أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (5)















المزيد.....

شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (5)


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 12:06
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يُذكِّر المؤرخ شلومو ساند، في الفصل الخامس من كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، قراءه بأن الصهيونية تبرعمت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بين تخوم فيينا وأوديسا في وسط أوروبا وشرقها.
وقد تأثرت الصهيونية بالحركات القومية الأوروبية الناشئة في أوروبا آنذاك، ففيها، كما يرى ساند، بصمات الفولكلور الألماني، وانطبعت منابرها الخطابية بِسِمات الرومانسية القومية البولندية. لذا، أخذت على عاتقها مهمة شبه مستحيلة بالدعوة إلى هوية اثنية- دينية أو اثنية- بيولوجية، والسعي إلى صهر "شعب عِرقي" واحد من مجموعات ثقافية- لغوية متعددة الأصول. من هنا، يمكن فهم تبنيها التوراة ككتاب "ذاكرة" قومي، أي الوجه الأكثر انعزالًا واستعلاء في التراث الديني اليهودي. ومن نصوصه، على سبيل المثال لا الحصر:"هو ذا شعب يسكن وحده، بين الشعوب لا يُحسب"(سِفر العدد، الإصحاح 23: 9).
استعانت الصهيونية بنصوص دينية من هذا النوع؛ لاختراع شعب تاريخي لا وجود له إلا في خيالها، ونسجت خيوط قومية رفضت أي دخول اختياري مدني إليها. وفي الوقت ذاته، عدَّت الانسحاب من الشعب المُتَخيَّل خطيئة لا تُغتفر، ورأت في الذوبان خطرًا وجوديًّا ينبغي الحيلولة دون حدوثة بأي وسيلة كانت.
وفي غمرة النزع الصهيوني لاختلاق أصل موحد للشعب، استعارت الفكرة اليهودية- المسيحية القديمة تصورها لليهود كمنفى أزلي. وبذلك، جرَّدت اليهودية من غناها وتنوعها، وحوَّلَتْها إلى كتلة منغلقة على ذاتها، وسمتها بسمة الغربة والتشرد في مجتمعاتها. ويؤكد ساند أنه بهذا الشكل، رسمت الصهيونية صورة سلبية لكراهية اليهود، بموازاة تبلور الحركات القومية في أوروبا الوسطى والشرقية.
ولتدعيم رؤاها، استعانت الصهيونية بالبيولوجيا لعل وعسى تسعفها في اختراع كيانية "الأمة اليهودية". وبذلك، أسهمت في انتعاش "عِلم" عنصري خلال أواخر القرن التاسع عشر، كما يصفه ساند، انتعش في مختبرات المعرفة الأوروبية. ولم يلبث أن صار جزءًا من النسيج الأيديولوجي لحركات سياسية جديدة، من ضمنها الصهيونية الفتية.
بالمنظور الصهيوني، العامل الوراثي شرط ضروري لتبرير مطلب السيادة على فلسطين، وتسويغ وصفها بـ"الوطن القومي" ليهود العالم. وعليه، لا بد من تخليق أيديولوجيا ترتدي لبوس العلم تحت عنوان "العِرق كل شيء"، كما حاول تكريس ذلك المثقف المعروف نتان بيرنباوم، وهو أول من نحت مصطلح "صهيونية"، كما يؤكد شلومو ساند. من وجهة نظر بيرنباوم، لا يُفسَّر نشوء القوميات باللغة أو الثقافة، بل بالبيولوجيا فقط. ويضيف في توضيح مقصوده:"وخلافًا لذلك لم يكُن بالإمكان فهم أساس وجود الأمة اليهودية التي اختلط أبناؤها بثقافات شعوب متنوعة ونطقوا بلغات مختلفة، فالقبائل والأمم موجودة لأن الطبيعة أنبتت، وما زالت تُنْبِت، أعراقًا مختلفة من الناس، تمامًا مثلما تخلق فصول السنة ومناخات مختلفة".
أما تيودور هرتزل، المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية، فقد كان مترددًا في الجزم بتجانس أصل اليهود، كما يبدو في مؤلفاته. لم يُعرف عن هرتزل قدرات تنظيرية لافتة، وأكثر ما كان يهمه بلوغ أهدافه بأقل قدر من مبالغات العودة إلى الماضي ومن دون حمولات بيولوجية. وكان ساعده الأيمن، ماكس نورداو ذائع الصيت في الأوساط الثقافية، هو من أمد القومية اليهودية بأبعادها الأيديولوجية؛ فبرأيه، ينحدر اليهود من أصل بيولوجي واحد، وتجمع بينهم روابط الدم في إطار العائلة اليهودية.
ويستعرض ساند رؤى العديد من المفكرين الصهاينة القائلين بـالنقاء العرقي لليهود، ومن أبرزهم زئيف جابوتنسكي، الذي يُعدُّ الأب الروحي لليمين الصهيوني حتى اليوم. من أقوال جابوتينسكي الفاضحة لرؤاه: "يستحيل من ناحية جسدية على يهودي وُلِد لعدة أجيال من ذوي الدم اليهودي النقي من أية شائبة أو اختلاط، أن يختار لنفسه نمط تفكير انسان ألماني أو فرنسي، تمامًا مثلما هو من المستحيل بالنسبة للزنجي أن يكُفَّ عن كونه زنجيًّا".
لكن الأنثروبولوجيا الفيزيائية في تصنيف الأعراق، ونظرية الدم المكملة لها، لم تلبثا أن واجهتهما انتقادات لاذعة وتحفظات شديدة من علماء ومفكرين من مختلف التوجهات والمشارب. ومن أبرزهم المفكر الفرنسي الشهير إرنست رينان، والمؤرخ الألماني ثيودور مومزن، اللذان رفضا كل رأي ينسب لليهود صفة العِرق القديم المغلق ذي الأصل الواحد، إذ أكد رينان أن يهود فرنسا لا يختلفون سلاليًّا عن مواطنيهم البروتستانت، وأن مسألة النقاء الدموي والعِرقي لا وجود لها في فرنسا.
وفيما بعد ذهب المُنظِّر الماركسي كارل كاوتسكي في كتابه "اليهودية والعِرق" إلى أن حل مشكلة اللاسامية يكمن في إقامة عالم يقوم على المساواة، تذوب فيه النزاعات القومية وتُطوى نهائيًّا ورقة العِرق من الحسابات السياسية. وقد اعتمد كاوتسكي في ذلك بشكل رئيس على أبحاث الطبيب والأنثروبولوجي الأميركي، موريس فيشبرغ، الذي دَرَسَ قياسات الجماجم والأجساد لدى اليهود، متأثرًا بالأجواء العلمية التي دحضت خرافات النظريات العنصرية.
وفي العام 1950، أصدرت نخبة من العلماء المرموقين، برعاية اليونيسكو، إعلانًا أكدوا فيه رفضهم القاطع لأي صِلات أو روابط بين الثقافة القومية والبيولوجيا، مؤكدين أن نظرية العِرق أسطورة اجتماعية وليست حقيقة علمية. غير أن الصهيونية ظلت متشبثة برؤيتها الخاصة بـ"الأصل الواحد للشعب اليهودي" معتمدة على التناخ والمنظمات المسلحة، مثل البالماح، وزادت على ذلك تشجيع البحوث الوراثية علَّها "تخترع" ما يُثبت التجانس البيولوجي ليهود العالم. ولم تتكلل هذه المساعي بأي نجاح يُذكر.
وقد اشتدت الحاجة إلى نمط عرقي بيولوجي بعد احتلال المزيد من الأراضي العربية سنة 1967 وتزايد السعي لجذب اليهود إلى فلسطين، فتوسع الاهتمام بعلم الوراثة اليهودي في الجامعات العبرية؛ وظهرت أبحاث تخدم تلك الغاية، غير أن أصحابها لم يلبثوا أن تراجعوا عنها، معترفين بأن استنتاجاتهم كانت تفتقر إلى الأدلة الكافية.
ويؤكد شلومو ساند أن الأبحاث العلمية والباحثين لم يتوصلوا حتى اليوم إلى خصائص جينية جامعة ومميزة لليهود؛ إذ تخلص الجهود المضنية إلى استحالة تمييز الفرد اليهودي بمعيار أو صفة بيولوجية، لتجد النخبة الصهيونية نفسها عاجزة في المحصلة، عن صياغة تعريف حاسم لمن هو اليهودي. (يتبع).



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)
- دول أم مجاميع قَبَلِيَّة ومذهبية؟!
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (2)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (1)
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (15) والأخيرة. السيطرة الأج ...
- الأردن ليس فقيرًا ولكن...!
- الطوفان سومري الأصل
- من أين اقتنص أحبارهم فكرة التوحيد؟
- ثلاث رؤى في خَلق الإنسان
- سر ذكورية الأديان السامِيَّة
- وهم الوطن البديل
- رافدا الخِصاء الفكري
- ليس بالنِّفاق تُبنى الأوطان
- تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور
- محنة الفلسفة في ثقافتنا
- حزب الأمة...أي مؤتمرات لها الأولوية؟!
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (14). الحظ كالمرأة يصادق ال ...
- لماذا أخفق العرب في بناء دول حديثة؟!
- الإمَّعِيَّة


المزيد.....




- ياسمين عبدالعزيز لم تنسَ الذي كان.. وأهدت جوائزها لمن يُحارِ ...
- -التحالف- يعترض صاروخين باتجاه الرياض.. والحوثي يعلن استهداف ...
- روبوتات شبيهة بالبشر مصممة للرفقة.. جلد واقعي وقدرة على التح ...
- الأمن الأردني: لن نتهاون مع ناشري خطابات الكراهية والإساءة ع ...
- إسرائيل.. توقيف شخص يحمل سكينا اقترب من رئيس حزب الديمقراطيي ...
- إغلاق موقع مصري مشهور وتغريم رئيسة تحريره 3 ملايين جنيه
- الكرملين يكشف تفاصيل محادثة بوتين مع زعيمي فنلندا والنرويج ح ...
- مشاهد لاستقبال بوتين بزشكيان في موسكو اليوم
- إندونيسيا.. مشاهد لثوران بركان -أناك كراكاتوا-
- الاحتجاجات الجماهيرية تكشف عن ضعف منهجي في أوروبا


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (5)