أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - أكتوبر: سقوط الصنم وبقاء المعبد














المزيد.....

أكتوبر: سقوط الصنم وبقاء المعبد


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 02:44
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


في أكتوبر 1964 هبت الخرطوم. خرج الطلاب، ثم انضمت النقابات، ثم توقفت القطارات والمصانع والمحاكم. ستة أيام كافية لإسقاط نظام عسكري حكم ست سنوات. الشارع انتصر. لكن جهاز الدولة لم يهزم. الجيش بقي، البيروقراطية بقيت، والتجار الكبار بقوا، والاقتصاد الريعي بقي. من الذي انتصر إذن؟

السؤال الذي لم يطرحه أحد في ذلك الزمن هو السؤال الذي تأخرت الإجابة عنه عقوداً: كيف تصنع جماهير قادرة على إسقاط النظام، سلطة قادرة على الحكم؟ الانتفاضة أجابت على النصف الأول. النصف الثاني لم تكن تملك أدواته.

نظام عبود لم يكن ديكتاتورية عابرة. جاء بانقلاب نوفمبر 1958 ليغلق المجال السياسي الذي فتحه الاستقلال، ويحل الأحزاب، ويقيد الصحافة، ويحاصر النقابات، ويشن حرباً في الجنوب باسم الوحدة الوطنية. ست سنوات من القمع أنتجت غضباً متراكماً في الجامعات ومواقع العمل والأقاليم. إضراب عمال السكة الحديد عام 1961 كان إنذاراً مبكراً بأن الطبقة العاملة قادرة على ضرب شريان الحياة الاقتصادية. الحركة الطلابية كانت تضخ الغضب في الشارع سنة بعد سنة. وحين سقط الطالب أحمد القرشي طه برصاص الشرطة في ندوة جامعية عن الجنوب، كان الغضب قد بلغ ذروته.

الرصاصة لم تصنع الثورة. الرصاصة أشعلت ما كان جاهزاً للاشتعال. خلال أيام تحولت احتجاجات الجامعة إلى إضراب سياسي عام شل الدولة. القضاة والمحامون والأطباء والأساتذة والعمال دخلوا في مواجهة مباشرة مع النظام. جبهة الهيئات تقدمت لتنسيق التحرك. الجيش أعلن انحيازه للشعب في 28 أكتوبر. عبود استقال في 15 نوفمبر. ثلاثة أسابيع بين الشرارة والسقوط.

هنا يبدأ الدرس الحقيقي لأكتوبر. جبهة الهيئات، التي قادت الانتفاضة، كانت تحالفاً بين نقابات مهنية وتنظيمات عمالية وقوى سياسية. جمعها هدف إسقاط عبود. لم يكن يجمعها برنامج للحكم. حين تشكلت الحكومة الانتقالية الأولى في 30 أكتوبر 1964، حصلت الجبهة على سبعة مقاعد من أربعة عشر، مقابل خمسة للأحزاب ومقعدين للمستقلين الجنوبيين. كانت القوة المسيطرة على الحكومة. لكنها لم تكن القوة المسيطرة على الدولة.

الأحزاب التقليدية، الأمة والوطني الاتحادي، كانت تمتلك ما لم تملكه الجبهة: قواعد ريفية راسخة، وشبكات طائفية ممتدة، وخبرة في إدارة الصراع السياسي. جبهة الهيئات كانت قوية في الشارع، ضعيفة في الأرياف. قوية في الإضراب، ضعيفة في الانتخابات. قوية في الإسقاط، عاجزة عن البناء.

الصراع لم يتأخر. في فبراير 1965، وتحت ضغط الأحزاب التقليدية وتعبئة الأنصار، استقال سر الختم الخليفة. شُكلت حكومة ثانية من دون جبهة الهيئات. خرجت القوة التي أسقطت النظام من الحكومة التي ورثته. الانتخابات التي جرت في 1965 أعادت الأحزاب التقليدية إلى البرلمان. عادت الديمقراطية البرلمانية، لكنها عادت فوق بنية اقتصادية لم تمس. الملكية الكبيرة بقيت. الريع بقي. التفاوت بين المركز والأطراف بقي. والجيش بقي جهازاً مستقلاً لا يخضع لرقابة شعبية.

قضية الحزب الشيوعي كشفت الحدود الحقيقية لهذا الانتصار. بعد أن حصل الحزب على أحد عشر مقعداً في البرلمان، صوّتت الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1965 على حله وإسقاط نوابه. الديمقراطية البرلمانية التي أعادتها الثورة استُخدمت لإقصاء خصم طبقي. المحكمة العليا قضت بعدم دستورية الإجراءات في 22 ديسمبر 1966، لكن الحكومة والبرلمان رفضا تنفيذ الحكم. استقال رئيس القضاء بابكر عوض الله احتجاجاً على اهتزاز سيادة القانون. لم يكن الحكم انتصاراً للدستور، بل كشف أن الضمانات الدستورية لا تحمي أحداً حين تصطدم بمصالح القوى المسيطرة، وأن جهاز الدولة قادر على تجاوز القضاء نفسه.

في مايو 1969 جاء انقلاب نميري. الجيش عاد إلى السلطة. خمس سنوات فقط بين إسقاط عبود وعودة الحكم العسكري. الفارق بين الانتفاضة والثورة هو الفارق بين من يسقط النظام ومن يبني الدولة. أكتوبر أسقطت النظام. لم تبن الدولة. والنتيجة أن الجهاز الذي لم يُهزم عاد ليحكم من جديد.

ما حدث في 1985 تكرر في 2019. الجماهير أسقطت نميري وأسقطت البشير. الجيش التقط السلطة في المرتين. البنية الاقتصادية بقيت في المرتين. ليس لأن الجماهير تخاذلت، وليس لأن القادة خانوا، وليس لأن الجيش أقوى. لأن الأدوات التي تحول القوة الاجتماعية إلى سلطة سياسية لم تكن موجودة. لا برنامج انتقالي يربط المطالب المعيشية بالسيطرة على الإنتاج. لا سلطة مزدوجة تنافس الدولة على الأرض. لا حزب ثوري يمتلك نظرية الزمن والسرعة والحسم. لا أفق أممي يكسر العزلة التي تفرضها القوى الإقليمية والدولية.

الطبقة العاملة السودانية أثبتت في أكتوبر 1964 قدرتها على شل الدولة. لكن الشلل ليس حكماً. الإضراب ليس برنامجاً. الغضب ليس سلطة. الانتفاضة التي لا تمتلك أدوات تحويل نفسها إلى سلطة تبقى رهينة من يملك الجهاز المنظم: الجيش والأحزاب التقليدية والبنية البيروقراطية القديمة.

هذا هو الدرس الذي لم يُستوعب بعد ستين عاماً. الانتفاضات السودانية المتكررة ليست دليلاً على عجز الجماهير. هي دليل على قوتها الاستثنائية في الإسقاط، وعلى الفجوة المزمنة بين هذه القوة وأدوات تحويلها إلى حكم. سد هذه الفجوة هو المهمة. وهي مهمة تنظيمية وبرنامجية وزمنية في آن واحد. لا تُنجز بالاحتفاء بالذكرى، ولا بالبكاء على ما ضاع. تُنجز ببناء ما لم يُبنَ بعد.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟
- 13. شطب الذاكرة المادية — التطهير الرمزي وإعادة إنتاج المكان ...
- 12. العمل غير المأجور وإعادة إنتاج الحياة
- 11. البنية التحتية للحياة اليومية — الخصخصة الصامتة والاستبع ...
- 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السك ...
- 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...


المزيد.....




- السفير ياسين سعيد نعمان يسلم رسالة من البركاني للبرلمان البر ...
- تجنيد الحريديم.. قضية كل انتخابات في إسرائيل الخلاف بشأن تج ...
- فرنسا تسعى لحظر احتجاجات جديدة وماكرون يوجه اتهامات صريحة لل ...
- How to Stop Trump’s Coup: Lessons From South Korea
- The Empty Stadium Illusion: Why Banning Israeli Fans is Not ...
- Tenant Power on Display in Jersey City
- Retreat, Ho!
- Jekyll and Hyde: Justice Stays on the Street
- السودان: في مواجهة السيناريوهات الدولية
- لنَبْــنِ حركة جماهيرية أممية من أجل العدالة الاجتماعية والم ...


المزيد.....

- حينما غضب النيل / ماهر الكرارسي
- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عماد حسب الرسول الطيب - أكتوبر: سقوط الصنم وبقاء المعبد