محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 09:09
المحور:
القضية الفلسطينية
نشأ علم الآثار الإسرائيلي في سياق مشروع سياسي جعل البحث عن ماضي “إسرءيل” القديمة جزءً من بناء الدولة القومية الحديثة. فمنذ السنوات الأولى للحركة الصهيونية، احتل الماضي الكتابي مكانة مهمة في تصور فلسطين موطناً قومياً لليهود، وجاءت المكتشفات الأثرية، من أطلال المدن وبقايا القرى إلى النقوش والأواني الفخارية والطبقات العمرانية، لتمنح هذا التصور مادة ملموسة أمكن ربطها بمراحل من التاريخ القديم.
اتسعت إمكانات البحث الأثري بعد العام 1948 وأصبح علم الآثار-إلى جانب كونه هواية في المجتمع الجديد- أحد المجالات التي التقت فيها دراسة الماضي ببناء الهُوية القومية وتثبيت الصلة بالأرض. واكتسب، بوصفه جزءً من الجهاز الإيديولوجي للمشروع القومي الصهيوني، وظيفة تتجاوز التوجهات السياسية والدينية الفردية لبعض العاملين فيه. وانعكس ذلك في اختيار المواقع، وتحديد الأسئلة البحثية، وتصنيف اللقى وتفسيرها، وفي الطريقة التي رُبطت بها المكتشفات المادية بالسردية الكتابية، وامتدت الممارسة الأثرية لتشمل رسم خريطة تاريخية للأرض وتحديد الجماعات التي يُنسب إليها ماضيها.
ففي مسار إنتاج معرفة عن المجتمعات والجماعات القديمة في فلسطين، شمل البحث تحديد هويات تلك الجماعات، ورسم مناطق انتشارها، وربط المواقع التي عاشت فيها بسردية تاريخية تتصل بالدولة الحديثة، مما سمح ببناء علاقة بين تصنيف البقايا المادية وإنتاج جغرافيا قومية للأرض. فحين ينسب موقع إلى “الإسرءيليين” القدماء، سرعان ما سيدخل في خريطة تاريخية تمنح الوجود اليهودي الحديث عمقاً زمنياً، وتربط المشروع الصهيوني بسردية عن العودة إلى أرض ارتبطت بها الجماعة في الماضي. ومثل هذه الحالة نجدها في أعمال يوحنان أهاروني عن توطن القبائل “الإسرءيلية” في الجليل الأعلى، ومنها كتابه الصادر عام 1957. وحظيت مناطق الجليل والمثلث والأغوار الشمالية في الخمسينيات، باهتمام متزايد في ظل سعي الدولة إلى تثبيت سيطرتها على الأرض وإعادة تشكيل واقعها الديموغرافي. فاكتسبت الحفريات في مواقع مثل حاصور ومجدو وبيسان ودور أهمية تتجاوز دراسة تاريخها القديم؛ إذ أمكن إدراج نتائجها في سردية تاريخية تربط الأرض بـ”الإسرءيليين” القدماء وتدعم التصور القومي الصهيوني، بما يلبي احتياجات الدولة إلى تثبيت حضورها في مناطق ذات كثافة سكانية عربية وازنة، في سياق سياسات السيطرة على الأرض وتهويدها.
تكشف هذه الصلات عن تداخل المؤسسات والخبرات في مرحلة تبلور علاقة علم الآثار ببناء الدولة وسرديتها القومية. وهو ما تجلى في مؤتمر “معرفة البلاد” (يديعت هآرتس) عام 1958، حيث خصصت إحدى جلساته لمناقشة الغزو “الإسرءيلي” القديم للجليل وتوطّنه. على يد باحثين جمعوا بين الخبرة العسكرية والعمل الأثري، من بينهم يغائيل يادين، الذي قاد حفريات حاصور وشغل منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، ويوحنان أهاروني، الذي ارتبطت سيرته المبكرة بتجربة الكيبوتز.
أتاح الجمع بين المسح الميداني والرواية الكتابية رسم خريطة تاريخية تربط مواقع محددة بانتشار “الإسرءيليين” الأوائل. وتكمن أهمية أعمال أهاروني في ما تكشفه عن الانتقال من تحديد المواقع ووصف آثارها إلى إسناد هُوية تاريخية إلى الجماعات التي سكنتها. فالفخار والمباني والأدوات وبقايا النشاط اليومي تقدم معلومات عن حياة السكان وطرائق معيشتهم، لكنها لا تحمل أسماءهم أو هُوياتهم القومية. وقد تساعد مقارنة هذه الشواهد بغيرها على ترجيح تفسير معين، غير أن نسبة موقع إلى جماعة “إسرءيلية” تحتاج إلى حجة مستقلة، ولا يكفي فيها مجرد توافق خصائصه المادية مع تصور سابق عن انتشار تلك الجماعة.
وحين يقرأ الموقع ابتداءً من افتراض أن “الإسرءيليين” استقروا في منطقة معينة، ثم تفسر آثاره بوصفها دليلاً على وجودهم، يصبح ضرورياً فحص مدى استناد النتيجة إلى الأدلة المتاحة. فالتشابه في أنماط البناء أو الفخار قد يدل على تقاليد مادية مشتركة، لكنه لا يثبت وحده انتماء السكان إلى جماعة محددة. كذلك، لا يكفي توافق تاريخ طبقة أثرية مع زمن مفترض لحدث كتابي لإثبات أن تلك الطبقة تمثل الحدث ذاته.
بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، اتسع النشاط الأثري الإسرائيلي في تلك المناطق، وانتقل جانب مهم من البحث إلى مواقع محددة ترتبط بالسردية الكتابية، لا سيما الهضاب الوسطى. وازداد نشاط المسح والتنقيب والتوثيق في ظل سلطة الاحتلال، ضمن واقع باتت تتحكم فيه المؤسسات الإسرائيلية بجوانب أساسية من الوصول إلى المواقع الأثرية وإدارة الحفريات. وشارك في دراسة مواقع العصر الحديدي باحثون من أجيال واتجاهات مختلفة، من بينهم نحمان أفيغاد، وعميحاي مزار، وإسرائيل فنكلشتين، وغيرهم. ورغم اختلاف مناهجهم واستنتاجاتهم، ظل البحث في نشوء “إسرءيل” القديمة وتوطنها محوراً رئيساً في جانب واسع من النشاط الأثري في المنطقة، ووفر بنية تحتية معرفية واكبت النشاط الاستيطاني المتصاعد في الضفة الغربية. ويوثق رافائيل غرينبرغ وعادي كينان هذا النشاط من خلال جمع بيانات عن آلاف المواقع التي خضعت للمسح، ونحو 1600 عملية تنقيب أجريت بترخيص إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية بين عامي 1967 و2007.
أتاح هذا الوضع للمؤسسات الإسرائيلية سلطة واسعة في تحديد المواقع والآثار والنتائج قيد الدراسة والحفظ والعرض، وكذلك التفسيرات التي تدخل في الرواية العامة لتاريخ المنطقة. وبذلك أصبح النشاط الأثري جزءً من واقع الاحتلال الذي تتحكم فيه إسرائيل بالأرض الفلسطينية، فيما تسهم المعرفة المنتجة عن ماضيها في رسم صورة تاريخية تخدم سردية الدولة ومطالبها الإقليمية، وهذا ما يصعب -في ظل الاختلال في السلطة- فصل البحث الأثري عن النظام الذي يحدد من يستطيع دراسة الأرض، ومن يقرر كيفية حفظ آثارها وعرضها، وأي روايات تاريخية تحظى بالحضور في المجال العام.
وتتصل هذه الممارسة بمشروع الاستيطان الذي وسّع السيطرة الإسرائيلية ورسّخ الوجود الاستيطاني. فالخرائط التاريخية، والمواقع المرتبطة بالماضي الكتابي، والمسارات السياحية التي تصل بينها، تمنح الأرض معنى قومياً يهودياً وتُدخلها في رواية الامتداد التاريخي. وتُستخدم الآثار في هذا السياق لإبراز الصلة بين الجماعات القديمة والدولة الحديثة، فيما يتراجع حضور تاريخ الفلسطينيين في الخطاب الذي يجعل الماضي الكتابي محوراً لفهم المكان ووجهاُ من وجوه السيطرة على الأرض
تتناول ناديا أبو الحاج هذه العلاقة حين تبحث في الصلات بين الممارسة الأثرية والإيديولوجيا القومية والاستيطان الاستعماري وإنتاج المعرفة التاريخية. وتوضح كيف انتقلت نتائج البحث من مجال الدراسات المتخصصة إلى الخرائط والمعارض والمواقع السياحية، وأسهمت في تشكيل تصورات عن الأرض والانتماء والحقوق القومية. وفي القدس، على وجه الخصوص، دخلت الآثار القديمة في العمران الحديث وفي المشهد العام الذي تُعرض من خلاله رواية تاريخية عن المدينة وعلاقتها بالدولة الإسرائيلية.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح في القدس الشرقية، حيث تداخلت أعمال التنقيب مع إعادة بناء حارة اليهود بعد احتلال المدينة بأكملها فقد أعقب الاحتلال عمليات هدم وأعيد تشكيل أجزاء من المدينة وتثبيت الحضور الإسرائيلي في المكان. ولم تكن الآثار موضوعاً مستقلاً عن التحولات العمرانية؛ إذ أُدمجت المكتشفات والأحجار القديمة في منشآت حديثة، وأصبحت نتائج التنقيب جزءً من المشهد الجديد لعرض تاريخ المنطقة بمعزل عن طبقات تاريخية متعاقبة “غير كتابية” للوصول إلى تحديد الطبقات التي ستظهر في الفضاء العام، والطريقة التي ستربط بها بتاريخ المدينة.
ولا تنفصل هذه الممارسة الميدانية عن طرائق تفسير الأدلة. فقد أسهمت المطابقة بين أسماء المواقع الواردة في النصوص القديمة وأسماء أماكن معروفة في بناء خرائط تاريخية. كما استُخدمت النصوص الكتابية لتفسير طبقات الدمار وأنماط التوطن والاستقرار، ثم عادت المكتشفات إلى الظهور بوصفها شواهد تؤكد الرواية التي وجّهت تفسيرها. ويصبح هذا الاستدلال إشكالياً حين يُعامل التوافق بين النص واللقى باعتباره إثباتاً حاسماً، من دون فحص التفسيرات البديلة أو تحديد ما تستطيع الأدلة المادية إثباته بالفعل.
وتتصل المشكلة أيضاً بتحويل عناصر معمارية وفخارية إلى علامات إثنية. فقد شغلت سمات مثل البيت ذي الغرف الأربع والجرار ذات الحافة المطوقة حيزاً من النقاشات المتعلقة بهُوية الجماعات التي سكنت الهضاب الوسطى الفلسطينية في العصر الحديدي. ولهذه السمات قيمة في دراسة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لكن وجودها لا يثبت وحده أن أصحابها كانوا ينتمون إلى جماعة “إسرءيلية” محددة. فأنماط البناء وصناعة الأواني قد تنتشر بين جماعات متجاورة، وتتغير بفعل البيئة والتبادل والاقتصاد والتقاليد المحلية. ومن ثم، فإن تحويل نمط مادي إلى علامة قومية يتطلب أدلة تتجاوز وصف التشابه في اللقى، وإلا تحولت الفئات التي يستخدمها الباحث في التصنيف إلى هُويات مفترضة ينسبها إلى سكان الماضي.
تؤثر طريقة اختيار الطبقات التاريخية وعرضها في الصورة التي تتكون عن الموقع. فقد يحمل المكان آثار مجتمعات متعاقبة، لكن العرض الأثري قد يمنح مرحلة واحدة موقعاً مركزياً، ويقلل من حضور المراحل الأخرى أو يمر عليها سريعاً. وعندما تكون المرحلة المختارة مرتبطة بالماضي “الإسرءيلي”، فتربط بهذا الماضي سردية الدولة الحديثة، يصبح ترتيب الطبقات وعرضها وسيلة لإبراز تاريخ قومي بعينه. وفي المقابل، يتراجع حضور المجتمعات التي عاشت في المكان في عصور لاحقة ويجري تقديم الماضي الكتابي كمدخل رئيس لفهم الأرض.
إن تتبع النشاط الأثري الإسرائيلي من الجليل في خمسينيات القرن العشرين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد عام 1967 يكشف عن تداخل عميق بين إنتاج المعرفة التاريخية والمشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. فقد أسهم علم الآثار الإسرائيلي في إنتاج جغرافيا تاريخية تجعل إسرءيل القديمة محوراً لفهم أجزاء واسعة من فلسطين، وتربط مواقعها بسردية قومية تستمد منها الدولة الحديثة عمقاً تاريخياً. وحين تتصل هذه السردية بممارسات السيطرة على الأرض وإعادة تنظيمها، يصبح الماضي مورداً سياسياً يستخدم لإضفاء الشرعية على واقع استعماري استيطاني، فيما يُهمَّش تاريخ الفلسطينيين وحضورهم.
لا تمنح الآثار جماعة معاصرة حقاً حصرياً في أرض، كما لا يتحول وجود جماعة قديمة إلى سند تلقائي لسيادة سياسية حديثة. فالتاريخ الطويل لفلسطين لا يختزل في مرحلة واحدة أو هُوية واحدة، وتفسير بقايا الماضي لا ينفصل عن الأسئلة المتعلقة بمن ينتج المعرفة، ومن يملك سلطة عرضها، وأي رواية تصبح حاضرة في المجال العام. ومن هنا تنبع ضرورة نقد أركيولوجيا التوطن الإسرءيلي، أي مساءلة الأدلة والتصنيفات التي صنعت خريطتها التاريخية، وفحص الصلة بين هذه الخريطة والمشروع الصهيوني الذي سعى إلى تثبيت السيطرة على الأرض وإعادة تعريف تاريخها.
أخيراً؛ يحتل إسرائيل فنكلشتين موقعاً بارزاً في هذا النقاش حول أركيولوجيا التوطن “الإسرءيلي”. فقد أسهمت أعماله في مراجعة تصورات تقليدية عن نشوء “إسرءيل” القديمة وتوطنها في الهضاب الوسطى، وفي إعادة النظر في العلاقة بين الأدلة الأثرية والرواية الكتابية. غير أن مراجعة تفاصيل من الرواية التقليدية لا تنهي السؤال عن الإطار الذي تُنظم المعرفة ضمنه. ويظل ضرورياً فحص الانتقال من أنماط التوطن واللقى إلى تحديد الهُوية الإثنية، ثم من هذه الهُوية المفترضة إلى سردية قومية متصلة بالدولة الحديثة.
فوجود تجمعات بشرية في الهضاب الوسطى خلال العصر الحديدي مسألة أثرية، أما نسبة تلك التجمعات إلى جماعة بعينها وربطها بسردية قومية حديثة، فتحتاج إلى حجج مستقلة. ومن هنا تظل استنتاجات فنكلشتين ذاتها موضع مساءلة، كما تظل استنتاجات غيره، وفق الأدلة التي يستند إليها كل تفسير ومدى اتساقه معها.
لا تنفصل هذه العملية عن الصراع على فلسطين.
فإعادة تعريف الأرض من خلال ماضي جماعة قديمة، وإبراز آثارها بوصفها الأساس التاريخي للمكان، يسهمان في تقديم السيطرة الإسرائيلية باعتبارها امتداداً لعلاقة تاريخية سابقة، وفي تهميش حقيقة أن الفلسطينيين شعب عاش في هذه الأرض وتكوّنت حياته الاجتماعية والثقافية عبر أجيال طويلة، وأن المشروع الصهيوني قام على الاستيلاء على الأرض وتهجير قسم كبير من سكانها
تتجاوز وظيفة علم الآثار حدود البحث في الماضي، لتدخل في الصراع على معنى الأرض وملكيتها، وفي إنتاج رواية تجعل التاريخ القديم سنداً لواقع استعماري استيطاني.
تعتمد هذه المقالة على المصادر الأساسية التالية:
Abu El-Haj, Nadia. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society. Chicago: University of Chicago Press, 2001.
Abu El-Haj, Nadia. “Translating Truths: Nationalism, the Practice of Archaeology, and the Remaking of Past and Present in Contemporary Jerusalem.” American Ethnologist 25, no. 2 (1998): 166–188.
Finkelstein, Israel. The Archaeology of the Israelite Settlement. Jerusalem: Israel Exploration Society, 1988.
Greenberg, Raphael, and Adi Keinan. Israeli Archaeological Activity in the West Bank, 1967–2007: A Sourcebook. Jerusalem: Ostracon Publishing House, 2009.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟