أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - إشكالية العقل والنقل: قراءة تقدمية وقرآنية في معركة -التهافت- بين الغزالي وابن رشد















المزيد.....

إشكالية العقل والنقل: قراءة تقدمية وقرآنية في معركة -التهافت- بين الغزالي وابن رشد


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 17:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


المبحث الأول: السياق التاريخي لكتاب "تهافت الفلاسفة" (قراءة في الظرفية والتوظيف السياسي)
ظهر كتاب "تهافت الفلاسفة" لأبي حامد الغزالي (المتوفى 505 هـ / 1111 م) في فترة حرجة من تاريخ الأمة العربية والإسلامية، اتسمت بـالتمزق السياسي والتهديد الخارجي المتمثل في الحروب الصليبية.
من المنظور القومي التقدمي، لا يمكن فصل الفكر عن واقع صراعه الإيديولوجي؛ فالغزالي لم يكن يتحرك في فراغ معرفي محق، بل كان جزءاً من "المؤسسة النظامية" (نسبة للوزير نظام الملك في الدولة السلجوقية) التي كانت تسعى لتوحيد الأيديولوجيا الإسلامية تحت راية أهل السنة والجماعة لمواجهة الخطر الصليبي من جهة، والخطر الفاطمي (الإسماعيلي) من جهة أخرى.
في هذا المناخ المشحون بالاستقطاب، برز نزوع تلقائي نحو رفض الآخر وكل ما يتصل به معرفياً. ولما كانت الفلسفة الإسلامية (المشائية) تعتمد على أرسو وأفلاطون (اليونان / الغرب بمفهومه القديم)، فقد جرى التعامل مع الفلسفة كـ"اختراق ثقافي" يهدد وحدة الجبهة الداخلية. هكذا، وظف الغزالي جهده لضرب العقل الفلسفي التوليدي بهدف إحلال "اليقين الصوفي والامتثال النصي" محله، ظناً منه أن هذا الانغلاق المعرفي سيحمي الهوية، بينما أدى تاريخياً إلى بداية تجميد العقل العربي.
المبحث الثاني: تشريح النقد الغزالي (المسائل الثلاث عشرة والتكفير في ثلاث)
حصر الغزالي هجومه على الفلاسفة (وخاصة الفارابي وابن سينا) في عشرين مسألة، اعتبرهم في ثلاث عشرة مسألة منها "مبتدعة وضالين"، بينما جهر بـتكفيرهم صراحة في ثلاث مسائل رئيسية:
أولاً: المسائل الثلاث التي كفّر فيها الغزالي الفلاسفة:
القول بقدم العالم: رأى الفلاسفة أن العالم أزلي مع الله (أزلي بالزمان معلول بالذات). واعتبر الغزالي أن هذا ينفي صفة "الخالق المريد" عن الله، ويصطدم مع النص القرآني الذي يؤكد الخلق من عدم.
القول بأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات: نَسَب الغزالي للفلاسفة قولهم إن الله لا يعلم الحوادث المتغيرة بتغير الزمان لأن العلم بالمتغير يغير ذات العالم. واعتبر الغزالي هذا القول هدماً للعدالة الإلهية ولعلاقة الخالق بعباده وتفاصيل كونه.
إنكار الحشر الجسماني (البعث بالجسد): ذهب الفلاسفة إلى أن النعيم والعذاب في الآخرة روحيان عقليان، لأن الأجساد تبلى وتتحلل. ورأى الغزالي في ذلك تكذيباً صريحاً لظواهر الآيات القرآنية التي تفصل في عذاب الأجساد ونعيمها.
ثانياً: المسائل الثلاث عشرة (البدع والضلال):
وتشمل مسائل تفصيلية في الإلهيات والطبيعيات (مثل: عجزهم عن إثبات الصانع، وعجزهم عن إثبات التوحيد، ونفيهم الصفات، وقولهم إن النفوس الفلكية عالمة بالجزئيات، واستحالة خرق العادات وإلغاء السببية الطبيعية). حيث اعتبرهم الغزالي مخطئين ومبتدعين فيها لكن دون إخراجهم من الملة.
المبحث الثالث: الرد الرشدي في "تهافت التهافت" (انتصار العقل والقرآن)
جاء رد ابن رشد (المتوفى 595 هـ) في كتابه الفذ "تهافت التهافت" ليعيد الاعتبار للعقل، ويميط اللثام عن التهافت الحقيقي الذي وقع فيه الغزالي. التفكيك الرشدي يتقاطع بقوة مع المقاربة القرآنية التقدمية عبر النقاط التالية:
فضح التناقض والخطأ المعرفي: أثبت ابن رشد أن الغزالي لم يفهم مقاصد الفلاسفة بدقة، وأنه ألزمهم بما لم يلتزموا به.
العلم الإلهي بالجزئيات: أوضح ابن رشد أن الفلاسفة لم يقولوا إن الله لا يعلم الجزئيات، بل قالوا إن علمه بها لا يشبه علمنا. علمنا نحن "معلول" للمخرجات والجزئيات (نتعلم بعد وقوع الشيء)، أما علم الله فهو "علة" لوجود الجزئيات. وبالتالي، فعلمه منزه عن الكلية والجزئية بمفهومنا البشري، وبذلك رفع ابن رشد التكفير عن الفلاسفة.
تأويل النص والتكامل بين العقل والوحي: في أطروحته الشهيرة (فصل المقال)، أكد ابن رشد أن "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له". القرآن يدعو للتدبر والنظر العقلي، والفلسفة هي نظر عقلي. إذا وجد تعارض ظاهري بين نص ونظر عقلي قطعي، وجب التأويل، والقرآن حمال أوجه يتيح ذلك.
الدفاع عن السببية: انتقد ابن رشد قول الغزالي بـ"الاقتران الاتفاقي" (أن النار لا تحرق بذاتها بل الله يخلق الإحراق عندها لا بها). أكد ابن رشد أن إنكار السببية هو إبطال للعقل وللعلم، فمن لا سبب عنده لا علم عنده، والقرآن نفسه يتحدث عن السنن الإلهية الثابتة في الكون ("ولن تجد لسنة الله تبديلاً").
المبحث الرابع: الأثر التدميري على العقلانية العربية (الضربة القاصمة)
من منظور قومي تقدمي، مثلت أطروحة الغزالي ضربة قاصمة لحركة التنوير والنهوض العربي، ويمكن رصد آثارها الكارثية في:
تغييب العقل العلمي والسببية: عندما نفى الغزالي القوانين الذاتية للأشياء (السببية) لصالح العادة والتدخل الغيبي المباشر في كل جزيئة، شلّ العقل العلمي العربي. فلم يعد هناك جدوى من البحث في الفيزياء أو الكيمياء أو الطب ما دامت الأشياء لا تملك طبائع ثابتة.
الانكفاء والنكوص نحو التصوف السلبي: أسس الغزالي لشرعية العزوف عن الدنيا والارتماء في أحضان التصوف الإشراقي القائم على الكشف الذاتي لا الدليل الموضوعي، مما أضعف الهمة القومية وحوّل المجتمع إلى مجتمع قدري اتكالي يسهل استعماره واختراقه.
تأسيس قمع الفكر: شرعن الغزالي سلاح التكفير الإيديولوجي ضد المخالفين سياسياً وفكرياً تحت غطاء الحفاظ على العقيدة، مما أدى إلى هجرة العقل العقلاني أو قمع الفلاسفة والعلماء (مثلما حدث لابن رشد نفسه لاحقاً في الأندلس نتيجة تمدد هذا الفكر التراجعي).
خاتمة: المنظور القرآني التقدمي كبديل معرفي
إن القرآن الكريم في جوهره هو كتاب تحرير للعقل، يحث على السير في الأرض، والنظر في السنن، وتفكيك الموروث التقليدي الآبائي ("إنا وجدنا آباءنا على أمة").
المعركة اليوم ليست في العودة إلى مقولات الفلاسفة اليونان، بل في استعادة الروح العقلانية الرشدية التي ترى في إعمال العقل فريضة قرآنية. الهوية القومية التقدمية لا تحمي نفسها بالانغلاق ورفض منجزات الفكر الإنساني (الغربي أو غيره) بحجة المؤامرة أو الحروب، بل بالاستيعاب والنقد والتجاوز، وتوظيف العقل العلمي لبناء القوة والنهضة والتحرر.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاع ...
- دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك ...
- اليمن… الحرب التي لا تجد من يبررها إلا الخراب
- معركة باب المندب: صمود اليمن يكسر الحصار الإمبريالي
- تفكيك بنية الموطأ: قراءة نقدية في تهافت المرويات ومحورية الن ...
- البخاري بين قداسة النص وإساءات المتن: قراءة نقدية في -أصحّ ك ...
- قضايانا المصيرية بين القبر الاستراتيجي والبعث الممكن
- اتفاق مكة الهش... ومن أين يستمد الحوثيون هذه الجرأة؟
- التفسير التجريدي للقرآن: تحرير النص من أسر -أسباب النزول- ال ...
- قراءة في كتاب البخاري
- موقعة بدر: استشهادية من قبل الصحابة، استعراضية من قبل قريش
- سلسلة قرأت لكم : كتاب حوار مع الشباب العربي. د عصمت سيف الدو ...
- سلسلة قرات لكم كتاب التقدّم… على الطريق المسدود للدكتور عصمت ...
- قرأت لكم: لمصر لا لعبد الناصر — محمد حسنين هيكل
- ليبيا تحترق... وتونس والجزائر بين التضامن والتوجس: إلى أين ت ...
- ثورة الممرات ومعركة المصير: الجماهير العربية في مواجهة الوحش ...
- إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآني ...
- جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة ...
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...


المزيد.....




- الفاتيكان: الجراحة التي خضع لها البابا تكللت بالنجاح.. ولا ي ...
- الفاتيكان: البابا ليو لا يحتاج لعلاج إضافي بعد جراحة استئصال ...
- -مذكرة بدر-.. ما أبرز أهداف الاتفاق الدفاعي بين قطر و3 دول إ ...
- التلفزيون الإيراني: قاليباف يلتقي المرشد الأعلى ويبحث معه مس ...
- كوثراني.. الطائفية السياسية في لبنان عطلت بناء الدولة
- إلى أين وصلت مساعي المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى أيام الس ...
- نتانياهو يعلق على احتجاجات فرنسا ويعتبر أن باريس رضخت لـ-غزو ...
- متحدث جماعة الحوثي يخاطب شيخ الأزهر بعد مبادرة للمصالحة وحقن ...
- مفتي عُمان يعلق على مبادرة شيخ الأزهر عن المصالحة وحقن الدما ...
- اتحاد علماء المسلمين يعقّب بـ6 نقاط على مبادرة شيخ الأزهر لل ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - إشكالية العقل والنقل: قراءة تقدمية وقرآنية في معركة -التهافت- بين الغزالي وابن رشد