مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 14:48
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في الفترة من 9 إلى 16 آب من عام 1960، عُقد في موسكو، المؤتمر الدولي الخامس والعشرون للمستشرقين، والذي شاركَ فيه العشرات من علماء التاريخ من الدول الإشتراكية والدول الغربية. وقد نوقشت القضايا المتعلقة بالتاريخ القديم ولغات الشرق الأدنى القديم في عدد من الجلسات خُصَّت لمناقشة علم المصريات، والآشوريات، والدراسات الحثّية والأورارتية، وأركيولوجيا الكتاب المقدس، فضلًا عن عدد من البحوث التي قُدمت في الجلسات المُتعلقة بتاريخ إيران، وفيلولوجيا اللغة الإيرانية، وغيرها.
ظهرت لدي بعض التساؤلات عند قرائتي لوقائع هذا المؤتمر: كم صمدت المنهجيات أو النتائج التي قدمها الباحثون السوفييت وغيرهم من البُدان الاشتراكية الأُخرى أمام امتحان الزمن؟ هل لا زلت مقبولةً بعد مرور أكثر من ستين عامًا؟ وهل تجاوزتها الاكتشافات اللاحقة، أم أكدت صحتها جزئيًا أو كليًا؟ وهل منهجية البحث الماركسي ساهمت في جعل آراء العلماء الماركسيين أكثر تميَّزاً وصحةً من نظيراتها الغربية؟ وإذا وجه علماء سوفييت أو من دول اشتراكية نقدًا لبحث غربي أثناء المناقشات، فهل أثبتت الأدلة اللاحقة وجاهة هذا النقد؟
طَرَحَ رولف إبشَر Rolf Ibscher من جمهورية ألمانيا الديمقراطية منهجيةً جديدة في ترميم البرديات المصرية، المُتمثلة في تثبيت البردية بين طبقتين من قماش الشيفون الشفاف أثناء فردها تدريجيًا. مثَّلَت منهجيته، تقدمًا مهمًا مقارنة بالأساليب السابقة، لأنها وفرت دعامة ميكانيكية للبرديات الهشة وقللت من احتمال تمزقها أثناء الفتح. ومع تطور علم الترميم خلال العقود التالية أصبحَ علماء المصريات، يُفضلون أنظمة تثبيت قابلة للإزالة، مع الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من التدخل في الترميم، ولم يعد تثبيت البرديات بين طبقات النسيج هو الأسلوب المتبع. ومع ذلك، بقي المبدأ الأساسي الذي انطلقت منه طريقة إبشَر قائمًا حتى اليوم، وهو ضرورة توفير دعم ميكانيكي مستمر للبردية أثناء عملية فردها وتثبيتها.
وفي المؤتمر، عندما عرض عالم الآشوريات المرموق إيغور دياكونوف أهمية مُعجم اللغات الرُباعي المكتشف في رأس شمرا، لدراسة العلاقة بين اللغتين الكوريتية والأورارتية القديمتين، كان يستند في حينها إلى مادة لغوية جديدة. وقد أثبتت الأبحاث اللاحقة، ولا سيما بعد نشر نصوص كوريتية أُخرى من حاتوشا وأوغاريت، أن تلك المادة كانت بالفعل من أهم الأدلة التي دعمت تصنيف الكوريتية والأورارتية ضمن عائلة لغوية واحدة. ولا يزال الماركسي السوفييتي ايغور دياكونوف حتى اليوم من أكثر الباحثين استشهادًا في هذا المجال، وإن كانت إعادة بناء اللغة المشتركة قد أصبحت أكثر تفصيلًا بفضل المواد الجديدة التي اكتُشِفَت مؤخراً.
ومن الأمثلة المهمة أيضًا، مداخلة السوفييتي سيرغي كيسليف Sergei Vladimirovich Kiselev، التي انتقد فيها-انطلاقاً من مُعاداة المنهجية المركزية الأوروبية- عرض المؤرخة الأمريكية ماريا غيمبوتاس Marija Gimbutas حول العصر البرونزي في القوقاز، بسبب تركيزها على جنوب شرق أوروبا دون إدخال معطيات الأناضول وميزوبوتاميا وشمال غرب إيران. وقد أثبتت الكشوفات الأركيولوجية، خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في شرق الأناضول وجنوب القوقاز، أن شبكات التفاعل بين الدُوَل في العصر البرونزي كانت تمتد عبر هذه المناطق جميعًا، وأن فهم تطور القوقاز بمعزل عن الشرق الأدنى القديم يؤدي إلى بروز صورة ناقصة. وبالتالي فإن هذا النقد المنهجي يتوافق مع الاتجاه السائد في علم لأركيولوجيا اليوم، الذي يعتمد نماذج التفاعل الإقليمي الواسع بدلاً من دراسة كل منطقة بمعزلٍ عن المناطق المُحيطة بها.
كما أن مداخلة السوفييتي جيورجي ميلكيشفيلي Giorgi Melikishvili في المؤتمر، حول سكان المناطق الشمالية من أورارتو ودورهم في تاريخ الشرق الأدنى القديم تمثل حالة أخرى تستحق الاهتمام. ففي وقت كان فيه عدد من الباحثين الغربيين يميلون إلى النظر إلى أورارتو باعتبارها دولة معزولة نسبيًا (مثل المؤرخ البريطاني ريتشارد ديفيد بارنت Richard David Barnett)، ركز ميليكشفيلي على تفاعلها مع الشعوب المجاورة وعلى دورها في التطورات الإقليمية. وقد دعمت الحفريات الأركيولوجية، خلال العقود اللاحقة في أرمينيا وشرق تركيا وشمال غرب إيران هذا المنظور، إذ أظهرت أن أورارتو كانت جزءًا من شبكة واسعة من التبادل السياسي والاقتصادي والثقافي، وأن تأثيرها تجاوز حدودها المباشرة.
من ناحية، يصعُب، من خلال قراءه وقائع المؤتمر لوحدها، استنتاج المدى الذي ساهمت فيه الماركسية في ايجاد أفضل الحلول وأقرب النتائج الى الصحة في مجال علم الأركيولوجيا، لأن الأركيولوجيا ترجع الى تطبيق المنهج المقارن، وتحليل النصوص، والنقد اللغوي ودراسة اللقى المادية وتطبيق أحدث مُنجزات العلم الطبيعي في تأريخها. فالماركسية في علم الأركيولوجيا، لا تعني أن الأركيولوجي "يُنقب بطريقة ماركسية". فالتنقيب، وتسجيل الطبقات، ورسم المقاطع، وتصنيف الفخار، وتأريخ اللقى، كلها إجراءات تخضع لمعايير علمية مشتركة بين جميع المدارس، على الرغم من أن عملية التنقيب نفسها تتأثر بذلك: مثلاً، حاولَ العُلماء السوفييت البحث عن قبور الفئات الفقيرة، بينما كان الباحث البرجوازي يسعى الى التنقيب في القبور الفارهة الأكثر ظهوراً. يظهر الفرق الأساسي بين الأركيولوجي الماركسي وغير الماركسي، في نوع المسائل المطروحة، وفي تفسير النتائج بعد انتهاء العمل الميداني، وليس في كيفية استخدام المجرفة أو توثيق الطبقات. ومن الأمثلة التي توضح أثر الإطار النظري دون أن تغير الوقائع نفسها، دراسة المقابر. فإذا وجد أحد الأركيولوجيين مئة قبر، فإن جميع الباحثين سيسجلون عددها ومحتوياتها بدقة واحدة. لكن العالِم الماركسي سيهتم بدرجة أكبر بتوزيع الثروة داخل المجتمع: هل توجد أقلية دُفنت مع كميات كبيرة من الفضة والأسلحة بينما دُفن معظم الناس دون لُقىً ثمينة؟ وهل يشير ذلك إلى نشوء تمايز طبقي؟ أما الباحثين الآخرين، فقد يُفسرون الاختلافات انطلاقاً من منظور ديني أو طقوسي أو رمزي، على الرغم من أن البيانات الأركيولوجية واحدة في الحالتين. على المرء أن يدرس مؤلفات ومنشورات الأركيولوجيين الماركسيين بالتفصيل وبجهدٍ مُضنٍ، اذا ما كان عليه أن يجد الأثر الذي أحدثته الماركسية عليها.
ومن ناحيةٍ أُخرى، يتضح تأثير الماركسية في مجال الدراسات التاريخية الاقتصادية-الاجتماعية بشكلٍ أكبر. فقد ساهمَ علم التاريخ الماركسي، السوفييتي تحديداً، في التوصل الى عدد من النتائج التي أصبحت مقبولة على نطاق واسع (وهذا لا يعني أن النتائج غير المقبولة على نطاقٍ واسعٍ حتى الآن، هي نتائج غير صحيحة). فمثلًا، كان المؤرخون السوفييت هم أول من أكدوا أن اقتصاد ميزوبوتاميا ومصر، لا يمكن فهمها من خلال السرد التاريخي السياسي وحدها، بل يجب دراسة القوة العاملة والضرائب والإدارة وآليات استخلاص الفائض. اليوم لا يكاد يوجد مؤرخ اقتصادي للشرق الأدنى القديم لا يدرس هذه الموضوعات. هُنا، ساهَمت تحليلاتهم الماركسية عن جانبٍ أساسي من كيفية عمل هذه المجتمعات.
وفي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كان عدد من الباحثين الغربيين لا يزال يميل إلى تصوير الاقتصاد الميزوبوتامي القديم، إما بوصفه اقتصادًا "معبديًا" تهيمن عليه المعابد، أو "اقتصاد قصر" "تسيطر عليه الدولة، وهي صورة تأثرت إلى حد كبير بأعمال آدم فلكنشتاين Adam Falkenstein وانتون داميل Anton Deimel وبعض تلامذتهما (بالمناسبة، تُعَد نظرية اسلوب الانتاج الآسيوي نسخة نظرياتيةً رديئة عن نظرية اقتصاد المعبد). أما ايغور دياكونوف وفاسيلي ستروفه، ولاحقاً محمد دانداماييف، فقد رأوا أن هذا التصور خطَّي، وأن المجتمع الميزوبوتامي، كان يتكون من قطاعات اقتصادية متداخلة تشمل القصر، والمعبد، والمشاعات، والأفراد الخواص، الذين كان من بينهم التُجَّار والملاكين العقاريين وموظفي الدولة، وأن العلاقة بين هذه القطاعات هي التي تفسر حقيقة الاقتصاد. أصبَحَ هذا الرأي اليوم، هو السائد تقريبًا في المؤسسة العلمية.
ومن القضايا الهامة الأُخرى، التي ساهَمَ المؤرخون الماركسيون بشكل أساسي في حلها أيضاً، هي تفسير الملكية الخاصة في الدولة الأخمينية، وفي الشرق الأدنى القديم عُموماً. فقد كان بعض الباحثين الغربيين، متأثرين بفكرة "الاستبداد الشرقي" ذات الطابع المركزي الأوروبي، مثل كارل فيتفوغل، وهنري فرانكفورت Henri Frankfort، وليو اوبنهايم، يميلون إلى اعتبار الأرض ملكًا مُطلقاً للملك في المقام الأول، وأن الأفراد لا يملكون سوى حقوق انتفاع محدودة. أما محمد دانداماييف، اعتمادًا على أرشيفات موراشو (Murashu Archive) والوثائق البابلية، فقد أثبت أن مُلكية الأفراد الخواص على الأرض كانت واسعة الانتشار، وأن البيع والرهن والإيجار والوراثة كانت تمارس بصورة طبيعية، وقد أصبحت هذه النتيجة اليوم، من المسلمات في مُعظم الدراسات الأخمينية والميزوبوتامية بشكلٍ عام.
ومن اللافت للنظر، أن كثيرًا من كبار الباحثين المُعاصرين اليوم، مثل ماريو ليفيراني ونورمان يوفي وبيوتر شتاينكلر، لا يتبنون الماركسية بوصفها نظرية شاملة، لكنهم ما زالوا يناقشون مسائل طرحها أو رسخها المؤرخون السوفييت في علم تاريخ المُجتمعات الشرقية: نشوء الدولة، واستخلاص الفائض، والتفاوت الطبقي، وأنماط العمل. وهذا يشير إلى أن أثر الماركسية السوفييتية، لم يكن في النتائج وحدها، بل أيضًا في إعادة ترتيب جدول أعمال البحث العلمي نفسه.
#مالك_ابوعليا (هاشتاغ)
Malik_Abu_Alia#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟