أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وهاب شاه محمد - قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات















المزيد.....

قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 12:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تتسم دراسة النصوص الدينية، ولا سيما القرآن، بازدواجية ظاهرية ومستمرة بين الآيات التي ترسخ للرحمة، والتسامح، والتعددية الثقافية، وتلك التي تحمل طابع الوعيد والشدة. وتبرز هذه الثنائية بوضوح عند مقارنة آيات الترهيب والوعيد الأخروي بآيات السلم والتعايش، مما يفتح المجال لجدل واسع حول السياق التاريخي ومنهجية التفسير.
1. ثنائية الرحمة والوعيد: قراءة في آيات الجحيم وسنن الإهلاك
يتناول الخطاب الديني مسألة الوعيد عبر عدد كبير من الآيات التي تتناول عذاب جهنم، والتي توظف كخطاب تخويفي صارم. وفي المقابل، يبرز التساؤل حول التناقض الظاهري بين صفة الرحمة المطلقة المنسوبة لله عز وجل، وبين النصوص التي تفيد بالمشيئة الحتمية للعذاب، مثل قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجن والناس أجمعين).
السياق التاريخي: نزلت هذه الآيات في العهد المكي (في فترة اشتداد الصراع الفكري العقدي بين النبي محمد وأهل قريش الذين لم يكن لديهم الاستعداد والنية لدخول الإسلام، نحو 615–619 م)، وكان الهدف منها إرسال رسائل إنذار قوية وحسم جدل البعث والجزاء. وغالباً ما يُحسم هذا الإشكال في الأدبيات التفسيرية التقليدية باعتباره متعلقاً بالمشيئة الإلهية المطلقة التي لا تخضع للمحاكمة العقلية البشرية.
أما فيما يتعلق بنصوص الإهلاك الجماعي، فتعدّ الآية (16) من سورة الإسراء المكية —التي نزلت في أواخر العهد المكي قبيل الهجرة بنحو عامين (نحو 620–621 م)— نموذجاً مركزياً لإشكالية التأويل: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً). تكمن الإشكالية النصية هنا في التوفيق بين عدالة الثواب والعقاب ومفهوم الجبر؛ حيث يبدو ظاهر اللفظ وكأن الإرادة الإلهية تأمر بالفسق تمهيداً للعقاب.
السياق والأسباب: انقسم المفسرون لتجاوز ذلك إلى عدة اتجاهات؛ منها من ذهب إلى أن المعنى اللغوي هو "أَكْثَرْنَا" أو "سَلَّطْنَا" الطبقة المترفة الباغية فجَرّت المجتمع للانهيار، ومنهم من قرأها بتشديد الميم (أَمَّرْنَا أي جعلناهم أمراء ورؤساء ففسقوا بطغيانهم). وبذلك تتحول الآية في التحليل النقدي من مجرد نص تعبدي للوعيد إلى قراءة في السنن الاجتماعية والتاريخية لانتهاء الدول والحضارات نتيجة سيطرة الطبقات المستبدة واختلال ميزان العدالة.
2. عالمية الخطاب الإنساني مقابل إشكالية التعددية والتمييز الجندري
على الصعيد المقابل، تزخر المدونة القرآنية بنصوص تؤسس للتعارف الإنساني والتعددية الثقافية، من أبرزها قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
السياق التاريخي والمكاني: ترجع جذور آيات المساواة والتعارف إلى أحداث محددة في السيرة النبوية؛ وتحديداً ما حدث في مكة المكرمة يوم فتحها في شهر رمضان من العام الثامن للهجرة (يناير 630 م). فسبب النزول يعود إلى اعتراض بعض أشراف قريش حديثي الإسلام على صعود الصحابي والملقب بالمولى بلال بن رباح لرفع الأذان فوق الكعبة استصغاراً لمكانته الاجتماعية والعرقية كونه مولىً أسود اللون، فنزلت آية التعارف لتنسف الفوارق الطبقية والعرقية. ورغم وضوح هذا السياق التحرري، إلا أن المفسرين التقليديّين (كالطبري وابن كثير والقرطبي) غالباً ما حصروا دلالاتها في أطر ضيقة مرتبطة بالروابط القبلية دون تعميمها كقانون حقوقي إنساني مطلق.
التناقض النصي وإشكالية المقارنة: وهنا يبرز تساؤل منطقي وفكري عالي الأهمية: كيف يُعقل ومن المنطقي أن يؤسس النص لمبدأ المساواة المطلقة والكرامة الإنسانية بقوله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، بينما تتضمن نصوص وآيات أخرى أحكاماً تشرعن ضرب النساء اللاتي لا يخضعن للرجال، وسلب حقهن في المساواة الكافلة للعيش، والعمل، والزواج، والإرث؟ كشاهد آخر على التعارض الصارخ مع إحالة الأمر لرسوله بالقول الصدامي: (أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ...). إن هذا التناقض بين القيمة الإنسانية الجامعة وبين التشريعات الفقهية والنصوص التي تنتقص من حقوق النساء والمخالفين، يضع العقل الناقد أمام مأزق حقيقي لتفكيك هيمنة المنظومة الذكورية والطبقية على قراءة النصوص وتفسيرها.
التوظيف المعاصر وإشكالية التطبيق: يُوظف نص التعارف غالباً في الخطاب الإصلاحي الحديث لإثبات اعتراف الإسلام بالتعددية. غير أن المشكلة الحقيقية تظهر في الواقع العملي؛ إذ تهمّش قيم التسامح والمساواة مع المرأة والمخالفين في الدين في الخطابات الجمعية الرسمية والشعبية (كالمنابر، والمساجد، والمناسبات الدينية كشهر رمضان)، ليحل محلها تركيز مكثف على آيات العذاب، والهيمنة، والترهيب.
الاستغلال السياسي والترهيب: تبرز الإشكالية بصورة أعمق عندما تُستغل هذه النصوص من قبل الأحزاب والجماعات الإسلامية السياسية، حيث توظف آيات التهديد والوعيد لتخويف المجتمع، وترهيب الخصوم، وتجييش المشاعر. وهو ما يمنح التيارات المتطرفة غطاءً نصياً لتهديد الآخر المختلف ونفي التعايش ومصادرة حقوق المرأة، فيصبح خطاب الترهيب والتمييز هو الحاضر على أرض الواقع بينما تتراجع قيم التسامح والتعددية والمساواة إلى مجرد شعارات نظرية.
3. منهجية التعامل مع النص: إشكالية النسخ والسياق
تتصدى الدراسات النقدية لمسألة التعارض النصي الظاهري (مثل التعارض بين آيات العفو والصفح كقوله: لا إكراه في الدين، وآيات القتال والشدة) من خلال زاويتين متعارضتين:
الخطاب التوفيقي: الذي يحاول قراءة النصوص كمنظومة متكاملة يحكم بعضها بعضاً، مع اعتبار آيات السلم والتسامح أصلاً مستمراً، أو توجيه الآيات القتالية والشدة وفق سياقاتها الحربية أو التاريخية المؤقتة.
الخطاب النقدي/التاريخي (نظرية النسخ): الذي تبنى نظرية "النسخ" (مثل اعتبار آيات السيف في سورة التوبة، التي نزلت في العام التاسع للهجرة 631 م في سياق المواجهة الكبرى مع الإمبراطوريات والقبائل المناهضة للدولة الناشئة، ناسخة لأكثر من مئة آية تدعو للعفو والصفح). وهو الطرح التاريخي الذي اعتمده جمهور المفسرين القدامى للتعامل مع تطور الأحكام بتطور المرحلة السياسية والعسكرية للدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف بمكة إلى مرحلة التمكين والدولة بالمدينة.
خاتمة
يظل النص القرآني، بحسب قراءاته المختلفة، حمال أوجه؛ بين مقاربة تأويلية إنسانية ترتكز على آيات الرحمة والتعارف، ومقاربة تاريخية فقهية تحكمها سياقات النزاع وتطور التشريع عبر آليات النسخ والمحاججة.
غير أن السؤال الأعمق والجوهر الحقيقي الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل الله بهذه القسوة والظلم وعدم التسامح تجاه الناس الذين لا يريدون دخول الإسلام ويريدون البقاء على دينهم؟ وهل جاءت هذه الآيات أصلاً بسبب صراعات شخصية مع الآخرين، أم تم استغلالها عبر إغراء الناس بالجنة لفعل أي شيء يطلب منهم؟
إن الإجابة على هذا التساؤل تضعنا وجهاً لوجه أمام مأساة تحويل الدين من قيمة روحية وأخلاقية إنسانية ترتقي بالإنسان والمجتمع، إلى أيديولوجيا تعبئة وتجييش سياسي؛ وهو ما يحتم اليوم فك الارتباط بين الخطاب الديني والتنصيص السياسي، وإعادة التسامح والمساواة من الترف النظري إلى الواقع الإنساني الملموس.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توم باراك وتركيا وصفقات الدولة العميقة
- دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثي ...
- برميل بارود أوروبا: أزمة فرنسا المعيشية كمرآة لتصدع القارة و ...
- هل يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة نوعية للكرد؟
- العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ
- التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كرد ...
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفا ...
- مصداقية تصريحات ترامب: عندما تتحول السياسة إلى شعارات عابرة ...
- العراق وسيناريو الانهيار الممنهج:
- تصريحات مسرور بارزاني في -فاينانشال تايمز-: قراءة نقدية في ه ...
- أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية ا ...
- الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الك ...
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة


المزيد.....




- الأمن العام الأردني: القبض على الإرهابيين الثلاثة منفذي هجوم ...
- الأردن.. أحكام بالحبس ضد 7 من قيادات الإخوان المسلمين
- شيخ الأزهر يصدر بيانًا بشأن استهداف الحوثيين لمكة والمدينة
- ثلاثة قتلى من موظفي الجامعة الإسلامية في غارة على حرمها بغزة ...
- جبهة العمل الطلابي: قصف الجامعة الإسلامية جريمة تندرج ضمن ال ...
- بابا الفاتيكان يحذر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز جراء حصار ...
- دينزل واشنطن.. رجل دين في ثياب ممثل
- لقطات من جنازة الكرك.. والأب ماركوس مرجي يوجه رسالة إلى مرتك ...
- بابا الفاتيكان يدعو إلى وقف العنف في اليمن ويعرب عن قلقه إزا ...
- الجبهة الشعبية: استهداف الجامعة الإسلامية اعتداء على محاولات ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وهاب شاه محمد - قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات