أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة -4 ب- 4- ثم تتبعها الحلقة الخاتمة)















المزيد.....



تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة -4 ب- 4- ثم تتبعها الحلقة الخاتمة)


عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني

(Abdalla Elfakki Elbashir)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 09:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"وأما الدكتور مصطفي محمود فقد جاء ببضاعة مزجاة، فجازت على مستهلكين لا يحسنون التمييز.. هذا سبب.. والسبب الثاني هو: (عقدة الأجانب).. فإننا نحن السودانيين، لطول ما رزئنا به من الإذلال، فقدنا الثقة في أنفسنا، وظننا أن الخير لا يأتي من عند أنفسنا، ولا من مواطنينا، وإنما هو الخير يجيء دائماً من وراء حدود بلادنا.. هذا هو السبب الآخر".
محمود محمد طه، 4 أبريل 1970
،
الدكتور أمين: التعالي المعرفي ومعانقة الصدى

"التواضع هو أصل الخلق الرصين الذي يسوق إليه العلم الصحيح"
محمود محمد طه، 11 أبريل 1972

"أصبحنا محتاجين إلى منهاج يروض العقول على التواضع، وعلى المحايدة، وعلى البراءة من الغرض".
محمود محمد طه، مايو 1972

في هذه الحلقة، نواصل تفكيك حالة التعالي المعرفي ومعانقة الصدى، وما يصاحبهما من قصور معرفي ونقدي يستعيض عن التحليل بالخيال، وعن فحص المحتوى بالتشابه اللفظى، وهي سمات تجلّت بوضوح في كتابات الدكتور أمين حامد زين العابدين في نقده لفكر محمود محمد طه، كما تتبدّى في جل الدراسات السودانية التي تناولت فكر محمود محمد طه. ونضع خلاصات الدكتور أمين، بما فيها ما شاب نقده من هوس بالتشابه اللفظي، على محك المقارنة مع خلاصات بعض الدراسات العالمية. ونهدف من ذلك إلى تحرير فكر محمود محمد طه من ضعف جلّ الدراسات السودانية التي تناولت فكره، وتجيء كتابات الدكتور أمين كأنصع دليل على هذا الضعف؛ إذ لا يضاهيه في ضعف النقد، في تقديرنا، إلا الفقهاء ومن يُسمَّون برجال الدين. وفي هذا السياق، نستحضر قول محمود محمد طه: "نحن لا نلوم الفقهاء في عدم الفهم، ولكننا نلومهم في عدم الصدق"، بما يضع مسؤولية الناقد في طلب الحقيقة والالتزام باستحقاقات النقد العلمي موضع المساءلة.

من هوس التشابه اللفظي إلى ضعف الاستنتاج النقدي: خلاصات الدكتور أمين في ميزان الدراسات العالمية لفكر محمود محمد طه
سابعاً: الاشتراكية عند طه: من الجرأة في افتراض المصدر إلى مروءة الوفاء باستحقاقات فحص التصور
التواضع المعرفي شرطٌ لنزاهة النقد العلمي

ينسب الدكتور أمين مفهوم الاشتراكية عند محمود محمد طه إلى ماركس، من دون أن يعرض، في النص الذي نناقشه، تحليلاً تفصيلياً لمفهوم طه للاشتراكية، أو يبيّن الشواهد التي يستند إليها في تقرير هذا التأثر. وهنا تتكرر الإشكالية المنهجية ذاتها: الانتقال من افتراض وجود مصدر فكري إلى تقرير أن المفهوم المستخلص منه يرجع إليه، من غير إظهار ما يكفي من الأدلة على طبيعة العلاقة بينهما. ولا يعني ذلك أن البحث في تأثر طه بماركس أو غيره سؤال غير مشروع؛ بل هو سؤال يستحق البحث الجاد. لكن الإجابة عنه تقتضي مقارنة النصوص، وتحديد أوجه التشابه والاختلاف، وفحص السياق الذي تطورت فيه أفكار طه، وبيان ما إذا كان قد تبنى مفاهيم سابقة، أو أعاد صياغتها، أو بعث فيها روحاً جديدة، أو ربطها بأسس مختلفة. أما مجرد تسمية المصدر المفترض فلا تغني عن إنجاز هذا العمل.
إن طلب الحق يقتضي فحص المصادر والرجوع إلى النصوص الأصلية قبل إصدار الأحكام. وتكتسب هذه المسألة دلالة إضافية حين نلاحظ أن كتاب محمود محمد طه الماركسية في الميزان (1973)، الذي أهداه طه "إلى الذين يطلبون الحق، لأنهم يحبون الحقيقة"، لم يرد ضمن قائمة مصادر الدكتور أمين. فكيف يستقيم الحكم على مصدر مفهوم الاشتراكية عند طه من دون الرجوع إلى كتاب أفرد فيه نقد الماركسية ومناقشتها؟ وهل يمكن الاطمئنان إلى النقد الذي يقدمه الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه، وهو يغفل مصادر أساسية تتصل بموضوع نقده، ولا يستوفي الاستحقاقات العلمية والمنهجية اللازمة لإصدار أحكامه؟ إن هذا الإغفال يثير سؤالاً منهجياً مشروعاً حول مدى استيفاء البحث لمقتضياته، ويؤكد أن طلب الحقيقة لا يتحقق بالاستناد إلى ما يؤيد الاستنتاج وحده، بل بفحص النصوص التي قد تؤيده أو تنقضه، ومواجهة الأدلة التي قد تستدعي مراجعة ذلك الاستنتاج.
وفي هذا المقام، يحضرنا تنبيه طه حسين (1889–1973) في كتابه في الشعر الجاهلي، حين قال: "نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله قد رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد. ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث". ونستدعي هذه العبارة هنا لا للمقابلة بين الأشخاص، وإنما للتأكيد على ضرورة مقاومة التسليم بالخلاصات الجاهزة، سواء تعلقت بالتراث أم بالحداثة، والعودة إلى النصوص والأدلة قبل إصدار الأحكام.
فإذا كان من غير المقبول أن يُمارَس النقد بكسل عقلي يعفي صاحبه من مشقة البحث والتحقق، فمن الواجب، كذلك، ألا يُقابَل النقد الموجَّه إلى فكر محمود محمد طه بالتسليم، أو أن يُعطَّل فحص حججه وأدلته. بل إنني أرى في مقاومة النقد الموجَّه إلى فكر طه، حين لا يستوفي مقتضياته العلمية، ومواجهة الكسل العقلي الذي يعطّل الفحص والتمحيص، واجباً ثقافياً وأخلاقياً ووطنياً وإنسانياً. وهذا الواجب يقتضي إخضاع النقد نفسه للفحص والتمحيص، أياً كان مصدره، والاحتكام إلى الأدلة لا إلى المواقف المسبقة، صوناً لأمن المعرفة وأمن الفكر، وحمايةً لحق أجيال المستقبل في معرفة تقوم على الدقة والحرية والنقد المسؤول.
ونأتي الآن إلى نموذج آخر من الباحثين الذين درسوا فكر محمود محمد طه، ولا سيما مفهوم الاشتراكية، بمنهج توثيقي رصين، يجمع بين فحص المحتوى والمصادر واستيفاء الاستحقاقات العلمية والأخلاقية للبحث، على خلاف ما نلحظه في منهج الدكتور أمين وأسلوبه. ومن هؤلاء الباحث النمساوي البروفيسور توماس شميدينغر، أستاذ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، والمهتم بالإسلام السياسي والسودان والشرق الأوسط، كما سبقت الإشارة، الذي تناول فكر طه في عدة دراسات. فقد نشر شميدينغر في العام 2000 دراسة بعنوان Die zweite Botschaft des Islam: Eine Menschenrechts- und Sozialismuskonzeption aus dem Sudan "الرسالة الثانية من الإسلام: تصور لحقوق الإنسان والاشتراكية من السودان"، تناول فيها أفكار طه الإصلاحية، مع اهتمام خاص بتصوراته لحقوق الإنسان والاشتراكية ومناهضة الاستعمار. كما أعد دراسة أخرى بعنوان Was Mahmud Muhammad Taha a liberal´-or-a socialist?” " "هل كان محمود محمد طه ليبرالياً أم اشتراكياً؟"، بحث فيها العلاقة بين الاشتراكية والديمقراطية والثورة والتطور في فكر طه. وتبرز أهمية دراسات شميدينغر في أنها لا تكتفي بتصنيف طه ضمن اتجاه فكري، بل تتناول مفاهيم محددة في طرحه، وتبحث العلاقات التي تربط بينها. ففي مقابل استنتاج الدكتور أمين أن طه احتفظ بعناصر من رؤية لاهوتية تجاوزتها المعرفة الحديثة، يصف شميدينغر طه بأنه "بلا شك واحد من أكثر المفكرين أصالة الذين أنجبهم السودان في القرن العشرين"، كما ورد آنفاً. ومرة أخرى، لا يكفي وصف الأصالة وحده لإثبات خطأ استنتاج الدكتور أمين، كما لا يكفي وصف المرجعية بأنها لاهوتية لإثبات قصور الطرح. وإنما تتحدد القيمة العلمية للمقارنة في مضمون التحليل الذي يقدمه كل باحث، وفي الأدلة التي يسوقها لتفسير طبيعة فكر طه وموقعه من التيارات الفكرية الحديثة.
ويذهب شميدينغر إلى أن لاهوت طه، أو تفسيره للإسلام، لا يمكن اختزاله في مجرد ليبرالية إسلامية، بل يمكن فهمه، بدرجة أكبر، في إطار ما يُعرف بلاهوت التحرر، مع الإشارة إلى أوجه شبه بينه وبين بعض تيارات لاهوت التحرر الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، وكذلك الاشتراكية الشيعية لدى علي شريعتي. ويربط شميدينغر هذا التصور بنظرية طه في الرسالة الأولى من الإسلام والرسالة الثانية من الإسلام، وبالعلاقة التي يقيمها بين الفكر التقدمي والديمقراطية والاشتراكية. وفي هذا الإطار، وخلافاً لمنهج الدكتور أمين في نقد طه، الذي يركز على التشابه في المصطلحات والألفاظ دون دراسة المحتوى، يوضح شميدينغر أن الديمقراطية والاشتراكية عند طه ليستا مفهومين منفصلين يمكن أخذ أحدهما بمعزل عن الآخر، بل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً في تصوره للمجتمع. ويستشهد شميدينغر في ذلك بقول طه في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام: "والديمقراطية صنو الاشتراكية.. وهما معاً يمثلان جناحي المجتمع.. فكما أن الطائر لا يستقل في الهواء على جناح واحد، فكذلك المجتمع، لا يستقل بغير جناحين من ديمقراطية واشتراكية".
وتنتهي قراءة شميدينغر إلى أن الالتزام بالديمقراطية والاشتراكية عند طه متجذر في فهمه للإسلام، وأن تصوره السياسي والديني يشبه، من جوانب عديدة، لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية. وتضعنا هذه القراءة أمام سؤال جوهري: إذا كان مفهوم الاشتراكية عند طه مرتبطاً، في تحليله، بالديمقراطية وبفهم ديني للتحرر والتطور الاجتماعي، فكيف يمكن اختزال هذا التصور في مجرد الأخذ من ماركس، كما ذهب لذلك الدكتور أمين، من دون تحليل هذه الروابط، أو تحديد ما يتفق فيه طه مع الفكر الماركسي وما يختلف فيه عنه؟ الشاهد ان دراسة شميدينغر تقدّم نموذجاً لدراسة تتجاوز إطلاق نسبة عامة إلى تحليل البنية الداخلية للمفهوم وعلاقاته بالمفاهيم الأخرى. وهذا تحديداً ما ينبغي أن يلتزم به النقد الذي يريد أن يقرر مصدر فكرة، أو يفسر موقعها من الحداثة، أو يحكم على أثرها في النهضة.

ثامناً: إيرنست جونسون: من دراسة فكر طه إلى توظيفه في بناء إطار للتعددية الثقافية النقدية

درس البروفيسور إيرنست جونسون، أستاذ دراسات التعددية الثقافية والإثنيات، وعلم اللغويات، والتاريخ الأفريقي الأمريكي، والفلسفة الشرقية والتصوف، فكر محمود محمد طه، واشتغل عليه نظرياً وتطبيقياً، مقدماً عدداً من المحاضرات والدراسات حوله. ومن أحدث الدراسات التي تناولت هذا الفكر، بحسب ما وقفنا عليه، دراسته المعنونة:
Critical Multiculturalism Enhanced by the Personal Path of the Holy Prophet Mohamed in the Creation of the Good Society
وترجمتها: "تعزيز التعددية الثقافية النقدية من خلال الطريق الشخصي للنبي الكريم محمد في إنشاء المجتمع الصالح".
سعى جونسون في هذه الدراسة، كما أوضح في مقدمتها، إلى تطوير الإطار النظري للتعددية الثقافية النقدية، بما يمكّنه من معالجة أشكال التهميش الطبقي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي تطال قطاعات من الناس، مستعيناً بالمنظور التحليلي الذي يتيحه الفكر الإسلامي كما صاغه محمود محمد طه في "الرسالة الثانية من الإسلام". ويعرض جونسون رؤية طه في الرسالة الثانية من الإسلام، موضحاً ما تنطوي عليه من دعوة إلى تجاوز الاقتصار على التطبيق الظاهري للقواعد التشريعية، وإحياء البعد السلوكي والأخلاقي للسنة النبوية، وتوسيع مجال الاقتداء بالنبي محمد ليصبح منهجاً عاماً في حياة المسلمين. ويخلص جونسون إلى أن هذا المستوى من الإسلام، كما يقدمه طه، يقوم على ممارسة مستنيرة تتجاوز الإيمان الأعمى إلى منظور أوسع يعزز الكرامة الإنسانية والإنصاف والتقدم.
ومن هذا المنطلق، يربط جونسون بين طرح طه وإطار التعددية الثقافية النقدية، الذي يهتم بكشف مظاهر القمع والتهميش في صورها المختلفة، سواء أكانت خارجية أم داخلية، فردية أم بنيوية، ضمنية أم صريحة. ويرى أن تطوير هذا الإطار، نظرياً وتطبيقياً، يقتضي تبني تصور مستنير لعلاقة الإنسان بالكون وبغيره من البشر، واعتماد منهج عملي يتيح للإنسان تجسيد التغيير المنشود في حياته وسلوكه. وتكمن أهمية قراءة جونسون في أنه يضع فكر طه في إطار حوار معرفي يتجاوز السياق الإسلامي المباشر، رابطاً إياه بالتعددية الثقافية وقضايا التهميش والقمع والعدالة الاجتماعية وبناء المجتمع الصالح. فهو لا يكتفي بعرض مفاهيم طه، وإنما يوظفها في محاولة لبناء جسر بين المنهج الإسلامي، ولا سيما مفهوم الاقتداء بالطريق النبوي، وبين الإشكالات التي تواجه المجتمعات الإنسانية المعاصرة. وبذلك ينتقل من تفسير طرح طه في سياقه الفكري إلى اختبار إمكاناته في تحليل قضايا اجتماعية وإنسانية راهنة، والكشف عن قدرته المحتملة على الإسهام في صياغة إجابات عنها.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها عند مقارنتها بخلاصات الدكتور أمين؛ إذ تبرز إمكانات في طرح طه لا يكفي تناولها من خلال رصد أوجه التشابه بين مفاهيمه ومفاهيم أو أنظمة فكرية أخرى، بل تتطلب دراسة مضمونه، وتحليل أسسه، وفحص ما يتيحه من إمكانات نظرية وتطبيقية. كما تبيّن أن دراسة فكر طه يمكن أن تتخذ مسارات متعددة، من بينها اختبار قدرته على الإسهام في تطوير أطر معرفية تتناول التعددية الثقافية والتهميش والعدالة الاجتماعية، وهي موضوعات لا يستنفدها مجرد تحديد المصادر المفترضة لبعض مفاهيمه.
وفي هذا السياق، يبدو أن عدم استحضار بعض المصادر ذات الصلة، أو عدم مناقشتها في سياقها الفكري، قد أسهم في الوصول إلى أحكام تقريرية لدى الدكتور أمين، من قبيل قوله، كما أوردنا آنفاً، إن طه "اكتفى فقط باستعارة نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي الفدرالي باعتباره أصلح أنواع الحكم لتحقيق المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والجدل بأن المخرج من التخلف والتيه الذي ترزح فيه المجتمعات الإسلامية هو طريق محمد" (ص. 189).
إن هذا الحكم، بصيغته المذكورة، يثير سؤالاً منهجياً أساسياً: هل تكفي الإشارة إلى استعارة نظام سياسي، أو إلى الدعوة لاتباع طريق النبي محمد، للحكم على طبيعة طرح طه الفكري، من دون تحليل الأسس التي يستند إليها، أو فحص الكيفية التي يوظف بها هذه المفاهيم في بناء تصوره للإنسان والمجتمع؟ إن دراسة جونسون تتيح مدخلاً إضافياً لمناقشة هذا السؤال؛ إذ تكشف عن مسار مختلف في التعامل مع فكر طه، يقوم على تحليل مفاهيمه، وتوظيفها في حوار مع حقول معرفية أخرى، واختبار إمكاناتها في تناول مشكلات معاصرة.
ومن ثم، فإن قيمة قراءة جونسون لا تتمثل في إعادة عرض أفكار طه فحسب، بل في الكشف عن قابليتها للدخول في حوار مع حقول معرفية متعددة، وفتح المجال لدراسة ما يمكن أن تقدمه من إسهامات في معالجة قضايا إنسانية ومجتمعية معاصرة. وهنا يتجلى الفارق بين قراءة تكتفي بإعلان أن مفكراً أخذ من غيره، وقراءة تفحص الأفكار في بنيتها وسياقاتها، ثم تختبر إمكاناتها التفسيرية والتطبيقية. فالحكم على أصالة أي مشروع فكري أو تحديد حدود تأثره لا يستقيم بمجرد تسمية مصادر محتملة، وإنما يقتضي دراسة ما أخذه، وكيف أعاد بناءه، وما أضافه إليه، وما إذا كان قد أنتج من خلال ذلك تصوراً له منطقه الخاص وإمكاناته المعرفية والتطبيقية. وهذا تحديداً ما لا نجد له أثراً في نقد الدكتور أمين؛ إذ لا يكفي أن يحدد الباحث مصادر مفترضة لأفكار طه، بل عليه أن يحلل تلك الأفكار، ويبيّن طبيعة الصلة بينهما، ويميّز بين الاقتباس والتأثر والتشابه، ويختبر استنتاجاته بالرجوع إلى النصوص الأصلية ومناقشة الدراسات ذات الصلة. ومن دون ذلك، تظل أحكامه أقرب إلى تقرير النتائج منها إلى تقديم تحليل علمي يستوفي شروط النقد، وفي هذا خطر على أمن المعرفة وأمن الفكر.

تاسعاً: الدكتور أمين والحاجة إلى فحص مفهوم الحرية عند محمود محمد طه
من ادعاء الأخذ من الفكر الحداثي إلى استحقاقات البحث في المفهوم وبنيته الفكرية

"أعلم أنك لن تكون حر الفكر إذا انكرت حرية الفكر على غيرك".
محمود محمد طه، 1952

"الحر هو الذي يحب الحرية لغيره كما يحبها لنفسه ويؤذيه منظر الظلم حيث كان".
محمود محمد طه، 1964

في إطار ما سبق أن ناقشناه من نزوع الدكتور أمين إلى ردّ بعض مفاهيم محمود محمد طه إلى الفكر الحداثي العلماني الذي تبلور في أوروبا بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية، أو إلى أفكار مفكرين آخرين، أورد الدكتور أمين مفهوم الحرية ضمن المفاهيم التي يرى أن طه أخذها من غيره. لكنه، في مقابل ذلك، لم يقدم تحليلاً لمفهوم الحرية عند طه، ولم يفحص دلالاته أو أسسه الفكرية، ولا موقعه في البناء العام لطرحه الفكري. وهنا سؤال يدفع بنفسه وهو: كيف يمكن إصدار حكم بشأن مصدر مفهوم فكري أو أصالته، من دون دراسة المفهوم نفسه، وفهم بنيته، وتتبع تطوره، وتحليل وظيفته في الطرح الذي يندرج فيه؟
وفي مقابل المسلك النقدي الذي اتبعه الدكتور أمين، وما تكشف عنه معالجته من أوجه ضعف منهجي، نجد أن البروفيسور ستيف هوارد Steve Howard، أستاذ مناهج البحث والتقييم في مجال التنمية، والاتصال من أجل التنمية، والدراسات الأفريقية، ودراسات الإعلام العالمي والإسلامي بجامعة أوهايو في الولايات المتحدة، قد تناول الحرية عند طه ضمن دراسات متعددة خصصها لفكره وسيرته، وللحركة الجمهورية ممثلةً في الإخوان الجمهوريين، تلاميذ طه وتلميذاته. وقد أشرنا إلى عدد من هذه الدراسات في مقالاتنا السابقة. ونخصص هذا المحور لدراسة هوارد لمفهوم الحرية، بإيجاز شديد، لا لاستعراض الأدبيات المتعلقة بطه فحسب، وإنما لإبراز ما تقتضيه دراسة هذا المفهوم من أسئلة وتحليلات لم يتناولها الدكتور أمين، وللتأكيد على ضرورة مراجعة خلاصاته في ضوء ما أنجزه باحثون آخرون، بدلاً من الاكتفاء بترديد الاستنتاجات الذاتية ومعانقة صدى الصوت. حمل دراسة هوارد عنوان:
Lovers of Freedom: The Liberatory Praxis of Mahmoud Mohamed Taha, Paulo Freire, and Frantz Fanon
وترجمته: "عشاق الحرية: الممارسة التحررية عند محمود محمد طه وباولو فريري وفرانتس فانون".
يسعى هوارد، من خلال دراسته، كما بيَّن، إلى إلقاء الضوء على الدور الحيوي الذي أداه محمود محمد طه في مناهضة الاستعمار في السودان، وعلى منهجه في التربية التحررية والتغيير الاجتماعي، وذلك بقراءة أعماله في ضوء أعمال اثنين من أبرز المفكرين التحرريين في القرن العشرين: فرانتس فانون وباولو فريري. ففانون، الطبيب النفسي المارتينيكي المولود في المارتينيك، والذي ارتبط نضاله الفكري والسياسي بالثورة الجزائرية، ألّف كتابي بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (1952) ومعذبو الأرض (1961)، فيما ألّف فريري، المفكر التربوي البرازيلي، كتابه الشهير تربية المضطهدين (1968). وقد تزامنت تجارب هؤلاء المفكرين، على اختلاف سياقاتها ومنطلقاتها، في اهتمامها بتوفير أدوات التفكير والتحرر للأفراد الذين يعيشون تحت أشكال الاستعمار والاضطهاد. ويكشف تناول هوارد المقارن عن أهمية العمل الجماعي، وعن قدرة الإنسان على المشاركة الفاعلة في تغيير ذاته وواقعه، كما يفصّل إسهامات المفكرين الثلاثة في مجال التربية التحررية خلال القرن العشرين. وفيما يتعلق بطه، يوضح هوارد أن جانباً أساسياً من منهجه تمثل في توسيع قدرة أتباعه على التفكير والتأمل في العالم المحيط بهم، وصولاً إلى ما عبّر عنه طه بمفهوم "الحرية الفردية المطلقة". وفي عرض هوارد لهذا المفهوم، لا تظهر الحرية عند طه مجرد شعار سياسي، أو قيمة مستمدة بالضرورة من تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، كما ذهب الدكتور أمين؛ بل ترتبط بتصور مخصوص للإنسان والإسلام، وبإمكانات التطور الإنساني، وبالعلاقة بين الحق والواجب. فالحرية، عند طه، كما فصل هوارد، حق لكل فرد، بصرف النظر عن دينه أو عرقه، غير أن هذا الحق يقترن بواجب، ولا تتحقق الحرية في معناها المنشود إلا من خلال حسن التصرف في ممارستها. ويربط هوارد ذلك برؤية طه للإنسان باعتباره كائناً قابلاً للتطور اللامحدود، وبفهمه للإسلام الذي يجعل المطلق أو اللانهائي صفة أساسية فيه، وينظر إلى مسيرة الفرد باعتبارها انتقالاً من المحدود إلى المطلق، ومن النقص إلى الكمال.
إن أهمية هذه الدراسة، في سياق نقاشنا مع الدكتور أمين، لا تكمن في مجرد أن باحثاً أكاديمياً تناول مفهوم الحرية عند طه؛ وإنما في أنها تضعنا أمام مفهوم يحتاج إلى دراسة جادة، تتجاوز السؤال عن احتمال التشابه بينه وبين مفاهيم الحرية في الفكر الحديث، إلى البحث في أسسه ودلالاته وعلاقاته الداخلية. ومن ثم، فإن السؤال عن التأثر الفكري، إن أريد له أن يكون استنتاجاً علمياً، لا يجوز أن يحل محل تحليل المفهوم، بل ينبغي أن يأتي في سياق هذا التحليل، مستنداً إلى أدلته النصية والتاريخية والمقارنة. وهنا نوجه إلى الدكتور أمين الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون في صميم بحثه قبل أن يقرر أن طه أخذ مفهوم الحرية من الفكر الحداثي أو من غيره: ما المقصود بالحرية الفردية المطلقة عند طه؟ وما الأسس الفكرية والفلسفية التي يقوم عليها هذا المفهوم؟ متى يكون الفرد حراً حرية مطلقة، وكيف تتحقق هذه الحرية؟ وما الشروط التي تتيح ممارستها، وما حدود العلاقة بين الحرية وحسن التصرف؟ وما العلاقة بين الحرية الفردية والمجتمع؟ وكيف يمكن فهم حرية الفرد في ضوء حقوق الآخرين ومسؤولياته تجاههم؟ وما صلة الحرية الفردية المطلقة بالعدالة الاجتماعية الشاملة؟ وهل تناول طه هذه العلاقة باعتبارها تعارضاً ينبغي حله، أم باعتبارها علاقة تكامل بين تحرر الفرد وشروط الحياة الاجتماعية؟ ما الذي يميز مفهوم الحرية عند طه من المفاهيم التي ظهرت في الفكر الأوروبي الحديث؟ وهل تكفي أوجه التشابه، إن ثبتت، لإثبات الأخذ، أم أن الأمر يقتضي دراسة الاختلافات في الأسس والغايات والسياقات؟ كيف تطور مفهوم الحرية في كتابات طه وممارسته الفكرية والتربوية والسياسية؟ وما الذي تكشفه نصوصه الأصلية عن خصوصية هذا المفهوم وموقعه في طرحه؟
هذه ليست أسئلة إضافية يمكن تجاوزها، بل هي من صميم استحقاقات البحث العلمي في دراسة مفهوم كهذا. فليس كافياً أن يذكر الباحث أن مفكراً ما استخدم مفهوم الحرية، ثم يردّه إلى مصدر خارجي؛ إذ يتعين عليه أن يحدد طبيعة المفهوم الذي يتناوله، وأن يثبت الصلة التي يدّعيها، وأن يبيّن حدودها وأثرها في بناء الفكرة. وإلا تحولت فرضية التأثر، التي تستلزم البحث والبرهنة، إلى خلاصة تُطرح قبل إنجاز البحث الذي يتيح اختبارها. وفي هذا السياق، فإن وجود دراسة لستيف هوارد عن مفهوم الحرية عند محمود محمد طه، في مقابل خلاصات الدكتور أمين التي تقوم، بحسب ما عرضناه من نماذج، على التشابه اللفظي من دون تحليل كافٍ لمحتوى المفهوم، يفرض على الباحث الجاد أن يطّلع على هذه الدراسة، وأن يناقش ما تقدمه من تحليل، ويقارن بين نتائجها وخلاصاته، وأن يختبر كليهما بالرجوع إلى نصوص طه الأصلية. فالمطلوب ليس استبدال سلطة باحث بسلطة باحث آخر، وإنما إخضاع الآراء والاستنتاجات للفحص النقدي، والاحتكام إلى النصوص والأدلة والتحليل المقارن. وهنا تكمن المسألة التي نريد لفت نظر الدكتور أمين إليها: إن دراسة مفهوم الحرية عند طه لا تستوفي شروطها العلمية بمجرد القول إنه أخذه من الفكر الحداثي أو من مفكرين آخرين؛ وإنما تبدأ بتحليل المفهوم نفسه، وتتبع جذوره وتطوره، وفحص علاقته بسائر مكونات مشروع طه الفكري، ثم الانتقال إلى المقارنة المنهجية مع المفاهيم التي يُدّعى تأثره بها، لإثبات أوجه الاتفاق والاختلاف، وتحديد طبيعة الصلة وحدودها، وصولاً إلى استنتاجات تسندها الأدلة، لا مجرد أوجه التشابه اللفظي.
إن ادعاء الأخذ من الآخرين، والاستناد إلى التشابه اللفظي في نقد فكر محمود محمد طه، كما هو شأن الدكتور أمين في النماذج التي ناقشناها، لا يغني عن دراسة المفهوم الذي يُدّعى أخذه، وتحليل مضمونه وبنيته الفكرية. فالتشابه اللفظي لا يثبت وحده الاقتباس، كما أن تسمية المصدر المفترض لا تعفي الباحث من تحليل الفكرة وإثبات الصلة بينهما بالأدلة. وهذا تحديداً ما يجعل دراسة هوارد مدخلاً مهماً لإعادة النظر في خلاصات الدكتور أمين، ويدعوه إلى توسيع أفق بحثه، والاستفادة مما أنجزه الآخرون، ومراجعة استنتاجاته في ضوء الأدلة. فالبحث العلمي لا يتقدم بمعانقة صدى الصوت، وإنما بالحوار مع المعرفة، والاحتكام إلى الحجة، والاستعداد لمراجعة الاستنتاجات التي لا تصمد أمام الفحص. وكل ذلك يقتضي التواضع المعرفي، والإقرار بأن الأحكام البحثية، مهما بدت لصاحبها راسخة، تظل مفتوحة للمراجعة متى ظهرت أدلة أو تحليلات تستدعي إعادة النظر فيها.

تأثير محمود محمد طه في المفكرين: شهادات ودلالات وأسئلة التوثيق
الصادق المهدي، حسن الترابي، محمد أبو القاسم حاج حمد، محمد شحرور، ونصر حامد أبو زيد

"إذا كنت لا تستطيع رفع الظلم، فأخبر عنه الجميع على الأقل"
علي شريعتي (1933- 1977)- إيران

إن خلاصات الدكتور أمين، بالكيفية التي عرضناها وناقشناها في هذه المقالات وفي المقالات السابقة، لا تساعد على فهم فكر محمود محمد طه فهماً علمياً وافياً، بل قد تفضي إلى التشويه، وإلى تضليل الدارسين، حين تختزل هذا الفكر في مصادر مفترضة، وتغفل ما يقتضيه البحث العلمي من فحص بنيته الفكرية، وتتبع تطور مفاهيمه، ودراسة أثره في المفكرين الآخرين. فأصالة الطرح الفكري لا تُقاس بمجرد إثبات اختلافه عن مصادر سابقة أو نفي صلته بها، وإنما تُدرس أيضاً من خلال ما أسهم به في إنتاج الأفكار، وما أثاره من أسئلة، وما تركه من أثر في مسارات التفكير اللاحقة. وقد سبق أن أشرنا في مقالاتنا السابقة إلى أن تأثير فكر محمود محمد طه لم يقتصر على تلميذاته (الأخوات الجمهوريات)، وتلاميذه (الإخوان الجمهوريون) المباشرين، وإنما امتد، بحسب شهادات عدد من الباحثين والمفكرين، إلى دوائر أوسع من النخبة الفكرية والسياسية السودانية والعربية والإسلامية. وهذا ما يجعل دراسة ذلك التأثير مساراً بحثياً مهماً لفهم موقع طه في تاريخ الفكر الحديث، وتحديد طبيعة إسهامه، والتمييز بين أوجه التشابه الفكري والتأثر المحتمل والاقتباس الذي يمكن إثباته بالمقارنة النصية والتوثيق التاريخي. وقد أشار الدكتور منصور خالد (1931–2020) إلى هذا التأثير بوضوح، حين قال: "الكثير من الناس تأثر بالأستاذ محمود، فلننظر إلى الأفكار الجديدة للصادق المهدي وللترابي، ولينظروا إلى أفكار الأستاذ محمود لنرى مدى التأثير". وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من موقع منصور خالد في الحياة الفكرية والسياسية السودانية ومعاصرته عدداً من أبرز رموزها. وهي، وإن كانت تفتح باباً مهماً للبحث، لا تغني عن دراسة النصوص التي تتعلق بها، ومقارنة مضامينها، وتتبع تطورها في سياقاتها التاريخية.
ومن هنا، فإن البحث في تأثير محمود محمد طه في المفكرين لا ينبغي أن يقف عند تسجيل الشهادات أو رصد أوجه التشابه، بل يتطلب تحديد طبيعة كل حالة على حدة: هل نحن أمام تشابه في الأفكار، أم تأثر فكري يمكن ترجيحه بأدلة تاريخية ونصية، أم اقتباس مباشر يمكن إثباته بالمقارنة والتوثيق؟ إن التمييز بين هذه المستويات شرط أساسي لتجنب التسرع في نسبة الأفكار إلى مصادر بعينها، كما أنه يتيح تقدير إسهام كل مفكر في تطوير الأفكار التي تناولها أو إعادة صياغتها.

محمد أبو القاسم حاج حمد وتغييب المصدر: شهادات الأخذ عن محمود محمد طه

ومن النماذج التي أثير حولها جدل مباشر في هذا السياق المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد (1941–2004). فقد أشار الدكتور محمود شعراني (1946–2021) إلى أن "حاج حمد اقتبس حرفياً ونصياً من أفكار الأستاذ محمود محمد طه". كما تناول البروفيسور إبراهيم محمد زين، أستاذ الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان، بجامعة حمد بن خليفة، الدوحة، حضور أطروحة طه في كتاب حاج حمد العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، فكتب البروفيسور إبراهيم، قائلاً: إن "أطروحة محمود محمد طه حاضرة في نص العالمية الثانية، فقد أخذت منها كثيراً من المعالم، وتبنت بعض خلاصتها العلمية، ... دون أن يعطيه ميزة الذكر بالاسم أو التنويه لمؤلفاته".
وتتجاوز أهمية هاتين الشهادتين مجرد الإشارة إلى وجود تقارب فكري؛ إذ إنهما تطرحان ادعاءً محدداً يتعلق بطبيعة الصلة بين طرح طه وكتاب حاج حمد العالمية الإسلامية الثانية. غير أن تقدير مدى صحة هذا الادعاء يقتضي العودة إلى النصوص الأصلية، وتحديد مواضع الاتفاق والاختلاف، وفحص تسلسلها الزمني، والتمييز بين الأفكار المشتركة والمقولات التي يمكن أن تدل المقارنة الدقيقة على انتقالها من نص إلى آخر. ولم تبق هذه المسألة محصورة في كتابات الباحثين، بل أثيرت، في ندوة عقدت بالقاهرة في مارس 1992، شارك فيها أكثر من خمسة عشر مفكراً وعالماً ومتخصصاً، كما نوقشت في الأردن والمغرب وماليزيا خلال خريف عام 1994. وذهب بعض المشاركين إلى القول بوجود اقتباس حرفي ونصي من أفكار طه. ويستدعي توثيق هذه الوقائع، في الدراسة المستقلة، تحديد الندوات المعنية، وأسماء المشاركين، وما يتوافر من أوراق أو محاضر أو شهادات منشورة، حتى لا تختلط الوقائع الموثقة بالانطباعات المتداولة عنها. (للمزيد أنظر: عبد الله الفكي البشير، صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2013).
ومن اللافت في هذا السياق أن حاج حمد خصص في الطبعة الثانية من كتابه، الصادرة عام 1996، محوراً بعنوان "شبهات التداخل ما بين العالمية الإسلامية الثانية والرسالة الثانية من الإسلام". ويشير إدراج هذا المحور إلى أن مسألة العلاقة بين المشروعين كانت حاضرة في النقاش المتعلق بكتابه، واستدعت معالجة مباشرة منه. غير أن مجرد تخصيص محور لهذه المسألة لا يحسم طبيعة العلاقة بين المشروعين، ولا يثبت بمفرده صحة اتهامات الاقتباس أو عدمها؛ وإنما يجعل فحص ما أورده حاج حمد، ومقارنته بالنصوص التي تناولها، جزءاً ضرورياً من البحث. وهنا تبرز المسألة المنهجية الأساسية: التأثر بالمفكرين أمر طبيعي في تاريخ الفكر، ولا ينتقص من قيمة المفكر أن يستفيد من سابقيه، أو أن ينطلق من أسئلتهم ويعيد بناء بعض أفكارهم في سياق جديد. إنما تتعلق المسألة بأمانة التعامل مع المصادر، ووضوح الإحالات، والتمييز بين ما يستفيده المفكر من غيره وما يضيفه من اجتهاد خاص. ولذلك لا يكفي إثبات التشابه لإثبات الاقتباس، كما لا يكفي اختلاف المصطلحات أو إعادة صياغة العبارات لنفي التأثر؛ بل لا بد من فحص بنية الأفكار، وعلاقاتها الداخلية، وتسلسل ظهورها، والأدلة التي يمكن أن تكشف عن صلاتها النصية والتاريخية.
لقد ظللت أعمل، لأكثر من عقد من الزمان، على دراسة تأثير محمود محمد طه في المفكرين والسياسيين، من خلال رصد الشهادات والكتابات والمواقف الفكرية ذات الصلة، وتتبعها وتوثيقها، وفحص دلالاتها في ضوء التحليل والمقارنة. وتشمل الدراسة محمد أبو القاسم حاج حمد، إلى جانب عدد من المفكرين الآخرين. وآمل أن أتمكّن من دفع هذه الدراسة إلى النشر قريباً، تحت عنوان: تأثير المفكر محمود محمد طه في المفكرين، إسهاماً في توثيق هذا التأثير ورصده، وإتاحة مادته للباحثين، ونقل النقاش حوله من مجرد الإشارة إلى التشابه أو ادعاء الأخذ إلى البحث العلمي في طبيعة التأثير وحدوده وتجلياته.

من "الرسالة الثانية من الإسلام" إلى نظرية شحرور: شهادة في مصدر التأثر الفكري

ويظهر المفكر السوري محمد شحرور (1938–2019) نموذجاً آخر يستحق البحث في هذا السياق. فقد أشار المرجع الديني العراقي السيد كمال الحيدري إلى الصلة بين أطروحة طه وبعض الأفكار التي طرحها شحرور، لا سيما في الفكرة التأسيسية المتعلقة بمدى قابلية الأحكام التي طُبقت في القرن السابع للتطبيق في العصر الحديث. ويرى الحيدري أن هذه الفكرة تجد أصلها الواضح في أطروحة طه حول الرسالتين، وبصفة خاصة في التمييز بين الآيات المكية والآيات المدنية وعلاقتهما بالتطور التاريخي للمجتمع. وقد عبّر الحيدري عن ذلك بصورة مباشرة، قائلًا: "والنظرية أين موجودة؟ موجودة في الرسالة الثانية من الإسلام، كل النظرية يطرحها هنا"، ثم أوضح أن طه يرى أن الرسالة الأصلية تتمثل في الآيات المكية، وأن الآيات المدنية ارتبطت بظروف القرن السابع، ومن ثم لا تكون قابلة للتطبيق في عصر آخر بالصورة نفسها. ويضيف الحيدري: "ومن هنا جاءت نظرية محمد شحرور في هذا المجال، بأنه أساساً النسخة المطبقة في القرن السابع غير قابلة للتطبيق في زماننا هذا" (2 فبراير 2017). وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها تحدد مجالاً فكرياً بعينه يمكن أن تنطلق منه المقارنة، بدلاً من الاكتفاء بالقول بوجود تشابه عام بين طرحين. ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كانت هذه الصلة تمثل تأثراً مباشراً، أو تقارباً في معالجة إشكالية مشتركة، أو اختلافاً بين طرحين يلتقيان في بعض النتائج، يظل رهناً بالمقارنة بين النصوص الأصلية، وبالبحث في التسلسل الزمني للأفكار، وما يتوافر من أدلة على اطلاع شحرور على أعمال طه أو استفادته منها. فالشهادة النقدية مدخل للبحث، وليست بديلاً عنه.
وفي سياق متصل، تناول الشيخ الدكتور حيدر حب الله، الأستاذ في الحوزة العلمية بمدينة قم وأستاذ جامعة الأديان والمذاهب في إيران، فكر محمود محمد طه في محاضرات ودراسات تناولت مشروع الرسالة الثانية من الإسلام. وأشار حب الله إلى وجود انعكاسات لهذا الفهم في كتابات عدد من المفكرين العرب اللاحقين، قائلاً في حديث بتاريخ 12 نوفمبر 2022: "وقد وجدنا انعكاسات هذا الفهم في كثير من الكتاب والمفكرين العرب اللاحقين، ربما يكون هو ملهماً لهم في كثير من المواضع، انعكاس ليس نفس النظرية، انعكاس الفكرة، روح الفكرة بطريقة ما، مثل نصر حامد أبو زيد وغيره".
وتتميز هذه الشهادة بأنها تطرح مفهوماً أوسع للتأثير الفكري؛ فهي لا تفترض انتقال نظرية طه كاملة إلى المفكرين اللاحقين، وإنما تشير إلى احتمال انتقال بعض الأسئلة أو الرؤى أو المبادئ العامة، مع اختلاف طرق صياغتها وتوظيفها. وهذا تمييز مهم؛ إذ قد ينتقل التأثير عبر اقتباس مباشر، وقد يظهر في إعادة بناء المفاهيم، أو في تبني أسئلة جديدة، أو في معالجة إشكاليات متقاربة من دون أن يكون ثمة دليل كافٍ على صلة مباشرة بين أصحابها. ومن هنا، فإن الإشارة إلى نصر حامد أبو زيد في شهادة حب الله تفتح مجالاً للبحث والمقارنة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات طبيعة التأثير أو حدوده. ويقتضي ذلك دراسة نصوص أبي زيد ذات الصلة، ومقارنتها بأعمال طه، وتحديد أوجه الاتفاق والاختلاف، والبحث عن القرائن التاريخية التي تساعد على تفسير تلك الصلات.
وتكشف هذه النماذج، على تفاوتها، عن أهمية دراسة حضور فكر محمود محمد طه في الفكر السوداني والعربي والإسلامي الحديث. غير أن القيمة العلمية لهذه الدراسة لن تتحدد بكثرة الأسماء التي يمكن إدراجها في قائمة المتأثرين، وإنما بقدرتها على تقديم أدلة دقيقة على طبيعة التأثير في كل حالة، وتحديد ما انتقل من أفكار، وكيف انتقل، وما الذي أضافه المفكر اللاحق أو غيّره أو أعاد بناءه. وقد ظللنا نعمل على هذا الموضوع منذ نحو ثلاثة عقود، ونعتزم تناوله في دراسة مستقلة بعنوان تأثير المفكر محمود محمد طه في المفكرين، تشمل، إلى جانب ما ورد ذكرهم، نماذج أخرى. إن دراسة تأثير المفكرين بعضهم في بعض ليست مسألة ثانوية في تاريخ الفكر؛ فهي تسهم في فهم كيفية نشوء الأفكار وتطورها وتداولها، وتساعد على إنصاف أصحاب الإسهامات الفكرية، وتحديد مواقعهم في تاريخ المعرفة. ومن ثم، فإن المطلوب ليس إثبات التأثير لمجرد إثباته، ولا نفيه دفاعاً عن أصالة مفكر أو انتقاصاً من آخر، وإنما الكشف عنه حيث تدعمه الأدلة، وتحديد حدوده حيث تكون الأدلة جزئية، والتوقف عن الجزم حيث لا تكفي المادة المتاحة. وبهذا وحده يمكن الانتقال من الانطباعات العامة إلى تاريخ فكري موثق، يحفظ لكل مفكر حقه، ويضع دعاوى التأثر والاقتباس في ميزان البحث العلمي.

خلاصة محور التعالي المعرفي ومعانقة الصدى: ما الذي تكشفه هذه المقارنات؟

"إن الإٍسلام يا سيدي حق، وأن هذا العالم خلق بالحق، وبني على حق، وسينتهي أمره إلى الحق، في آخر المطاف، وكل باطل مهما أزدهر وأينع فهو إلى زوال مثله مثل الزبد الذي يذهب جفاء".
محمود محمد طه، 1958

تبيّن النماذج التي عرضناها، أن فكر محمود محمد طه خضع لقراءات متعددة تناولت موقعه من التحرر، والأصالة الفكرية، والديمقراطية، والاشتراكية، والحرية، والعلاقة بين المرجعية الدينية والتغيير الاجتماعي، والشريعة الإسلامية، والتجديد والتأويل. وقد انتهى بعض أصحاب هذه القراءات إلى تقديرات تختلف بوضوح عن خلاصات الدكتور أمين. لكننا لا نحتكم إلى عدد الباحثين الذين أثنوا على طه، ولا نعدّ اختلافهم مع الدكتور أمين دليلاً كافياً على خطأ أحكامه. فالمعيار الذي نحتكم إليه هو مدى استناد كل قراءة إلى فحص النصوص، ودقة تحديد المفاهيم، وسلامة الانتقال من المقدمات إلى النتائج، والقدرة على تفسير العلاقات بين عناصر الطرح الفكري موضع الدراسة. ومن هذا المنطلق، فإن موضع المساءلة في خلاصات الدكتور أمين ليس مجرد اختلافه مع هؤلاء الباحثين، ولا اتخاذه موقفاً نقدياً من فكر طه، فذلك حق مشروع للباحث. وإنما موضع المساءلة هو ما إذا كانت أحكامه الواسعة على علاقة هذا الفكر بالنهضة والحداثة والتحرر والديمقراطية والاشتراكية قد استوفت مقتضيات التحليل الذي تتطلبه، وما إذا كان قد ناقش الأدلة والتفسيرات التي تتيح قراءات مختلفة لموضوعه.
فحين يُنسب مفهوم إلى مصدر فكري، ينبغي بيان الأدلة على هذه النسبة وحدودها. وحين يُحكم على مرجعية فكرية بأنها تجاوزتها المعرفة الحديثة، ينبغي تحديد عناصرها ومعيار هذا التجاوز، ثم بيان أثرها في المفاهيم والاستنتاجات التي يقوم عليها الطرح. وحين يُقال إن فكراً ما يعوق النهضة، ينبغي تحليل الآليات التي يُفترض أنها تنتج هذا الأثر، بدلاً من الاكتفاء بتقرير النتيجة. وهكذا نعود إلى السؤال الذي يفرضه عنوان هذا المحور: هل يكفي التشابه اللفظي أو افتراض المصدر الفكري للوصول إلى خلاصات نقدية واسعة؟ أم أن النقد العلمي يقتضي الانتقال من ملاحظة التشابه إلى فحص النصوص، ومن افتراض التأثر إلى إثباته، ومن إطلاق الأحكام إلى بناء الاستنتاجات على تحليل متماسك؟
إن الدراسات التي استدعيناها، إلى جانب دراسات أخرى سبق أن أشرنا إليها، لا تعفينا من هذا الفحص، بل تجعل ضرورته أكثر إلحاحاً؛ إذ تكشف عن جوانب في فكر محمود محمد طه تستحق التحليل، وتطرح أسئلة لا يصح تجاوزها بمجرد التصنيف أو إطلاق الأحكام. وهنا يتجلى الفارق بين ناقد يتعالى على موضوعه، ويكتفي بمعانقة صدى صوته وإعلان النتائج قبل استيفاء شروطها، وناقد يفي باستحقاقات النقد العلمية، فيمنح موضوعه حقه في الفهم والتحليل قبل الحكم عليه، ويخضع استنتاجاته للفحص، ويظل مستعداً لمراجعتها في ضوء الأدلة والحجج.
نلتقي مع الحلقة الختامية.



#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)       Abdalla_Elfakki_Elbashir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا ...
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردّنا ...
- تقديم لكتاب المفكر الإيزيدي الدكتور خليل جندي، الشخصية الإيز ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- الحلقة الخاتمة- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...


المزيد.....




- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- الأردن يعلن القبض على منفذي الاعتداء على الكنيسة ويشن ضربات ...
- آخر صانعي أجراس الكنائس في لبنان.. آل نفّاع وحراسة إرث عمره ...
- نهاية المطاردة: القبض على مهاجمي الكنيسة في الأردن
- عشرات القتلى في هجوم مسلح استهدف مسيحيين بإقليم أوروميا الإث ...
- الضفة الغربية: هجرة المسيحيين من الأراضي الفلسطينية
- بزشكيان: الدول الإسلامية قادرة على أن تقدم للعالم نموذجا للع ...
- عشية الانتخابات.. بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية مشددة م ...
- قبل الانتخابات الإسرائيلية.. بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
- مراقبون: اليهود الأمريكيون في إسرائيل قد يحسمون انتخابات الث ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (الحلقة -4 ب- 4- ثم تتبعها الحلقة الخاتمة)