أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - مقال بعنوان : أناقة تجاهل الحقيقة














المزيد.....

مقال بعنوان : أناقة تجاهل الحقيقة


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 23:57
المحور: كتابات ساخرة
    


ليست المشكلة أننا لا نعرف الحقيقة، بل إننا نعرفها جيدا، ثم نمر بجانبها وكأننا لا نراها، عابرين بابتسامة أنيقة لا تكشف ما نخفيه خلفها.
نحن لا ننكر الحقيقة صراحة، بل نتجاهلها بذكاء، ونعيد ترتيب المشهد بحيث لا يظهر ما يزعجنا. نختار الزاوية التي لا تكشف العيب، ونقنع أنفسنا بأن الصورة مكتملة، ما دام الجزء القبيح خارج الإطار. وهكذا لا نعود منشغلين بإصلاح الواقع، بل بتحسين صورته أمام أعيننا وأعين الآخرين.
ففي حياتنا اليومية، تبدو الحقيقة ثقيلة، لأنها تحتاج إلى قرار وربما إلى مواجهة، بينما لا يتطلب التجاهل سوى مهارة بسيطة: أن تقول «عادي» في الوقت المناسب، وأن تغير الموضوع بلباقة حين يقترب الحديث من منطقة محرجة. وبين ثقل الحقيقة وخفة التجاهل، نختار غالبا الطريق الأسهل، لا لأنه أكثر صوابا، بل لأنه أقل كلفة على راحتنا.
ومن هنا تبدأ الحيلة؛ إذ تتحول المشكلات إلى تفاصيل جانبية، والفشل إلى تعثر بسيط، والخطأ إلى سوء فهم، أما الكارثة فتختصر في جملة جاهزة: «تصير في أحسن العائلات». جملة قادرة على دفن أي مشكلة من دون تحقيق، وكأن تكرار الأخطاء يمنحها حق الإقامة الدائمة بيننا.
والأدهى من ذلك أننا لا نكتفي بتجاهل الحقيقة، بل نحارب من يذكرنا بها. فإذا قال أحدهم إن هناك خللا، سارعنا إلى مواجهته بعبارات من قبيل: «لماذا تضخم الأمور؟» أو «دعنا ننظر إلى الجانب الإيجابي». وهكذا تتحول الأنظار من المشكلة نفسها إلى الشخص الذي كشفها، فيصبح صاحب الملاحظة متهما بإثارة المتاعب، بينما يظل الخلل آمنا، محاطا بحراسة اجتماعية لا تسمح لأحد بالاقتراب منه.
ومع تكرار هذا السلوك، نعيش حالة من التواطؤ الهادئ؛ الجميع يرى، والجميع يفهم، والجميع يقرر ألا يتكلم. ليس دائما بدافع الخوف، بل أحيانا طلبا للراحة، لأن الاعتراف يعني التغيير، والتغيير مكلف، ونحن نفضل النسخة السهلة من الحياة، حتى لو كانت معطوبة. المهم ألا نضطر إلى اتخاذ موقف، أو تحمل مسؤولية، أو دفع ثمن كلمة صادقة قد تفسد علينا هدوءنا المصطنع.
ومع الوقت، يصبح التجاهل عادة راقية، نمارسها بأناقة، ونتقنها بلغة هادئة وضمير مطمئن. نعرف كيف نمر بالحقيقة دون أن نصطدم بها، وكيف نقنع أنفسنا بأننا نتجنب المشكلات، لا نهرب منها. بل إننا قد نمنح هذا الهروب أسماء أكثر قبولا، فنصفه بالحكمة مرة، وبالتعقل مرة أخرى، وبالرغبة في الحفاظ على العلاقات حين تضيق بنا الحجج. وهكذا لا نكتفي بإخفاء الحقيقة، بل نبتكر لأنفسنا مبررات تجعلنا نشعر بأننا أحسنا التصرف.
غير أن الحقيقة لا تختفي لمجرد أننا أدرنا ظهورنا إليها. إنها تنتظر، وتتراكم بصمت، حتى تأتي لحظة لا تنفع فيها الأناقة، ولا تنقذنا اللباقة، ولا تستطيع العبارات المهذبة أن تستر ما انكشف. عندها يصبح كل ما تجاهلناه أكبر من قدرتنا على تجاهله، وتغدو المشكلة التي حسبناها صغيرة أزمة تفرض حضورها علينا، مهما حاولنا تأجيل مواجهتها.
وعند تلك اللحظة فقط، نكتشف أننا لم نكن نتجنب المشكلة، بل نؤجلها ونراكم أسبابها، حتى صارت أكثر تعقيدا وأشد وضوحا مما يمكن إنكاره. نكتشف أيضا أن الصمت الذي حسبناه وسيلة للنجاة لم يكن سوى مساحة إضافية لنمو الخطأ، وأن المجاملة التي استخدمناها لحماية الهدوء لم تفعل سوى تأجيل الانفجار.
وربما لو واجهنا الحقيقة وهي صغيرة، لما احتجنا إلى كل هذا اللف والدوران في تجاهلها، ولما اضطررنا إلى بذل جهد أكبر في تبرير ما كان يمكن إصلاحه منذ البداية. لكن يبدو أننا نفضل الأناقة المؤقتة على الصدمة الصادقة، ونختار راحة الإنكار على مشقة المواجهة، ثم نتساءل بدهشة مصطنعة: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
والحقيقة أننا نعرف كيف وصلت، لكننا أتقنا تجاهلها إلى درجة أننا أصبحنا نحتاج إلى أزمة كي نصدق ما كنا نراه منذ البداية.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة كما يراها من يقف خارجها
- مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي
- أحيانًا نناقش كل شيء… إلا المشكلة نفسها؟
- مقال بعنوان: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
- قصيدة نثر بعنوان : قهوة الصباح
- البائع والزبائن .. وفائض الأسئلة
- المطر
- قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء


المزيد.....




- بعد عقود من الاعتزال.. رحيل الفنانة رجاء محمد يعيد ذكريات ال ...
- ماسك يهدد مشرعين أمريكيين باقتباس من فيلم سوفيتي: من يأتِ إل ...
- هيام عباس.. تكريم أوروبي لمسيرة فلسطينية امتدت إلى السينما ا ...
- الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد
- فيلم وثائقي عن إيلون ماسك يسلط الضوء على أغنى رجل في العالم ...
- فيلم رعب من 14 دقيقة يحقق 5 ملايين مشاهدة على يوتيوب في بضعة ...
- -قصة حب غير متوقعة-.. فيلم -ولا كان عالبال- يصل إلى صالات ال ...
- ترجمة الإنجليزية ليست مطلوبة؛ المطلوب مقال عربي. سأكتب العنو ...
- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - مقال بعنوان : أناقة تجاهل الحقيقة