أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ربيع عيسى الربيعي - حين تنطق الأرض وتفشي اسرارها















المزيد.....

حين تنطق الأرض وتفشي اسرارها


ربيع عيسى الربيعي
آثاري

(Rabie Al Rubeai)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 18:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تخيّل أنك تقف عند سفح تلّ أثري في جنوب العراق، في صباح هادئ لم تستيقظ فيه الأرض بعد من برودة الليل. تمتد أمامك أرض واسعة، تتخللها آثار الطين القديم، وتلوح في الأفق بقايا مدينة غادرتها الحياة منذ آلاف السنين. لا تسمع أصوات الأسواق، ولا صخب الحرفيين، ولا نداءات الكهنة في المعابد، لكنك تعرف أن هذه الأرض التي تبدو صامتة كانت يومًا مسرحًا لحياة كاملة؛ عاش فيها الناس، وعملوا، وأحبوا، وتخاصموا، وخافوا من المجهول، ورفعوا عيونهم إلى السماء بحثًا عن إجابات لأسئلتهم.

هنا تبدأ حكاية عالم الآثار.

قد يظن بعض الناس أن مهمته تنتهي عندما يعثر على إناء فخاري أو ختم أسطواني أو لوح طيني يحمل كتابة مسمارية. وقد يتصورون أن قيمة العمل تكمن في القطعة النادرة التي تخرج من باطن الأرض، أو في التمثال الذي يثير الإعجاب بجماله، أو في كنز يكشف عن ثراء ملك قديم. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالقطعة الأثرية ليست نهاية الحكاية، وإنما باب ندخل منه إلى عالم غاب أهله، وبقيت أشياؤهم شاهدة على وجودهم.

إن عالم الآثار لا يبحث عن الماضي بوصفه مجموعة من الأشياء القديمة فحسب، بل يحاول أن يعيد قراءة حياة الإنسان من خلال ما تركه وراءه. إنه يفتش في الطين والحجر والعظام والمعادن، ويتأمل الجدران المتهدمة وطبقات الأرض، ويقارن المكتشفات بالنصوص القديمة، محاولًا أن يقترب من حياة لم يعد بالإمكان رؤيتها مباشرة.

ولعل بلاد الرافدين من أكثر الأماكن التي تمنح هذا العمل سحره وأهميته؛ فهي الأرض التي شهدت نشوء مدن كبرى، وتطور أنظمة الكتابة والإدارة، وازدهار التجارة والحرف، وظهور تقاليد دينية وأدبية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الإنسانية.

مدينة نائمة تحت التراب

حين ننظر إلى تل أثري في العراق، قد نرى تلة من التراب لا تختلف كثيرًا عن غيرها من التلال المنتشرة في السهل الرسوبي. لكن هذه التلة قد تخفي تحت طبقاتها بيوتًا وأزقة ومعابد وورشًا وأماكن خُزنت فيها الحبوب، وربما بقايا مدينة كاملة تعاقبت عليها أجيال كثيرة.

في أماكن مثل أور وأوروك ولكش ونفر، لا نتعامل مع حجارة صامتة فحسب، بل مع آثار مجتمعات صنعت تاريخها عبر قرون طويلة. كانت هناك أيدٍ تعجن الطين لتصنع الأواني والآجر، وأيدٍ أخرى تنقش العلامات على الألواح، وأشخاص يزرعون الأرض ويحصدون الحبوب، وتجار يسافرون بين المدن، وكتبة يسجلون ما يدخل المخازن وما يخرج منها.

لقد رحل هؤلاء جميعًا، لكن آثارهم لم ترحل بالكامل. بقي شيء من حياتهم في شكل المباني، وفي الأدوات التي استخدموها، وفي الألواح التي سجّلوا عليها معاملاتهم، وفي الأختام التي حملت صورًا ورموزًا، وفي بقايا الطعام التي قد تساعدنا على معرفة ما كانوا يأكلونه.

ومع ذلك، فإن الأرض لا تمنح أسرارها بسهولة. فقد تختفي جدران تحت طبقات من الطين، وقد تتداخل آثار فترات زمنية مختلفة، وقد تكون أجزاء من المدينة قد دمرتها المياه أو الحرائق أو أعمال البناء اللاحقة. ولهذا لا يستطيع عالم الآثار أن ينظر إلى التل من الخارج ثم يعلن أنه يعرف ما يخفيه. عليه أن يبدأ بالسؤال، وأن يجمع الأدلة، وأن يترك المجال للنتائج كي تقوده إلى التفسير.

قبل أن تضرب المعول في الأرض

في الصورة الشائعة عن التنقيب، يبدأ كل شيء بالحفر. لكن العمل الأثري الحقيقي يبدأ قبل ذلك بوقت طويل. فعلى الباحث أن يدرس الموقع، وأن يراجع ما كُتب عنه، وأن يتعرف على طبيعة الأرض وتاريخ الاستيطان فيها، وأن يستفيد من الخرائط والصور الجوية ونتائج الأبحاث السابقة.

وقد تساعد هذه الدراسات على تحديد أماكن يُحتمل أن تضم بقايا مبانٍ أو منشآت قديمة. لكنها لا تقدم دائمًا إجابات نهائية؛ فالموقع الذي يبدو واضحًا في صورة جوية قد يحتاج إلى دراسة ميدانية، وما يظهر على شاشة جهاز علمي قد يكون تركيبًا طبيعيًا أو أثرًا بشريًا، ولا بد من فحص الأدلة قبل إصدار الحكم.

وهنا تغيرت وسائل العمل الأثري كثيرًا عما كانت عليه في الماضي. فقد أصبح بإمكان الباحث استخدام تقنيات تساعده على دراسة ما تحت سطح الأرض قبل البدء بالتنقيب، وهو أمر مهم لأن الحفر، مهما كان منظمًا، يغيّر السياق الذي يدرسه الباحث بصورة لا يمكن عكسها.

من هذه التقنيات المسح المغناطيسي، الذي يقيس التغيرات في الخصائص المغناطيسية للتربة. وقد تكشف هذه القياسات عن اختلافات تساعد في تحديد مواقع محتملة للأفران القديمة أو بعض الجدران والمنشآت المدفونة. وهناك أيضًا رادار اختراق الأرض، الذي يستخدم الموجات الرادارية لدراسة التراكيب الموجودة تحت السطح. وتختلف النتائج بحسب طبيعة التربة ورطوبتها وخصائص المواد الموجودة فيها.

أما المسح بالليزر والتصوير ثلاثي الأبعاد، فقد أتاحا توثيق المباني واللقى والمنشآت الأثرية بتفاصيل دقيقة، بحيث يمكن إنشاء نماذج رقمية تساعد على الدراسة والمقارنة. وتستخدم أجهزة المساحة الحديثة لتحديد مواقع المكتشفات وارتفاعاتها ومسافاتها بدقة، حتى لا تضيع المعلومات المرتبطة بمكان العثور عليها.

لكن علينا ألا ننسى أن التقنية، مهما بلغت دقتها، لا تمتلك وحدها القدرة على تفسير الماضي. فقد يشير جهاز إلى وجود بناء مدفون، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بصورة قاطعة إن كان ذلك البناء معبدًا أو منزلًا أو مخزنًا. هذه الأسئلة تحتاج إلى التنقيب المنظم، ودراسة المواد المكتشفة، ومقارنتها بالأدلة الأخرى.

فالتقنية تساعدنا على رؤية ما لم نكن نراه، أما فهم ما نراه فيحتاج إلى معرفة وخبرة وتحليل.

لوح طيني يحمل ذاكرة مدينة

لنتوقف عند لوح طيني صغير، كُتبت عليه علامات مسمارية قبل آلاف السنين. قد يبدو هذا اللوح للعين غير المتخصصة قطعة من الطين اليابس لا تحمل شيئًا من الجمال الذي نجده في التماثيل أو الحلي القديمة. لكن الأمر يتغير عندما نعرف أن تلك العلامات قد تحفظ أسماء أشخاص، أو كميات من الحبوب، أو تفاصيل صفقة تجارية، أو رسالة بين شخصين عاشا في عالم بعيد عنا زمنيًا، لكنه ليس غريبًا عن التجربة الإنسانية.

لقد استخدم سكان بلاد الرافدين الكتابة في مجالات متعددة، من الإدارة والاقتصاد إلى الدين والأدب والقانون. ومن خلال النصوص المسمارية، نستطيع أن نقترب من بعض تفاصيل حياتهم، وأن نتعرف على أسماء مدن وملوك وآلهة، وعلى أشكال من العلاقات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية.

غير أن قراءة النص وحدها لا تكفي دائمًا لفهم قصته. فهناك فرق بين لوح عُثر عليه داخل مبنى إداري، وآخر وُجد في منزل، وثالث ظهر في سياق ديني. قد يكون محتوى الألواح متشابهًا، لكن ظروف العثور عليها تساعد على طرح أسئلة مختلفة بشأن استخدامها والجهة التي أنتجتها والغاية منها.

ولهذا يهتم عالم الآثار بمكان العثور على اللوح، والطبقة التي جاء منها، والمواد التي وُجدت حوله، وعلاقته بالمبنى الذي احتواه. كما يقارن النصوص بنظائرها، ويدرس لغتها وتاريخها ومضمونها قبل أن يربطها بحدث أو مؤسسة أو مرحلة تاريخية.

إن اللوح الطيني لا يحمل ذاكرة الكلمات وحدها؛ فالمكان الذي احتضنه يحمل بدوره جزءًا من حكايته.

وقد يكون النص الإداري شاهدًا على تنظيم توزيع الحبوب، لكنه لا يكشف بمفرده كل تفاصيل الاقتصاد. وقد تسجل كتابة ملكية أعمال بناء معبد، لكنها لا تخبرنا وحدها كيف عاش الناس العاديون قرب ذلك المعبد. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين النصوص المكتوبة والأدلة المادية، لأن كل نوع منها يكشف جانبًا ويترك جوانب أخرى تحتاج إلى البحث.

ليست الحكاية حكاية الملوك وحدهم

عندما نتحدث عن تاريخ بلاد الرافدين، تتجه الأذهان غالبًا إلى الملوك والحروب والمعابد والقصور. وتحتل أسماء الملوك الذين وسّعوا مدنهم أو خاضوا الحروب أو أقاموا المنشآت الضخمة مكانة بارزة في كتب التاريخ. لكن هل يمكن أن نفهم حضارة كاملة من خلال تاريخ حكامها فقط؟

إن المدينة القديمة لم تكن قصرًا ومعـبدًا فحسب. كانت فيها بيوت متواضعة، وورش للحرفيين، وأسواق، ومخازن، وأماكن لإعداد الطعام، ومساحات يعمل فيها الناس من أجل توفير احتياجاتهم اليومية. وكان وراء كل بناء أشخاص خططوا له أو شيدوه أو استخدموه، ووراء كل أداة يد صنعتها، ووراء كل إناء حياة يومية ربما لم تسجلها النصوص الملكية.

لهذا يولي علم الآثار أهمية كبيرة للأشياء التي قد تبدو بسيطة. فالأواني الفخارية تساعد على دراسة أنماط الاستهلاك والتغير الزمني، وبقايا النباتات والحيوانات قد تقدم معلومات عن الغذاء والزراعة، والأدوات تكشف عن بعض الأنشطة الحرفية، بينما تساعد دراسة المنازل على فهم تنظيم المساحات التي عاش فيها الناس.

وقد تكون قطعة فحم صغيرة أو بقايا بذرة متفحمة ذات قيمة علمية كبيرة إذا عُثر عليها في سياق واضح، وأُجريت عليها التحاليل المناسبة. فهي قد تساعد على فهم بعض جوانب البيئة أو الغذاء أو النشاط البشري في فترة معينة. لكن قيمة هذه الأدلة تتوقف على دقة توثيقها وعلى طبيعة التحليل الذي تخضع له.

إن تاريخ الحضارة لا يُكتب من فوق، من قصور الملوك وحدها، بل يُستعاد أيضًا من أسفل، من آثار الحياة اليومية التي تركها الناس الذين لم تصل إلينا أسماؤهم.

طبقات الأرض وطبقات الزمن

قد تُبنى مدينة، ثم تُهجر بعض أحيائها، ثم تعود الحياة إلى أجزاء منها بعد سنوات أو قرون. وقد يُهدم مبنى ويُقام فوق أنقاضه مبنى آخر، أو تتغير وظيفة المكان من مرحلة إلى أخرى. ومع مرور الزمن، تتراكم آثار هذه التحولات، فتتحول الأرض إلى سجل مادي معقد يحتاج إلى قراءة دقيقة.

في بعض المواقع الأثرية العراقية، تشكلت تلال نتيجة تراكم بقايا الاستيطان والبناء عبر فترات طويلة. وما يبدو من الخارج كتلة ترابية واحدة قد يخفي طبقات متعددة، لكل منها ظروفها وتاريخها. وقد تساعد دراسة هذه الطبقات على تحديد ترتيب الأحداث، وفهم مراحل البناء والهدم والتغيير.

لكن ترتيب الطبقات ليس دائمًا واضحًا، فقد تكون الأرض قد تعرضت لاضطرابات، أو تدخلت فيها حفريات قديمة، أو أعيد استخدام مواد البناء في فترات لاحقة. ولهذا يدرس الباحث العلاقات بين الطبقات، ويقارن المكتشفات التي تحتويها، ويستعين بوسائل التأريخ المناسبة عندما تتوافر شروط استخدامها.

والأمر اللافت أن القطعة الأثرية قد تكتسب معنى مختلفًا عندما نعرف موقعها ضمن هذا التسلسل. فالإناء الذي يشبه إناءً آخر في شكله قد يعود إلى مرحلة مختلفة، وقد يدل اختلافه في المادة أو الصناعة على تغير في أساليب الإنتاج أو في العلاقات التجارية. ولا يمكن الجزم بهذه الاحتمالات من المظهر وحده، بل تحتاج إلى المقارنة والتحليل.

هكذا تتحول طبقات الأرض إلى صفحات من تاريخ لم يُكتب كله بالحروف، بل كُتب أيضًا بالطين والحجر والرماد وبقايا الحياة اليومية.

حين لا تمنحنا الآثار إجابة كاملة

قد يتمنى الباحث أحيانًا أن يجد دليلًا يحسم سؤالًا تاريخيًا ظل مفتوحًا طويلًا. لكن العمل الأثري لا يسير دائمًا بهذه البساطة. فقد نعثر على جزء من مبنى دون أن نعرف شكله الكامل، أو نكتشف أداة لا تتضح وظيفتها إلا بعد مقارنتها بمكتشفات أخرى، أو نجد نصًا يذكر حدثًا من دون أن نتمكن من تحديد كل تفاصيله.

وهذا لا يعني أن البحث قد فشل. فالمعرفة العلمية لا تقوم على امتلاك إجابة جاهزة لكل سؤال، بل على القدرة على التمييز بين ما نعرفه وما لا نعرفه، وبين الدليل والافتراض.

قد تتغير قراءة موقع أثري عندما تظهر نتائج جديدة، وقد يتراجع تفسير كان مقبولًا في السابق بعد اكتشاف أدلة لم تكن معروفة. وهذه المراجعة ليست ضعفًا في علم الآثار، بل جزء من طبيعته؛ فالمعرفة تتطور كلما تحسنت وسائل البحث واتسعت قاعدة الأدلة.

كما أن غياب الدليل لا يعني دائمًا غياب الظاهرة نفسها. فقد تكون بعض المواد قد تحللت، أو لم تصل إلينا بسبب ظروف البيئة، أو لم تُكتشف المنطقة التي توجد فيها. لذلك يحتاج الباحث إلى الحذر عند الحديث عن المجتمعات القديمة، وألا يحوّل الاحتمال إلى حقيقة لمجرد أنه يبدو منطقيًا.

إن احترام الماضي يبدأ باحترام الأدلة، حتى عندما لا تمنحنا ما نرغب في سماعه.

من أجل ذاكرة لا تضيع

لا تقتصر قيمة الآثار على ما تخبرنا به عن الأزمنة الماضية، بل تمتد إلى مسؤوليتنا تجاهها في الحاضر. فالموقع الأثري ليس مجرد مساحة من الأرض يمكن استغلالها أو تغيير معالمها دون حساب، والقطعة القديمة ليست سلعة تُقاس قيمتها بثمنها وحده. إنهما جزء من سجل ثقافي يحمل معلومات عن تجارب الإنسان وتطور المجتمعات.

وتواجه المواقع الأثرية في العراق تحديات متعددة، منها التوسع العمراني، والتغيرات البيئية، والتعرية، والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، فضلًا عن الأضرار التي قد تسببها النزاعات وأعمال التخريب. وعندما تُنتزع قطعة من موقعها من دون تسجيل أو توثيق، لا نخسر الشيء المادي وحده، بل نخسر أيضًا جزءًا من المعلومات التي كان يمكن أن يقدمها.

ولهذا فإن حماية الآثار ليست مهمة المختصين وحدهم. إنها مسؤولية المؤسسات والمجتمعات، وتحتاج إلى وعي بقيمة التراث، وإلى عمل علمي منظم في التوثيق والحفظ والترميم، وإلى إتاحة نتائج الأبحاث للناس بلغة يفهمونها.

فكلما عرف المجتمع ما تخبرنا به آثاره، أدرك أن هذه البقايا ليست أشياء غريبة تنتمي إلى عالم بعيد، بل شواهد على تاريخ الإنسان وقدرته على الإبداع والتكيف وبناء المجتمعات.

وفي بلاد الرافدين، حيث شهدت مدن قديمة تحولات كبرى في تاريخ البشرية، تبدو هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا. فالمحافظة على آثار أور وأوروك ولكش وبابل ونمرود وغيرها لا تعني حماية مبانٍ قديمة فحسب، بل تعني الحفاظ على مصادر المعرفة التي تتيح لنا فهم تطور المدن والكتابة والإدارة والفنون والمعتقدات والعلاقات الإنسانية.

ما الذي يبقى بعد رحيل الإنسان؟

حين نعود إلى التل الأثري الذي بدأنا منه الحكاية، قد لا نرى سوى أرض هادئة وآثارًا متناثرة. لكننا نعرف الآن أن الصمت الذي يحيط بالمكان ليس فراغًا كاملًا؛ فكل طبقة تحمل أثرًا، وكل أداة قد تفتح سؤالًا، وكل لوح قد يقود إلى عالم من العلاقات والأفكار والأحداث.

غير أن الأرض لا تروي قصتها لمن يكتفي بالنظر إليها. إنها تحتاج إلى من يصغي إلى تفاصيلها، ويقرأ آثارها، ويقارن شواهدها، ويعرف متى يتقدم في التفسير ومتى يتوقف عند حدود الدليل.

وهنا تكمن حقيقة العمل الأثري: ليس في عدد القطع التي نخرجها من الأرض، ولا في جمال ما نعرضه في المتاحف، بل في مقدار ما نستطيع أن نفهمه من حياة الإنسان الذي ترك تلك الأشياء وراءه.

لقد غادر سكان بلاد الرافدين مدنهم منذ آلاف السنين، لكنهم تركوا لنا ما يساعدنا على الاقتراب من عالمهم. لم يتركوا لنا كل الإجابات، ولم تصل إلينا كل أصواتهم، إلا أن آثارهم تمنحنا فرصة نادرة لإعادة طرح الأسئلة عن حياتهم وعملهم ومعتقداتهم وعلاقاتهم بالعالم.

وربما لهذا السبب لا يكون التنقيب نهاية الحكاية، بل بدايتها. فعندما تخرج قطعة من باطن الأرض، يبدأ السؤال عن أصلها ووظيفتها وزمنها، وعن اليد التي صنعتها والعين التي تأملتها، وعن المكان الذي احتضنها قبل أن تطويها طبقات الزمن.

فالأرض تحفظ آثار الذين مروا بها، لكن مهمة عالم الآثار أن يحوّل هذه الآثار إلى معرفة؛ وأن يمنح الأشياء الصامتة فرصة لتخبرنا، بقدر ما تسمح به الأدلة، شيئًا من حكاية الإنسان.



#ربيع_الربيعي (هاشتاغ)       Rabie__Al_Rubeai#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمومة في بلاد الرافدين
- تأريخ العملة النقدية في العراق القديم
- الملكة سميراميس محبوبة الحمام
- الزواج قديما في بلاد الرافدين
- رسالة الى الدكتورات الفاضلات نهى الدرويش ومنى يوخنا ياقو وأم ...
- طقوس دينية من موروثات الأساطير الرافدينية
- ليت من ولدت آشور للآن لم تلدِ
- هل ستكون لوزارة (الثقافة والسياحة والاثار) حصة في حكومة التك ...
- العراق سليل الحضارات ووريث اللعنات
- السجن عبء وتعذيب وإفساد
- الكيك بوكسيغ تخرج من الصراع الرياضي وتدخل الصراع السياسي في ...
- اللغز مكمون في الكنز أسرحدّون المدفون
- الكاراتيه / فن الكانزين ريو


المزيد.....




- الأمن العام الأردني يعلن حصيلة ضحايا إطلاق النار في كنيسة با ...
- الأردن.. كاميرات مراقبة تظهر لحظات إطلاق النار على كنيسة في ...
- -سنواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات-.. أول تعليق من الملك ع ...
- العاهل الأردني: من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب م ...
- بعد هجوم الضفة.. بن غفير يدعو إلى -تفكيك- السلطة الفلسطينية ...
- مسلح يقتل شخصًا ويصيب أربعة آخرين في ضواحي باريس.. والسلطات ...
- مقتل سبعة أشخاص على الأقل جراء عملية إطلاق نار استهدفت كنيسة ...
- العاصفة أوستن تضرب فرنسا وبريطانيا برياح تصل سرعتها إلى 160 ...
- في سابقة من نوعها.. سلاحا الجو الفرنسي والبريطاني يجريان تدر ...
- وزير الدفاع اليمني يعتذر للقبائل بعد تهديد تجمعاتها بالاستهد ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - ربيع عيسى الربيعي - حين تنطق الأرض وتفشي اسرارها