فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 20:04
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يمثّل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان (ت 35هـ/656م) نموذجًا بارزًا في تاريخ العطاء الإسلامي؛ فقد اجتمعت في شخصيته التجارة الناجحة، والقدرة المالية، والسخاء في الإنفاق، والحرص على خدمة المسلمين. ولم يقتصر عطاؤه على الصدقات العابرة أو المساعدات التي تنتهي بانتهاء مناسبتها، بل ارتبط بأعمال ذات منفعة عامة، كان من أبرزها شراء بئر رومة في المدينة المنورة وإتاحتها للمسلمين، إلى جانب مساهماته المالية في تجهيز جيش العسرة وغيره من وجوه البر. وقد تجاوز الأثر التاريخي لهذه الأعمال زمنه، إذ أصبحت سيرته في الإنفاق نموذجًا يُستشهد به عند الحديث عن الوقف والصدقة الجارية والمسؤولية الاجتماعية في الحضارة الإسلامية.
وتنبع أهمية تجربة عثمان بن عفان من أنها تكشف عن العلاقة بين الثروة الخاصة والمصلحة العامة في المجتمع الإسلامي المبكر؛ فالتجارة، في هذه التجربة، لم تكن مجرد وسيلة لجمع المال وتحقيق الثراء، وإنما تحولت إلى مصدر للإنفاق في وجوه الخير، وتوفير بعض الاحتياجات الأساسية للمجتمع. ومن هنا، فإن دراسة سخائه لا تقتصر على استعراض الروايات المتعلقة بمواقفه، بل تتيح فهم جانب من نشأة ثقافة الوقف والعمل الخيري، وكيف أمكن لمبادرات فردية أن تترك أثرًا يتجاوز حياة أصحابها بقرون طويلة.
وتُعدّ قصة بئر رومة من أشهر الشواهد التاريخية على سخاء عثمان بن عفان وحرصه على تخفيف الأعباء عن المسلمين. فقد كانت المدينة المنورة، بعد هجرة النبي محمد ﷺ إليها، تشهد نموًا في عدد سكانها، وأصبح الحصول على المياه العذبة من المسائل المهمة في حياة المجتمع الجديد. وكانت بئر رومة، الواقعة في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي، من الآبار المعروفة بعذوبة مائها، وقد انتقلت ملكيتها، وفق الروايات التاريخية المتداولة، إلى رجل يهودي كان يبيع ماءها للناس.
وتذكر الروايات أن النبي ﷺ حثّ على شراء البئر وإتاحتها للمسلمين، وجاء في الحديث: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟». فبادر عثمان بن عفان إلى شرائها، ابتغاء الأجر والثواب، ولم يجعلها مصدرًا لتحقيق مكسب تجاري جديد، وإنما خصصها لمنفعة المسلمين. وتورد المصادر تفاصيل متعددة بشأن مراحل شرائها وثمنها، وتذكر بعض الروايات أنه اشترى نصفها أولًا، ثم اشترى النصف الآخر، حتى أصبحت البئر كلها في ملكه، فتصدق بها على المسلمين. «اشترى عثمان بن عفان رضي الله عنه بئر رومة في المدينة المنورة، وجعلها للمسلمين، فغدت من أشهر الشواهد التاريخية على سخائه وإسهامه في توفير المياه للناس. وقد ورد اسمها في المصادر الحديثية بصيغة رومة، بينما ذكرت بعض المصادر صيغة أرومة أيضًا».
وتكشف هذه المبادرة عن فهم عملي لمعنى الصدقة؛ فالماء ليس سلعة عادية يمكن الاستغناء عنها، بل هو ضرورة للحياة، يحتاج إليه الغني والفقير، والمقيم والمسافر، كما تحتاج إليه الزراعة والحيوان. ومن ثمّ، فإن إتاحة البئر مجانًا لم تكن مجرد مساعدة فردية، بل كانت تدخلًا ذا أثر اجتماعي واقتصادي واسع، إذ خففت عن الناس كلفة الحصول على الماء، ووفرت موردًا حيويًا يمكن أن يستفيد منه أفراد المجتمع على اختلاف أحوالهم.
وتبرز أهمية هذا الموقف في أن عثمان لم يكتفِ بتقديم المال إلى المحتاجين ليشتروا به الماء، وإنما سعى إلى معالجة أصل المشكلة من خلال توفير المورد نفسه. وهذا فارق جوهري بين المساعدة المؤقتة والعمل الخيري المستدام؛ فالأولى تنتهي بانتهاء المال الذي يُقدَّم، أما الثانية فتستمر منفعتها كلما استُخدم المورد الذي خُصص لخدمة الناس.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى شراء بئر رومة بوصفه مثالًا مبكرًا على توظيف الثروة الخاصة في تحقيق منفعة عامة، وعلى الصلة الوثيقة بين الإحسان الفردي ومفهوم الوقف الذي تطور لاحقًا ليصبح إحدى المؤسسات المهمة في الحضارة الإسلامية.
ولم يكن شراء بئر رومة حادثة منفردة في سيرة عثمان بن عفان، بل جاء ضمن سجل من المبادرات التي ارتبطت بثرائه وسخائه. فقد كان من كبار تجار قريش، وعُرف بقدرته على إدارة أمواله وتجارته، لكنه لم يحصر ثمار نجاحه الاقتصادي في متطلبات حياته الخاصة، بل جعل للإنفاق في سبيل الله مكانة بارزة في سلوكه.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تجهيز جيش العسرة، وهو الجيش الذي جُهّز للخروج إلى تبوك في السنة التاسعة للهجرة، حين اشتدت الحاجة إلى المال والدواب والمؤن بسبب بُعد المسافة والظروف الصعبة التي أحاطت بالحملة. وتورد كتب الحديث والسيرة أخبارًا عن مساهمة عثمان الكبيرة في التجهيز، وعن تقديمه المال والإبل وغيرها من الاحتياجات التي أسهمت في دعم المسلمين.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، وردت بشارة النبي ﷺ لمن جهّز جيش العسرة، كما نقلت المصادر عن عثمان نفسه تذكيره بمساهمته في تجهيز الجيش عند حديثه عن مناقبه. وقد اقترنت هذه المساهمة بموقفه من بئر رومة في الروايات التي تذكر فضائله، بما يعكس تعدد صور إنفاقه بين توفير الماء للناس والمساهمة في تلبية احتياجات المجتمع في الظروف الاستثنائية.
ومن المهم، عند الحديث عن هذه المواقف، ألا يُفهم سخاء عثمان على أنه تخلي عن قيمة العمل والتجارة، بل إن تجربته تشير إلى إمكان الجمع بين النجاح الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية. فالتجارة الناجحة وفرت له القدرة على العطاء، والإيمان بقيمة الصدقة وجّه جانبًا من هذه القدرة نحو مصالح المجتمع. ولم يكن المال في هذه الرؤية غاية مستقلة عن الإنسان، بل وسيلة يمكن أن تسهم في حماية المجتمع وتقوية أواصر التضامن بين أفراده.
وإذا كانت الروايات التاريخية لا تتيح الجزم بأن عثمان جعل جميع تجارته أو كامل ثروته في سبيل الله، فإن الثابت في أخبار مناقبه هو ضخامة بعض عطاياه وتعدد وجوه إنفاقه. لذلك فإن التعبير الأدق هو أنه سخّر جانبًا مهمًا من ماله وتجربته التجارية لخدمة المسلمين، وهو ما تكفي شواهده المعروفة لإبراز مكانة البذل في سيرته.
لذا تكتسب قصة بئر رومة أهمية إضافية عند دراستها في ضوء تطور نظام الوقف في الإسلام. فالوقف يقوم، في جوهره، على تخصيص أصل من الأصول لمنفعة مستمرة، بحيث ينتفع الناس بثماره أو خدماته مع المحافظة على الغرض الذي خُصص له. وقد أصبحت هذه الفكرة، عبر القرون، أساسًا لقيام مؤسسات تموّل المساجد والمدارس والمستشفيات ومرافق المياه، وتدعم الفقراء وطلاب العلم والمسافرين.
ويُظهر وقف بئر رومة جانبًا عمليًا من هذه الفكرة؛ إذ لم تكن المنفعة المقصودة محصورة في شخص معين أو أسرة بعينها، وإنما ارتبطت بتوفير الماء للمسلمين. وهكذا تحوّل شراء عثمان للبئر من معاملة تجارية إلى مشروع ذي غاية اجتماعية مستدامة، وأصبح اسمه مرتبطًا بمورد عام وبقيمة أخلاقية تجاوزت حدود عصره.
ولا يعني ذلك أن نظام الوقف بصورته المؤسسية المتكاملة قد ظهر دفعة واحدة في عهد عثمان، أو أن بئر رومة كانت أول وقف في تاريخ الإسلام على الإطلاق؛ فقد سبقتها أو عاصرتها صور أخرى من حبس الأموال والأصول للمنفعة العامة. غير أن قصتها أصبحت من أبرز الأمثلة التي استُشهد بها في كتب الوقف والفقه والتاريخ، لما تحمله من وضوح الغاية واستمرار الأثر.
وقد تناول الباحث عبد الله بن محمد الحجيلي تاريخ بئر رومة في دراسة متخصصة بعنوان «بئر رومة: وقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه»، نُشرت في مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة سنة 2004. وتُبرز هذه الدراسة أهمية الوثائق والروايات المتعلقة بالوقف، وتساعد على تتبع تاريخه ومكانته في الذاكرة الوقفية للمدينة المنورة.
ومن الجوانب اللافتة في قصة بئر رومة أن أثرها لم يبقَ حبيس كتب التاريخ، بل ظل الموقع حاضرًا في ذاكرة المدينة المنورة ومعالمها التاريخية. وتذكر الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية أن عمر هذا الوقف يتجاوز 1400 سنة، وأن البئر ومزرعتها ارتبطتا عبر مراحل مختلفة بالاستفادة من المياه وزراعة النخيل، مع تخصيص ثمارها للمحتاجين. كما تشير إلى أن الجهات المختصة اهتمت باستصلاح الأرض المحيطة بها والاستفادة من مواردها.
وتكشف هذه الاستمرارية عن قدرة بعض الأعمال الخيرية على تجاوز التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فقد تعاقبت على المدينة المنورة عصور ودول مختلفة، وتغيرت أنماط العمران ووسائل توفير المياه، لكن اسم عثمان بن عفان ظل حاضرًا في ارتباطه بالبئر. ولم تعد قيمة الموقع مقتصرة على الماء الذي وفره، بل أصبحت تشمل دلالته التاريخية والدينية، وما يمثله من نموذج للعطاء الذي يترك أثرًا بعد وفاة صاحبه.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين استمرار الوقف بوصفه أصلًا تاريخيًا وقانونيًا، وبين استمرار البئر نفسها في أداء الوظيفة ذاتها وبالوسائل القديمة دون انقطاع؛ فقد تعرض الموقع خلال تاريخه لفترات من الإهمال والتجديد وإعادة التأهيل. وتذكر المصادر التاريخية والمعاصرة أعمالًا للعناية به وإصلاحه، بما يوضح أن بقاء الوقف لا يتحقق بمجرد إنشائه، وإنما يحتاج أيضًا إلى إدارة ورعاية وصيانة تحافظ على مقصده.
وفي هذا السياق، تمثل بئر رومة شاهدًا على التفاعل بين المبادرة الفردية والرعاية المؤسسية. فقد بدأ الأمر بقرار اتخذه رجل من أصحاب المال، لكنه أصبح جزءًا من التراث الوقفي للمدينة، ثم دخل في نطاق الاهتمام الرسمي المعاصر. وهذه الرحلة التاريخية تبرز أن العمل الخيري المستدام يحتاج إلى نية صالحة عند تأسيسه، وإلى مؤسسات قادرة على المحافظة عليه وتطويره بما يتناسب مع حاجات المجتمع.
إن استحضار سيرة عثمان بن عفان في هذا المجال لا يقتصر على الثناء على سخائه، بل يفتح الباب أمام تأمل جملة من القيم التي تظل مهمة في المجتمعات المعاصرة. أولها أن الثروة تكتسب بعدًا اجتماعيًا عندما تُسهم في تلبية الحاجات الأساسية للناس، وثانيها أن العمل الخيري الأكثر أثرًا هو الذي يتجاوز تقديم المساعدة الآنية إلى بناء موارد يستفيد منها الناس على المدى الطويل.
وتتجلى قيمة هذه التجربة أيضًا في الجمع بين المبادرة الفردية والمنفعة العامة؛ فقد كان عثمان صاحب المال والقرار، لكنه وجّه ما امتلكه نحو حاجة تتجاوز مصالحه الخاصة. ولم يكن الماء في هذه الحالة وسيلة للتقرب إلى الله فحسب، بل كان أيضًا موردًا يمس الحياة اليومية للناس، ويعزز قدرتهم على العيش والعمل والاستقرار.
ومن هنا، فإن استلهام هذه التجربة اليوم يمكن أن يتخذ صورًا متعددة، منها دعم مشاريع توفير المياه، وإنشاء الأوقاف التعليمية والصحية، وتمويل الخدمات الأساسية، وتطوير الأصول الخيرية بما يضمن استدامة منافعها. فالمقصد ليس تكرار صورة تاريخية بعينها، وإنما الإفادة من المبدأ الذي قامت عليه: تحويل جزء من الموارد الخاصة إلى منفعة عامة مستمرة.
وتظل سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه في العطاء مثالًا مهمًا على توظيف المال في خدمة المجتمع. فشراء بئر رومة وإتاحتها للمسلمين، والمساهمة في تجهيز جيش العسرة، وغيرهما من وجوه الإنفاق التي حفظتها المصادر، تكشف عن جانب بارز من شخصيته الاقتصادية والاجتماعية. وقد اكتسبت بئر رومة مكانة خاصة لأنها جمعت بين الحاجة الإنسانية المباشرة وإمكان استمرار المنفعة عبر الأجيال.
وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا، لا يزال اسم عثمان مرتبطًا بهذا الوقف في المدينة المنورة، بما يؤكد أن أثر الإنسان لا يُقاس بما يجمعه من مال وحده، بل بما يتركه من نفع للآخرين. وتبقى قصة البئر رسالة تاريخية وحضارية مفادها أن المال حين يُوجَّه إلى خدمة الإنسان يمكن أن يتحول من ملكية خاصة محدودة إلى أثر عام تتناقله الأجيال، وأن العطاء المستدام قد يكون أبلغ من الصدقة العابرة، لأنه يربط بين إحسان الماضي وحاجات الحاضر وآمال المستقبل.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟