185 ؛ وابن حبان البُستي : المجـروحين ، جـ1 ، ص345، وغيرهم.
(9) ينظر : ابن حبان البُستي، المجـروحين ، جـ1 ، ص345 ؛ أبو نعيم الأصفهاني، أحمد بن عبد الله الهاشمي مولاهم، (ت 430هـ/1036م): الضُعفاء ، المحقق: فاروق حمادة، الناشر: دار الثقافة - الدار البيضاء
الطبعة: الأولى، 1405ه/ 1984م . جـ1 ص91 .
(10) ابن حبان : كتاب المجروحين من المحدثين ، ج1، ص343 .
(11) ينظر: ابن كثير ، عماد الدين إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت774هـ/1373م): الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث ، المحقق: أحمد محمد شاكرـ الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة: الثانية. ص 89.
(12) أبو نعيم الاصفهاني: المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ، تحقيق محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية ، (بيروت- 1417هـ/1996م). (1/ 68).
(13) الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (ت 463هـ/1070م): موضح أوهام الجمع والتفريق، المحقق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المعرفة – بيروت ، الطبعة: الأولى، 1407ه. (1/ 263)؛ العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، (ت 852هـ/1459م): الإصابـة في تمييـز الصحابـة، دراسة وتحقيق: الشيخ عـادل أحمـد عبد الموجود، الشيخ علي معوض، دار الكتب العلمية،(بيروت-1995). ج2، ص112.
(14) الذهبي، شمس الدين: محمد بن أحمد بن عثمان التركماني (ت 748هـ/1357م): ديوان الضعفاء والمتروكين ، تحقيق لجنة من العلماء ، تقديم الشيخ خليل الميس ، مطبعة دار القلم ، (بيروت - 1987) . جـ1 ، ص371.
(15) العسقلاني : تقريب التهذيب ، المحقق: محمد عوامة، الناشر: دار الرشيد – سوريا، الطبعة: الأولى، 1406ه / 1986م. (ص: 262).
(16) بشار عواد معروف ، الشيخ شعيب الارنؤوط : تحرير تقريب التهذيب لأبن حجر ، المؤسسة الرسالة ، ط1، ( بيروت –1997).ج2، ص100.
(17) ينظر : بروكلمان، كارل: تاريخ الأدب العربي ، تعريب عبد الحليم النجار واخرون ، دار المعارف ،( القاهرة - 1395هـ/1975م ). ج ٣، ص ٣٦.
(18) ينظر : مرتضى العسكري ، عبد الله بن سبأ واساطير اخرى؛ بشار عواد معروف ، الشيخ شعيب الارنؤوط : تحرير تقريب التهذيب لأبن حجر . ج2، ص100.
#رحيم_فرحان_صدام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟