أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - ذريعة النّقاء العقديّ، التي يتذرّعون بها لقتل الآخر المُخالِف.















المزيد.....

ذريعة النّقاء العقديّ، التي يتذرّعون بها لقتل الآخر المُخالِف.


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 08:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة مفارقة موجِعة في خطاب الذين يُنادون بالنقاء العقدي، ويزعمون امتلاك الحقيقة كاملة، ثم ينتهون إلى تكفير الآخر المُخالف، أو التّحريض عليه، أو استباحة دمه. فهم يتحدثون عن نقاءِ العقيدة، لكنّهُم يغفلون عن نقاء الضمير، ويتشدَّدون في رسم الحدود بين الإيمان والكفر، بينما يتساهلونَ في تجاوز الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل، وبين الاختلاف والجريمة.

إنَّ أخطر ما يُمكن أن يُصيب الدين ليس أن يختلف الناس في تفسيره، بل أن يتحوَّل الاختلاف إلى محكمة تفتيش، وأن يُصبح الاعتقاد المُختلف تُهمة، وأن يُختزل الإنسان في تصنيفٍ مذهبيّ أو عقديّ، ثم يُعامل على أساسه بوصفه عدوًا يستحق الإقصاء أو الموت.

والعفيدة، أيّ عقيدة، لا تمنح أحدًا حقّ قتل إنسان لأنِّه يختلف معه في الإيمان أو التفسير أو المذهب. وما يدعونهُ "نقاء عقدي"، حين يُفهم بوصفه حقًا حصريًا في امتلاك الحقيقة، يتحوّل من اعتقادٍ شخصيٍّ إلى أداةٍ للسيطرة على الآخرين. فيبدأ الأمر بتقسيم النّاس إلى مؤمنين ناجين وآخرين ضالّين، ثم يتدرَّج إلى نزعِ الشرعيّة الأخلاقيّة عن المُخالِف، حتى يُصبح إيذاؤه في نظرِ المُتعصِّب دفاعًا عن الدين، لا اعتداءً على الإنسان.

وهنا تكمن الكارثة. فحين يقتنع القاتل بأنّهُ يؤدي واجبًا مُقدّسًا، يُصبح ضميره، نفسه، جزءًا من المُشكلة. فهو لا يرى ضحيّته إنسانًا له كرامة وحقوق، وإنّما يرى فيها رمزًا لعقيدةٍ يريد محوها، أو اختلافًا يُريد إلغاءه، أو وجودًا لا يستطيع التعايُش معه.

لكن، من أعطى هؤلاء حقّ توزيع صكوك النجاة..؟! ومن منحهم سُلطة تحويل خلافات التأويل والاجتهاد إلى أحكامِبالموت..؟! وكيف يُمكن لمن يزعُم الدفاع عن الله أن يتصرَّف كأنّ الله فوّضهُ تقرير من يستحق الحياة ومن لا يستحقها..؟!

شخصيًّا، ودونَ أيّ تردُّد، فإنَّني أرى بأنَّ الإيمانَ الذي يحتاج إلى رصاصة كي ينتصر، أو إلى جُثة كي يُثبتَ تفوّقه، يكشف عن أزمةٍ عميقةٍ في فهم أصحابه للدّين والإنسان معًا. فالحقيقةُ، مهما آمن الإنسان بامتلاكها، لا تمنحه حقّ الاعتِداء على الآخرين، والاختلاف لا يتحوَّل إلى جريمة لمُجرد أنَّ أحدهم يرفُضه.

إن استهداف كنيسة الحمود في محافظة الكرك، ليسَ مجرد مأساة أصابت عائلاتٍ بعينها، بل جُرح أصابَ المُجتمع الأردني كُله...والأهم هُنا، أنَّ الكنيسة ليست مُجرَّد مبنى، كما أنّ المسجد ليس مُجرّد مبنى. فكلاهُما مكانٌ يمارِس فيه الإنسان شعائره ويُعبّر عن إيمانه. والاعتداء على المُصلين لأنّهم يصلّون بطريقةٍ مُختلفة هو اعتداءُ على حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وعلى حق المجتمع في أن يتسع لأبنائه جميعًا، وتصوّرا، إن تقبّلت عقولكم، أنّ هذه الجريمة النّكراء، وقعَا في جُنّاز سيّدة، اجتمعَ لتييعها أهلها وأقاربها، وعدد من الأصدقاء المُسلمين..وفي هذا بشاعة لا يُمكِن تصوّرها.

الأردن الذي عرف تاريخًا شراكة المسلمين والمسيحيين في الحياة والعمل والمواطنة، لا يجوز أن يُختزل في جريمة ارتكبها متطرفون. كما لا يجوز أن تُستعمل وحدة المجتمع ذريعة لتجنُّب السؤال عن الأفكار التي تُبرِّر الكراهيّة، أو عن سُبل مواجهتها بالتربية والقانون والخطاب الدينيّ المسؤول.

وليس كُلّ من يتمسَّك بعقيدته مُتطرفًا، وليس كُلّ من يرى نفسه على حق مشروعًا اتهامه بالعُنف. فمن حق الإنسان أن يؤمن بما يشاء، وأن يُدافع عن مُعتقده بالحجّة، وأن يرفض أفكارًا يراها خاطئة. لكن، الخط الفاصل واضح: أن تتحوَّل القناعة إلى تحريض، أو أن يتحوَّل التكفير إلى تبريرٍ للعُدوان، أو أن يُصبح القتل وسيلة لفرض تصور واحد للدين على المجتمع.

ولهذا، فإنَّ مواجهة التطرُّف لا تكون بإدانة القاتل وحده بعد وقوع الجريمة، بل أيضًا بمُساءلة الخطاب الذي يسلب المُخالف إنسانيّته، ويزرع في العقول أنَّ العَيش المُشترك تنازل، وأنَّ التسامح ضُعف، وأنَّ قتل المُختلف يُمكن أن يكون قُربة إلى الله.

ولهذا، أؤكّد على أنَّ المُجتمعات لا تُحمى بمُجرّد مطالبة الناس بالعيشِ المُشترَك، بل بحمايةِ القانون لهُم على قِدم المساواة، وتجريم التّحريض على العُنف، وتعزيز التّعليم النقدي، وفتح المجال أمام خطابٍ دينيّ يرفض استباحة الدَّم، ويصون كرامة الإنسان دون تمييز.

وعند الختام، سأعود لأولئكَ الذينَ ينُادونَ ب"النقاء العقديّ"، وينتهي الأمر بهم إلى سفك الدّماء...يا هؤلاء، النقاء الحقيقي لا يُقاس بمدى قُدرتكم على اكتشافِ أخطاء الآخرين، ولا بعدد الذين تقصونهُم من دائرتكم الدينيّة، ولا بصرامة الأحكام التي تُصدِرونها على مُخالفي مُعتقداتكم... إنَّهُ يُقاس بقدرتكم على ضبط القوّة، واحترام الكرامة الإنسانيّة، والامتناع عن الظُلم حتى حين يخنَلف، جذريًا، من هو أمامكم معكُم.

ودعوني أسألكم: ما قيمة أن يتحدَّث المرء عن الطهارة الروحيّة، بينما يُبرّر قتل الأبرياء..؟! وما قيمة أن يرفع شعارات الإيمان، بينما يزرع الخوف في قُلوب جيرانه..؟! وأيّ انتصارٍ للعقيدة يتحقَّق حين يتحوَّل مكان العِبادة إلى مسرحٍ للموت، وحين تُترك عائلات الضحايا أمام فاجعةٍ لا يُمكن لأيِّ خطابٍ مُتشدِّد أن يُبرّرها..؟!

إنَّ أخطر أشكال التلوُّث الفكريّ أن يَظنَّ الإنسان أنَّ كراهيّته للآخر دليل على نقائه، وأنَّ سفك الدماء دفاع عن مُقدساته.

لروحِ شُهداء كنيسة الحمود الرّحمة والسّلام، والشفاء للمصابين، والصبر لذويهم. ولتكن هذه الجريمة النّكراء مُناسبة لمُواجهة التطرُّف بوضوحٍ وشجاعة، لا لتغذية الكراهيّة بين المواطنين، بل لاقتلاعِ الفكرة التي تجعل من اختلاف الإنسان عن أخيه سببًا لاستباحة دمه.

وليبقى في أذهاننا، كأردنيين، وليسَ كأيّ شيءٍ آخر، بأنَّ الأوطانَ لا يحميها تطابُُق العقائد، بل يحميها العدل. والأديان لا يصون كرامتها إلغاء المُختلف، بل يصونها احترام الإنسان. وليسَ من حقِّ أحد أن يحتكرَ الحقيقة باسم الله، ثم ينتزع من الآخرين حقهم في الحياة باسم الحقيقة. فالدّم الذي أريقَ/ و يُراق باسم النقاء لا يطهّر العقيدة، بل يكشف مقدار ما يُمكن أن تفعله الكراهيّة حين ترتدي ثوب المُقدّس.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحالف الدفاعي الثلاثي -اتّفاق مكة- وأهمية التوقيت.
- الجولاني/الشرع وحزب الله: ما الذي تغيّر..؟!
- الرّهان الآن على سقوط النتنياهو عن عرشه.. وإلّا، سينفّذ حكم ...
- هل أصبح الصراع العربي الإسرائيلي من الماضي..؟!
- كارثة الإتفاق الإطاري.
- هجرَة النبيّ: ميلاد جديد لمفهوم السيادة.
- هل نجحَت إيران في ترسيخ معادلة -الجنوب اللبنانيّ مقابل إسرائ ...
- الحجّ المُميّز جرّد الإستِطاعة من مفهومها..
- غزة لم تصنَع القطيعة، وإنّما كشفتها
- المُختطفات ومُصطلح دار الأخوات..
- المُختطفات ومصطلح دار الأخوات..
- هل هناك حاجة لاتفاق عربي_إيراني يتبلور على ضوء الاتفاق الأمي ...
- ضرورة التحرُّك من أجل مشروعٍ عربيّ
- لماذا تخفي إسرائيل الخسائر في تل أبيب وحيفا وتكشف عنها في دي ...
- بين وعيد أميركا وصبر إيران...هل الحرب مُقبلة على نهاية أم اس ...
- أيّهما الأخطر على سوريا: إسرائيل المتوسّعة أم حزب الله المتل ...
- أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!
- بتولي -مجتبئ خامنئي-.. هل تحوّل المشروع الإيرانيّ من ولاية ا ...
- وقفةٌ مَع آية..
- إشكاليّة بدء شهر رمضان..


المزيد.....




- دينزل واشنطن.. رجل دين في ثياب ممثل
- لقطات من جنازة الكرك.. والأب ماركوس مرجي يوجه رسالة إلى مرتك ...
- بابا الفاتيكان يدعو إلى وقف العنف في اليمن ويعرب عن قلقه إزا ...
- الجبهة الشعبية: استهداف الجامعة الإسلامية اعتداء على محاولات ...
- كيف ودع الأردنيون ضحايا هجوم الكنيسة؟
- بابا الفاتيكان يطالب بوقف العنف في اليمن ويحذر من تدهور الوض ...
- مسيحيون باسم محمد.. ماذا تكشف المفارقة عن التعايش بالأردن؟
- غارتان إسرائيليتان تستهدفان الجامعة الإسلامية في غزة وسقوط ق ...
- الجنة والبركة والدولارات.. وعود انتخابية مثيرة للجدل في أوسا ...
- 7 شهداء في غزة وقصف إسرائيلي يستهدف الجامعة الإسلامية


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ازهر عبدالله طوالبه - ذريعة النّقاء العقديّ، التي يتذرّعون بها لقتل الآخر المُخالِف.