أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - كيش أول مدينة ذات مكانة سياسية بارزة في التاريخ















المزيد.....

كيش أول مدينة ذات مكانة سياسية بارزة في التاريخ


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 16:48
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كانت كيش إحدى أهم المدن ذات المكانة السياسية الرفيعة في بلاد الرافدين القديمة . وحسب قائمة الملوك السومريين كانت أول مدينة تُمنح حكماً إلهياً بعد الطوفان الكبير، مما يشير إلى أنها كانت من أوائل المدن التي ساهمت في تطور السلطة السياسية في تاريخ البشرية.

لقد حافظت كيش على مكانة بارزة في المنطقة لما يقرب من أربعة قرون قبل صعود الملك سرگون الأكدي (عام 2334 ـ 2279 قبل الميلاد) وتأسيس عاصمته الجديدة أكد (المعروفة أيضاً باسم أگاد). ورغم أن المصادر التاريخية القديمة كثيراً ما خلطت بين كيش وأكد أو بابل، إلا أن هذه المدينة استمرت كركيزة سياسية مهمة، وحافظت على الوجود السكاني فيها لمدة لا تقل عن 3000 سنة . كما أن تاريخ كيش قد يكون مفقوداً في معظمه،إلا أن ما تبقى منه يعكس منعطفات حاسمة. وأوضح البروفيسور نورمان يوفي في رؤيته عن تاريخ كيش:
" في عام 2500 قبل الميلاد، كانت مدينة كيش في بلاد الرافدين أعظم مدينة في العالم. وقبل خمسمائة عام فقط من تشييدها ، كانت مجرّد قرية متواضعة (أو ربما قريتين متجاورتين). وبعد مئتي عام من بلوغ ذروة مجدها وزيادة سكانها ونمو حجمها وقوتها السياسية؛ أصبحت كيش ولاية تابعة لدولة أكد التي كان أول ملوكها هو سرگون الذي كان خادماً لملك كيش في السابق . كما أسس سرگون عاصمته في موقع أكد، وكان ذلك رمزاً لإنشاء نظام سياسي جديد في بلاد الرافدين، وليس مجرد هيمنة إحدى مدنها القديمة. مع ذلك فقد اشتهرت كيش كمركز إقليمي برمزيتها للقوة ولعدة قرون ؛ تنافس فيها ملوك وأمراء بلاد الرافدين على حكمها." (ص529)

تنتهي الأدلة الأثرية القاطعة على وجود مدينة كيش مأهولة بالسكان مع سقوط الإمبراطورية الساسانية (عام 224-651 ميلادي).وتدل مكتشفات أثرية متفرقة أخرى على أن بعض مستوطنات المدينة استمرت مأهولة بالسكان حتى الحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي، لكنها تلاشت بعد القرن الثاني عشر الميلادي . وعند دراسة تاريخ مدينة كيش القديمة بعد العصر الحديدي؛ يجب أن لا يختلط الأمر مع جزيرة كيش الواقعة في بلاد فارس والتي استوطنت فقط في الألفية الأولى قبل الميلاد .

الأصول والسلالات المبكرة
كانت كيش ( تل الأحيمر) تقع على سهل نهر الفرات الفيضي على بُعد 80 كيلومتراً جنوب العاصمة بغداد و12 كيلومتراً شرق مدينة بابل القديمة. وقد كشفت الحفريات الأثرية أن الموقع ربما كان مأهولاً بالسكان منذ فترة العُبيد (حوالي عام 6500-4000 قبل الميلاد) رغماً من عدم العثور على أية آثار تاريخية مطمورة تعود إلى ما قبل عام 3000 قبل الميلاد. ويظهر الرمز المسماري القديم لكلمة "كيش" في بعض الأسماء الإلهية المبكرة من الألفية الثالثة قبل الميلاد .
في فترة أوروك (عام 4000-3100 قبل الميلاد)، ظهرت قريتان سومريتان متجاورتان في الموقع حددهما العلماء باسم كيش الشرقية (تل إنگارا؛ الذي أطلق عليه السومريون اسم هورساگكلاما أو "جبل سومر " ) وكيش الغربية (تل الأحيمر)، وهي كيش نفسها. والأخيرة كانت مركزاً تجارياً لأوروك، ومن ثم تطورت لاحقاً لتصبح مركزاً حضرياً للقرى المجاورة، مما ساهم في تشكيل إحدى أقدم دول ـ المدن في بلاد الرافدين . وللارتباط الوثيق الذي جمع المدينة بأوروك، لذا فقد تبوأت مكانة رائدة في صياغة الملامح الأولى للثقافة السومرية، لاسيما في مجالات اللغة والدين والعلوم . كما تُعد المرحلة الأخيرة من هذه الفترة (أوروك الثالثة) بظاهرة أوروك؛ وذلك بفضل التطورات الكبيرة في الحياة الحضرية المستقرة، بما في ذلك الابتكارات في الزراعة وصناعة الفخار وإنتاج الصوف والنقل بالعجلات؛ وتوسع التجارة ؛ وظهور أقدم السجلات المكتوبة؛ وإنشاء المؤسسات الإدارية والسياسية.
من المرجح أن تطور الأنظمة الاقتصادية والإدارية والسياسية قد ساهم في تشكيل مفهوم جديد للملكية ظهر خلال فترة السلالات المبكرة في بلاد الرافدين (عام 2900-2350/2334 قبل الميلاد). إذ كانت مدينة كيش بمساحتها الحضرية الشاسعة التي تصل إلى نحو 5.5 كيلومتر مربع ، وعدد سكانها غير المسبوق الذي بلغ عشرات الآلاف، ومبانيها العديدة الفخمة التي اتسمت بالطُرز المقوسة و المستوية (ربما كانت مستودعات للأسلحة ببوابات محصنة)، والمتاجر والمصانع و ورش العمل، والمخازن الكبيرة، والمراكز التجارية والإدارية، و"الزقورات المزدوجة" الواسعة الانتشار (ربما كانت مخصصة للإلهة إنانا وإله الحرب زابابا)؛ تقع جميعها في قلب بلاد سومر العريقة.
كما شملت الاكتشافات الأثرية من هذه الفترة؛ نقوشاً وتحفاً برونزية وأختاماً ملكية، وسجلات عن التخطيط الحضري . كما عُثر على أدلة تعود للفترة مابين عام 2900 وعام 2800 قبل الميلاد؛ على فيضان كبير ضرب المنطقة الذي لا بد أنه كان مدمراً للسكان المحليين المتضررين بشدة. وربما كان هذا الحدث الجلل مرتبطاً مع الفيضان الاسطوري المذكور في قائمة الملوك السومريين، والذي قيل إن مدينة كيش احتضنت بعده أول سلالة حاكمة في بلاد الرافدين .
في كيش أصبح گيشور ملكاً؛ وحكم مدة 1200 عام. وحكم كلاسينا ـ بل مدة 900عام . حكم نان ـ گش ـ لِشما لمدة 1200 عام . حكم إن ـ دارا ـ آنا مدة 420 عام و3 أشهر و3 أيام ونصف . حكم بابوم مدة 300 عام . حكم پوانوم مدة 840 عام . حكم كاليبوم مدة 900 عام . حكم كالوموم مدة 840 عام. حكم زوكاكيپ مدة 900 عام. حكم آتاب مدة 600 عام . حكم ماسدا بن آتاب مدة 840 عام. حكم آروايوم بن ماسدا مدة 720 عام .
هؤلاء الملوك الأوائل الذين يُرجّح أنهم ملوك أسطوريون، جاء من بعدهم إتانا الملك الراعي الذي صعد إلى السماء وأقام للبلاد ملكاً؛ وحكم لمدة 1500 عام . ومن القصص الشائعة عنه نجدها في " أسطورة إتانا" التي عُثر على ألواحها في مكتبة آشوربانيبال (القرن السابع قبل الميلاد) وفي نقوش الأختام الأسطوانية تعود لعهد الملك سرگون الأكدي . ولعلّ مكانة إتانا الخاصة في قائمة الملوك السومريين بوصفه الحاكم الذي فرض نظاماً شاملاً وموحداً على جميع البلدان (المعروفة)؛ تُشير إلى نشوء فكرة أساسية في المفهوم السومري حول تأسيس أرض أو مملكة موحدة .
تتضح جذور سلالة كيش الأولى تاريخياً مع إنميباراگيسي ملك كيش (حوالي عام 2750 قبل الميلاد)، الذي ظهر اسمه على نقوش تعود لفترة حكمه بما في ذلك بقايا فخارية من كيش . وقد أقرّ الكُتّاب السومريون بأنه من شيّد معبد إي- كور، وهو المعبد الرئيسي للإله إنليل في مدينة نيپور المقدسة . وحسب قائمة الملوك السومريين، فقد "دمّر جيش وأسلحة عيلام "، وربما كان قد غزا تلك المنطقة. وتشهد الاكتشافات الأثرية على النفوذ العسكري والسياسي لإنميباراگيسي في المدن الرئيسية من جنوب بلاد الرافدين ، مثل نيپور وأوروك. ويُعتقد أن حملاته التوسعية قد استمرت على يد خليفته آگا. كما أن القصيدة السومرية "گلگامش وآگا" التي تعود لفترة السلالات المبكرة الثالثة (حوالي عام 2600-2350 قبل الميلاد)؛ تشير إلى فشل الملك أگا في السيطرة على أوروك بعد هزيمته على يد گلگامش الملك الخامس لأوروك ( حوالي عام 2600 قبل الميلاد )؛ وهو الحدث الذي مثّل سقوط السلالة الأولى لكيش .

المكانة السياسية
بحلول عام 2500 قبل الميلاد، ترسخت مكانة كيش السياسية بقوة. وقد أُطلق لقب "لوگال " السومري، الذي يعني "الرجل القوي"، على جميع حكام كيش، بينما أصبح لقب "ملك كيش" لقباً مرموقاً يسعى إليه الحكام في جميع أنحاء سومر. وكان "مسليم" ملك كيش (حكم حوالي عام 2550 قبل الميلاد) أحد أبرز هؤلاء اللوگال . ويُحتمل أنه قد دوّن أحد أقدم النقوش التاريخية التي عُثر عليها حتى الآن ، وهو لوح حجري عُثر عليه في موقع جمدت نصر (25 كم شمال شرق كيش) الذي يُعرف باسم لوح سلالة "شيل" . ويُعد هذا النص الذي يُنظر إليه غالباً على أنه نسخة معدّلة من قائمة الملوك السومرية مهماً للغاية كونه يذكر أسماء عدد كبير من أسرى الحرب والمدن التي استولى عليها ملك كيش .علاوة على ذلك، فقد كان مسليم يتميز بمهارته العالية في إدارة المفاوضات الدبلوماسية ، وتشهد سجلاته على ذلك عندما توصل الى فضّ النزاع الحدودي الذي كان قائماً بين مدينتي لگش و أوما الرئيسيتين .
على الرغم من ورود ذكر الملكة كوبابا (تُعرف أيضاً باسم "كوگ ـ بابا" حوالي عام 2400 قبل الميلاد) في قائمة الملوك السومريين كحاكمة لمدينة كيش ولمدة مائة عام (فترة غير معقولة) و تشابه اسمها مع اسم الإلهة كوبابا، واختلاف المصادر حول لقبها الملكي؛ دفعت العلماء للتركيز أكثر على ابنها بوزور ـ سوين ( حوالي عام 2360 قبل الميلاد)، الذي يُحتمل أنه كان والد الملك أورـ زبابا حاكم كيش ( حوالي عام 2340 قبل الميلاد). ويُنسب إلى أورـ زبابا الفضل في إعادة الاستقرار السياسي إلى كيش وشمال سومر بإنهاء الصراعات بين دويلات المدن المحلية. وكانت نقطة التحول الحقيقية قد بدأت بعدما حظي الشاب سرگون بمكانة في القصر جعلت منه ساقياً للملك ، وهو الدور الذي اختزل مسيرته اللاحقة ودفع به من صفوف الخدم ليصبح مؤسساً للإمبراطورية الأكدية . وتشير سيرة سرگون الذي كان تحت إمرة حفيد كوگ ـ باو إلى ما كان يتلقاه من دروس سياسية مهمة جعلته يرتقي بمستقبله كمؤسس أول إمبراطورية واسعة في التاريخ .

الإنحدار والحكام اللاحقون
عندما أسس الملك سرگون الإمبراطورية الأكدية حوالي عام 2334 قبل الميلاد، كانت كيش قد تعرضت لهجوم من لوگال ـ زاگيسي حاكم مدينتي أوروك وأوما، والذي أطاح به سرگون لاحقاً . بيد أن كيش لم تسترجع مكانتها كمدينة مستقلة بل دولة ـ مدينة ، مع أنها استمرت في فترات متقطعة لاستعادة استقلالها. وحسب عالم الآشوريات البروفيسور ثوركيلد جاكوبسن؛ فإن لوحاً متضرراً عُثر عليه تحت أطلال أحد منازل إشنونا (أو إشنوناك ـ تل أسمر) يحمل قصيدة تُشيد بالثائر "إيفور ـ كيشي"، الذي وقف بوجه دكتاتورية الملك نارام ـ سين ( عام 2254 ـ 2218 قبل الميلاد) حفيد الملك سرگون الأكدي .
حوالي عام 2100 قبل الميلاد، وقبيل ما يُعرف بالنهضة السومرية في فترة أور الثالثة (عام 2112 ـ 2004 قبل الميلاد) استولى الملك أور- نمّو (عام 2112 ـ 2094 قبل الميلاد) على كيش وجعلها تابعة له. كما تميزت تلك الفترة بحملات توسعية زادت من سلطة الحكام المحاربين الذين لم يكونوا خاضعين إلا لسلطة "إنْسي" (Ensi) ؛أي الحاكم المحلي لكل مدينة من المدن العشرين الخاضعة لحكم الملك المؤلَّه في أور. مع ذلك، لم تأتِ هذه المركزية العسكرية والسياسية على حساب التقدم الثقافي ومشاريع البناء. وعلى العكس من ذلك، فقد دخلت المدن الرافدينية المنضوية حديثاً تحت لواء حكم الملك شولگي أور ـ نمّو (عام 2094 ـ 2046 قبل الميلاد) واحدة من أكثر فتراتها ازدهاراً ورخاءً من خلال تطوير العمل الإداري ، وتوحيد أنظمة التقويم والقياس، وتعبيد الطرق وتشييد المباني العامة ، وتوحيد معايير كل من الكتابة والمحاسبة .
حوالي عام 2000 قبل الميلاد، أدى الفساد الداخلي والأزمات الاقتصادية إلى جعل إمبراطورية أور الثالثة عرضةً لغزوات متكررة من قبل المجاميع البدوية آنذاك بمن فيهم الگوتيين والأموريين . وبعد سقوط آخر إمبراطورية سومرية في أيدي هؤلاء الغزاة، استعادت الدول التابعة سابقاً في وسط وجنوب بلاد الرافدين استقلالها مثل؛ سيپار و دلبات و كيش . كما خضعت بعض المدن الأخرى، بما في ذلك ماري وبابل ولارسا وإشنونا، لحكم الأموريين الذين تبنوا اللغة والثقافة والدين السومري الأكدي . وتشمل الأدلة المدونّة من كيش لهذه الفترة قوائم بأسماء الحكام الذين يبدو أنهم قد تنافسوا على لقب "ملك كيش" المهيب، وهو اللقب الذي كان يُشير إلى سلطة سياسية أوسع .

على الرغم من العدد الهائل من الوثائق المدوّنة عن كيش خلال تلك الفترة؛ إلا أن القليل منها يُخبرنا فقط بعض الشيء عن هذه المدينة التي حُررت فيها. ومن المعروف أن كيش ما بين عامي 1897 و 1847 قبل الميلاد تقريباً، كانت تحت حكم ملوك صغار من سلالة "مانانا"، كجزء من حكم آيسن - لارسا الأوسع (حوالي عام 2025 ـ 1763 قبل الميلاد). وفي نفس الفترة تقريباً، أطاح حاكم بابل صامولائيل (عام 1880 ـ 1845 قبل الميلاد) بملوك كيش وسيپار ودلبات، وشكّل من مدنهم المستقلة نواةً لمملكته بابل .
وبحسب النصوص التي عُثر عليها في كيش، كان صامولائيل الجد الأكبر لـ "سين ـ موباليت" (عام 1813 ـ 1792 قبل الميلاد)، الذي شيّد مدناً محصنّة ، وكان له دور حاسم أيضاً في سقوط سلالتي آيسن ولارسا عام 1795 قبل الميلاد. كما أنه لعب دوراً بارزاً في تأسيس الإمبراطورية البابلية القديمة (حوالي عام 1894-1595 قبل الميلاد) من خلال إرساء نظام حكومي لتوظيف العمال في مشاريع البناء العامة في بابل . وقد بلغ توسع بابل ذروته في عهد الملك حمورابي ابن سين ـ موباليت وخليفته (عام 1792 ـ 1750 قبل الميلاد)، الذي غزا وضم جميع المدن الرئيسية في جنوب بلاد الرافدين، آخذاً بتوسيع الإمبراطورية البابلية القديمة إلى أقصى حدودها.

في ظل الحكم البابلي، تراجعت أهمية كيش أكثر فأكثر بعد صعود بابل. رغم ذلك؛ فأن سجلات كيش الضخمة أظهرت أن المدينة كانت قد حافظت على أهميتها الثقافية والدينية؛إذ تشير تلك السجلات إلى نساء المدينة اللائي أخذن على عاتقهن رعاية الطقوس الدينية للإلهة عشتار في مدينة أوروك. وبعد هجران أوروك في أواخر العهد البابلي القديم؛ نُقل معبد عشتار وطاقمه، بمن فيهم موسيقيو المعبد والراقصات وجوق المرنمّات ( النساء اللواتي يؤدين الترانيم الدينية) إلى مدينة كيش. وخلال تلك الفترة، ربما كانت كيش مدينة متعددة الثقافات، بوجود طريق خاص واسع للاحتفالات يربط القصر مع المعبد الرئيسي لعشتار، حيث كانت تُقام مواكب كبيرة وحشود ضخمة.
وتشير ألواح أثرية أخرى من كيش إلى أنه بحلول القرن السادس عشر قبل الميلاد، هُجرت العديد من مدن جنوب بلاد الرافدين وسط اضطرابات عن انهيار بابل القديمة الناجمة عن ثورات وانتفاضات في مناطق الأهوار من قبل قبائل "السيلاندر" (سلالة بلاد البحر الأولى) والتي هي عبارة عن تكتل لعائلات سومرية واكدية من سكان البلاد الأصليين فرّت إلى الأهوار بسبب التهميش والاضطهاد ؛ إضافة إلى شراسة الغزوات الأجنبية بما في ذلك غزو الحثيين . وقد دفع غياب الأدلة المدونة بين القرنين السادس عشر ومنتصف الخامس عشر قبل الميلاد بعض العلماء إلى تسميتها بـ "الفترة المظلمة" لهذه المرحلة من تاريخ بلاد الرافدين . ومع ذلك، فمن المؤكد أنه بحلول عام 1595 قبل الميلاد، هُزم الحثيّون هزيمة ساحقة على يد الكاشيين، الذين استولوا بعد ذلك على حكم بابل ومدنها التابعة، بما في ذلك مدينة كيش ولمدة أربعة قرون .

الحُقب الأخيرة
ان معلوماتنا عن مدينة كيش بعد العهد البابلي القديم باتت ضئيلة جداً. إذ ذكر الملك الآشوري تگلث فلاسر الثالث (عام 744 ـ727 قبل الميلاد) مدينة كيش ضمن قائمة المدن التي غزاها. كما لعبت كيش دوراً بارزاً أيضاً في الصراع بين الملك الآشوري سنحاريب (عام 704 ـ 681 قبل الميلاد) ومردوخ أپلا إيدينا الثاني (عام 721/ 710 ـ 703 قبل الميلاد) ملك بابل الكلداني . لكن الأهم من ذلك، اكتشاف أسطوانتين طينيتين من قِبل السكان المحليين في موقع " تل أحيمر" عام 2013 م، تحملان أدلة مكتوبة على مشروع ترميم واسع النطاق لزقورة المدينة العظيمة في عهد الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني (عام 604 ـ 562 قبل الميلاد). كما أشار إليهما البروفيسور داريو رادلي في المقطع أدناه :
" الأسطوانتان المصنوعتان من الطين المفخور والمصممتان على شكل برميل صغير، متطابقتان تقريباً في المحتوى. إذ يصف نصيهما ترميم زقورة كيش؛ وهي بناء مدرّج ضخم مُكرّس لإله الحرب زابابا والإلهة عشتار. كما يتبع النصّان بنية تقليدية في الكتابة، حيث يبدآن بألقاب الملك وتقديمه كحاكم عيّنه الإلهان مردوخ وناپو لرعاية الأماكن المقدسة. ثم ينتقلان إلى ذكر الزقورة نفسها،؛على أنها شُيدت في عهد ملك سابق وأُعيد ترميمها في عهد ملك آخر، لكنها عادت لتتدهور بشدة مع مرور الزمن وتأثيرات المناخ الذي أضعف جدرانها . ويرد في النصيّن إن الملك نبوخذ نصر استجاب بحل هذه المشكلة ، وأصدر أوامره بتقوية الهيكل، وإعادة بناء الأجزاء المتضررة منه، وتحسين مظهر الزقورة الخارجي لكي تكون مسكناً لائقاً لآلهتها. وفي ختام النصيّن، يُطلب من الآلهة أن تمنح الملك عمراً مديداً، ونصراً مؤزراً على الأعداء، ورضا إلهي دائم ." (رادلي، 2026)
وعلى الرغم من ندرة ذكر تلك المقاطع النصيّة في المصادر المدوّنة من العهد الأخميني (حوالي عام 550-330 قبل الميلاد) وما بعده، إلا أن كيش ظلت مدينة مزدهرة نسبياً على الأقل حتى العصر الساساني .

بدأت الحفريات الأثرية في تل الأحيمر في الفترة مابين عام 1911 وعام 1912م، ومن ثم استؤنفت بين عامي 1923 و1933م، حين قام متحف فيلد للتاريخ الطبيعي وجامعة أكسفورد بدراسة العديد من التلال الأربعين في الموقع . وكشفت تنقيباتهم عن أدلة مهمة على التحضّر المبكر لمدينة كيش ومكانتها كمركز سياسي إقليمي رئيسي . ورغم توقف الحفريات في تل أحيمر لعقود نتيجة الاضطرابات والنشاط العسكري؛ إلا أن كنوزاً من القطع الأثرية القيّمة التي توثق وتعيد سرد قصة مدينة كيش الرائعة معروضة في متاحف فيلد في شيكاغو، و اللوفر في باريس، و أشموليان في أكسفورد، وغيرها من المتاحف ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثوركيلد جاكوبسن ـ كنوز الظلام: تاريخ الدين في بلاد الرافدين ـ طباعة جامعة ييل ـ 1978.
ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2005 .
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين ميلاد الحضارة ـ سانت مارتن گريڤين ـ 2012 .
گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين من الألف الى الياء ـ طباعة أكاديمية بلومزبيري ـ 2010 .
إي . أي واليس بادج ـ الحياة والتاريخ البابلي ـ بارنز و نوبل للنشر ـ 2005 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيّد الرقص الإله الهندوسي شيڤا ناتاراجا
- - كوه نور - أكبر ماسة في العالم
- الحورية كاليپسو وأسيرها أوديسيوس
- چارڤاكا الفلسفة الهندية القديمة عن المتعة
- أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم
- نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية
- إنكي إله الحكمة السومري الماكر
- إنليل حارس ألواح القدر في بلاد الرافدين
- من قصص الآلهة ـ آنو أبو الآلهة في بلاد الرافدين
- أوتو- شمش إله الشمس والعدالة عند السومريين
- نانا إله القمر والحكمة في بلاد الرافدين
- الشرق الأدنى مصطلح جديد لأرض قديمة
- أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال
- بابل بوابة الآلهة
- كاليگولا الامبراطور المجنون !
- بلاد سومر في التأريخ
- حفلة الرجال المحترقين
- السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة


المزيد.....




- شاهد من الداخل.. ما الذي يجعل مسيّرة -غيران-4- الروسية أكثر ...
- ولي العهد السعودي يستقبل وزير الخارجية ورئيس المخابرات المصر ...
- وكالة: فيدان ناقش مع كالاس أزمة تصدير الحبوب بسبب التوترات ف ...
- تفتيش مكاتب في البرلمان الأوروبي بشبهة اختلاس أموال
- بعد تحرك مصري لدعم دفاع السعودية.. رسالة من السيسي تصل للملك ...
- مصدر إيراني يوضح مدى استعداد بلاده لحرب شاملة ومتعددة المستو ...
- فرنسا توقف عددا من المواقع الحكومية بسبب ثغرة أمنية حرجة
- مدفيديف: تعزيز القدرات الدفاعية الروسية ودعم العسكريين على ر ...
- مكتب غوتيريش يرحب بالفرص الجديدة للحوار حول أوكرانيا
- موسكو تدعو لندن لتعقب بريطانيين أدينا غيابيا بتهمة القتال في ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - كيش أول مدينة ذات مكانة سياسية بارزة في التاريخ