أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فهد المضحكي - كتاب «من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي»















المزيد.....

كتاب «من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي»


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:05
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لعل «جوهر» الفوارق الرئيسة بين نشأة البرجوازيات الأوروبية - بعد انبثاق عصر النهضة - ونشأة البرجوازيات العربية عمومًا، والمصرية خاصة، أن قوميات الغرب الحديث قد ولدت في «السوق»، بينما ولدت اليقظة القومية في بلادنا وهي تناضل ضد «السوق»، ضد أن تكون سوقًا للاحتكارات الأجنبية.

هذا ما ذكره الكاتب والمؤرخ والناقد الراحل الدكتور غالي شكري في الفصل الأول من كتابه «من الحق الاجتماعي الإلهي إلى العقد الاجتماعي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1993.
ويعني بذلك أن الفرق الظاهري هنا هو المسافة الزمنية التي تفصل بين ميلاد النهضة الأوروبية وميلاد النهضة العربية - المصرية - الحديثة. وهي المسافة التي تطورت خلالها برجوازيات الغرب من عصر الانقلاب الصناعي إلى العصر الكولونيالي الذي يتطلب «أسواقًا» تفي بغايات النهضة في مستواها المادي الصرف من حيث الإنتاج والاستهلاك.

ولكن «الزمن» ليس مجردًا من محتواه التاريخي وسياقه الاجتماعي، لذلك كان فارق الوقت بين نهضتنا ونهضتهم تلخيصًا ظاهريًا لما هو أعمق، كان إيجازًا شديدًا لمكونات النهضة الأساسية التي يختلفون بها - في الأصل والتطور - عن المسار الذي قدر علينا أن نشق ملامحه النوعية الخاصة في تاريخنا الحديث.

في هذا الإصدار الذي يحتوي على فصلين؛ الأول: من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي، والثاني: نقطة النهاية البرجوازية لفكرة النهضة المصرية، يتساءل شكري: هل كان من الممكن أن تنفجر نهضتنا بغير شرارة الحضارة القادمة مع بونابرت؟.الجواب برأيه أنه كان ممكنًا، سواء تأخر بنا الزمن قليلًا أو كثيرًا. ولكن الجواب، يظل ناقصًا إذا لم نتساءل مرة أخرى: هل كان التقاطع بيننا وبين الحضارة «الغربية» الحديثة حتميًا إذا لم نكن قد التقينا بها - على النحو الذي حدث - لقاء القاهرين بالمقهورين؟

إن هذا التقاطع كان حتميًا، لأن الرأسمالية الأوروبية منذ بداية عصرها الكولونيالي قد افتتحت ما يمكن تسميته بعالمية العالم، والحضارة الغربية منذ ذلك التاريخ أصبحت الحضارة الإنسانية الحديثة، أو الحضارة العالمية الحديثة. غير أن التقاطع بيننا وبين الحضارة في ظل القهر الاقتصادي والسياسي تختلف نتائجه عما لو كان قد تم في مناخ مغاير. وهذا، بحسب وجهة نظره، هو الفرق الخطير - مثلًا - بين عصر محمد علي وعصر إسماعيل، بين عصر توجه إلى أوروبا مستقلًا ببلادهم، وعصر جاءت إليه أوروبا لترسف في الأغلال - الحريرية والحديدية - بلاده.

أي أن الفارق الزمني كان مجرد غطاء لمجموعة هائلة من الفروق، أهمها المكونات الأساسية للنهضة والخط العام لسير هذه النهضة.
ويذكر أن الكشوف العلمية في فجر النهضة الأوروبية جسدت من ناحية احتياجات اجتماعية ملحة. ولكنها عادت من ناحية أخرى فغيرت من هياكل الإنتاج، من تشكيل قوى الإنتاج وعلاقاته وأساليبه. وهو الأمر الذي أبرز إلى الوجود الفاعل طبقات اجتماعية جديدة وقيمًا اجتماعية جديدة.

وإذا كانت الكشوف العلمية، والانقلاب الصناعي، قد شكلا العمود الفقري للبرجوازيات الأوروبية في مواجهة الإقطاع، فإن العودة إلى المنطق في التراث اليوناني - الجذور الأولى للحضارة الأوروبية قبل العصر المسيحي - شكلت العمود الفقري للثورات القومية الأوروبية في مواجهة الكنيسة.

وبشيء من الوضوح، يرى أنه لم يكن ممكنًا الإفلات - لمن أشاء التقدم من مناطق العالم المتخلف - من التقاطع مع الحضارة الغربية «التي لم تعد كذلك منذ العصر الكولونيالي، حيث أصبح رأس المال» عالميًا «في البحث عن الأسواق والموارد الأولية والأيدي العاملة الرخيصة.. لم يعد ذلك ممكنًا حتى إذا لم يحدث» القهر «الاستعماري» من جانب الغرب.

ومن هنا كانت حتمية اللقاء معه، بل التفاعل، بل التقاطع. وقد حدث ذلك، سواء عن طريق القهر المباغت لحملة نابليون، أو عن طريق مؤسس الدولة الحديثة محمد علي، والحق أنه عن طريقهما معًا، بل لقد تداخلا في بعض المراحل على نحو مباشر.
وإذا كان، كما يقول، محمد علي قد استطاع بتأسيس الجيش (المصري) والاقتصاد الوطني والتعليم (الحديث) أن يضع البذور الأولى للدولة المصرية، فقد صنع شيئًا آخر لا يقل أهمية وخطورة، هو (مذبحة القلعة)، وهي المذبحة التى تشكل العنصر الأول في التكوين الاجتماعي الجديد لبدايات عصر النهضة.

ذلك أن مصر قبل هذه المذبحة كادت تكون اجتماعيًا من طبقتين: الأولى هي المماليك، والأخرى هي (الفلاحين) أي المصريين، ولا وسط بينهما سوى أفراد يقومون بدور همزة الوصل الضرورية بين الاستقراطية المملوكة وشعب مصر. وقد اجهز محمد علي في «مذبحة القلعة» على المماليك دفعة واحدة، فكانت أول ضربة طبقية جذرية تغير وجهه مصر.

ثم جاء تأميمه الشامل الغريب للأراضي الزراعية، ليغير أيضًا وأيضًا، وجاء توزيعه للأراضي ليثبت أركان التغيبر. نشأت طبقة «الأعيان» وبالتالي طبقة الفلاحين، وظهر «التجار» في المدن كطبقة اجتماعية مستقلة الملامح، وأصبح لـ«العلماء» - والمقصود علماء الشرع الإسلامي - وزن ودور في الحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد. واستتبع «التعمير» و«التشييد» ظهور مجموعة جديدة من الحرف التي شكلت هيكلًا بدائيًا للصناعة.

ولكن، هذا كله لم ينفِ ظاهرتين أو ثلاثًا: الأول أن محمد علي قد أحاط نفسه بحاشية ضخمة من الشراكسة الألبان والأتراك، لم تحل تمامًا مكان المماليك، وظلت على درجة عالية من التمايز عن «المصريين». والظاهرة الثانية هي أن محمد علي رغم استقلاله عن «سلطنة الخلافة العثمانية» فإنه لم يتخلّ عن الحكم «الأوتوقراطي»، وقد ساعده على ذلك جذران غائران في الأرض المصرية هما: ثيوقراطية عصر الانحطاط الطويل الأمد، وبيروقراطية الدولة المركزية القديمة العهد.

لقد أثمر هذان الجذران التقليد الاوتوقراطي في الحكم المصري الحديث منذ محمد علي، بالإضافة إلى تكوينه الشخصي الصارم، وكونه في الأصل ليس مصريًا. وربما كانت الظاهرة الثالثة أنه في توزيع الأرض قد اتبع أسلوبًا يرضي في الأساس المقربين إليه من المصريين، فكانت بداية الاقطاع والارستقراطية المصرية على يديه، جنبًا إلى جانب معالم الدولة «المصرية».

وبحسب تحليله للجانب الاجتماعي والطبقي، فإنه يرى في هذا المناخ «الاجتماعي». المغاير كليًا للمناخ الأوروبي، بدأ احتكاكنا بالغرب، بالحضارة الحديثة عندما أقبلت علينا في عصرها الكولونيالي، عصر القهر الاستعماري وعالمية رأس المال والسوق. كانت حاجتها إلينا من الجانب السلبي البشع، أن تكون لها سوقًا وممرًا إلى بقية الأسواق. وكانت حاجتنا إليها من الجانب الإيجابي المشرق، أن تكون لنا عونًا في النهوض من الكبوة التاريخية. وقد كان - ولا يزال - الصراع بين الجانين هو محور الملحمة التي عاشها الفكر العربي - المصري خاصة - منذ بدايات القرن الماضي إلى يومنا هذا.

ويرى أيضًا: لقد ترتب على التباين الجذري نهضتنا ونهضتهم، عدة إشكالات حضارية وقومية وطبقية وأيديولوجية. على الصعيد الاقتصادي لم يكن مطلوبًا منا، ولم نكن نستطيع، أن نبدأ من حيث بدأوا، من الكشوف العلمية أي مخترعات الانقلاب الصناعي إلى تكوين السوق البرجوازية. وإنما كان مطلوبًا الاستنارة بمناهج العلم التي استخلصتها الكشوف، وكان مطلوبًا استيراد التكنولوجيا الموازنة لدرجة تقدمنا الاجتماعي (السكك الحديدية - المطبعة الخ).


وكان مطلوبًا الانسلاخ عما يسمى العالم الإسلامي، والمقصود هو الإمبراطورية العثمانية، وكان مطلوبًا ترسيخ الإنتماء القومي البديل عن الخلافة، أي إلى الوطن العربي، وكان مطاوبًا تشجيع «سوقنا» البازغة الضعيفة وحمايتها من أنياب الاحتكارات القادمة.
ولم يكن مطلوبًا الثورة على مؤسسة دينية (غير قائمة، فالإسلام على نقيض المسيحية في هذه الناحية)، بل كان مطلوبًا الثورة على مؤسسة ثيوقراطية تتلفع بثياب الحق الإلهي في حكم الأرض ومن عليها.
ولذلك كانت القيمة التاريخية العظمى - والباقية - للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي أنه قد جسد في شخصه المفرد بسيرة حياته وسيرة فكره البشارة الأولى للنهضة البرجوازية في تاريخنا الحديث.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا والاتحاد الأوروبي
- حافظ محمود.. فارس الصحافة المصرية
- الفساد في أوكرانيا يمتد إلى داخل منظومة الحكم
- الدين يجب أن يكون بعيدًا عن الصراعات السياسية
- العرب وتحديات ما بعد الاستقلال
- والت ويتمان.. أهم شعراء الأدب الأمريكي في العصر الحديث
- علماء المناخ يحذرون: العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية
- حديث عن الشباب والثقافة (2)
- حديث عن الشباب والثقافة
- كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»
- الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
- تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
- ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
- كتاب «التنمية حرية»
- مراكز الأبحاث والفكر العربي
- شيخ النقّاد شكري عياد (2)
- عن الإمبراطورية الأمريكية
- محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
- باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج ...
- سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا


المزيد.....




- -وصار للصباح نورٌ آخر-.. حسين الجسمي يعلن ولادة ابنته شمسه
- ماكرون في خطاب بعد أحداث فرنسا: سنحاسب كل من سعى لتقويض الجم ...
- هبوط اضطراري لطائرة نمساوية قادمة من تل أبيب في صوفيا للاشتب ...
- زاخاروفا تنتقد المعايير الغربية المزدوجة في تقييم الاحتجاجات ...
- خطوة عسكرية إسرائيلية خطيرة و-ضخمة- على قمة جبل العرب في عمق ...
- قاليباف يحذر حكومات الخليج من التعامل مع شركات الذكاء الاصطن ...
- -هآرتس-: نتنياهو يسمح للإمارات بالعمل في -فقاعة- بغزة رغم عد ...
- رضائي يفتح النار على ترامب ونتنياهو بعد تهديدهما الجديد بتدم ...
- قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية.. ترامب يعلن دعمه -الكامل ...
- الإكوادور: وفاة كاهن بعد سقوط صليب عليه وهو يؤدي القداس على ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فهد المضحكي - كتاب «من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي»