أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - نشأة الماتريدية وتطورها الفكري: علاقتها بالمذهب الحنفي واختلافها عن الأشعرية















المزيد.....


نشأة الماتريدية وتطورها الفكري: علاقتها بالمذهب الحنفي واختلافها عن الأشعرية


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:35
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ الماتُريدية إحدى أبرز المدارس الكلامية السنية التي أسهمت في صياغة علم العقيدة الإسلامية، ولا سيما في بلاد ما وراء النهر، ثم انتشرت في مناطق واسعة من العالم الإسلامي بفضل ارتباطها التاريخي بالمذهب الحنفي. وقد ارتبط تأسيسها بأبي منصور محمد بن محمد الماتريدي السمرقندي (ت 333هـ/944م)، الذي عمل على بناء صياغة كلامية منظّمة للعقيدة، مستفيدًا من التراث الحنفي، ومن الأدلة العقلية والنقلية في مواجهة المعتزلة والفرق الكلامية الأخرى.
غير أن نشأة الماتريدية لا تُفهم بدقة إذا عُدّت مجرد امتداد آلي للمذهب الحنفي؛ فالمذهب الحنفي نشأ بوصفه مدرسة فقهية قبل ظهور الماتريدية بصورتها الكلامية المتكاملة بقرون تقريبًا، كما أن الحنفية لم يكونوا جميعًا ماتريدية منذ البداية. وإنما تبلورت العلاقة بينهما تدريجيًا، حتى أصبح الانتساب إلى الماتريدية سمة بارزة من سمات العقيدة عند قطاعات واسعة من الحنفية، ولا سيما في آسيا الوسطى والدولة العثمانية وشبه القارة الهندية.
ولفهم هذه المدرسة، لا بد من دراسة الظروف التي ظهرت فيها، والأسس التي قامت عليها، والأسباب التي جعلت الحنفية يتبنونها على نطاق واسع، ثم تتبّع أبرز أعلامها بحسب التسلسل التاريخي لوفياتهم بالهجري والميلادي.
أولًا: الظروف التاريخية والفكرية التي مهّدت لظهور الماتريدية
ظهرت الماتريدية في القرن الثالث الهجري والتبلورت في القرن الرابع الهجري، في بيئة فكرية شهدت نقاشات واسعة حول طبيعة الإيمان، وصفات الله، وعلاقة العقل بالنقل، وحرية الإنسان ومسؤوليته، وحقيقة كلام الله والقرآن الكريم.
وكانت بلاد ما وراء النهر، التي تضم مناطق من أوزبكستان وطاجيكستان الحالية وأجزاء من المناطق المجاورة، مركزًا مهمًا للعلوم الإسلامية. وقد أصبحت سمرقند وبخارى من أبرز الحواضر التي ازدهر فيها الفقه الحنفي، ونشطت فيها المناظرات مع أصحاب الاتجاهات الكلامية المختلفة.
وكان الاعتزال قد تطور إلى مدرسة فكرية تعتمد الاستدلال العقلي في مسائل العقيدة، وتبنّى المعتزلة جملة من المبادئ، من بينها نفي الصفات الإلهية القديمة الزائدة على الذات وفق تفسيرهم للتوحيد، والقول بخلق القرآن، وإثبات مسؤولية الإنسان عن أفعاله على نحو يرتبط بموقفهم من العدل الإلهي. وفي المقابل، ظهرت اتجاهات تمسكت بالنصوص وبالآثار المروية عن السلف، وتحفّظت على التوسع في الجدل الكلامي.
أما الحنفية في بلاد ما وراء النهر، فكانوا بحاجة إلى صياغة عقائدية قادرة على الدفاع عن الموروث الذي انتسبوا إليه، ومناقشة خصومهم بالحجج العقلية، من دون التسليم بالمقدمات التي اعتمدتها المعتزلة. ومن هذه البيئة خرج أبو منصور الماتريدي، الذي مثّل أبرز شخصية في تحويل الموروث العقدي الحنفي إلى بناء كلامي متماسك.

ولا يعني ذلك أن الصراع بين العقل والنقل كان السبب الوحيد لظهور الماتريدية؛ فقد تداخلت معه عوامل أخرى، منها التنافس العلمي بين المدارس، والاختلاف في تفسير النصوص المتشابهة، والحاجة إلى ضبط مسائل الاعتقاد، وازدهار التعليم والمناظرات في الحواضر الإسلامية الشرقية.
ثانيًا: أبو منصور الماتريدي وتأسيس المدرسة
هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، المتوفى سنة 333هـ/944م، ونُسب إلى ماتُريد، وهي محلة قرب سمرقند. ولا تتوافر معلومات يقينية كافية عن سنة مولده، لكن حياته العلمية ارتبطت بالقرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع.
كان الماتريدي حنفيّ المذهب، وتلقى علومه في بيئة علمية ارتبطت بفقهاء الحنفية في سمرقند وما وراء النهر. ومن أبرز مؤلفاته كتاب «كتاب التوحيد»، الذي عرض فيه مسائل العقيدة والأدلة العقلية والنقلية، وكتاب «تأويلات أهل السنة»، الذي تناول فيه تفسير القرآن ومناقشة عدد من المسائل العقدية.
لم يؤسس الماتريدي مدرسة منفصلة عن الإسلام السني، بحسب تصوره هو وأتباعه، بل أراد الدفاع عن العقيدة التي عدّها عقيدة أهل السنة، مع استخدام النظر العقلي والمناظرة. وقد ناقش المعتزلة والجهمية وغيرهم، واهتم بإثبات وجود الله ووحدانيته وصفاته، وبحث العلاقة بين قدرة الله وأفعال الإنسان، وحقيقة الإيمان، ومصير مرتكب الكبيرة.
ومن المهم التمييز بين أمرين: ظهور الماتريدي بوصفه عالمًا ذا منهج عقدي متميز، وتبلور الماتريدية بوصفها مدرسة ذات هوية مستقلة. فالأمر الثاني استغرق أجيالًا من العلماء الذين شرحوا آراءه ودافعوا عنها ووسّعوا مباحثها. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الحنفية في سمرقند كانوا يُعرَفون في المراحل الأولى بانتمائهم إلى الحنفية السمرقندية أو إلى علماء ما وراء النهر، وأن شيوع اسم الماتريدية بوصفه تسمية مدرسية مستقرة جاء في مرحلة لاحقة.
ثالثًا: لماذا ارتبطت الماتريدية بالمذهب الحنفي؟
لفهم هذه العلاقة، ينبغي العودة إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت (80–150هـ/699–767م)، مؤسس المدرسة الحنفية في الفقه.
لم يكن أبو حنيفة فقيهًا فحسب؛ فقد نُقلت عنه أيضًا آراء في العقيدة، وجاءت رسائل عقدية منسوبة إليه، مثل «الفقه الأكبر» و«العالم والمتعلم». وقد أصبحت هذه النصوص جزءًا مهمًا من الذاكرة العقدية لدى الحنفية، وإن كانت نسبة بعض الرسائل وتاريخ تحرير صيغها موضع بحث علمي.
استند الماتريدي إلى التراث العقدي المنسوب إلى أبي حنيفة، وعمل على شرحه وصياغة حججه في مواجهة الاتجاهات المنافسة. ولهذا رأى أتباعه أن مدرسته تمثل امتدادًا عقديًا للحنفية، لا سيما في مسائل التوحيد والصفات والإيمان والقدر.

وقد ساعد على توطيد العلاقة بين المدرستين عدد من العوامل:
1- وحدة البيئة العلمية: نشأت الماتريدية في مناطق كان الفقه الحنفي فيها واسع الانتشار، فكان من الطبيعي أن يتولى فقهاء حنفية الدفاع عن منهجها ونقله.
2-المرجعية المنسوبة إلى أبي حنيفة: استطاع الماتريديون تقديم آرائهم بوصفها تطويرًا وتأصيلًا للتراث العقدي الحنفي، مما منح المدرسة استمرارية تاريخية في نظر أتباعها.
3- الحاجة إلى علم كلام منظم: احتاج علماء الحنفية إلى منهج يستطيع مناقشة المعتزلة وغيرهم في قضايا العقيدة باستخدام الأدلة العقلية، مع الاحتفاظ بمرجعية الوحي.
4- دور التعليم والتأليف: أسهمت المصنفات العقدية والشروح والمدارس العلمية في ترسيخ الاقتران بين الحنفية والماتريدية، ثم عززته مؤسسات التعليم الديني في العصور اللاحقة.
لكن لا يصح القول إن جميع الحنفية كانوا ماتريدية منذ تأسيس المذهب الحنفي، أو إن كل من انتسب إلى أبي حنيفة تبنّى بالضرورة جميع التفاصيل التي قررها الماتريدي. فقد شهد التاريخ الحنفي اتجاهات عقدية متعددة، كما أن الهوية الماتريدية تبلورت تدريجيًا.
رابعًا: لماذا غلبت الماتريدية على الحنفية، والأشعرية على الشافعية والمالكية؟
هذا السؤال يحتاج إلى تصحيح مهم: لم يكن هناك اتفاق مذهبي يُلزم الشافعية والمالكية بالأشعرية، أو الحنفية بالماتريدية، بموجب أحكام الفقه نفسه. فالفقه والعقيدة مجالان متمايزان، وإن كان بينهما تداخل تاريخي وعلمي.
تفسر الجغرافيا العلمية وشبكات العلماء جانبًا كبيرًا من هذا التوزع. فقد تطورت الماتريدية في سمرقند وبخارى وبلاد ما وراء النهر، حيث كانت الحنفية المدرسة الفقهية الغالبة. أما الأشعرية، التي أسس اتجاهها أبو الحسن الأشعري (نحو 260–324هـ/873–935م)، فقد توسعت في العراق ثم في مناطق أخرى، وأصبحت مؤثرة في عدد كبير من علماء الشافعية والمالكية.
ومع انتقال العلماء بين الحواضر، وازدهار المدارس النظامية وغيرها من مؤسسات التعليم، وتعاظم تأثير المصنفات والشروح، ترسخ هذا الاقتران بمرور الزمن. ثم تعززت الماتريدية بين الحنفية في العهد العثماني، بينما انتشرت الأشعرية في قطاعات واسعة من الشافعية والمالكية في المشرق والمغرب.
وتؤكد الدراسات التاريخية أن هذا الارتباط كان نتيجة تطور طويل، لا قاعدة مطلقة؛ فقد وُجد شافعية ومالكية من اتجاهات عقدية مختلفة، كما وُجد حنفية لم يتبنوا الماتريدية بصورتها المدرسية المعروفة.
هل كان الخلاف بين الماتريدية والأشعرية خلافًا جذريًا؟
على الرغم من اتفاق المدرستين في أصول كثيرة من العقيدة السنية، فإنهما اختلفتا في بعض التفاصيل الكلامية، ومنها:
اولا: الصفات الإلهية: اتفقتا على إثبات ما يليق بالله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، لكنهما اختلفتا في بعض طرائق تقرير الصفات وتفسير بعض النصوص.
ثانيا: التكوين: تميز الماتريدية بإثبات صفة التكوين أزليةً متميزةً في التحليل الكلامي عن المكوَّن، بينما اختلفت طريقة الأشاعرة في تقرير علاقة القدرة والإرادة بالفعل الحادث.
ثالثا: أفعال الإنسان: أثبتت المدرستان قدرة الله الشاملة ومسؤولية الإنسان، لكنهما اختلفتا في تفسير الكسب والقدرة الإنسانية وعلاقتهما بالفعل.
رابعا: الإيمان: قرر الماتريدية، في المشهور من مذهبهم، أن أصل الإيمان هو التصديق، وأن الأعمال ليست جزءًا من حقيقته، مع اختلاف التفصيل في مسائل الإقرار والزيادة والنقصان. وللأشاعرة أيضًا تفصيلات داخلية في تعريف الإيمان وعلاقته بالعمل.
وقد أشار علماء المقارنة بين المدرستين إلى أن بعض الخلافات بينهما لفظي أو منهجي، في حين أن بعضها الآخر يعكس اختلافًا حقيقيًا في التحليل الكلامي، من دون أن يقتضي ذلك وجود قطيعة بينهما.
خامسًا: موقف الماتريدية من أسماء الله وصفاته
تُعدّ مسألة الأسماء والصفات من أهم المسائل التي تميزت فيها المدارس الكلامية، وهي أيضًا من المسائل التي ينبغي التمييز فيها بين أصول المذهب وتفاصيل اجتهادات علمائه.
انطلق الماتريديون من مبدأ الجمع بين إثبات ما ورد في النصوص الشرعية وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. ولم يقبلوا أن يؤدي إثبات الصفات إلى التشبيه أو التجسيم، كما رفضوا أن يؤدي التنزيه إلى تعطيل الصفات الإلهية.
ففي صفات مثل العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، أثبتوا الصفات الإلهية على الوجه اللائق بالله. أما النصوص التي قد يُفهم من ظاهرها معنى جسمي، مثل اليد والوجه والاستواء، فقد تعاملوا معها ضمن أصول التنزيه، مع اختلاف العلماء في التفويض والتأويل وتفاصيل تطبيقهما.
ولا يصح اختزال الماتريدية في القول بالتأويل لكل الصفات الخبرية؛ إذ تختلف طرائق علماء المدرسة في التعامل مع النصوص، كما لا يصح اختزال الأشعرية في موقف واحد من جميع هذه النصوص.
ومن المسائل المميزة للماتريدية أيضًا قولهم إن العقل قادر على معرفة وجود الله، وإن النظر العقلي يمكنه إدراك بعض الحقائق الأساسية المتعلقة بالخالق، كما أن للعقل دورًا في إدراك الحسن والقبح في بعض الأفعال. لكنهم لم يجعلوا العقل بديلًا عن الوحي، بل رأوا أن الوحي يقدم الهداية والتفصيل فيما لا يستقل العقل بإدراكه.
ويظهر الفرق بين الماتريدية والمعتزلة هنا في أن الماتريدية لم يقبلوا النتائج التي انتهى إليها المعتزلة في نفي الصفات أو تفسيرها، رغم استفادتهم من أدوات الجدل العقلي في مناقشتهم.
سادسًا: أبرز مفكري الماتريدية حسب التسلسل التاريخي لوفياتهم
لم تتشكل الماتريدية في جيل واحد، بل تطورت من خلال علماء حافظوا على تراث الماتريدي، وشرحوا أفكاره، وأضافوا إليها مباحث جديدة. وفيما يأتي أبرز الأعلام الذين أسهموا في تكوين المدرسة وتطورها، مع الإشارة إلى اختلاف بعض المصادر في تواريخ الوفيات.
1- أبو حنيفة النعمان (ت 150هـ/767م)
هو المرجعية الفقهية والعقدية الأساسية التي انتسبت إليها الماتريدية في روايتها لتراثها. عاش في الكوفة، واشتهر بتأسيس المدرسة الحنفية في الفقه. وقد استند الماتريديون إلى الآراء العقدية المنقولة عنه في مسائل التوحيد والإيمان والقدر، مع أن أبا حنيفة توفي قبل ظهور الماتريدي بنحو قرنين، ولذلك يُعدّ سلفًا فكريًا للمدرسة، لا مؤسسًا تاريخيًا لها بصورتها الكلامية اللاحقة.
2- أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ/944م)
المؤسس الذي حملت المدرسة اسمه، وأبرز من صاغ أصولها الكلامية في القرن الرابع الهجري. ومن أهم مؤلفاته «كتاب التوحيد» و«تأويلات أهل السنة». وقد دافع عن منهجه في مواجهة المعتزلة وغيرهم، وقدم معالجة تجمع الاستدلال العقلي بالنصوص الشرعية.
3- الحكيم السمرقندي (ت 342هـ/953م)
هو أبو القاسم إسحاق بن محمد الحكيم السمرقندي، من علماء البيئة الحنفية في سمرقند، ويُنسب إليه كتاب «السواد الأعظم» الذي عُدّ من المؤلفات المهمة في عرض العقيدة السنية في تلك البيئة. وتُنسب إليه مساهمات في نقل التصورات العقدية الحنفية وتدعيمها، وإن كان تحديد موقعه الدقيق في التشكّل المبكر للماتريدية يحتاج إلى مراعاة طبيعة المصادر المتأخرة التي نقلت أخباره.
4-أبو شَكُور السالمي (من علماء القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي)
من علماء الكلام الحنفي الذين أسهموا في تطوير التراث الذي تبلور لاحقًا بوصفه ماتريديًا. ومن أشهر كتبه «التمهيد في بيان التوحيد»، وهو مصنف مهم في دراسة تشكل المدرسة ومناهجها في الاحتجاج.
ولا ينبغي الجزم بسنة وفاة محددة له من دون سند موثوق؛ فالمصادر المتاحة لا تتفق على تاريخ مضبوط. وتكتسب أهميته من محتوى كتابه وموقعه في تاريخ الفكر الحنفي الكلامي، لا من تاريخ وفاة غير ثابت.
5- أبو اليسر البزدوي (ت 493هـ/1100م)
هو محمد بن محمد بن الحسين البزدوي، من أبرز علماء الحنفية في ما وراء النهر، وصاحب كتاب «أصول الدين». أسهم في تقديم العقيدة الحنفية الكلامية بصورة منظمة، وفي الدفاع عن الأصول التي ارتبطت بالمدرسة الماتريدية. ويُعدّ كتابه من المراجع المهمة في تتبع تطور علم الكلام لدى الحنفية.
6-أبو المعين النسفي (ت 508هـ/1115م)
هو ميمون بن محمد النسفي، ويُعدّ من أبرز من رسّخوا المدرسة الماتريدية بعد مؤسسها، حتى وصفه بعض الباحثين بأنه المؤسس الثاني لها من حيث البناء والتقرير.

ومن أهم كتبه «تبصرة الأدلة»، وهو من أوسع المصنفات في عرض أدلة الماتريدية ومناقشة خصومهم، وله أيضًا «بحر الكلام» و«التمهيد لقواعد التوحيد». وقد أسهمت كتاباته في تحويل الموروث الماتريدي إلى منظومة تعليمية متكاملة، قادرة على الاستمرار عبر الأجيال.
7- نجم الدين عمر النسفي (ت 537هـ/1142م)
هو أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد النسفي، العالم الحنفي الذي اشتهر بكتابه «العقائد النسفية». وقد أصبحت هذه الرسالة من أشهر المتون العقدية في العالم الإسلامي، وانتشرت شروحها في المدارس الدينية قرونًا طويلة.
وتكمن أهمية النسفي في أنه قدّم مسائل العقيدة في صيغة مختصرة يسهل تدريسها وحفظها، ثم أتاح شيوعها مجالًا لتطوير علم الكلام من خلال الشروح والحواشي. ومع ذلك، فإن شهرة «العقائد النسفية» لا تعني أن كل من درسها كان ماتريديًا بالضرورة؛ إذ إن المتون العقدية قد تُدرس وتُشرح في سياقات متعددة.
8- علاء الدين السمرقندي (ت 539هـ/1144م)
من علماء الحنفية في ما وراء النهر، وأسهم في تقوية التراث العلمي المرتبط بالمدرسة الماتريدية. ويأتي ذكره ضمن العلماء الذين حافظوا على المنهج العقدي الحنفي وشاركوا في استمراره، وإن كانت شهرته في الفقه وأصوله أوسع من شهرته بوصفه صاحب منظومة كلامية مستقلة.
9- نور الدين الصابوني (ت 580هـ/1184م)
هو أحمد بن محمود الصابوني البخاري، من أبرز علماء الماتريدية في القرن السادس الهجري. ومن أشهر كتبه «البداية من الكفاية في الهداية في أصول الدين»، الذي يُعرف اختصارًا بـ«البداية»، وله مؤلفات أخرى في العقيدة.
أسهم الصابوني في عرض أصول الماتريدية وتوضيحها، وفي الدفاع عن آرائها في الصفات والتوحيد والنبوة والقدر. وتظهر كتاباته مرحلة نضج المدرسة بعد جهود الماتريدي والبزدوي والنسفي.
10-سعد الدين التفتازاني (ت 792هـ/1390م)
هو مسعود بن عمر التفتازاني، من كبار علماء الكلام والمنطق والبلاغة في القرن الثامن الهجري. اشتهر بشرحه «العقائد النسفية»، الذي أصبح من أهم النصوص التعليمية في علم الكلام.
غير أن إدراجه ضمن أعلام المدرسة الماتريدية يحتاج إلى احتراز؛ فهو عالم من كبار علماء الكلام، ولا يصح عدّه ممثلًا خالصًا للماتريدية في جميع المسائل. وتنبع أهميته هنا من تأثير شرحه في نقل العقائد النسفية وتدريسها، ومن إسهامه في تطور علم الكلام المتأخر.
11- كمال الدين ابن الهمام (ت 861هـ/1457م)
هو محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام، أحد كبار فقهاء الحنفية وأصولييهم. وقد أسهم في تطوير البحث الكلامي والفلسفي داخل البيئة الحنفية، ويمثل مرحلة اتسع فيها التفاعل بين العقيدة والمنطق والفلسفة.
وتكشف أعمال علماء هذه المرحلة أن الماتريدية لم تبقَ مجرد ردود على المعتزلة، بل دخلت في حوار أوسع مع مناهج المتكلمين والفلاسفة، وأصبحت جزءًا من التعليم العالي في المدارس الإسلامية.
12- ملا علي القاري (ت 1014هـ/1606م)
هو علي بن سلطان محمد الهروي، من كبار علماء الحنفية في العصر العثماني، واشتهر بالتفسير والحديث والفقه والعقيدة. أسهمت مصنفاته وشروحه في نشر التراث العقدي الحنفي، وخصوصًا في البيئات التي ارتبط فيها المذهب الحنفي بالمدرسة الماتريدية.
وتبرز أهميته في انتقال التراث الحنفي العقدي إلى مرحلة جديدة من التأليف والتدريس، وفي انتشار هذا التراث خارج بلاد ما وراء النهر.
13- كمال الدين البياضي زاده (ت 1098هـ/1687م)
هو أحمد بن حسن البياضي زاده، من علماء الحنفية في العهد العثماني، وله إسهامات في تقرير العقيدة الحنفية والماتريدية. ويُعدّ من العلماء الذين عملوا على توضيح الصلة بين الموروث المنسوب إلى أبي حنيفة والصياغات الكلامية التي استقرت لدى الماتريدية.
وتُظهر كتاباته استمرار الحاجة إلى إعادة شرح أصول المدرسة، ولا سيما في سياق الجدل بين الأشاعرة والماتريدية، وفي بيئة تعليمية أصبحت فيها المتون والشروح والحواشي أدوات أساسية لنقل المعرفة.
سابعًا: كيف انتشرت الماتريدية في العالم الإسلامي؟
لم يكن انتشار الماتريدية نتيجة جهود الماتريدي وحده، بل كان ثمرة عمل تراكمي امتد قرونًا. فقد حافظ علماء سمرقند وبخارى على تراثه، ثم ساعدت المؤلفات العقدية والشروح على نقله إلى مناطق أخرى.
ويمكن تمييز ثلاث مراحل عامة في هذا الانتشار:
المرحلة الأولى: التأسيس في ما وراء النهر. شهدت القرون الرابع والخامس والسادس الهجرية بناء الأسس الكلامية للمدرسة على يد الماتريدي وتلامذة اتجاهه ومَن جاء بعدهم، ولا سيما البزدوي وأبي المعين النسفي والصابوني.
المرحلة الثانية: التدوين والتعليم. ساعدت متون العقيدة وشروحها، ومن أبرزها «العقائد النسفية»، على إدخال مباحث الماتريدية في مناهج التعليم، مع تطور علم الكلام والمنطق.
المرحلة الثالثة: الانتشار الواسع في العهد العثماني وما بعده. أدى انتشار الفقه الحنفي في مؤسسات الدولة العثمانية وفي أجزاء واسعة من آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية إلى تعزيز حضور الماتريدية. لكن العلاقة بين الانتساب الفقهي والانتساب العقدي ظلت تاريخية واجتماعية في جانب منها، وليست تطابقًا ضروريًا في كل حالة.

وقد أسهمت هذه المراحل في جعل الماتريدية، إلى جانب الأشعرية، إحدى المدرستين الكبريين في علم الكلام السني، مع استمرار وجود اتجاهات عقدية أخرى داخل العالم الإسلامي.
الخاتمة
نشأت الماتريدية في بيئة الحنفية ببلاد ما وراء النهر، واستمدت من التراث العقدي المنسوب إلى أبي حنيفة مرجعيتها الأساسية، بينما تولى أبو منصور الماتريدي صياغة منهج كلامي أكثر تنظيمًا للدفاع عن العقيدة باستخدام العقل والنقل معًا. ثم أسهم أبو المعين النسفي والبزدوي والصابوني وغيرهم في تطوير هذا المنهج وتثبيت هويته المدرسية.
أما ارتباط الماتريدية بالحنفية وارتباط الأشعرية بالشافعية والمالكية، فلم يكن نتيجة اختلاف فقهي حتمي في العقيدة، بل جاء من تفاعل الجغرافيا العلمية وشبكات العلماء والمؤسسات التعليمية والتقاليد الفكرية المتوارثة. وقد تشابهت المدرستان في أصول أساسية، مع اختلافهما في مسائل كلامية محددة، ولا سيما في بعض قضايا الصفات والتكوين والإيمان والقدر.
ومن ثم، فإن دراسة الماتريدية تاريخيًا تقتضي التمييز بين أبي حنيفة بوصفه مرجعًا فقهيًا وعقديًا مبكرًا، والماتريدي بوصفه المؤسس الفعلي للمدرسة الكلامية، والعلماء اللاحقين الذين حولوا أفكاره إلى تراث مدرسي متكامل استمر تأثيره في العالم الإسلامي قرونًا طويلة.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأشعرية: النشأة والتطور الفكري
- المعتزلة في الفكر الإسلامي: جذورهم الفكرية وتطورهم وصراعهم م ...
- بدايات نشأة الجبرية في الإسلام: روادها الأوائل وأسباب ظهورها ...
- نشأة فكرة القضاء والقدر في الإسلام: بين حرية الإنسان والجبر، ...
- نشأة الخوارج وتطورهم عبر التاريخ الإسلامي
- نشأة المذهب الشيعي وتطوره عبر القرون: من الخلاف على الخلافة ...
- من مدارس الصحابة في الكوفة والمدينة ومكة إلى نشأة المذاهب ال ...
- عثمان بن عفان وسخاء العطاء: من سقاية بئر رومة إلى الوقف الخي ...
- الأمير محمد الرواندزي: مشروع الدولة الكردية في القرن التاسع ...
- حكومة علي الزيدي ومعادلة إضعاف الكورد: هل تتغير قواعد الشراك ...
- بين الأصالة والمعاصرة في كردستان: الهوية الإسلامية وتحديات ا ...
- كوردستان بين إيمان الهوية وارتهان السياسة: هل يتخلى الغرب عن ...
- براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في ترا ...
- سلاح الفصائل العراقية بين الدولة والمحور: قراءة في مواقف الإ ...
- الرد على الإلحاد وصوره في ضوء القرآن والسنة والفقه الإسلامي
- تحولات الخطاب الإلحادي المعاصر: نقد المرجعية الدينية وتعدد م ...
- مؤسسات الإلحاد المعاصر ودورها في تعزيز المشروع اللاديني
- الكتاب خلف القضبان: سجن الموصل سنة 1984م وشهادة على الرقابة ...
- الدولة والقبيلة في الشرق الأوسط: صراع السلطة بين الإدارة الم ...
- ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسي ...


المزيد.....




- ليبيا.. غضب واستدعاء دبلوماسي بعد تصريح -دول قذرة- من ترامب ...
- ترامب يشيد بالاتفاق مع روسيا بشأن إمدادات الديزل
- صدام حفتر يصل القاهرة وسط خلاف مصري ليبي بشأن اتفاقية تركيا ...
- مجلس الأمة الجزائري يوافق بالإجماع على إرسال قوات إلى النيجر ...
- آلاف الأغنام تجوب شوارع مدريد في مهرجان الترحال الرعوي
- مجلس الأمة الجزائري يصادق على نشر قوات عسكرية في النيجر.. ما ...
- البرازيل: طوابير طويلة ورحلات نهرية ترسم ملامح التصويت الرئا ...
- السعودية تتطلع إلى واشنطن للحصول على ميزة في مجال الذكاء الا ...
- رغم تشديد القوانين ... زيادة في عدد المتطرفين الحاصلين على ت ...
- سويلم يلتقي وزيرة البيئة الرواندية لبحث تعزيز التعاون الثنائ ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - نشأة الماتريدية وتطورها الفكري: علاقتها بالمذهب الحنفي واختلافها عن الأشعرية