أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)















المزيد.....

شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 11:54
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ينسف المؤرخ شلومو ساند، في الفصل الرابع من كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، فكرة أن اليهود أمة ذات أصل عِرقي واحد هجرت وطنها القديم (فلسطين)، لتتشتت في أصقاع الغربة، ويعري ما تحاول الدعاية الصهيونية تكريسه حول الأصول الحقيقية لليهود لجهة حصرهم في ذرية ابراهيم واسحق ويعقوب.
يرفض ساند تصوير اليهود كطائفة منغلقة، حاشدًا وفرة من الأدلة لتفنيد هذه الرؤية الاستعلائية. وفي سِياق سَوق حُججه، يذَكِّر بأن الديانة اليهودية كانت تبشيرية جذبت الأتباع في مناطق شاسعة؛ امتدت من شبه الجزيرة العربية حتى الحواضر السلافية وجبال القوقاز وسهول الفولجا والدون. كما امتد الوجود اليهودي من المناطق المحيطة بقرطاجة القديمة حتى شبه جزيرة ايبيريا قبل الاسلام؛ ففي بلاد العرب، وتحديدًا في تهامة وخيبر ويثرب (المدينة المنورة) أقامت قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. وكان أبناؤها يتحدثون العربية ويحملون أسماء عربية، مما يوحي بأنهم عرب تهودوا.
وفي اليمن تهودت النخبة الحاكمة في مملكة حِمْيَر وبعض قبائلها، وظل الوجود اليهودي هناك مستمرًا حتى العصر الحديث. وقد امتدت الحقبة الحميرية اليهودية زهاء 120 سنة، وهي الحقبة الواقعة بين القرن الرابع للميلاد والربع الأول من القرن السادس؛ حيث عُرفت المملكة رسميًا بمملكة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت"، وكانت عاصمتها ظفار.
في سنة 525 للميلاد، هُزِمت حِمْيَر في حرب قادتها عليها مملكة أكسوم (شمال أثيوبيا واريتريا الحاليتين) بتشجيع من الامبراطورية البيزنطية، فكانت بداية النهاية لدولتها. ثم خضعت البلاد في العقد السابع من القرن السادس للميلاد للاحتلال الفارسي (الساساني)، مما وضع حدًّا لحركة التنصير فيها. وظلت على هذه الحال حتى المد الإسلامي، ولكن على الرغم من هذه التحولات، بقيت طائفة يهودية هناك تُعرف اليوم بيهود اليمن. ويشكك باحثون في الكيان- بحسب ساند- بتهود الحميريين، مثيرين التساؤل العنصري: هل يهود اليمن من ذرية ابراهيم أم هم يمنيون اعتنقوا الديانة اليهودية؟
وقيل في الكيان عن يهود اليمن، إنهم ينحدرون من نسل المقربين من سليمان، أو من ذرية المنفيين من بابل.
ثمة مقولات مشابهة تتردد في الكيان عن يهود المغرب، مفادها على وجه التحديد أنهم من أحفاد المنفيين عقب خراب الهيكل الأول.
ويقتبس ساند من ابن خلدون ما يؤكد انتشار الديانة اليهودية بين البربر في شمال افريقيا؛ إذ يذكر الأخير أسماء قبائلهم في مرتفعات الأوراس، وفي محيط طرابلس، وغرب الجزائر، وفي فاس بالمغرب مشيرًا إلى أن منهم من كان يتحدث اللغة العربية، بينما احتفظ القسم الآخر بلغته البربرية. ويُسهب شلومو ساند في الحديث عن الملكة الأمازيغية "ديهيا" (المعروفة بالكاهنة) ملكة جبال الأوراس، ومقاومتها الشرسة للفتح الإسلامي؛ إذ حكمت مملكتها بحزم وقوة، ويُقال إنها جمعت بين جمال المُهرة وبأس المقاتلين.
وكانت في عنفوان شبابها، شديدة الولع بالملذات؛ مما دفعها إلى الإسراف في استبدال الأزواج تباعًا. ولم يقتصر اختيارها على رجال قبيلتها "جراوة" اليهودية، بل كان من بين أزواجها البيزنطي واليوناني والبربري. وعلى الرغم من شراسة مقاومتها للمد الاسلامي، لم تتمكن من الصمود طويلًا أمام جيوش العرب؛ إذ حلت بجيشها هزيمة حاسمة عام 693 للميلاد وأعلن أبناؤها اسلامهم.
ويذكر ساند جيش الفتح العربي لإسبانيا سنة 711 للميلاد، مشيرًا إلى مشاركة قبائل بربرية ينتمى إليها قائد الجيش طارق بن زياد نفسه. وقد ازدهر الوجود اليهودي في إسبانيا بعد الفتح العربي؛ ونتيجة لسياسة التسامح وعمليات التهوُّد المحلية آنذاك.
ومن شمال افريقيا ينتقل ساند إلى شرق أوروبا؛ حيث كانت قد قامت مملكة الخزر في القرن السابع الميلادي (حوالي عام 650م)، وقويت شوكتها بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، في المنطقة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود. والخزر ائتلاف من عشائر تركية وهونو- بلغارية (أجداد البلغار القُدامى)، امتزجوا بالسكوتيين ذوي الأصل الإيراني، الذين سبقوهم إلى جبال تلك البوادي في المنطقة المُشار إليها آنفًا. وقد ضمت مملكة الخزر قبائل وأعراقًا شتى؛ كالبلغار والمجر والسلافيين وغيرهم. وبسطت سيطرتها على أراضٍ شاسعة امتدت من كييف (عاصمة أوكرانيا الحالية) إلى شبة جزيرة القِرم، ومن أعالي نهر الفولغا في روسيا وحتى جورجيا.
وتمكن العرب، بعد حروب ضارية، من دحر مملكة الخزر بقيادة مروان الثاني، الذي فرض على خاقانها اعتناق الإسلام مقابل الانسحاب من أراضيها، فأذعن الخاقان لهذا الشرط، وانكفأ العرب نحو جبال القوقاز، التي استقرت كحدود فاصلة بين الطرفين.
أحاط خاقان الخزر- كما كان يُلقب- نفسه بهالة من القداسة، لم تمنعه من إقامة قصر للحريم يضم خمسًا وعشرين زوجة وستين عشيقة؛ تأسيًا بسليمان، المَلِك في الرواية اليهودية والنبي في نظيرتها الاسلامية.
سقطت مملكة الخزر خلال القرن العاشر الميلادي، بضربة قاضية وجهتها لها إمارة "روس كييف" بقيادة الأمير سفياتوسلاف الأول، واختفت ككيان سياسي بحلول القرن الحادي عشر للميلاد.
ويرجح شلومو ساند أن القسم الأعظم من يهود شرق أوروبا، تعود أصولهم إلى مملكة الخزر.
ويسلط المؤلف الضوء على توجس الصهيونية ومؤرخيها من الإقرار بحقائق مدعَّمَة بالأدلة، تثبت أن اليهود المعاصرين ينحدرون من مجموعات اعتنقت اليهودية تاريخيًّا كشعب الخزر. فهذا الإقرار يضرب في عمق المشروع الصهيوني، حين يتضح أن المستوطنين ليسوا السلالة المباشرة لبني اسرائيل، مما يفرغ مزاعم الوجود الإسرائيلي من مشروعيتها ويقوض أركانها.
ويضيف في السياق ذاته سببًا آخر يفسر البرود الصهيوني تجاه الخزر، مرده إلى ما يصفه بتصاعد النزعة الإثنية المتزايدة في سياسة الهوية خلال سبعينيات القرن العشرين؛ فإثر السيطرة على جمهور فلسطيني واسع، وبروزه هاجسًا في الوعي الصهيوني، فُرضت قيود صارمة على تعريف الهوية، أفضت إلى إغفال تام لمملكة الخزر.
ولعل من أهم رسائل كتاب المؤرخ شلومو ساند، نفي وجود قواسم مشتركة بين اليهود في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتأكيده بالأدلة القاطعة أن اليهودية في العالم كله ما هي إلا ثقافة دينية تتشكل من تيارات منفصلة، وليست "أُمة" غريبة مشتتة.
ويثبت ساند خطلَ محاولات الباحثين الصهاينة المنشغلين باختلاق تاريخ أزلي لوهم يُدعى "شعب اسرائيل"؛ إذ يصعب عليهم الاعتراف بحقيقة أنه لم تنشأ قط "ثقافة شعبية يهودية"، بل ثقافة "ييديش" شعبية مشابهة لثقافات جيرانهم في مجتمعات اقامتهم. (يتبع)



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دول أم مجاميع قَبَلِيَّة ومذهبية؟!
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (2)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (1)
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (15) والأخيرة. السيطرة الأج ...
- الأردن ليس فقيرًا ولكن...!
- الطوفان سومري الأصل
- من أين اقتنص أحبارهم فكرة التوحيد؟
- ثلاث رؤى في خَلق الإنسان
- سر ذكورية الأديان السامِيَّة
- وهم الوطن البديل
- رافدا الخِصاء الفكري
- ليس بالنِّفاق تُبنى الأوطان
- تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور
- محنة الفلسفة في ثقافتنا
- حزب الأمة...أي مؤتمرات لها الأولوية؟!
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (14). الحظ كالمرأة يصادق ال ...
- لماذا أخفق العرب في بناء دول حديثة؟!
- الإمَّعِيَّة
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل


المزيد.....




- ليبيا.. غضب واستدعاء دبلوماسي بعد تصريح -دول قذرة- من ترامب ...
- ترامب يشيد بالاتفاق مع روسيا بشأن إمدادات الديزل
- صدام حفتر يصل القاهرة وسط خلاف مصري ليبي بشأن اتفاقية تركيا ...
- مجلس الأمة الجزائري يوافق بالإجماع على إرسال قوات إلى النيجر ...
- آلاف الأغنام تجوب شوارع مدريد في مهرجان الترحال الرعوي
- مجلس الأمة الجزائري يصادق على نشر قوات عسكرية في النيجر.. ما ...
- البرازيل: طوابير طويلة ورحلات نهرية ترسم ملامح التصويت الرئا ...
- السعودية تتطلع إلى واشنطن للحصول على ميزة في مجال الذكاء الا ...
- رغم تشديد القوانين ... زيادة في عدد المتطرفين الحاصلين على ت ...
- سويلم يلتقي وزيرة البيئة الرواندية لبحث تعزيز التعاون الثنائ ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (4)