|
|
أطروحة «أرض التوراة في اليمن»: انتقائية المنهج وتجاهل التاريخ
خلف علي الخلف
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 14:06
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ظهرت خلال العقود الأخيرة مجموعة من الأطروحات التي تشترك في فكرة أساسية واحدة: أن الجغرافيا التي ارتبطت بالتوراة في فلسطين لا تمثل الجغرافيا الأصلية للأحداث، وأن البحث عن «أرض الميعاد» ومواقع القصص التوراتية ينبغي أن يتجه جنوبًا، إلى الجزيرة العربية. غير أن هذه الفكرة لم تظهر في صورة واحدة؛ فقد تطورت من باحث إلى آخر، وكل واحد منهم حاول أن يضيف طبقة جديدة إلى ما سبقه.
كمال الصليبي كان نقطة الانطلاق الأبرز في هذا المسار. ففي كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» إذ اقترح أن جزءًا كبيرًا من جغرافية التوراة لا ينتمي إلى فلسطين، وحدد تلك الجغرافية بجنوب غرب الجزيرة العربية، ولا سيما منطقة عسير والحجاز الجنوبي. اعتمد بصورة أساسية على مقارنة أسماء الأماكن الواردة في النصوص التوراتية بأسماء أماكن عربية، وعلى افتراض أن القراءة اللاحقة للأسماء العبرية، ولا سيما الحركات، أدت إلى إخفاء مواقعها الأصلية، واقترح نقل مركز الجغرافيا التوراتية نفسه.
أخذ فاضل الربيعي الفكرة خطوة أبعد، فجعل هذه الجغرافية في اليمن، وخصوصًا مناطق الجوف وشبوة وما حولهما، المسرح الأساسي للتاريخ التوراتي. كما أعاد النظر في أسماء مركزية مثل القدس وأورشليم، وحاول بناء شبكة يمنية متكاملة لأماكن القصص التوراتية، مستفيدًا من أسماء المواقع اليمنية ومن كتب الجغرافيين العرب ومن النقوش العربية الجنوبية. وهكذا تحولت الفكرة عنده من مجرد إعادة تحديد جغرافي لبعض المواقع إلى محاولة لإعادة كتابة جغرافية التاريخ التوراتي كله.
ثم يأتي عمر شوتر ليقدم صيغة أخرى للمشروع. فهو يقول إنه أعاد فحص معظم المسارات الجغرافية في التوراة، من الخروج إلى مواقع مثل الخليل والقدس وسدوم وعمورة، ثم إلى جغرافية يشوع ومواقع أخرى. ويعتمد بصورة خاصة على تحليل الحروف الصامتة في الأسماء، وعلى المقارنة بين الكتابة العبرية القديمة والكتابة العربية الجنوبية، ويرى أن الحركات التي أضيفت في مراحل لاحقة يمكن أن تكون قد حجبت الصلات الأصلية بين الأسماء. كما يركز على تضاعف القرائن الجغرافية: الاسم، والجبل، والوادي، والطريق، والمسافة، وموقع المكان بالنسبة إلى المواقع الأخرى. وبذلك يحاول الانتقال من مطابقة أسماء منفردة إلى بناء شبكة جغرافية يمنية واسعة.
النقد الأكاديمي: من تشابه الأسماء إلى غياب التاريخ
لم تمر أطروحة الصليبي دون نقد أكاديمي مباشر. فقد تناولها باحثون متخصصون. تركز النقد في جوهره على أن المقارنة بين أسماء الأماكن لا تكفي لإثبات هويتها التاريخية؛ فالتشابه اللغوي يحتاج إلى قواعد صوتية وتاريخية تثبت تطور الاسم، وإلى أدلة مستقلة تؤكد بقاء الاسم في المكان نفسه خلال العصر المعني. كما أُخذ على الصليبي اعتماده الكبير على التحليل الطوبونيمي، مع إهمال جزء من الأدبيات المتخصصة في جغرافية الكتاب العبري، وهو أمر أقره الصليبي نفسه في مقدمة كتابه. والأهم أن النقد انتقل من اللغة إلى الآثار والتاريخ: فإذا كانت جغرافية التوراة في غرب الجزيرة العربية، فينبغي أن تؤيدها أدلة أثرية ونقوش ومصادر تاريخية مستقلة، لا أن تبقى النتيجة قائمة أساسًا على إعادة تحديد أسماء المواقع. وهذا هو التحدي الأكبر الذي يظل قائمًا أمام كل تطوير لاحق لأطروحة الصليبي.
أما فاضل الربيعي فلم تحظ نظريته بنقد أكاديمي متخصص وراجت في الإعلام والكتابات المستعجلة مدحًا أو نقدًا، وفي أحد لقاءاته اتضح أنه لا يعرف شيئًا عن الترجمة السبعينية للتوراة التي جرت في القرن الثالث قبل الميلاد من العبرية إلى اليونانية والتي يدور حولها جدل كبير.
نظرية عمر شوتر الجديدة القديمة
قدم عمر شوتر نظريته من خلال برنامج بودكاست تقدمه أحد المنصات واستمعت إلى الحلقة الأولى والثانية ولم أجد دافعًا لإكمال الحلقة الثالثة. فقد ذكر الباحث القادم إلى البحث التوراتي من خلفية هندسية وذكر أنه أمضى أربعين عامًا في بحثه هذا، لكنه لم يتعلم العبرية خلال الأربعة عقود التي أمضاها في مقارنة التسميات والمسارات. استند شوتر إلى منهجية صارمة في ظاهرها تقوم على الاكتفاء بالنص التوراتي وحده، مع ما أسميه منهج «التحليل الكرونو-مكاني [Chrono-Spatial Analysis »، أي إعادة بناء الجغرافيا اعتمادًا على زمن الرحلات، ومساراتها، واتجاهاتها، إلى جانب الأمكنة الواردة في النص، مع رفض الاستعانة بما هو خارجها.
لست مختصًا في المبحث التوراتي، لكن ما جعلني أناقش هذه الأطروحة التي قدمها الباحث في لقاء على قناة مجتمع مع باسم الجمل، هو أن الباحث قال صراحة أن المؤرخين اليونان والرومان لم يذكروا وجودًا يهوديًا في فلسطين، وهي دعوى يمكن اختبارها مباشرة بالعودة إلى المصادر الكلاسيكية نفسها. بعيدًا عن السجالات السطحية التي تفتقر إلى أدنى أدوات البحث، فإن أي أطروحة رصينة تُقاس بقدرتها على الصمود أمام اختبار المصادر المعاصرة للحدث، إضافة إلى الواقع الأثري والجغرافي المرتبط بمسارات الرحلات وأمكنتها. وهنا بالتحديد تبرز إشكالات كبرى تجعل هذه الفرضية قاصرة إن لم تُخضع لمشرط النقد التاريخي.
أولى الإشكالات الجوهرية في هذا الطرح هي القفز فوق حقيقة الوجود التاريخي والسياسي الموثق للمقاطعة الرومانية «يهودية» أو «جوديا». ففي القرن الأول الميلادي كانت يهودية (Iudaea) مقاطعة رومانية يحكمها والٍ يعينه الإمبراطور، وتخضع مباشرة للسلطة الإمبراطورية، مع بقاء حاكم سوريا المقيم في أنطاكية أعلى منه رتبة، وصاحب سلطة في الإشراف والتدخل العسكري عند الضرورة، وسبب توقفي عند هذه المقاطعة ودراستها هو الحالة الإدارية الغريبة عند البحث في تقسيم المقاطعات الرومانية السورية عبر التاريخ وليس بسبب كونها يهودية.
تجمع المصادر القريبة من الأحداث والمصادر الكلاسيكية اللاحقة، وفي مقدمتها يوسيفوس فلافيوس في كتاب «الحرب اليهودية»، وتاسيتوس في «التواريخ»، وسويتونيوس في «حياة القياصرة»، وكاسيوس ديو في «التاريخ الروماني»، على أن التمرد الذي اندلع سنة 66م واستمر حتى 73/74م كان تمردًا قاده يهود في مقاطعة «يهودية» ضد الحكم الروماني. يقدم يوسيفوس وصفًا مفصلًا للمجتمع اليهودي، متناولًا الشريعة الموسوية، والهيكل، والكهنوت، والذبائح، والسبت، والأعياد، والطوائف الدينية، وعلى رأسها الفريسيون والصدوقيون والأسينيون. كما يربط اندلاع الثورة بقرار أليعازر بن حنانيا وقف الذبيحة اليومية التي كانت تُقدَّم باسم الإمبراطور في الهيكل، ويعد هذا القرار نقطة التحول التي أعلنت القطيعة مع السلطة الرومانية.
تجمع هذه المصادر، وإن اختلفت في تفسير الدوافع، على أن الحرب ارتبطت بعوامل سياسية وإدارية ودينية، من أبرزها فساد بعض الولاة الرومان، وتصاعد التوتر بين السكان المحليين والإدارة الرومانية، ونشاط الجماعات اليهودية المتشددة، قبل أن تنتهي بإخضاع المقاطعة وتدمير أورشليم وهيكلها على يد القوات الرومانية.
على الرغم من أن هذه المصادر تناولت، بتفصيل أو باختصار، المقاطعة وسكانها وحربهم مع روما، فإنها لا تجعل أتباع يسوع المسيح قوة سياسية أو عسكرية في رواية الحرب، ولا تربطهم بقيادة التمرد أو بأسبابه المباشرة أو بمساره العسكري، وهذا ما دفعني إلى التعمق في بحث المسألة. تبقى الإشارات إليه خارج سياق تأريخ الحرب نفسها؛ إذ يرد ذكره عند يوسيفوس فلافيوس في كتاب «الآثار اليهودية»، غير أن الفقرة المعروفة باسم Testimonium Flavianum لا تزال محل نقاش نقدي واسع، ويرجح الاتجاه الأكاديمي السائد أنها تعرضت لتدخلات تحريرية مسيحية لاحقة، مع ميل كثير من الباحثين إلى وجود نواة أصلية كتبها يوسيفوس.
أما الإشارة إلى «يعقوب أخي يسوع الذي يدعى المسيح» في الكتاب نفسه، فتعد، عند غالبية الباحثين، أصيلة. ويذكر تاسيتوس في «الحوليات» شخصية Christus عند حديثه عن اضطهاد نيرون للمسيحيين بعد حريق روما، ويربطها بإعدامه في عهد طيباريوس على يد بيلاطس البنطي، ويعد هذا النص في مجمله أصيلًا عند غالبية الباحثين. أما سويتونيوس، فيورد اسم Chrestus في «حياة القياصرة»، إلا أن تحديد المقصود به لا يزال محل خلاف بين الباحثين؛ إذ يرى بعضهم أنه يشير إلى يسوع المسيح، بينما يرى آخرون أنه قد يكون شخصًا آخر يحمل الاسم نفسه.
لا يقتصر الأمر على فلسطين، بل تمتد الشواهد إلى قلب الجغرافيا السورية والعراقية. فأنطاكية، التي تأسست في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد، شهدت حضورًا يهوديًا موثقًا استمر إلى عصور لاحقة، وأصبحت في القرن الأول الميلادي أحد المراكز المهمة للحركة المسيحية المبكرة، ومنها ارتبطت تحركات بولس التبشيرية بما فيها تبشير الأمم من غير اليهود، كما ارتبط بها بطرس وغيره من الشخصيات المسيحية المبكرة.
كما أن يوحنا مالالا، المؤرخ الأنطاكي الذي عاش في القرن الخامس أو السادس، ينقل تقليدًا أنطاكيًا يربط التماثيل البرونزية المجنحة عند بوابة الكروبيم في أنطاكية بأورشليم، ويذكر أنها جُلبت من أورشليم بعد الانتصار على اليهود وتدمير الهيكل. وهو متأخر زمنيًا عن الأحداث بقرون، ولذلك لا تصلح روايته شاهدًا مباشرًا على ما جرى في القرن الأول، غير أنها تظل ذات قيمة عند دراسة الذاكرة التاريخية المحلية والتقاليد التي تداولتها أنطاكية بشأن علاقتها بأورشليم والحرب على اليهود.
فضلًا عن ذلك، يذكر المؤرخ أميانوس مارسيليانوس، المولود في أنطاكية والضابط الذي شارك بنفسه في حملة الإمبراطور جوليان ضد الفرس سنة 363م، مدينة على ضفاف الفرات غادرها سكانها اليهود أثناء مرور الجيش في المنطقة.
هذه الأدلة المعاصرة للأحداث والمتأخرة قليلًا عنها لا يمكن تجاوزها بحجة الاقتصار على النص التوراتي وحده. ويضاف إلى ذلك أن وجود جماعات يهودية في الرها وحران يظهر في عدد من الشواهد والمصادر المتعلقة بتاريخ المنطقة في العصور القديمة والمتأخرة القديمة. كما ارتبطت مملكة الرها العربية منذ القرون الأولى للمسيحية بتقاليد مبكرة حول أبجر الخامس، واللغة الآرامية وترجمة الكتاب المقدس. ورغم أن تاريخ ترجمة العهد القديم إلى الآرامية في الرها وتسلسل هذه الترجمات وتاريخها الدقيق يظل موضوعًا يحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ، ولا تكفي التقاليد الأبجرية وحدها لإثبات ترجمة كاملة للعهد القديم برعاية أبجر في منتصف القرن الثاني الميلادي بطلب أو دعم من السكان اليهود الذين كانوا يتحدثون الآرامية مثل بقية السكان.
من المفيد إعادة التأكيد على أن مبحث تاريخ المسيحية المبكر هو الذي قادني إلى هذه التفاصيل؛ إذ أعكف منذ عقد تقريبًا على دراسة تاريخ المسيحية وتاريخ سوريا الكبرى والجزيرة الفراتية، ولم أكن يومًا معنيًا بمبحث الوجود اليهودي من عدمه في أي بقعة كانت.
إن الجغرافيا التاريخية لا تُبنى بالنوايا الاستنتاجية، ولا بعزل النصوص عن مسارحها البشرية. فحين نبحث في حركات الهجرة، مثل ارتحال إبراهيم من أور إلى حران ثم إلى أرض كنعان، نجد أن التفسير الرصين يفرض علينا العودة إلى السياقات العقائدية والسياسية لتلك العصور، ومن ذلك ما حفظته مدونات قديمة، مثل «الفلاحة النبطية»، من أخبار النزاعات الدينية بين كهنة الشمس وإبراهيم الذي جادلهم في تلك العبادة ونفى أن تكون الإله الأعلى، وافترض أن القمر هو الإله الأعلى، وما نتج عنها من نفي إبراهيم إلى حران. هذا النفي يقدم تفسيرًا منطقيًا لتلك الرحلة حيث كانت حران مركز عبادة القمر، إذن لم تكن رحلة عبثية في فراغ جغرافي. ولا تقدم هذه الرواية دليلًا تاريخيًا مستقلًا على رحلة إبراهيم، غير أنها تطرح إطارًا تفسيريًا يمكن من خلاله فهم حضور حران في تقاليد إبراهيم، بدل التعامل مع الرحلة باعتبارها مسارًا جغرافيًا منفصلًا عن السياق الديني والثقافي للمنطقة.
وكتاب «الفلاحة النبطية» مرجع مهم دار حول تاريخه ونسبته جدل واسع. وقد انتهينا في كتاب «الحرانيون السومريون: في أصول ومعتقدات العشائر الزراعية في الجزيرة والفرات» إلى أنه أقرب إلى موسوعة أو مدونة مركبة من مواد متعددة، ولا يرتبط بكاتب واحد بالمعنى المباشر، وأن مواده تمثل طبقات زمنية مختلفة يعود آخرها إلى القرن الثاني أو الثالث الميلادي. وتدل بعض مضامينه على احتفاظه بمواد أقدم بكثير من زمن تدوينه النهائي، غير أن تحديد تاريخ بداية جمع هذه المواد وتاريخ اكتمال الكتاب بصيغة قطعية يظل مسألة تحتاج إلى تمييز بين تاريخ المادة وتاريخ التدوين. توقفنا عند هذا في الكتاب، غير أنني أتوقف شخصيًا أمام كثرة عودة أسباط إبراهيم إلى حران بعد ذهابهم إلى أرض كنعان، وتواتر ذلك بما يجعل المسافة البعيدة بين المنطقتين سؤالًا جغرافيًا يستحق البحث. غير أن هذه القضية لم تكن إحدى إشكاليات مبحثنا.
إن نقد النظريات والأطروحات التقليدية مطلوب، والتخلص من روايات المتكلمين بغير علم ضرورة ملحة؛ غير أن استبدالها بأطروحات تتجاهل أبسط بديهيات التاريخ الكلاسيكي والإداري والأثري يضاعف تعقيد المشهد بدل أن يحل لغزه.
النقطة الأهم التي تتجاوزها هذه الروايات تتعلق بالتسلسل التاريخي للشواهد اليمنية. فأقدم الشواهد الكتابية التي تسمح بتوثيق الكيانات السياسية في جنوب الجزيرة توثيقًا تاريخيًا واضحًا تندرج ضمن الألفية الأولى قبل الميلاد، ثم تتكاثف الأدلة على سبأ وغيرها من الممالك خلال القرون اللاحقة. وتكشف النقوش العربية الجنوبية عن كيانات سياسية ومراكز حضرية ومؤسسات دينية واقتصادية يمكن تتبعها تاريخيًا. ويتكامل هذا التوثيق المحلي مع المصادر الآشورية؛ ففي حوليات سرجون الثاني يظهر «إيتعَمرا السبئي» في سياق تقديم الجزية إلى الملك الآشوري في القرن الثامن قبل الميلاد، ويرد «كربئيل، ملك سبأ» في النصوص الآشورية في عهد سنحاريب.
هذه الشواهد تمنح التاريخ اليمني إطارًا زمنيًا يمكن اختباره. ومن هنا تصبح مطابقة الأسماء وحدها مشكلة منهجية: حين يُنقل حدث منسوب إلى عصر أقدم ومكان ما إلى مكان آخر اعتمادًا على اسم يظهر في سجل تاريخي متأخر، يصبح على الباحث أن يثبت استمرارية الاسم والموقع أو ما يكفي من القرائن لإقامة صلة تاريخية بينهما، وأن يربط ذلك بالكيان السياسي والسياق الجغرافي الذي كان قائمًا في الحقبة المفترضة للحدث. مجرد التشابه بين اسمين لا يؤدي هذه الوظيفة.
وتزداد المشكلة حين يتعلق الأمر بإبراهيم والآباء الأوائل؛ فالتأريخ التقريبي للعصر الأبوي يُوضع عادة ضمن الألفية الثانية قبل الميلاد، مع غياب توثيق تاريخي مستقل يحدد زمن إبراهيم ومكانه بدقة. لذلك فإن نقل جغرافيته إلى اليمن يحتاج إلى أدلة تعود إلى العصر نفسه، أو إلى سلسلة تاريخية قابلة للفحص تربط بين العصر المفترض وهذه المواقع، لا إلى أسماء يمنية ظهرت في السجل المكتوب بعد ذلك بزمن طويل.
ومن هنا أطرح على أطروحة عمر شوتر سؤالًا بسيطًا: كيف تتعامل مع التسلسل الزمني والتحقيب التاريخي للأحداث؟ فإذا كانت بعض الأسماء والمواقع التي يستند إليها تظهر في سجل جنوب الجزيرة ضمن إطار تاريخي لاحق، فما الدليل الذي يربطها بالعصر المفترض لإبراهيم وموسى وداود وسليمان؟ وأين الشواهد المستقلة التي تسد هذه الفجوة الزمنية؟
مرة أخرى، أؤكد أنني لست متخصصًا في الدراسات اليهودية أو العبرية، ولا أدعي امتلاك أدوات هذا الحقل كاملة. غير أن سنوات البحث في تاريخ المسيحية المبكرة جعلتني شديد الحساسية تجاه مشكلة فصل النصوص الدينية عن السياقات التاريخية التي أنتجتها وحفظتها. ولا يمكن، في تقديري، نقل مركز التاريخ التوراتي إلى اليمن ثم ترك بقية التاريخ معلّقًا في الهواء.
إذا كانت أرض الميعاد في فلسطين، أو اليمن، أو في جغرافية أخرى، فالمطلوب تفسير شبكة الأدلة كاملة: السكان، والطرق، والممالك، والنقوش، والعلاقات السياسية، والوجود اليهودي، والمصادر الخارجية، والتسلسل الزمني.
الجغرافيا تحتاج إلى تاريخ كي تصبح حجة تاريخية؛ أما تشابه الأسماء وحده فيبقى احتمالًا لغويًا يحتاج إلى البرهان.
#خلف_علي_الخلف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عودة الإخوان المسلمين السوريين من الكهوف
-
المسلمون السويديون يوقفون زحف اليمين
-
مصادرة الإسلام
-
السلفية الشعرية الجديدة في سوريا
-
نحو قراءة تاريخية لهويات السريان والآشوريين والكلدان
-
السريان وتأميم التاريخ والتراث المسيحي السوري
-
تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني
...
-
خلاّط الهويات القومية: كيف نخلط آشورياً وآرامياً وكلدانياً و
...
-
قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري
-
معركة الويسكي في سوريا: صراع إجتماعي أم صراع على السلطة وداخ
...
-
بعد الذكاء الاصطناعي: وداعًا للمدقق اللغوي والمحرر الصحفي وا
...
-
رجاءاً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري
-
قرار منع المكياج: دعونا نواجه الحقائق المرة بشجاعة
-
الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
-
نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه
-
الرُّوع لزهران القاسمي: الوهم بوصفه أداة للتحكم في الوعي
-
عن عراقي في باريس: الذي حول سيرة العائلة الى نشيد تسامح
-
زميلي ماركس في البادية يورد الإبل
-
تهمة الطائفية: حينما تصنع المخابرات التهمة ويكرّسها المثقفون
-
تحالف المسعورين: حرب داخليّة ضد السلطة الانتقالية في سوريا
المزيد.....
-
مصطفى بكري: البرلمان قد يصوت على تفويض إرسال قوات مصرية إلى
...
-
-قوة إقليمية ضاربة-.. علاء مبارك يعلّق على دعم مصر للسعودية
...
-
سوريا.. إحباط محاولة تهريب 260 كيلوغراما من الحشيش المخدر في
...
-
-افتحوا له التلفاز!-.. زاخاروفا تسخر من دعوة لاتفيا لعدم منح
...
-
سفارة روسيا: الدنمارك ترفض مبادراتنا لخفض التصعيد في البحر
-
وزير الخارجية الروسي: الوضع في الشرق الأوسط على حافة حرب شام
...
-
جدل واسع في إسرائيل بعد وصف آيزنكوت بـ-القرد المغربي- ونتنيا
...
-
خيول أورلوف.. سلالة عربية تعانق الصقيع!
-
بعد دعوة السيسي لتفويض برلماني، ما حدود الدور العسكري المصري
...
-
مهرداد أخلاقي يتولّى حقيبة الدفاع الإيرانية.. ويتوعّد الولاي
...
المزيد.....
-
المرأة ملاك أم شيطان؟
/ مريوان هلبجي
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|