أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - جريمة على طرف اللسان














المزيد.....

جريمة على طرف اللسان


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 09:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

طفل يتلعثم، فيضحك زملاؤه. وآخر لا ينظر في عيون الآخرين، أو يضع يديه على أذنيه حين يرتفع الضجيج، أو يكرر حركة نمطية لكي يهدأ، وبين هذا وذاك تتسع قائمة الاختلافات بين البشر لتشمل شكل الجسد، ولون البشرة، وتباين طرائق الفكر والثقافة والعقائد، والعالم يتسع لكل هذا التنوع، فالتنوع الإنساني ثراءٌ. لكن بعضهم ينصب المحاكم ليدين من ليس نسخة منه.

اليوم، الثاني والعشرون من أكتوبر، هو اليوم العالمي للتوعية بالتأتأة، وهو مناسبة تذكّرنا بأن الكلام ليس مجرد كلمات تخرج من الفم؛ بل هو طريق الإنسان إلى الآخرين، ووسيلته للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وإثبات حضوره في العالم. وحين تتعثر الكلمات على لسان شخص يتأتئ، فإن أقل ما يستحقه أن ينتظره الآخرون حتى يكمل جملته، لا أن ينتزعوا منه حق الكلام بالضحك أو المقاطعة أو تقليد صوته.

"التأتأة" قد تكون أحيانًا انعكاسًا لعقلٍ نشط تتزاحم فيه الأفكار، فيرتبك اللسانُ، ويعجز عن ملاحقة ما يدور في الذهن. وأخبرنا التاريخُ عن علماء وعباقرة كانوا يعانون صعوبات في التعبير رغم نصاعة عقولهم. ويذكّرنا القرآن الكريم بدعاء سيدنا موسى عليه السلام: “واحلُلْ عقدةً من لساني، يفقهوا قولي”. لم تكن صعوبة الكلام عند النبي الكريم عائقًا لتوصيل عمق الرسالة النبيلة التي حملها لقومه. فلا شيء يدعو إلى الخجل من التأتأة، أو التنمّر على أصحابها. لكننا نجد من يتنمّر ويسخر. وما ينطبق على التأتأة ينطبق على "طيف التوحد"، وغيره من الاختلافات الإنسانية الواسعة؛ التي لا يعاني أصحابها من اختلافاتهم عن "المعتاد"، بقدر ما يعانون من الوصم والتنمّر من أناسٍ يعانون بدورهم فقرًا في الوعي والتحضر، بل وفي الإنسانية.

فلو تأملنا كلمة "التنمّر" لاكتشفنا فيها ملمحًا من البعد عن جوهر الإنسانية. فالمعجم الوسيط يعرّف الفعل: "تنمّر" بأنه التشبّه بالنَمِر في طبعه ووحشيته. وكأن اللغة قد التقطت تلك اللحظة التي يستعير فيها الإنسان شراسة الحيوان ليخيف إنسانًا آخر ويُروّعه. لكن النمر لا يُجرّم على طبيعته التي فطره الله عليها؛ أما الإنسان، حين يتوحّش، تبدأ الجريمة، لأن الله لم يفطر بني الإنسان على الوحشية، بل منحهم القدرة على ضبط النفس وكبح النوازع المؤذية.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: مَن الذي قرر أن هناك صورة واحدة مقبولة للإنسان، من يخرج منها يستحق التصحيح أو السخرية أو الإقصاء؟ كيف تحوّلت العادة إلى معيار، والأغلبية إلى محكمة، والاختلاف إلى تهمة؟ لعلّنا هنا نتذكر العبارة الشهيرة: "عن قرب، لا أحد طبيعي" Up Close, No One Is Normal ، التي ارتبطت بحركة إصلاح الطب النفسي المستلهمة من أفكار الطبيب الإيطالي "فرانكو باساليا”. فحين نقترب من الإنسان، ونتجاوز الصورة التي اختزلناه فيها، نكتشف كائنًا أعقد من أحكامنا، وأوسع من تصنيفاتنا، وأبعد من أن يُختصر في نمط واحد.

التنمّر ليس مزحةً بريئة كما يحاول بعضُهم أن يبرر، بل هو اعتداء متعمّد يتخذ أشكالًا عديدة: كلمة جارحة، لقب مهين، تقليد ساخر لطريقة الكلام والمشي، استبعاد من مجموعة أو وظيفة، أو صورة تُنشر على الإنترنت لتحويل إنسان إلى مادة للضحك. التنمّر ليس دلالة قوة، بل دلالة ضعف وعي وأخلاق. والمستهدَف قد يكون عالمًا جليلًا، أو صاحب موهبة استثنائية، أو إنسانًا ناجحًا، لكنه خرج من إطار الصورة النمطية التي يحبس المتنمّرون عقولهم داخلها. فكم من إنسان تعرّض للسخرية بسبب عقيدته أو ملامحه أو أفكاره، لا لنقص فيه، بل لنقص في خلق المتنمر. التنمّر لا يثبت تفوّق صاحبه، بل يكشف استعداده لإيذاء الآخرين. والمفارقة أن المتنمّر قد يتصور أنه يدافع عن الطبيعي، بينما هو في الحقيقة يدافع عن حدود خياله؛ فلا يتسع تصوره للإنسان إلا لمن يشبهه. والمؤلم أن نجد من يشرعن التنمّر باسم المزاح، فلا يُساءل المعتدي، بل يُطالَب المجروح بأن يكون أكثر احتمالًا، وأوسع صدرًا، وأقل حساسيةً. وكأننا نطالب الإنسانَ بتحمل الإهانة، بدلًا من مطالبة المجتمع باحترام الاختلاف وتجريم الإهانة.

نحن لا نحتاج إلى عالم متشابه كعيدان الثقاب، بل إلى عالم يتسع للاختلاف لأنه مشيئة الله في مُلكه. لا نحتاج إلى إجبار من يتأتئ على سرعة الحديث، ولا المتوحد على تغيير نظام عقله كي نقبله. بل نحتاج إلى تعلّم ثقافة الاختلاف. والمسؤولية تبدأ من البيت، ولا تنتهي عند أبواب المدرسة، ولا عند صفحات المنصات الرقمية، بل تمتد إلى العقل الجمعي الذي يحرك المجتمع بأسره.

مقامُ السؤال:
إذا كان الاختلافُ جريمة، فمَن وضع القانون؟ ومَن نصّب القُضاة؟ وكيف لإنسان أن يتوهّم أن صورته هي الصورة الصحيحة للإنسان؟
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “فجأةً- … في -مهرجان الجونة-
- نظرية الغباء
- قلبي يُحلِّقُ... فوق سفح الهرم!
- “نجيب محفوظ-… تاجٌ ونصلٌ... وخلود
- “شعبان يوسف-… غارسُ الزيتون
- حكاية الورقة الأولى
- -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات
- الشارعُ … مقياسُ الحضارة
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-


المزيد.....




- الأمن العام الأردني: القبض على الإرهابيين الثلاثة منفذي هجوم ...
- الأردن.. أحكام بالحبس ضد 7 من قيادات الإخوان المسلمين
- شيخ الأزهر يصدر بيانًا بشأن استهداف الحوثيين لمكة والمدينة
- ثلاثة قتلى من موظفي الجامعة الإسلامية في غارة على حرمها بغزة ...
- جبهة العمل الطلابي: قصف الجامعة الإسلامية جريمة تندرج ضمن ال ...
- بابا الفاتيكان يحذر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز جراء حصار ...
- دينزل واشنطن.. رجل دين في ثياب ممثل
- لقطات من جنازة الكرك.. والأب ماركوس مرجي يوجه رسالة إلى مرتك ...
- بابا الفاتيكان يدعو إلى وقف العنف في اليمن ويعرب عن قلقه إزا ...
- الجبهة الشعبية: استهداف الجامعة الإسلامية اعتداء على محاولات ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - جريمة على طرف اللسان