أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - بدايات نشأة الجبرية في الإسلام: روادها الأوائل وأسباب ظهورها وتطورها















المزيد.....

بدايات نشأة الجبرية في الإسلام: روادها الأوائل وأسباب ظهورها وتطورها


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 00:20
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ مسألة الجبر والاختيار من أقدم القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، إذ تتصل بعلاقة إرادة الله تعالى بأفعال الإنسان، وبالسؤال عن مدى حرية الإنسان في أفعاله، ومسؤوليته عن الخير والشر، والثواب والعقاب. وقد برز هذا النقاش في أواخر القرن الأول الهجري، ثم تطور في العصر الأموي، واتخذ أبعادًا عقدية وفلسفية وسياسية، قبل أن يصبح أحد الموضوعات الأساسية في علم الكلام الإسلامي.
والمقصود بـ الجبرية الاتجاه الذي يغلّب قدرة الله ومشيئته المطلقة على نحو ينفي عن الإنسان الاستقلال بإرادته وقدرته على الفعل، حتى تبدو أفعاله، وفق التصور الجبري المتشدد، واقعة عليه من غير اختيار حقيقي. ويجب هنا التمييز بين الإيمان الإسلامي بالقضاء والقدر، وهو أصل ديني واسع تشترك فيه المذاهب الإسلامية مع اختلافها في تفسيره، وبين القول بالجبر المطلق الذي ينفي الاختيار الإنساني. فليس كل من أكد شمول الإرادة الإلهية للأحداث جَبريًّا بالمعنى الاصطلاحي.
وقد ارتبطت البدايات التاريخية لهذا الاتجاه باسم الجعد بن درهم، ثم جهم بن صفوان، مع ضرورة التنبيه إلى أن إطلاق اسم «الجبرية» على جماعة متماسكة ذات عقيدة محددة منذ البداية قد لا يعكس بدقة تعقيدات المرحلة المبكرة؛ إذ إن جانبًا مهمًّا من أخبار هؤلاء وصل إلينا في كتب المقالات والفرق التي ألّفها خصومهم أو أصحاب اتجاهات كلامية لاحقة.
أولًا: الخلفية الدينية والفكرية لنشأة الجبرية
لم تنشأ مسألة الجبر والاختيار من فراغ، بل ارتبطت بالتفاعل بين نصوص دينية تؤكد قدرة الله ومشيئته، ونصوص أخرى تقرر مسؤولية الإنسان عن أعماله. فالقرآن الكريم يؤكد أن كل شيء يجري بعلم الله ومشيئته، لكنه في الوقت نفسه يخاطب الإنسان بالأمر والنهي، ويحمّله مسؤولية أعماله، ويربط الجزاء بما اكتسبه من خير أو شر.
ومن الآيات التي استند إليها القائلون بشمول المشيئة الإلهية قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 29). وفي المقابل، تؤكد آيات أخرى مسؤولية الإنسان، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7–8).
ومن هنا ظهر السؤال الكلامي: إذا كانت مشيئة الله شاملة لكل شيء، فكيف يكون الإنسان مسؤولًا عن أفعاله؟ وإذا كان الإنسان يختار أفعاله ويحاسب عليها، فما حدود قدرته وإرادته في ظل القدرة الإلهية المطلقة؟
وقد اتخذت الإجابات عن هذا السؤال اتجاهات متعددة؛ فهناك من شدد على قدرة الإنسان واختياره، وعُرف بعض أصحاب هذا الاتجاه باسم القدرية، وهناك من شدد على شمول القدرة الإلهية حتى انتهى إلى نفي الاختيار الإنساني، وهو الاتجاه الذي ارتبط لاحقًا بالجبرية. وبين الطرفين ظهرت اجتهادات كلامية حاولت التوفيق بين خلق الله للأفعال ومسؤولية الإنسان عنها.
ثانيًا: الجعد بن درهم (قُتل 120هـ/738م): من الأسماء المبكرة في تاريخ الجدل الكلامي
يُذكر الجعد بن درهم في عدد من كتب الفرق ضمن الشخصيات المبكرة التي ارتبطت بالخلافات العقدية في أواخر العصر الأموي، ويُربط اسمه في بعض المصادر ببدايات الاتجاهات التي نُسبت لاحقًا إلى الجهمية والجبرية.
لكن ينبغي التعامل بحذر مع الأخبار المتعلقة بحياته وآرائه؛ فالمعلومات التاريخية عنه محدودة، كما أن الروايات التي تصفه كثيرًا ما تجمع بين مسائل متعددة، منها صفات الله تعالى، والكلام الإلهي، والقضاء والقدر. ولذلك لا يصح أن ننسب إليه منظومة مكتملة في الجبر والاختيار من غير فحص الروايات ومصادرها.
وتذكر كتب التراجم والفرق أنه قُتل بأمر خالد بن عبد الله القسري، والي العراق في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، في واقعة اشتهرت في المصادر الإسلامية. ويُؤرَّخ لمقتله عادةً بنحو سنة 124هـ/742م، مع وجود اختلاف في تحديد بعض تفاصيل حياته ومقتله.
وتنبع أهمية الجعد في هذا السياق من كونه أحد الأسماء التي وضعتها كتب الفرق في سلسلة تطور الجدل الكلامي المبكر، لا من ثبوت أنه أسس وحده مذهبًا جبريًّا متكاملًا بالمعنى الذي استقر عليه المصطلح في مراحل لاحقة.
ثالثًا: جهم بن صفوان (قُتل سنة 128هـ/746م): أبرز الأسماء المرتبطة بالجبرية
يُعدّ جهم بن صفوان أبرز شخصية ارتبط اسمها بالاتجاه الجبري في كتب الفرق الإسلامية. وقد عاش في أواخر العصر الأموي، ونشط في خراسان، ولا سيما في منطقة مرو، في مرحلة اتسمت بالاضطرابات السياسية والاجتماعية التي سبقت سقوط الدولة الأموية.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المعلومات المتعلقة بحياته وأفكاره ليست كلها موثوقة بالدرجة نفسها؛ فصورته الفكرية وصلتنا بدرجة كبيرة من خلال كتب المقالات التي ظهرت بعد عصره، ولا سيما كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (ت 324هـ/936م)، فضلًا عن الروايات التاريخية التي أوردها الطبري (ت 310هـ/923م). ولذلك ينبغي التمييز بين ما تثبته الأخبار التاريخية وما تنسبه إليه المصادر الكلامية المتأخرة.
موقفه من حرية الإنسان
تنسب المصادر الكلامية إلى جهم بن صفوان القول بأن الإنسان لا يملك قدرة مستقلة على إنشاء أفعاله، وأن أفعاله واقعة بخلق الله ومشيئته، حتى إن الاختيار الإنساني لا يُفسَّر عند أصحاب هذا التصور بوصفه قدرة حقيقية مستقلة.
وبناءً على الرواية التقليدية لمذهبه، فإن الإنسان لا يستقل بإيجاد أفعاله، بل تقع أفعاله بقدرة الله تعالى، كما تقع سائر الحوادث في العالم بخلقه وتقديره. ومن هنا ارتبط اسم جهم بالقول بالجبر المطلق، وإن كانت الدراسات الحديثة تحذر من التسليم بجميع التفاصيل العقدية التي ألحقتها به كتب الفرق اللاحقة.

ولا ينبغي الخلط بين هذا الموقف وبين القول بأن الله خالق كل شيء؛ فالمسألة التي دار حولها الخلاف هي تحديد معنى قدرة الإنسان واختياره، وكيف يمكن الجمع بينهما وبين شمول القدرة الإلهية.
كما ارتبط اسم جهم بمسائل كلامية أخرى، منها صفات الله تعالى، وتعريف الإيمان، وطبيعة المعرفة الدينية، وهي قضايا متداخلة في الروايات المتعلقة بالجهمية، لكنها لا تمثل جميعها مسألة الجبر والاختيار وحدها.
مقتله وظروفه السياسية
لم يكن جهم بن صفوان منعزلًا عن الحياة السياسية في عصره؛ فقد ارتبط بالحارث بن سريج، الذي قاد حركة معارضة للسلطة الأموية في خراسان، ورفع مطالب تتصل بالعدالة في معاملة الموالي والمسلمين من غير العرب.
وتذكر دائرة المعارف الإيرانية، اعتمادًا على الروايات التاريخية، أن جهمًا عمل كاتبًا للحارث بن سريج، وأنه قُتل بعد انتهاء حركته ومقتل الحارث، حين وقع في أيدي رجال السلطة الأموية. ويؤرَّخ لمقتل جهم بسنة 128هـ/745–746م.
وتكشف هذه الوقائع عن أهمية السياق السياسي في دراسة حياته؛ غير أن ارتباطه بحركة معارضة لا يثبت وحده أن مذهبه في الجبر نشأ لأغراض سياسية، كما أن اتهامه بالقول بالجبر لا يكفي لإثبات أنه تبنى هذا القول لتبرير سلطة سياسية معينة.
رابعًا: هل كانت الجبرية مذهبًا مكتملًا منذ عهد الجعد وجهم؟
من الضروري، عند دراسة بدايات الجبرية، ألا نتصور أن المذهب ظهر في لحظة واحدة، أو أن الجعد بن درهم وجهم بن صفوان أسسا مدرسة منظمة ذات عقيدة متكاملة منذ البداية.
فقد تداخلت في القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجريين أسئلة متعددة: هل أفعال الإنسان مخلوقة لله؟ وهل للإنسان استطاعة حقيقية؟ وهل يستطيع أن يفعل خلاف ما فعل؟ وكيف يمكن تفسير الثواب والعقاب إذا كانت أفعاله مقدرة عليه؟
ولم تكن المصطلحات الكلامية قد استقرت تمامًا في جميع هذه المسائل. ويشير المستشرق البريطاني وليم مونتغمري واط، في دراسته الإرادة الحرة والقدر في الإسلام المبكر التي نشرها سنة1944م، إلى أن التمييز المنهجي بين مفاهيم القدر والكسب والجبر تطور تدريجيًا، وأن التصنيفات الكلامية التي استقرت لاحقًا لا يمكن إسقاطها بصورة آلية على جميع الشخصيات المبكرة .
وعليه، يمكن القول إن الجعد وجهم يمثلان اسمين أساسيين في الرواية التقليدية لنشأة الجبرية، لكن تاريخ الأفكار الجبرية أوسع من سيرتيهما، ولا يمكن اختزاله في شخص واحد أو حادثة واحدة.
خامسًا: الأسباب التي أسهمت في ظهور الاتجاه الجبري
يمكن تفسير نشأة الاتجاه الجبري من خلال مجموعة من العوامل الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية المتداخلة، مع ضرورة التمييز بين العوامل التي تدعمها الشواهد التاريخية وبين التفسيرات التي يقدمها الباحثون.
1- تفسير النصوص المتعلقة بالمشيئة الإلهية والقدر
كان من أبرز دوافع الجدل محاولة فهم العلاقة بين المشيئة الإلهية المطلقة وبين إرادة الإنسان. فقد شدد أصحاب الاتجاه الجبري على أن الله هو الخالق والمدبر، وأنه لا يقع في الوجود شيء خارج مشيئته. لكنهم، في صورتهم المتشددة، انتهوا إلى تفسير يقلص دور الإرادة الإنسانية في الفعل إلى حد بعيد.
في المقابل، رأى القائلون بالاختيار أن مسؤولية الإنسان عن أفعاله تقتضي إثبات نوع من القدرة والاختيار له، وإن اختلفوا في تحديد طبيعة هذه القدرة وعلاقتها بقدرة الله.
وهكذا لم يكن الخلاف مجرد نزاع حول معنى آية منفردة، بل كان خلافًا في بناء تصور متكامل عن الخلق والقدرة والإرادة والعدل الإلهي والمسؤولية الأخلاقية.
2- الصراعات السياسية في العصر الأموي
شهد العصر الأموي صراعات حول الخلافة والشرعية السياسية، كما شهد حركات معارضة وثورات متعددة. وفي هذا السياق، برز سؤال العلاقة بين ما يقع في التاريخ وبين القضاء والقدر: هل يمكن اعتبار انتصار حاكم أو استقرار سلطته دليلًا على أن ما فعله كان مقدرًا، وبالتالي لا مجال لمحاسبته على أفعاله؟
يرى بعض الباحثين أن الخطاب الجبري كان قابلًا للتوظيف السياسي، لأنه قد يُستخدم لتصوير السلطة القائمة وما يصدر عنها باعتباره أمرًا لا يمكن دفعه أو الاعتراض عليه. وتشير بعض الدراسات إلى أن الاتجاهات الجبرية والمرجئة حظيت بوجود بين أنصار الحكم الأموي، وأن مفاهيم القدر والشرعية كانت جزءًا من الجدل السياسي في تلك المرحلة.
لكن من الناحية التاريخية، لا يصح القول إن الدولة الأموية أنشأت الجبرية بصورة مباشرة، أو إن كل من قال بالقدر كان مؤيدًا لها؛ فالمصادر لا تثبت وجود موقف موحد لجميع الحكام أو المفكرين في هذه المسألة. والأدق أن نقول إن المناخ السياسي جعل قضايا القدر والمسؤولية قابلة للاستثمار في الجدل حول شرعية السلطة وأفعال الحكام.
3- الحاجة إلى تأكيد القدرة الإلهية المطلقة
كان الحرص على تنزيه الله تعالى عن العجز أو وجود قوة مستقلة تنازعه في سلطانه من الدوافع الفكرية المهمة لدى أصحاب الاتجاه الجبري. فإذا كان الله خالق كل شيء، فكيف يُفسَّر صدور الفعل عن الإنسان؟ وهل تعني قدرة الإنسان أن له تأثيرًا مستقلًا عن الخالق؟
لقد أجاب أصحاب الجبر المتشدد عن هذه الأسئلة بتأكيد أن الفعل الإنساني لا يخرج عن الخلق الإلهي، بينما بحثت اتجاهات كلامية أخرى عن صيغ تتيح إثبات الخلق الإلهي مع الحفاظ على معنى الاختيار والمسؤولية.
ويظهر من هذا الخلاف أن الجبرية لم تكن مجرد موقف سلبي من الحرية الإنسانية، بل ارتبطت بمحاولة تقديم إجابة عن سؤال لاهوتي أساسي يتعلق بوحدانية الخالق وشمول قدرته.
4- الجدل مع القدرية
لا يمكن فهم تطور الجبرية بمعزل عن الاتجاه المقابل الذي عُرف بالقدرية. فقد شدد بعض المتكلمين الأوائل على أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن القول بمسؤوليته يقتضي إثبات اختياره وقدرته على الفعل.
ومن الأسماء المبكرة المرتبطة بهذا الاتجاه معبد الجهني (قُتل نحو 80هـ/699م)، وغيلان الدمشقي، الذي اختلفت المصادر في تحديد سنة مقتله، وغالبًا ما يُؤرَّخ له بنحو 105–106هـ/723–725م.
وقد أسهم الجدل بين القائلين بالاختيار والقائلين بالجبر في بلورة المواقف الكلامية. غير أن وصف القدرية والجبرية بأنهما مدرستان مكتملتان ومتقابلتان منذ البداية قد يكون مضللًا؛ لأن المواقف المبكرة كانت متعددة، ولأن بعض الشخصيات نُسبت إليها آراء مختلفة في المصادر اللاحقة.
5- التفاعل مع الأفكار الدينية والفلسفية المحيطة
اتسعت الدولة الإسلامية في القرنين الأول والثاني الهجريين، ودخلت في نطاقها مجتمعات ذات تقاليد دينية وفلسفية متنوعة. وأدى هذا التوسع إلى زيادة الاحتكاك بأسئلة كانت مطروحة في بيئات فكرية مختلفة، ومنها علاقة الإله بالعالم، وطبيعة الإرادة البشرية، ومشكلة الشر.
وقد افترض بعض الباحثين وجود صلات بين بعض تصورات جهم بن صفوان وبين أفكار فلسفية أو دينية عرفتها مناطق مثل حران وبلاد ما وراء النهر. لكن هذه الفرضيات ليست أدلة قاطعة على أن الجبرية اقتُبست مباشرة من فلسفة أجنبية؛ إذ إن المادة التاريخية المتاحة عن جهم محدودة، وبعض الأخبار المتعلقة باتصالاته الفكرية غير موثوق.
لذلك فإن تفسير نشأة الجبرية بالعوامل الداخلية وحدها تفسير ناقص، لكن ردها إلى تأثير خارجي مباشر، من دون أدلة كافية، لا يقل إشكالًا.
سادسًا: تطور المسألة بعد الجبرية المبكرة
لم يتوقف النقاش عند الجعد بن درهم وجهم بن صفوان، بل اتسع في القرن الثاني الهجري وما بعده، وظهرت محاولات متعددة لتحديد العلاقة بين خلق الله للأفعال وبين كسب الإنسان واختياره.
ومن الشخصيات التي ارتبطت بهذا التطور ضرار بن عمرو (ت نحو 200هـ/815م)، الذي ناقش قضايا أفعال العباد، ونُسبت إليه صيغة في تفسير المسؤولية الإنسانية عُرفت في تاريخ علم الكلام بصلتها بمفهوم الكسب. وتناولت اتجاهات أخرى، منها النجارية، مسألة قدرة الإنسان وعلاقة الفعل بها.
ثم ظهرت صيغ أكثر تفصيلًا عند المعتزلة الذين أكدوا مسؤولية الإنسان واختياره، وعند الأشاعرة الذين طوروا نظرية الكسب، وعند الماتريدية الذين بحثوا في الاستطاعة والاختيار مع تأكيدهم أن الله خالق الأفعال. ولم تكن هذه المذاهب متفقة في تفسير هذه المفاهيم، كما لم يكن موقف كل منها مطابقًا بالضرورة لما نُسب إلى الجبرية المبكرة.

ومن المهم هنا عدم مساواة نظرية الكسب الأشعرية بالجبرية المطلقة من غير تمييز؛ فالأشاعرة يثبتون للإنسان كسبًا ومسؤولية شرعية، وإن اختلفت تفسيراتهم الكلامية عن المعتزلة والماتريدية في طبيعة القدرة الإنسانية وعلاقتها بالفعل. وتدل الدراسات الحديثة على أن مسألة الجبر والاختيار تطورت عبر قرون، ولم تستقر على صيغة واحدة لدى جميع علماء الكلام.
الخاتمة
يمكن القول إن بدايات الجبرية في الإسلام تعود إلى الجدل الكلامي المبكر حول القضاء والقدر، وقد ارتبطت في كتب الفرق باسم الجعد بن درهم، ثم بصورة أوضح باسم جهم بن صفوان. غير أن نشأة هذا الاتجاه لم تكن نتيجة عامل واحد، بل أسهم فيها تفسير النصوص الدينية، والسعي إلى تأكيد شمول القدرة الإلهية، والصراعات السياسية في العصر الأموي، والجدل مع القائلين بالاختيار، فضلًا عن المناخ الفكري المتنوع الذي نشأت فيه مدارس علم الكلام.
أما العامل السياسي، فعلى الرغم من أهميته، فلا ينبغي اتخاذه تفسيرًا وحيدًا لكل المواقف الجبرية، ولا الجزم بأن روادها تبنوا آراءهم بقصد خدمة الحكام. فالتفسير التاريخي المتوازن يقتضي التمييز بين المعتقد بوصفه موقفًا كلاميًّا، وبين إمكان توظيفه سياسيًّا في ظروف معينة.
وبذلك أصبحت مسألة الجبر والاختيار إحدى القضايا المركزية في الفكر الإسلامي؛ لأنها لا تتعلق بالقدر وحده، بل تمس أيضًا مفهوم العدالة الإلهية، ومسؤولية الإنسان، ومعنى التكليف والثواب والعقاب، وحدود العلاقة بين الإرادة الإنسانية والمشيئة الإلهية.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نشأة فكرة القضاء والقدر في الإسلام: بين حرية الإنسان والجبر، ...
- نشأة الخوارج وتطورهم عبر التاريخ الإسلامي
- نشأة المذهب الشيعي وتطوره عبر القرون: من الخلاف على الخلافة ...
- من مدارس الصحابة في الكوفة والمدينة ومكة إلى نشأة المذاهب ال ...
- عثمان بن عفان وسخاء العطاء: من سقاية بئر رومة إلى الوقف الخي ...
- الأمير محمد الرواندزي: مشروع الدولة الكردية في القرن التاسع ...
- حكومة علي الزيدي ومعادلة إضعاف الكورد: هل تتغير قواعد الشراك ...
- بين الأصالة والمعاصرة في كردستان: الهوية الإسلامية وتحديات ا ...
- كوردستان بين إيمان الهوية وارتهان السياسة: هل يتخلى الغرب عن ...
- براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في ترا ...
- سلاح الفصائل العراقية بين الدولة والمحور: قراءة في مواقف الإ ...
- الرد على الإلحاد وصوره في ضوء القرآن والسنة والفقه الإسلامي
- تحولات الخطاب الإلحادي المعاصر: نقد المرجعية الدينية وتعدد م ...
- مؤسسات الإلحاد المعاصر ودورها في تعزيز المشروع اللاديني
- الكتاب خلف القضبان: سجن الموصل سنة 1984م وشهادة على الرقابة ...
- الدولة والقبيلة في الشرق الأوسط: صراع السلطة بين الإدارة الم ...
- ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسي ...
- عام الفيل بين الرواية الإسلامية والقراءات الاستشراقية الحديث ...
- من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون ...
- من العمادية إلى روما: قصة بطرس جيسي... أول كردي مسلم توثّق ا ...


المزيد.....




- مقاطع فاضحة توقع أشهر راقصة مصرية في قبضة الأمن
- البابا ليو يدعو لوقف العنف باليمن ويدين الهجوم الإرهابي الذي ...
- صدام حفتر لترامب: لا مبرر سياسيا للإساءة إلى ليبيا وشعبها
- محكمة يابانية توجه اتهاما لجندي من مشاة البحرية الأمريكية في ...
- لماذا وافقت الجزائر على إرسال وحدة عسكرية إلى النيجر؟
- قبل يومين من الحسم.. الاستطلاعات تعمق الغموض حول مستقبل إسرا ...
- الدفاع الروسية: استهداف سفينة شحن كانت تنقل شحنات عسكرية إلى ...
- ترامب: لن نضرب إيران اليوم
- زيلينسكي يطالب واشنطن بالإفراج عن صواريخ باتريوت اتفق عليها ...
- ترامب: لو كان لدينا رؤساء أذكياء لما وجدت مشكلة تايوان مع ال ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - بدايات نشأة الجبرية في الإسلام: روادها الأوائل وأسباب ظهورها وتطورها