أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2- 4)















المزيد.....



تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2- 4)


عبدالله الفكي البشير
كاتب وباحث سوداني

(Abdalla Elfakki Elbashir)


الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 21:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"وأما الدكتور مصطفي محمود فقد جاء ببضاعة مزجاة، فجازت على مستهلكين لا يحسنون التمييز.. هذا سبب.. والسبب الثاني هو: (عقدة الأجانب).. فإننا نحن السودانيين، لطول ما رزئنا به من الإذلال، فقدنا الثقة في أنفسنا، وظننا أن الخير لا يأتي من عند أنفسنا، ولا من مواطنينا، وإنما هو الخير يجيء دائماً من وراء حدود بلادنا.. هذا هو السبب الآخر".
محمود محمد طه، 4 أبريل 1970

نواصل تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردّنا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025). وقلنا في الحلقة السابقة إن الناقد الذي لا يرى في النصوص إلا ما يؤيد حججه ومواقفه المسبقة، ويتغاضى عمّا قد يناقضها أو يستدعي مراجعتها، ثم لا يجد في نقد موسّع قُدّم إليه، بلغ (57,558) كلمة، ما يستحق الاستدراك أو التصحيح أو إعادة النظر، أو يتجاوز ما طُرح عليه من أفكار جديدة دون مناقشتها، إنما يضع منهجه النقدي ومدى التزامه بالمعايير العلمية موضع مساءلة. وقد وقفنا في الحلقة السابقة على موضوعين مما أغفله الدكتور أمين في تعقيبه، ونواصل هنا مناقشة بقية المسائل، وفي مقدمتها إضافة ألفاظ إلى نصوص محمود محمد طه لم ترد فيها، وحذف كلمات وجمل منها، وإخراج بعض الاقتباسات من سياقاتها، بما يؤثر في دلالاتها.
إن تجاوز هذه الملاحظات دون مناقشتها أو تفنيد الحجج والأدلة التي استندنا إليها يجعل النقد تسويقاً لبضاعة مزجاة، ويعبّر عن تعالٍ معرفي بلا مسوّغ، ويكشف عن غياب التواضع المعرفي، كما يثير أسئلة جوهرية بشأن سلامة المنهج النقدي ومدى الوفاء باستحقاقاته العلمية. ومن هنا، نواصل مناقشة ما أغفله الدكتور أمين في تعقيبه من نقدٍ مستحقّ، بالعودة إلى النصوص الأصلية وفحصها في سياقاتها.

ثالثاً: النسخ بين الزركشي وطه: استراتيجية ابتداع التناقض في قراءة الدكتور أمين

قلنا أيضاً، في مقالاتنا النقدية السابقة إن الدكتور أمين كان يمكن أن يصل إلى نتيجة أكثر دقة لو تناول موضوع النسخ عند الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن، بالرجوع إلى الفصل الرابع والثلاثين، المعنون " معرفة ناسخه من منسوخه"، و لا سيما الصفحات (28-44). فدراسة هذا الفصل في سياقه، ومقارنة ما يورده الزركشي بالنصوص الأصلية لمحمود محمد طه، تتيحان اختبار المقارنة بين التصورين على أساس علمي، بدلاً من الانطلاق من صياغة تتضمن مفردة أقحمها الدكتور أمين عمداً، وهي مفردة "للأبد"، ثم اتخاذها أساساً لتقرير الاختلاف بينهما. وعليه، فإن الاعتراض لا يتعلق بمجرد اختلاف الدكتور أمين مع طه في فهم النسخ، ولا بمجرد مقارنته بين طه والزركشي، وإنما يتعلق بضرورة التثبت من صحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، ودقة عرض آرائهم، وسلامة الاستنتاجات المبنية على المقارنة. فالمقارنة العلمية لا تستقيم إلا إذا عُرض كل تصور في حدوده النصية والسياقية، ومُيّز بين ما يقوله أصحاب الأفكار أنفسهم وما يضيفه الباحث من تفسير أو استنتاج.
وإذا رجع الدكتور أمين إلى الفصل المذكور، وتأمل نصوص الزركشي فيه، ثم قابلها بنصوص طه، لأمكنه الوقوف على تقاطع جوهري يستحق المناقشة، بدلاً من بناء المقارنة على مفردة "للأبد" التي أضافها إلى نص طه. فقد أشار الزركشي إلى أن النسخ الوارد في القرآن يمكن أن يُفهّم، في بعض المواضع، بمعنى التأجيل، مستنداً إلى قراءة "ننسئها" بالهمزة وما تفيده من التأخير. وهذا المعنى نجده حاضراً أيضاً في معالجة طه للآية الكريمة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، إذ يقول في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام:
"قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) يعني: ما نلغي، ونرفع من حكم آية.. قوله: (أَوْ نُنسِئهَا) يعني نؤجل من فعل حكمها.. (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) يعني أقرب لفهم الناس، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة..(أَوْ مِثْلِهَا) يعني نعيدها، هي نفسها، إلى الحكم حين يحين وقتها.. فكأن الآيات التي نسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها.. فإذا حان حينها فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم، وتصبح، بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة، في القرن السابع، منسوخة الآن" الرسالة الثانية من الإسلام، ص 9 -10).
واللافت هنا أن طه يستحضر قراءة "ننسئها" بالهمزة، كما وردت في المعالجة التي يناقشها الزركشي، ويجعل التأجيل وحكم الوقت عنصرين أساسيين في تفسيره للنسخ. غير أن أهمية المقارنة لا تقف عند الاشتراك في الدلالة اللغوية للتأجيل، بل تمتد إلى النظر في كيفية ارتباط الحكم بالوقت الذي يقتضيه. وفي هذا السياق، يقول الزركشي، في معرض مناقشته للأوامر الواردة بالتخفيف وعلاقتها بآية السيف: "وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك بل هي من المُنْسَأِ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما" (البرهان في علوم القرآن، ص 42). ثم يوضح الزركشي هذا المعنى بقوله: "ويعود هذان الحُكْمَانِ، أعني الْمُسَالمَة عند الضعف وَالْمُسَايَفَةَ عند الْقُوَّةِ، يعود سببهما، وليس حكم الْمُسَايَفَةِ ناسخاً لحُكْم الْمُسَالَمَةَ بل كل منهما يجب امتثاله في وقته" (البرهان في علوم القرآن، ص 43).
تكشف هذه النصوص عن أن الزركشي لا يتعامل مع كل اختلاف بين الأحكام باعتباره إلغاءً نهائياً للحكم السابق؛ بل يقرر، في هذا الموضع، أن بعض الأوامر يرتبط بوقت مخصوص، وأن اختلاف مقتضيات الأحوال قد يستدعي اختلاف الحكم الواجب الامتثال. وهذا يلتقي مع الفكرة التي يؤسس عليها طه قراءاته للنسخ، حين يربط إرجاء الحكم بحكم الوقت، وإمكان عودته إلى العمل متى تغيرت مقتضيات ذلك الوقت. ويعبّر طه عن هذا المعنى بقوله: " فليس النسخ، إذن، إلغاء تاماً، وإنما هو إرجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت" (الرسالة الثانية من الإسلام، ص 10). ومن ثم فإن موضع الإشكال في قراءة الدكتور أمين ليس مجرد اختلاف مع طه، وإنما إغفاله نصوصاً أصلية كان من شأنها أن تجعل المقارنة أكثر دقة وتعقيداً، وأن تدعوه إلى التمييز بين صور النسخ ودلالاته، بدلاً من تقديم المسألة في صورة اختلاف حاسم لا يحتمل المراجعة. فالنصوص المذكورة تتيح، على الأقل، مساءلة هذا الاستنتاج، وتكشف عن تقاطع بين الزركشي وطه في ربط بعض الأحكام بحكم الوقت، وإن كان إثبات مدى الاتفاق أو الاختلاف بينهما يقتضي استكمال المقارنة بسائر النصوص ذات الصلة. وكنت قد أشرت في مقالاتي السابقة، إن موضوع حكم الوقت موضوع مركزي عند محمود محمد طه، ولمعرفة ما هو الوقت عند طه؟ وما مفهوم حكم الوقت عنده، يمكن الرجوع إلى ورقة كنت قد نشرتها بعنوان: "حكم الوقت الذي يقتضي فهمًا جديدًا للقرآن والإسلام"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، مركز دراسات فلسفة الدين، السنة الثلاثون، العدد (81- 82)، بغداد 1447- 2026، صفحات 137- 161. كما قدمت ورقة أخرى بعنوان: "دَّلالة المناسبة وحكم الوقت في الفهم الجديد للإسلام"، في الندوة العلمية الدولية الموسومة بـ: المناسَبيّ في اللغة والأدب والحضارة، تنظيم قسم اللغة العربية، كلية الآداب والفنون والإنسانيات منوبة، جامعة منوبة، تونس، (16- 17- 18 أفريل/ أبريل 2025). وقد نشرت الورقة في كتاب ضمن أعمال المؤتمر.
وهنا تحديداً تتجلى ضرورة العودة إلى المصادر الأصلية قبل الأحكام النقدية؛ فبدلاً من اتخاذ مفردة مضافة إلى نص طه مدخلاً لتقرير اختلاف تصوره عن تصور الزركشي، كان الأجدر بالدكتور أمين أن يبدأ من نصوص الرجلين، ويعرضها في سياقاتها، ثم يحدد بدقة مواضع الاتفاق والاختلاف بينهما. بذلك وحده تصبح المقارنة أداةً للفهم والتحقيق، لا وسيلةً لتثبيت نتيجة سابقة. أما حين تُنتزع النصوص من سياقاتها، أو تُضاف إليها ألفاظ ليست منها، ثم تُوظَّف هذه الإضافات لإقامة تناقض لا تسنده النصوص الأصلية على النحو الذي صُوِر به، فإن المقارنة تنقلب من أداة للمعرفة إلى أداة للتضليل وتغييب المعاني. وعندئذ لا يعود الخلل مقتصراً على سوء الفهم أو قصور المنهج، بل يتجاوزهما إلى المساس بأمن المعرفة وأمن الفكر؛ إذ يصبح القارئ أمام صورة مصنوعة عن الأفكار، لا أمام الأفكار كما عبّر عنها أصحابها. ومن هنا، فإن صيانة أمن المعرفة وأمن الفكر تقتضي الأمانة في نقل النصوص، والدقّة في تفسيرها، والتمييز الصريح بين أقوال أصحابها و تأويلات الباحثين، حتى لا تتحول المقارنة من سبيل إلى كشف الحقيقة إلى وسيلة لحجبها و تشويهها.

رابعاً: من ادعاء الاختلاف إلى دعوى الأخذ من الزركشي: ماذا تغيّر في قراءة الدكتور أمين؟

ومن أغرب ما في معالجة الدكتور أمين للعلاقة بين محمود محمد طه وبدر الدين الزركشي، أن الدكتور أمين حرص في كتابه على إبراز الاختلاف بينهما، مستنداً إلى مفردة "للأبد" التي أضافها عمداً إلى عرضه لفكرة طه، ثم وظّفها في إقامة مقارنة بين الرجلين، قائلاً: "ونلاحظ أن فكرة محمود محمد طه بأن آيات الإسماح المكية قد حان أوان تفعيلها في عصرنا لتصبح الرسالة الأصل والثانية للإسلام للأبد، تختلف عن رأي الزركشي". وقد سبق أن ناقشنا هذه المقارنة، وبيَّنا موضع الإشكال في إدخال مفردة "للأبد" في عرض فكرة طه، ثم تجليات الالتواء في اتخاذ مفردة "للأبد" أساساً لإثبات الاختلاف بين طه والزركشي. لكن الدكتور أمين عاد في تعقيبه، بعد اطلاعه على ردّنا، ليطرح ادعاءً مختلفاً في صياغته ودلالته؛ فلم يعد يكتفي بالقول إن رأي طه يختلف عن رأي الزركشي، بل انتقل إلى القول إن طه أخذ الفكرة من الزركشي، من دون الإشارة إلى مصدرها وإعادة صياغتها وفق رؤيته للرسالة الثانية من الإسلام. فقد كتب الدكتور أمين في تعقيبه:" كما أخذ بعض المفاهيم من تراث الفكر الديني الإسلامي دون الإشارة للمصدر وإعادة صياغتها وفق رؤيته للرسالة الثانية من الإسلام. ومثال ذلك أخذه من بدر الدين الزركشي (1344-1392 م) فكرة تفسير كلمة ننسها الواردة في آية النسخ بأن المقصود ننسأ بمعنى تأجيلها".
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف انتقل الدكتور أمين من الاستشهاد بالاختلاف بين طه والزركشي إلى الادعاء بأن طه أخذ الفكرة من الزركشي؟ فالقول بالاختلاف بين رأيين شيء، والقول بأن أحدهما أخذ من الآخر شيء آخر؛ إذ لا يكفي إثبات التشابه في تفسير لفظة أو تقارب في بعض المعاني لإثبات علاقة الأخذ، ما لم تُقدَّم أدلة نصية وتاريخيّة تسند هذا الادعاء. والأهم أن هذا الادعاء، بصيغته الواردة في التعقيب، لم يكن وارداً في كتاب الدكتور أمين؛ وإنما ظهر في تعقيبه بعد أن أثرنا الإشكال المتعلق بمقارنته بين طه والزركشي. ومن ثم، فإن من حق القارئ أن يسأل: هل جاء هذا الادعاء استجابةً لما أُثير من نقد، أم أنه يستند إلى أدلة جديدة ينبغي عرضها ومناقشتها؟ و في كلتا الحالتين، لا يكفي إطلاق دعوى الأخذ؛ بل يلزم بيان النص الذي أخذه طه، ومصدره المحدد، و أوجه التطابق و الاختلاف، و ما يثبت أن الأمر يتجاوز التقارب في التفسير إلى علاقة اقتباس أو أخذ.
إن موضع النقد هو المطالبة بمعيار واحد في قراءة النصوص: فإذا كان الدكتور أمين قد استند إلى الاختلاف بين طه والزركشي في كتابه، فعليه أن يوضح كيف ينسجم ذلك مع ادعائه اللاحق بأن طه أخذ الفكرة من الزركشي. أما الانتقال من دعوى إلى أخرى من دون تقديم الحجة النصية الكافية، فلا يحسم المسألة، بل يجعلها أكثر حاجة إلى التوثيق والتحليل، الأمر الذي يُفقد النقد علميته وموضوعيته، فضلاً عن مفارقة الناقد للأمانة العلمية.

خامساً: تعديل النصوص وتوظيفها لإثبات الاستنتاج المراد
أداء المثقفين وتجليات غياب التواضع والتعالي المعرفي

سبق أن بيّنا أن الدكتور أمين تصرّف في بعض النصوص التي أوردها في كتابه، وعرضنا نماذج موثقة لذلك، مثل اقحامه لمفردة "للأبد" ضمن رؤية محمود محمد طه للرسالة الثانية من الإسلام، وهو لم يقل بها. وكان المنتظر، في سياق الحوار العلمي، أن يستجيب الدكتور أمين لهذا النقد، وأن يوضح موقفه من الاختلافات التي كشفنا عنها، وأن يبادر إلى تصحيحها في الطبعة القادمة من كتابه، إذا تبيّن له وجه الخطأ فيها. غير أنه آثر التغافل عن هذه المسألة، بدلاً من مواجهتها ومناقشتها. وهنا تتجلى أهمية التواضع المعرفي، الذي يقترن بالاستعداد لمراجعة المواقف وتصحيح الأخطاء، وهو ما عبّر عنه محمود محمد طه بقوله: "التواضع هو أصل الخلق الرصين الذي يسوق إليه العلم الصحيح". ومن أمثلة تصرّف الدكتور أمين في النصوص قوله:

"إلى جانب إنكاره قانون العلية الذي تمت بموجبه كل اكتشافات العلم الحديث، يزعم محمود محمد طه تطابق الإسلام مع العلوم الطبيعية بقوله: (إن كانت معجزة الرسالة الأولى من الإسلام هي بلاغة القرآن، فإن معجزة الرسالة الثانية من الإسلام هي علمية القرآن.. فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم المادي التجريبي.. وسيجيء الحق، في الرسالة الثانية من الإسلام بصورة تشبه هذا العلم، ولكن تبزه وتتفوق عليه». (ص 192-193).

كنا قد فحصنا هذا الاقتباس وقارنّاه بالنص الوارد في مصدره الأصلي، وهو كتاب محمود محمد طه تطوير شريعة الأحوال الشخصية (1971)، حيث ورد النص على النحو الآتي:

"وحين كانت معجزة الرسالة الأولى من الإسلام هي بلاغة القرآن، فإن معجزة الرسالة الثانية من الإسلام هي ((علمية)) القرآن.. فإن هذا العصر الحاضر هو عصر العلم.. العلم المادي التجريبي.. هذا هو أعظم شيء في صدور الناس الآن، وسيجيء الحق، في الرسالة الثانية من الإسلام بصورة تشبه هذا العلم، ولكنها تبزه، وتتفوق عليه.. وسيذعنون لها، وستستيقنها نفوسهم، وسينقادون لها.. لا يشذ عنها شاذ، ولا يعصي أمرها عاص".

وقد كشفنا، من خلال المقارنة بين النصين، عن اختلافات متعددة، من بينها استبدال الدكتور أمين مفردة "وحين" بالحرف "إن"، وحذف كلمات وعبارات من النص الأصلي. وقد فصلنا هذه الاختلافات في مقالاتنا السابقة، ويمكن الرجوع إليها للاطلاع على تفاصيلها. ونحن لا نقول إن كل حذف من نص مقتبس ممنوع من حيث الأصل؛ فالاختصار جائز في البحث العلمي متى اقتضاه المقام، شريطة الإشارة إلى مواضع الحذف بوضوح، باستخدام علامة الحذف (…) أو غيرها من الوسائل المتعارف عليها، وألا يؤدي الاختصار إلى تغيير المعنى أو تشويه السياق. أما حذف عبارات من داخل النص، ثم تقديم النص المقتطع بين علامتي اقتباس من دون بيان مواضع الحذف، فإنه يخل بأمانة النقل، ويحجب عن القارئ حقيقة تدخل الباحث في النص الذي يستند إليه. لكن المسألة الأهم ليست مجرد إثبات الاختلاف بين النصين، وإنما النظر في أثر التعديلات والمحذوفات في الاستنتاج الذي بناه الدكتور أمين على الاقتباس. وقد تناولنا هذه المسألة بالتفصيل في مقالاتنا السابقة، فلا حاجة إلى تكرارها هنا. ويكفي، في هذا المقام، التأكيد أن سلامة الاستنتاج العلمي لا تنفصل عن سلامة النص الذي يُتخذ دليلاً عليه، وأن أي تعديل في النص المقتبس يستوجب فحص أثره في المعنى والحجة والاستنتاج.
ومن ثم فإن معيارنا في هذه المواجهة ليس: مَن مع محمود محمد طه ومَن ضده؟ وإنما مَن مع النص ومَن ضده؟ ومَن يحترم الدليل ومَن يتصرف فيه؟ وهنا تحديداً يصبح الدفاع عن أمانة النقل جزءاً من الدفاع عن أمن المعرفة وأمن الفكر لأن المعرفة التي لا تحمي نصوصها من التحريف والاجتزاء، ولا تحاسب الباحث على سلامة نقله واستدلاله، وملاحقته حتى وإن تعالى على النقد، كحال الدكتور أمين، فإن المعرفة معرضة إلى أن يُعاد تشكيلها وفق النتائج التي يرغب الباحثون في الوصول إليها، لا وفق ما تقوله مصادرها بالفعل. وهذا هو الخطر الحقيقي على أمن المعرفة وأمن الفكر.
ولنا عودة إلى عبارة الدكتور أمين: "إنكاره قانون العلية"، لنفحص هذا الادعاء ونسأل: هل أنكر محمود محمد طه بالفعل قانون العلية، أم أن الدكتور أمين قدّم موقفه على نحو لا يسنده الفحص الدقيق لنصوص طه؟

سادساً: حين يقتطع النص من سياقه، يُصنع الاستنتاج

سبق أن أشرنا إلى أن الدكتور أمين كتب قائلاً: "يزعم محمود محمد طه تطابق الإسلام مع العلوم الطبيعية". وهذه العبارة التي استشهد بها الدكتور أمين، كما ورد أعلاه، لم ترد عند محمود محمد طه منفصلة عن سياقها، و إنما جاءت ضمن حديث مطوّل يتناول القرآن، وطبيعة إعجازه، والفرق بين الرسالة الأولى من الإسلام والرسالة الثانية، ومعنى "علمية" القرآن في تصوره. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه العبارة يقتضي الرجوع إلى سياقها الكامل، وفهم المسألة التي يناقشها طه، وتحديد المعني الذي يقصده من حديثه عن علمية القرآن، قبل استخلاص أي حكم على موقفه. أما الاكتفاء بجملة مقتطعة، ثم تقديمها بوصفها دليلاً على أن طه يزعم تطابق الإسلام مع العلوم الطبيعية، فلا يكفي لإثبات أن هذا الاستنتاج يعكس بدقة ما يقوله النص في سياقه.
وقد سبق أن أوردنا النص كاملاً، كما جاء في كتاب محمود محمد طه تطوير شريعة الأحوال الشخصية، (ص87-89)، وأوضحنا السياق الذي وردت فيه العبارة. ولذلك لا نرى حاجة إلى إعادة النص هنا؛ إذ يكفي الرجوع إلى ما سبق نشره للوقوف على موضع العبارة ضمن سياقها، ومقارنة ذلك بما استخلصه الدكتور أمين منها، والدقة في تحديد دلالاتها، والتمييز بين ما يقوله صاحب النص فعلا وما يستنتجه الناقد منه. فإذا كان استنتاج الدكتور أمين صحيحاً، فالمطلوب أن يُبيّن كيف يقود السياق الكامل إلى هذا الاستنتاج، لا أن يكتفي بالعبارة المقتطعة ويترك للقارئ أن يتعامل معها بمعزل عن الإطار الفكري الذي وردت فيه.
وهذا ما يجعل العودة إلى النص الأصلي ضرورة منهجية، لا مجرد تفصيل توثيقي؛ فالسياق قد يوضح المعنى، أو يقيّد دلالته، أو يكشف أن الاستنتاج المنسوب إلى الكاتب يحتاج إلى مراجعة. ومن دون هذه العودة، يظل الحكم عرضة لأن يكون مبنياً على جزئية لا تستوعب النص الذي يُراد نقده.

سابعاً: ادعاء تبنّي محمود محمد طه للرأي الأشعري في أن القرآن كلام الله: حين يغيب الاستعداد للمراجعة والتواضع أمام الحق
يبدو أن الدكتور أمين لا يُبدي استعداداً كافياً لمراجعة مواقفه النقدية، ولا قدراً وافياً من التواضع أمام الحق، حتى حين يُوضَع أمام تبيينٍ وتفصيلٍ يستدعيان المراجعة

كرر الدكتور أمين في تعقيبه ما سبق أن أورده في كتابه، من أن محمود محمد طه تبنّى الرأي الأشعري القائل بأن القرآن كلام الله، من غير أن يتبيّن طبيعة هذا التبنّي، أو يشرح أوجه الاتفاق والاختلاف بين تصور طه للكلام الإلهي والتصور الأشعري. وقد سبق أن تناولنا هذه الدعوى بالنقد والتفصيل والتبيين، وأوضحنا أن مجرد الاشتراك في القول بأن القرآن كلام الله لا يكفي لإثبات تبنّي التصور الأشعري؛ إذ يظل السؤال الجوهري متعلقاً بمعنى الكلام الإلهي وطبيعته، وكيفية فهم العلاقة بين القرآن بوصفه كلام الله وبين الوجود والخلق. وهذا تحديداً ما أغفله الدكتور أمين. فبدلاً من مناقشة التفصيل الذي قدمناه، والوقوف على ما يطرحه من أسئلة تتعلق بجوهر المسألة، أكتفى بإعادة الدعوى السابقة، وكأن تكرارها يغني عن إقامة الدليل عليها.
إن القول بأن "القرآن كلام الله" يثير سؤالاً أساسياً: ما معنى الكلام الإلهي؟ وهل كلام الله، في حقيقته، يشبه كلام الإنسان، أي أصواتاً تخرج من الحناجر فتقرع الآذان؟ أم أن للكلام الإلهي طبيعة أخرى لا يصح اختزالها في النموذج البشري للكلام؟ هذا هو السؤال الذي نجد لدي محمود محمد طه معالجة له تختلف عن مجرد تقرير العبارة في إطارها الكلامي التقليدي، غير أن الدكتور أمين ظل مهووساً بتشابه الألفاظ، وعافيا نفسه عن واجب القيام باستحقاق النقد حيث الاطلاع والصبر على التمحيص والفحص للمحتوى. وهذا ما لا يمكن قبوله في عالم اليوم، كون التعدي على نصوص الآخرين، هو تعدي على الحقوق الفكرية، وتعدي على حقوق الأجيال القادمة، فضلاً عن كونه خطراً على أمن المعرفة وأمن الفكر. فعن القرآن كلام الله، يبدأ طه من السؤال: القرآن كلام الله، فما معنى هذا؟ ثم يتساءل، في سياق شرحه، عما إذا كان كلام الله يشبه كلام الإنسان. ويجيب بالنفي، متجهاً إلى فهم الكلام الإلهي من خلال فعل الله في الوجود، وما تتجلى فيه قدرته من ترابط الظواهر والأحداث والآثار. ويقول طه إن القرآن، هو كلام الله، الذي هو خلق. ولتقريب هذا المعنى، يستعرض طه سلسلة من الظواهر الكونية المتتابعة: تطلع الشمس، فترسل الضوء والحرارة؛ وتؤدي الحرارة إلى تبخر الماء، وتثير الرياح وتحرك الهواء؛ وتحمل الرياح بخار الماء إلى مناطق بعيدة، فينزل المطر، ويروي الأرض، ويحييها بعد موتها، وينبت الزرع، وتدب الحياة في صورها وأشكالها المختلفة. ومن خلال هذا المثال، يلفت طه النظر إلى أن ما يبدو لنا أحداثاً طبيعية متتابعة يمكن النظر إليه أيضاً بوصفه مظهراً من مظاهر الفعل الإلهي في الوجود.
ويصف طه هذه الصورة بأنها "صورة موجزة قاصرة، مفككة الحلقات لكلام الله"، ثم يضيف: "فالقرآن صورة هذا الكلام، أو قل هذا العلم، مفرغ في قوالب التعبير العربية". وتكشف هذه العبارة عن ضرورة التمييز بين مستويات المعالجة عند طه: الكلام الإلهي من حيث اتصاله بالخلق والوجود، والقرآن من حيث كونه صورة لهذا الكلام أو العلم، مصوغة في قوالب التعبير العربية. ومن ثم، فإن فهم موقفه لا يتحقق باقتطاع عبارة "القرآن كلام الله" وإلحاقها مباشرة بالموقف الأشعري، وإنما يتطلب قراءة تفسيره لطبيعة الكلام الإلهي، وفهم العلاقة التي يقيمها بينه وبين الوجود، ثم إجراء مقارنة دقيقة بين هذا التصور والتصور الأشعري. ولا يعني ذلك أن مجرد عرض تصور مختلف يثبت، وحده، استحالة وجود أي تقاطع بين طه والأشاعرة؛ فهذه مسألة تحتاج بدورها إلى مقارنة نصية دقيقة. وإنما يعني، على وجه التحديد، أن إثبات الاتفاق في عبارة عامة لا يثبت الاتفاق في مضمونها، وأن نسبة مذهب كامل إلى مفكر لا تستقيم بمجرد اشتراكه مع أصحاب ذلك المذهب في إحدى قضاياه. فإذا كان الدكتور أمين يريد إثبات أن طه تبنّى الرأي الأشعري، فعليه أن يحدد المقصود بهذا الرأي، وأن يبيّن مواضع الاتفاق في الأسس والتفاصيل، لا أن يكتفي بإيراد العبارة المشتركة ثم يعاملها باعتبارها دليلاً حاسماً. وقد سبق أن فصّلنا هذه المسألة في نقدنا، ويمكن الرجوع إلى مقالاتنا السابقة للاطلاع على المناقشة كاملة. ولذلك، فإن موضع الاعتراض هنا لا يقتصر على أن الدكتور أمين أورد حكماً نرى أنه غير دقيق، بل يمتد إلى أنه أعاد الحكم نفسه في تعقيبه، من دون أن يناقش التفصيل الذي قدمناه، أو يوضح لماذا لا يؤثر ذلك التفصيل في استنتاجه. وهنا تتجاوز المسألة حدود الاختلاف في تفسير نص أو تقدير دلالته، لتطرح سؤالاً منهجياً عن موقف الناقد من الأدلة التي تواجه استنتاجه، وعن مدى استعداده لمراجعة حكمه في ضوئها. فالتواضع المعرفي لا يتجلى في إعلان الاستعداد لقبول الحق فحسب، وإنما يتجلى، على نحو أخص، في الاستجابة للحجة حين تُعرض، وفي الاستعداد لمراجعة الموقف حين تكشف المناقشة عن قصوره. أما تجاوز الحجة من دون مناقشتها، مع الإصرار على الحكم السابق، فيثير إشكالاً حقيقياً بشأن الوفاء باستحقاقات النقد العلمي.
وهنا تبرز المسألة المنهجية الأهم: ماذا يفعل الناقد حين يُعرض عليه اعتراض مفصّل على إحدى دعاواه؟ إن مقتضى النقد العلمي أن يناقش الاعتراض، ويفحص أدلته، ويبيّن موضع الخطأ فيه إن رأى أنه مخطئ، أو يراجع حكمه إذا تبيّن له أن المسألة أكثر تعقيداً مما تصوّر. أما إعادة الدعوى ذاتها من دون معالجة الاعتراض الموجّه إليها، أو بيان أسباب عدم الاقتناع به، فلا تضيف إلى الحجة قوة، ولا تجعل الحكم أكثر صحة؛ بل تكشف عن اعتداد بالرأي يتعارض مع مقتضيات التواضع المعرفي. فعلمية النقد تجرّد صاحبه، بحق، من التعالي، وتذكّره، بالحق، بضرورة التواضع أمام الأدلة واحتمالات المراجعة. إننا لا نطالب الدكتور أمين بأن يتفق معنا، ولا نطلب منه أن يتراجع عن كل موقف نقدي يتبناه؛ وإنما نطالبه بأن يناقش ما قُدّم له من أدلة، وألا يتعامل مع ما يخالف قراءته وكأنه غير موجود. فالاعتراف بأن في النص تفصيلاً يستحق المناقشة ليس تنازلاً عن الموقف النقدي، بل هو من شروط جديته وعلميته. أما الإصرار على الحكم السابق، مع تجاوز الاعتراض الذي يستدعي إعادة النظر فيه، فيحوّل النقد من عملية مفتوحة على الفحص والتصحيح إلى موقف مغلق على استنتاجاته الأولى. وهذا هو موضع الخلل الذي نلفت إليه: ليس مجرد الاختلاف مع الدكتور أمين، وإنما غياب الاستجابة النقدية الكافية لما وُجّه إلى دعواه من اعتراضات موثّقة ومناقشات مفصّلة. وحين يُواجَه الدليل بالتجاهل، ويُستبدل فحص الاعتراض بالإصرار على الحكم السابق، فإن الاعتداد بالرأي يتحول إلى ضرب من التعالي الذي لا يسوّغه امتلاك الحقيقة، ولا ينسجم مع مقتضيات البحث العلمي. فالنقد العلمي لا يُقاس بقدرة صاحبه على تكرار أحكامه، بل بقدرته على اختبارها والدفاع عنها في ضوء الأدلة، وباستعداده لمراجعتها حين تقتضي الحجة ذلك.



النقد الذي لا يفي باستحقاقاته هو ما يعوّق النهضة
أداء المثقفين وتجليات الخطر على أمن المعرفة وأمن الفكر

إن وصف الدكتور أمين نقده بأنه "لم يكن يستهدف التجريح أو التهوين من شأن مشروع محمود محمد طه الفكري" لا يكفي وحده للحكم على طبيعة هذا النقد أو تقدير قيمته العلمية؛ فالعبرة ليست بالمقاصد المعلنة فحسب، وإنما كذلك بالأحكام التي انتهى إليها، والتي أرى أنها لا تنصف هذا الطرح، ولا تستوعب أسسه المعرفية والفكرية بما يتيح مناقشته مناقشة علمية متوازنة. أما قول الدكتور أمين إن استناد محمود محمد طه إلى "المنظومة المعرفية التي تعتمد على سلطة النص والتصوف ومنح الأولوية للنقل ويقينياته اللاهوتية حول الكون والطبيعة" من شأنه أن "يؤدي إلى تعويق عملية النهضة واستدامة التأخير الحضاري للمجتمعات العربية والإسلامية، ومنها السودان"، فهو حكم يحتاج إلى إثبات وتحليل، لا إلى تقرير عام. إذ يقتضي ذلك بيان المقصود بسلطة النص، وطبيعة العلاقة بين النقل والعقل في طرح طه، وموقع التصوف في منظومته المعرفية، ثم الكشف عن الكيفية التي تؤدي بها هذه المرتكزات، تحديداً، إلى تعطيل المعرفة أو إعاقة التغيير الاجتماعي والحضاري. ولا يكفي تصنيف طرح فكري ضمن منظومة يُفترض أنها تعوق النهضة، ثم اتخاذ هذا التصنيف أساساً للحكم عليه، من دون تحليل نصوص المشروع ومناقشة حججه ومقاصده.
بل إن السؤال الذي يستحق المواجهة هو: أليس من الممكن أن تسهم بعض القراءات النقدية نفسها في إعاقة النهضة، حين تنطلق من تصورات مسبقة عن العلاقة بين الدين والعقل، أو بين النص والتغيير، أو حين تختزل طرحاً فكرياً في بعض منطلقاته المفترضة، من دون فحص كافٍ لمقولاته وحججه؟ إن النقد الذي لا يستوعب موضوعه استيعاباً دقيقاً، ولا يختبر أحكامه في ضوء النصوص والشواهد، قد يسهم في تكريس سوء الفهم بدلاً من تجاوزه، وفي تعزيز التضليل بدلاً من تنمية الوعي، وفي إعادة إنتاج القوالب الفكرية الجاهزة بدلاً من فتح آفاق جديدة للتفكير. وهذا، في تقديري، أحد أوجه الإشكال في نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه. ويزداد هذا الإشكال وضوحاً حين ننتقل من الأحكام العامة إلى التعامل مع النصوص نفسها. فقد سبق أن أوضحنا، في نقدنا، أن الدكتور أمين أدخل مفردة "للأبد" في عرضه لرؤية محمود محمد طه، مع أنها ليست واردة بهذا المعنى في كل كتابات وأحاديث طه، ثم وظّف هذه الإضافة في بناء مقارنة مع الإمام الزركشي، انتهت، في تقديرنا، إلى استنتاج مضلل وغير سليم من الناحية المنهجية. ولم يقتصر الأمر على هذه المفردة، بل تناول نقدنا أيضاً مواضع أخرى رأينا فيها تدخلاً في صياغة نصوص طه، من خلال تغيير بعض المفردات والجمل، أو إخراج النصوص من سياقاتها بما يؤثر في دلالاتها ويخدم الاستنتاج الذي يراد إثباته. وقد أشرنا إلى هذه المواضع وفصّلناها في مناقشتنا السابقة. وهنا تتجاوز المسألة حدود الاختلاف في تفسير النصوص أو تقدير دلالاتها؛ إذ يصبح السؤال متعلقاً بمدى الالتزام بأمانة النقل، وبسلامة الإجراءات المنهجية التي تُبنى عليها الأحكام النقدية. فحين تتغير صياغة النص، أو يُنتزع من سياقه، ثم يُتخذ أساساً لإثبات تناقض أو تقرير حكم على صاحبه، فإن سلامة الاستنتاج تظل رهينة بفحص تلك الإجراءات ومراجعتها. ومن ثم، فإن الوفاء باستحقاقات النقد العلمي يقتضي العودة إلى النصوص الأصلية، والتحقق من ألفاظها وسياقاتها، ومناقشة الأدلة التي بُنيت عليها الأحكام، قبل اعتماد تلك الأحكام أو إعادة إنتاجها.
ومن هذا المنطلق، فإن النقد القائم على تعميمات غير مثبتة أو استنتاجات لا تسندها قراءة كافية لنصوص المشروع الذي يتناوله قد ينتهي إلى النتيجة التي يحذّر منها: إعاقة النهضة واستدامة التأخر الحضاري. فالنهضة لا تتطلب نقد المشاريع الفكرية فحسب، بل تتطلب أيضاً إخضاع النقد نفسه للفحص والمراجعة، ومساءلة مناهجه وأحكامه، والاستعداد للاعتراف بما قد تكشف عنه المناقشة من قصور أو حاجة إلى التصحيح. إن النقد، لكي يؤدي وظيفته المعرفية ويسهم في تطوير الفكر، لا بد أن يفي باستحقاقاته العلمية والمنهجية، وفي مقدمتها الاطلاع الكافي على موضوعه، والإحاطة بنصوصه ومرتكزاته، والفهم الدقيق لمقولاته، والاستدلال بالحجة الموثقة، والتحلي بالإنصاف والتوازن والموضوعية. أما إذا افتقر النقد إلى هذه الاستحقاقات، كما نرى في نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه، وأصدر أحكاماً لا تسندها قراءة كافية أو أدلة واضحة، فإنه يضلل الأجيال، ويشوّش الوعي المعرفي، ويقوّض شروط الحوار الفكري المنتج؛ ومن ثم، فإنه يتحول إلى مصدر خطر على أمن المعرفة وأمن الفكر.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في ممارسة النقد في حد ذاتها، وإنما في تحوّل النقد، كما نرى في نقد الدكتور أمين لفكر محمود محمد طه، حين ينفصل عن معاييره العلمية، إلى مصدر لإنتاج المعرفة المضللة، وإعادة تكريس سوء الفهم، وإعاقة التطور الفكري. وعندئذ لا يعود النقد مجرد ممارسة قاصرة، بل يغدو عائقاً أمام النهضة والانطلاق الحضاري، وأداةً للتجهيل وتكريس القعود بدلاً من تحفيز التفكير والإسهام في التغيير.
نلتقي مع الحلقة الثالثة (3- 4).



#عبدالله_الفكي_البشير (هاشتاغ)       Abdalla_Elfakki_Elbashir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردّنا ...
- تقديم لكتاب المفكر الإيزيدي الدكتور خليل جندي، الشخصية الإيز ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- الحلقة الخاتمة- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...
- ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام ا ...


المزيد.....




- لم يعودوا على الهامش: كيف يؤثر الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ع ...
- بن غفير: ديوان نتنياهو تعهّد لدول أوروبية باستبعاد حزب -عوتس ...
- 1000 مبعد.. هذا ما فعله تغييب المصلين والمرابطين عن المسجد ا ...
- هآرتس: مصادر: قادة عسكريون يخافون القيادة السياسية ولا يعملو ...
- -كبسة.. طعمية-.. باسم يوسف يوجه رسالة عن مخاطر السوشيال ميدي ...
- مخطط اغتيال في ألمانيا.. برلين تستدعي السفير الإيراني بعد مح ...
- ألمانيا تستدعي السفير الإيراني بعد استهداف شخصيات يهودية
- القائمة العربية الموحدة: مسيرة التحول من المرجعية الإسلامية ...
- اكتمال ترميم الكنيسة السفلى في كاتدرائية بطرس وبولس بقازان ب ...
- لأول مرة.. باسم يوسف يتحدث أمام السيسي عن محاولة الوقيعة بين ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله الفكي البشير - تعقيبنا على تعقيب الدكتور أمين حامد زين العابدين بشأن ردنّا على نقده لفكر محمود محمد طه في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2- 4)