أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سعيد هادف - جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموارد البيولوجية والثقافية والأركيولوجية - رحلة إلى الجنوب الغربي: مدينة المشرية (1)















المزيد.....


جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموارد البيولوجية والثقافية والأركيولوجية - رحلة إلى الجنوب الغربي: مدينة المشرية (1)


سعيد هادف
(Said Hadef)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 03:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


اتفقنا أن تكون بداية الرحلة على الخامسة صباحا، بالسانيا عند مدار الرئيس (Rond-point Le président) حيث المدخل المفضي إلى الطريق السيار شرق-غرب. أقلعت السيارتان في اتجاه مدينة سيدي بلعباس. سيارة سليمة مرفوقة بزوجها السيد هواري والسيدة سعاد والشاعرة نادية بنعمار، وكنت أنا والسيدة رحو علو بسيارة الشاعر الحبيب بن مالك. كانت مناسبة سارة، لقد اكتشفت أن السيدة الثمانينية التي كانت رفيقتنا في السفر تمثل تجربة بالغة الثراء. امرأة مخضرمة، عاشت أحداث حرب التحرير، وتباشير الاستقلال وكل التحولات التي عرفتها الجزائر طيلة العقود الستة من الاستقلال، وعاشت حياة الريف والفلاحة كما عاشت حياة المدينة. امرأة مفعمة بالحيوية. وكعادتي وبروح الصحفي الذي يدفعه فضوله المعرفي إلى الاكتشاف، انخرطت معها في حديث متشعب، وكنت أفسح لها مساحة البوح حتى اكتشف العالم اليوتوبي الذي تسكنه. كيف يمكن أن يعيش إنسان واقعي جدا في عالم يوتوبي (Utopian World)؟ وهل ثمة فرق بينه وبين إنسان يوتوبي يعيش عالما واقعيا (Real World)؟
كانت البداية بطفولتها ببلدة بوتليليس، وتحديها للظروف التي لولا إرادتها ما كانت لتدخل المدرسة، كان ذلك قبل الاستقلال بعقد ونصف. بداية مشوارها المهني كان بثانوية النخيل بوهران، بعد ذلك أسست مدرسة للسياقة، وهي اليوم فاعلة جمعوية في المجال الزراعي. وترجمت هذا الشغف على أرض الواقع من خلال تجارب ومبادرات تهدف إلى دعم ومرافقة المرأة الريفية. لهذا الشغف بداية تعود إلى فترة الطفولة، منذ صغرها، وهي تهتم بعالم الزراعة. وهي تسرد تجاربها، كانت تستعيد كل لحظة بشغف، من تجربتها في تربية دودة الحرير إلى زراعة الزعفران، إلى علاقتها بمحيطها الريفي ومساعيها الرامية إلى توعية قريباتها وتكوينهن في مجال الفلاحة، وعلاقتها بالإدارة والمسؤولين. كانت تقول بفخر: "أنا أنتمي إلى عائلة من المزارعين في منطقة بوتليليس. وتكمن سعادتي الكبرى في رؤية الجهود المبذولة خلال الموسم الزراعي تتوج بالنجاح، لنقطف ثمارها في النهاية".
المسافة بين وهران وسيدي بلعباس لا تتعدى المئة كيلومتر، توقفنا في محطة للاستراحة وتناولنا فطورنا ثم استأنفنا رحلتنا، وظلت رفيقتنا تسرد تجاربها. وحتى أقفل ملف رفيقتنا أملا في العودة إليه بالتفصيل ذات يوم، فهي باختصار"ناشطة جمعوية وإحدى أبرز الوجوه النسائية الرائدة في إدخال وتطوير زراعة الزعفران في الغرب الجزائري، وتحديداً في ولاية وهران. وهي مؤسسة ورئيسة جمعية المرأة الريفية "اليد في اليد"، وهي عضو فاعل في الجمعية القومية لمنتجي الزعفران التي ساهمت في تأسيسها بوهران لجمع وتأطير المزارعين عبر الوطن. بادرت بتنظيم أول صالون جزائري للذهب الأحمر في وهران، وشاركت فيه عشرات الولايات؛ بهدف تشجيع الشباب والنساء الريفيات على دخول هذا الاستثمار الواعد، والتعريف بالفوائد الصحية والعلاجية للزعفران الجزائري. وإلى جانب الزعفران، عُرفت بشغفها بالتجارب الفلاحية المستحدثة؛ حيث أطلقت مشاريع أخرى رائدة بالمنطقة مثل تربية دودة الحرير لإنتاج الحرير الطبيعي، زراعة نبتة المورينغا، وزراعة الفطر، فضلا عن كونها أول امرأة بمدينة وهران أسست مدرسة لتعلم سياقة السيارات".

بعد أن طوينا أكثر من 300 كيلومترا، شارفنا على مدينة المشرية، كانت العاشرة صباحا. وفي مدخلها وجدنا السيد أحمد بندحو في انتظارنا، وفي حدود العاشرة والنصف كنا بالنادي الثقافي حيث وجدنا نخبة من المثقفين والفاعلين الجمعويين في انتظارنا. النشاط كان من تنظيم جمعية حماية وترقية البيئة بمقرها بالنادي الثقافي بالتنسيق مع جمعية الطرب العربي الأصيل.
بعد أن تبادلنا التحية والعناق، وتناولنا الجبن البلدي والرفيس (أكلة محلية لذيذة وهي مزيج من السمن البلدي والتمر والخبز المهروس)، افتتح السيد عثمان بوسعيد النشاط بكلمات ترحيبية وأعطى فكرة موجزة عن موضوع النشاط، ليحيل الكلمة إلى الشاعر بغداد مبخوت ليقرأ قصيدة باللسان الفرنسي عن وهران ثم الشاعر محمد أمين السعيدي ليقرأ بدوره قصيدة تتغنى بوهران بلسان عربي جميل.
كانت مناسبة سعيدة سمحت لنا بالاضطلاع على جوانب من المشروع الأيكولوجي الذي تشتغل عليه جمعية ترقية وحماية البيئة، حول جبال القصور، مشروع متعدد الأبعاد يمتد عبر فضاء جغرافي تشترك فيه ولاية النعامة وولاية البيض، ويهدف إلى هيكلة إرثه الايكولوجي-الثقافي ورسملته، وإلى التعريف بما تزخر به المنطقة من تاريخ عريق ومعالم أثرية و موروث ثقافي، بما يشمله من عادات و تقاليد تعكس الهوية الثقافية المحلية.

جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموارد البيولوجية والثقافية والأركيولوجية ــــــــــــــــــــــ

في البداية يجب توضيح معنى كلمة "لقصور"، وهي جمع "قصر". وتُشير كلمة "القصور" في الجنوب الغربي للجزائر إلى القرى أو المدن التقليدية المحصنة التي تتماشى مع البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية. وتتميز بطابعها العمراني وواحاتها الجميلة التي تعكس عبقرية أهلها وتشهد على مهارتهم العمرانية والفلاحية ونمط عيشهم منذ آلاف الأعوام. واحات من النخيل والرمان والتين وأحواض المزروعات.
قدم السيد بن دحو شرحا وافيا عن المشروع. المشروع الذي يحمل عوان "تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموارد البيولوجية والثقافية والأركيولوجية في جبال القصور (ALG/SGP/OP8/Y1/CORE/CB/2026/01).
وفق اللوحة التوجيهية (الداشبوارد)، تم تصميم مخططه العملي لمواجهة جملة من التحديات (اتساع النطاق الجغرافي، ونقص الموارد، وتحفظ المؤسسات الرسمية، وضعف الجمعيات، وذلك استناداً إلى الاستراتيجيات المحددة في المصادر المرجعية).
ويستند المشروع على استراتيجيا لتدبير الإكراهات الحرجة. ولرفع التحدي تم وضع الإجراءات التصحيحية والاستراتيجية التي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
أولا: من أجل التغلب على اتساع النطاق الجغرافي، يتم انتهاج التدبير اللامركزي، من خلال إعداد خرائط للموارد على مستوى كل بلدية؛ مع التركيز على زيارة مواقع محددة لتحديد مراكز الاهتمام المحلية، بدلاً من محاولة تغطية المنطقة بأكملها بشكل موحد. أما للتغلب على نقص الموارد تم التركيز على الاستفادة من التمويل المشترك العيني (الموصلات والمعدات المعلوماتية وأجهزة التصوير المتاحة)،. مع الاستعانة بخبراء من المديريات التقنية (الغابات، البيئة) لتنفيذ التدخلات التي لا تتطلب التكاليف الاستشارية الخارجية. دون أي يغفل المخطط مأسسة المشروع من خلال تشكيل "لجنة توجيهية" تضم عضواً من كل هيئة حكومية معنية، والاستفادة من الدعم الولائي (ولاية البيض)، وضمان مواءمة المشروع مع البرنامج الوطني لـ "السد الأخضر" لإضفاء الشرعية على الأنشطة. ولمعالجة الضعف الجمعوي وضع المشروع خطة للانتقال من وضعية الانعزال لدى عدد من الجمعيات إلى شبكة إقليمية ينظمها ميثاق مشترك، وإعطاء الأولوية للتكوين التطبيقي (ورشات) لتوفير أدوات التدبير المباشر.
ثانيا: بخصوص المدة الافتراضية للإنجاز (18 شهرا)، تم هيكلة المشروع إلى أربعة مراحل لضمان متابعة دقيقة وصارمة. تهتم المرحلة الأولى بالتعبئة والهيكلة (من الشهر 1 إلى الشهر 4)، كإحصاء الجهات الفاعلة وتحديد الخبراء والجمعيات الناشطة في ولايتي النعامة والبيض، وتنصيب لجنة القيادة وجمع ممثلين عن قطاعات البيئة، والغابات، والثقافة، والسياحة لاعتماد الجدول الزمني وتشكيل ورشات للتوعوية وتنظيم جلسات في الدوائر لتجاوز تحفظات السلطات المحلية والتعريف بالأهداف البيئية العالمية.
أما المرحلة الثانية فهي من أجل التعرف على المنطقة ورسم الخرائط (من الشهر 5 إلى الشهر 8)، وذلك عبر التشخيص الميداني كالقيام بزيارات للمواقع البارزة (المناطق الرطبة المصنفة ضمن اتفاقية "رامسار"، النقوش الصخرية، والحدائق القومية مثل جبل عيسى). وإعداد الخرائط وإنتاج سندات جغرافية لكل بلدية تحدد الموارد البيولوجية والأركيولوجية والحماية المؤسساتية وعرض النتائج الأولية على السلطات لإبراز القيمة الاقتصادية المحتملة (السياحة المستدامة).
أما الغرض من المرحلة الثالثة هو التثمين والتواصل (من الشهر 9 إلى الشهر 12)، كإعداد المرشد السياحي وتوفير البيانات حول "جبال القصور" في وثيقة ترويجية احترافية وإطلاق دعوة للمشاركة في مسابقة فيديو عبر شبكات التواصل الاجتماعي لإشراك الشباب وتوثيق ثروات المنطقة. وتنتهي بالتقييم المرحلي (في منتصف المدة) من خلال إنجاز تحليل داخلي للمجهودات، وتعديل الجدول الزمني المالي إذا دعت الضرورة.
بينما المرحلة الرابعة، فالهدف منها التقوية والاستدامة (من الشهر 13 إلى الشهر 18). وتركز على تنظيم منتديات للتنمية المحلية؛ وملتقيات من أجل إعداد مجموعة من المشاريع الصغيرة المدرة للدخل (مثل الحرف اليدوية والمنتوجات المحلية)، وتأسيس رابطة إقليمية؛ من خلال تبني ميثاق ونظام داخلي لتوحيد العمل الجمعوي في منطقة الأطلس الصحراوي. ومن بين الإجراءات أيضا، تقديم عريضة لإنشاء منطقة محمية؛ وذلك عبر تقديم طلب رسمي لاستحداث محمية طبيعية تشمل "جبال القصور"، استناداً إلى دراسة التصنيف المنجزة مسبقاً.
ثالثا: وعرض السيد بن دحو مؤشرات الإنجاز للنتائج الجيدة، انطلاقا من مقتضيات قياس النجاح رغم وجود العقبات، حيث يجب أن تتابع لوحة التوجيه (الداشبوارد) المؤشرات المفتاحية، كالقدرة التي تستلزم تدريب ما لا يقل عن 250 مستفيداً مباشراً أو إشراكهم في أنشطة المشروع، والاشتمال الذي يستلزم مشاركة ما لا يقل عن 50 امرأة وعدد كبير من الشباب في عمليات صنع القرار، والبنية التي تستلزم إنشاء شبكة أو جمعية إقليمية موحدة، مزودة بميثاق يؤطر اشتغالها، والأثر السياسي الذي يستلزم عددا من التوصيات أو العرائض التي تم تقديمها رسمياً بهدف تصنيف المنطقة.
رابعا: تضمن المخطط بروتوكولا للمتابعة استباقا للمخاطر كالاجتماعات الدورية (كل شهرين) والتقارير الدورية (كل أربعة أشهر) والتواصل الرقمي. كما عرض السيد بن دحو كيفية الهيكلة العملية للشبكة الجهوية للجمعيات في منطقة "جبال القصور"، واشتغالها النسقي الرامي إلى تحويل مجتمع مدني يُنظر إليه على أنه "ضعيف ومفكك" إلى قوة منظمة. وذلك عبر عمل منهجي يبدأ بتحديد إطار قانوني وعملياتي في أفق الإدماج الاجتماعي كركيزة للبنية، مرورا بصياغة نظرية رسمية عبر جمعية تأسيسية عامة وتوفير أدوات الإدارة (دليل الجمعيات) مع التعزيز المستمر للقدرات.

باختصار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرتكز هذا التنظيم على الانتقال من العمل الفردي (المعزول) إلى العمل الجماعي الموجه نحو الحفاظ على الموارد وتثمينها، وفقاً لميثاق إقليمي وبدعم تقني مستمر. وتتمحور أوراش العمل التوعوية والتكوينية حول عدة مواضوعات ذات أولوية، تهدف إلى تعزيز كفاءات المجتمع المدني وحماية موارد "جبال القصور".
وللحفاظ على التنوع البيولوجي والأنساق البيئية باعتباره ركيزة أساسية، أعطى المشروع لحماية الموارد البيولوجية في المنطقة أولوية أساسية من خلال عدد من الأوراش تعمل على التعريف بالمناطق الرطبة وتثمينها وتدبير الفضاء الجبلي الغابوي والمناطق السهبية، والعناية بـ"السد الأخضر" وتأهيله بوصفه دعامة رئيسية لمكافحة التصحر. ويتضمن المشروع تنظيم أيام دراسية وأوراش عمل تقنية حول أسباب وعواقب التصحر والتغيرات المناخية، وتثمين التراث الأركيولوجي والثقافي وتعزيز قدرات الجمعيات والتدبير الراشد، والإدماج الاجتماعي والمساواة بين الجنسين.
ونظراً للطابع المحافظ الذي تتسم به المنطقة، تم التركيز على محاور محددة تهدف إلى: تعزيز دور المرأة، لا سيما في مجال الحرف اليدوية والمنتجات المحلية وإشراك الشباب في التفكير في أنشطة الحفاظ على الموارد وتنفيذها. وفيما يتعلق بإعداد خرائط الموارد على مستوى كل بلدية، يعتزم المشروع الاستعانة بمجموعة واسعة من الخبراء من مختلف المؤسسات الشريكة والأوساط البحثية. ويعتمد المشروع بشكل كبير على الخبرات العامة المحلية لتحديد الموارد ورسم خرائط لها. ويأتي هؤلاء الخبراء من الهيئات التالية: مديرية البيئة: لتوفير البيانات المتعلقة بالتنوع البيولوجي، والأنساق البيئية الهشة، والأراضي الرطبة المصنفة ضمن اتفاقية "رامسار". ومن محافظة الغابات: لرسم خرائط مناطق السهوب، والجبال المشجرة، ومتابعة مشروع "السد الأخضر" ومن مديرية الثقافة: لتحديد المواقع الأركيولوجية، والنقوش الصخرية، والعديد من القصور (القصور الصحراوية/القصور التاريخية) جغرافيًا، ومن مديرية السياحة: لتطوير مسارات سياحية تستند إلى الموارد التي تم حصرها. كما ينص المشروع على تعاون وثيق مع الأوساط البحثية لضمان الدقة التقنية للخرائط كالمراكز الجامعية ومعاهد البحوث، والاستعانة بالباحثين المستقلين. وتتسم عملية رسم الخرائط بطابع تشاركي؛ إذ يهدف المشروع -من خلال حملة تواصلية- إلى حصر الأشخاص المرجعيين والخبراء المحليين الناشطين ضمن جمعيات تعنى بالبيئة والثقافة والسياحة.

من أجل علاقة خلاقة بين الثقافة وفضائها الأيكولوجي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلنا سمعنا بمصطلح "صديق للبيئة"، و"الأجهزة الصديقة للبيئة" كالسيارات مثلا، أي تلك الأجهزة والمواد التي لا تشكل خطرا على الإنسان وعلى البيئة. لكن ما ذا لو كانت ثقافة الإنسان في حد ذاتها معادية للبيئة؟
في هذا الإطار يندرج المشروع، وهو يهدف فيما يهدف إلى هيكلة علاقة سوية بين الإنسان وبيئته، بين الإنسان بوصفه منتوجا ثقافيا بالمعنى الأنثروبولوجي، وفضائه الأيكولوجي بوصفه مكانا تتجلى فيه تلك الثقافة سلبا وإيجابا. لا يتعلق الأمر هنا، فحسب، بالأخطار التي ترتبت عن التطور الصناعي في العالم وما تسببت فيه من تلويث للبيئة وللمواد الاستهلاكية بل يتعلق الأمر بالثقافة كنمط تفكير وسلوك بوصفها فضاءا ذهنيا من الرموز والعلامات يسمح لنا بالولوج إلى العالم الخارجي ومن ضمنه الفضاء الأيكولوجي. يمكن فهم هذه العلاقة في ضوء السيميوطيقا الثقافية ومفهوم "السيميوسفير" و"الإيكوسيميوسفير": السيميوسفير هو مصطلح صاغه السيميوطيقي الروسي يوري لوتمان عام 1984، ويعني الفضاء الرمزي أو الثقافي العام الذي توجد وتتحرك فيه جميع العلامات والرموز الثقافية التي شكلت وعينا وذاكرتنا. السيميوسفير محاط بحدود تفصله عن الفضاء الخارجي. هذه الحدود لا تعني العزل، بل تعمل كـ "فلتر" يعمل على تحويل المؤثرات الخارجية إلى معالم مفهومة داخل الثقافة؛ بينما الإيكوسيميوسفير (Ecosemiosphere) هو مفهوم متقدم في السيميوطيقا البيئية (Ecosemiotics) ويشير إلى الشبكة الكاملة للعلامات وعمليات المعنى (Semiosis) التي تحدث داخل نسق بيئي معين، بما يشمل التفاعلات بين الكائنات الحية والبيئة المحيطة بها، بالإضافة إلى الثقافة. وكتحصيل حاصل فإن جودة المكان من جودة ثقافة أهل ذلك المكان.

المشرية: المؤرخ عبد الرحمان بدوي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤرخ عبد الرحمان بدوي، وهو فاعل جمعوي وأحد الساهرين على ذاكرة المدينة، قدم لي نبذة عن تاريخ المشرية وهي من المدن التي نشأت في الفترة الكولونيالية، ورغم العزلة الجغرافية التي كانت تعاني منها مدن الجنوب، فإن المشرية بعد الاستقلال انفتحت وفق المتاح على محيطها الوطني فاستضافت "شخصيات بارزة في مجالات متعددة، من بينهم الدكتور مبخوت محمد، عميد كلية العلوم بمرسيليا قسم الفيزياء، والأستاذ المفكر عبد المالك مرتاض أحد أعلام الأدب والنقد، والمؤرخ يحي بوعزيز الباحث في التاريخ، و العلّامة علي شنتير، والشاعر والأديب محمد الأخضر السائحي والمخرج المسرحي عبد القادر علولة، والمفكر شيخ بوعمران وغيرهم". أما في مجال الفن فقد استضافت "الممثل حسان الحسني والمطربين خليفي أحمد، وعبد الحميد عباسة، إضافةً إلى الفرقة الموسيقية للإذاعة والتلفزيون الجزائري بقيادة الموسيقار والملحن المرحوم نوبلي فاضل". وأضاف "أن النشاط لم يقتصر على الأدب، المسرح والموسيقى، بل شمل أيضاً الفن التشكيلي حيث أقيمت معارض متنوعة في مناسبات مختلفة، مما أضفى على المدينة طابعاً ثقافياً متكاملاً".
ومن أجل إعطاء فكرة عن الذاكرة الثقافية لهذه المدينة التي نشأت بداية القرن الماضي في سياق التوسع الكولونيالي العسكري. تفضل الأستاذ عبد الرحمان بدوي بهذه المعطيات التي تعكس الروح النضالية للمدينة في بعدها الثقافي وتوثق للعهد التأسيسي للقومية الجزائرية في سياق الحراك القومي المغاربي الذي عاشته كل المدن المغاربية ليس بهدف التحرر من الاستعمار فحسب بل من أجل بناء دول سيدة تعرف كيف تتعاون على البر والتقوى وتنأى ما استطاعت عن الإثم والعدوان. إن الذاكرة عندما تعاني من الخصاص، لا تجد الذات الفردية أو الجماعية صعوبة في التعريف بذاتها فحسب بل تجد صعوبة في التعرف على ذاتها. وهنا تكمن مهمة المؤرخ. وعمل عبد الرحمان بدوي على جمع المادة التاريخية وتوثيقها، وسبق أن أصدر كتاب "أعلام وأمجاد مدينة مشرية"، وهو كتاب يهتم بالذاكرة ورموزالمدينة. وبالنسبة للبدايات يقول عبد الرحمان بدوي: "ظهرت نخبة من المُثقفين من أبناء المدينة تألقوا في المَجال الفكريّ الأدبيّ أثروا المكتبة المحلية وعزّزوا من الرّصيد الثّقافيّ للمدينة، سَاهموا بكتاباتهم و إبداعاتهم الفكريّة المُتنوّعة من دواوين للشعر باللّسانين العربية والفرنسي، إلى الرّواية والقصّة القصيرة. من بينهم الشهيد الأديب الحبيب بَنَاسي الذي عاش النضال السياسيّ مبكرا، وظهرت مواهبه الأدبيّة أثناء نضاله وخاصة بعد أحداث ماي 1945". حول سيرة بناسي يضيف "هاجر إلى المغرب وتونس، تميّز الشهيد بناسي بنشاطه الثّقافيّ والنضالي، ومن أهم ما ميزه سلسلة مقالات نشرها على شكل مراسلات بصحف تونسيّة، و كان موضوع مقالاته يدور حول الثّورة التحريرية واحتضان الشعب لها. كان الشهيد ناشطاً في المجال الصّحفيّ شارك مع نُخبة من الطلبة سنة 1955م في إصدار مَجلة سرّيّة وكان مُراسلاً لجريدة الأسبوع الزيتونيّة التي نشرت له عدّة مقالات منها: (طرائف من قصص الثورة) و(شهيد بلا قبر) وقصة (مأساة أسرة) و(يتيم الأصنام) (الحنين إلى الوطن) و(الدكتور الشهيد)، وأعمال أخرى فكرية وأدبية مثل (صرخة القلب) الذي طُبع سنة 1955م بمطبعة ابن خلدون بمدينة تلمسان، و طبعة ثانية بعد الاستقلال سنة 1984م بالمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر العاصمة أشرف عليها شقيقه الكاتب أحمد بنابي. الشهيد الحبيب بنابي كاتب موهوب صقلته تجارب الحياة، رغم صغر سنه. وبعد عودته إلى الوطن استقرّ بمدينة سيدي بلعباس، حيث واصل نضاله إلى أن التحق بالمُجاهدين بالجبال المُجاورة للمدينة بعد أن تفطن إليه العدو. وسقط شهيدا في يوم 15 ديسمبر من سنة 1956م في معركة طاحنة نواحي تلاغ ولاية سيدي بلعباس".



#سعيد_هادف (هاشتاغ)       Said_Hadef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اسمي دوب: رواية ديستوبية للروائي الجزائري منصور قديدير
- مستقبل العلاقة الأمريكية الصينية: قراءة في فيلم -عملية البحر ...
- في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى
- بيت الشعر الجزائري/فرع وهران: أمسية تكريمية للباحث والأستاذ ...
- خمسون عاما من الاجتهاد: مسيرة شيخ جعل من السلام طريقة ومقصدا
- الذكاء الاصطناعي: الحدود والمخاطر (أمسية فلسفية/وهران)
- شيوخ الزوايا وثقافة الانفتاح والتواصل: خالد بن تونس نموذجا
- بمناسبة صدور كتابه الثالث: الروائي خالد بوداوي في لقاء مفتوح
- وهران: إحياء اليوم العالمي للشعر
- وهران تزيد الشعر بيتا
- في سياق اليوم العالمي للمدن: واقع حال المرفق العمومي في الفض ...
- الترجمة في يومها العالمي... قل لي ما موقفك من الترجمة أقول ل ...
- لماذا عادت الروح النازية؟ وأين ستنتهي؟
- في سياق يوم المرأة (وهران)، راهن الكتابة النسوية في الجزائر: ...
- السادس عشر من أيار: الحق في السلام بين الأيديولوجيا والثقافة ...
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الثاني)
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الأول)
- اليوم الأممي لحماية التعليم من الهجمات
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...


المزيد.....




- الأمن العام الأردني يعلن حصيلة ضحايا إطلاق النار في كنيسة با ...
- الأردن.. كاميرات مراقبة تظهر لحظات إطلاق النار على كنيسة في ...
- -سنواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات-.. أول تعليق من الملك ع ...
- العاهل الأردني: من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب م ...
- بعد هجوم الضفة.. بن غفير يدعو إلى -تفكيك- السلطة الفلسطينية ...
- مسلح يقتل شخصًا ويصيب أربعة آخرين في ضواحي باريس.. والسلطات ...
- مقتل سبعة أشخاص على الأقل جراء عملية إطلاق نار استهدفت كنيسة ...
- العاصفة أوستن تضرب فرنسا وبريطانيا برياح تصل سرعتها إلى 160 ...
- في سابقة من نوعها.. سلاحا الجو الفرنسي والبريطاني يجريان تدر ...
- وزير الدفاع اليمني يعتذر للقبائل بعد تهديد تجمعاتها بالاستهد ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سعيد هادف - جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموارد البيولوجية والثقافية والأركيولوجية - رحلة إلى الجنوب الغربي: مدينة المشرية (1)