أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - أربيل وقلعتها بين الاستمرارية الحضارية والتحولات العمرانية من العصر الآشوري إلى العصر الإسلامي الوسيط دراسة تاريخية أثرية نقدية في ضوء الأبحاث الحديثة عن المدينة السفلى وأسوار أربيل القديمة















المزيد.....


أربيل وقلعتها بين الاستمرارية الحضارية والتحولات العمرانية من العصر الآشوري إلى العصر الإسلامي الوسيط دراسة تاريخية أثرية نقدية في ضوء الأبحاث الحديثة عن المدينة السفلى وأسوار أربيل القديمة


عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 00:44
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقدمة: أربيل مدينة لا تختزلها قلعتها

تمثل أربيل/هەولێر واحدة من أبرز المدن التاريخية في شمال بلاد الرافدين، ليس بسبب قدم الاستيطان في قلعتها وحدها، وإنما أيضًا لما تكشفه الأدلة التاريخية والأثرية عن امتداد عمرانها خارج التل المركزي، وتطور العلاقة بين القلعة والمدينة السفلى عبر مراحل حضارية متعاقبة.

وقد درجت دراسات كثيرة على التعامل مع قلعة أربيل بوصفها المركز الأبرز للمدينة التاريخية، وهو أمر تبرره مكانتها العمرانية وارتفاعها وهيمنتها البصرية على المشهد الحضري. غير أن الاقتصار على القلعة قد يحجب جانبًا أساسيًا من تاريخ أربيل، يتمثل في المدينة التي نشأت واتسعت حولها، وفي الأسوار والخنادق والطرق والمقابر والمنشآت المائية التي شكلت بنيتها الحضرية خلال العصور القديمة والوسطى.

ومن هنا تبرز أهمية الدراسة التي نشرها كارل نوفاتشيك ونارمين علي محمد أمين وميروسلاف ميلتشاك سنة 2013 في مجلة Iraq، بعنوان «مدينة من العصور الوسطى داخل أسوار آشورية: استمرارية مدينة أربيل في شمال بلاد الرافدين». فقد حاول الباحثون إعادة بناء الصورة العمرانية للمدينة القديمة من خلال الجمع بين المصادر التاريخية، والصور الجوية والفضائية، والملاحظات الأثرية الميدانية.

ولا تكمن أهمية هذه الدراسة في تقديم مخطط افتراضي لأربيل القديمة فحسب، بل في إثارة سؤال تاريخي أعمق: هل حافظت أربيل على استمراريتها الحضرية من العصر الآشوري إلى العصر الإسلامي، أم أن المدينة شهدت انقطاعات وتحولات وإعادة تأسيس عمراني في مراحل مختلفة؟

وتسعى هذه المقالة إلى مناقشة هذا السؤال من خلال قراءة نقدية لنتائج الدراسة المذكورة، مع إبراز موقع القلعة في البنية العمرانية، وتطور المدينة السفلى، والعلاقة بين الأسوار الآشورية والتحصينات الإسلامية، ودور مظفر الدين كوكبري في إعادة تنظيم المدينة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.

أولًا: الموقع الجغرافي وأسباب نشأة أربيل

تقع أربيل في القسم الشرقي من السهل الخصيب في شمال بلاد الرافدين، ضمن المجال الجغرافي المحصور بين الزاب الكبير والزاب الصغير ودجلة والمرتفعات الجبلية الشرقية والشمالية الشرقية.

ويشير الباحثون إلى أن اختيار موقع أربيل ربما ارتبط بالعوامل السياسية والإدارية أكثر من ارتباطه بالمزايا المائية المباشرة، إذ لم تنشأ المدينة على ضفة نهر كبير، الأمر الذي جعل توفير المياه تحديًا متكررًا في تاريخها.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة؛ لأنها تدفع إلى النظر إلى أربيل بوصفها مركزًا إقليميًا ارتبط موقعه بالسيطرة على المجال المحيط، وبإدارة الطرق والموارد والتجمعات السكانية، وليس بمجرد توفر مصدر مائي طبيعي.

وقد عرفت المنطقة تاريخيًا بأسماء ارتبطت بأربائيل وأديابين وحدياب، وهو ما يعكس استمرار أهميتها الإقليمية، وإن كانت حدود هذه الوحدات السياسية والإدارية قد تغيرت من عصر إلى آخر.

وتشير الدراسة إلى أن مشكلة المياه عولجت في بعض المراحل بواسطة منشآت هندسية، ومن أبرزها مشروع سنحاريب الذي ارتبط بنقل المياه إلى أربيل من جهة نهر باستورة، فضلًا عن منظومات الكهاريز والآبار التي ظلت مستخدمة خلال عصور لاحقة.

وهكذا، فإن فهم نشأة أربيل وتطورها يقتضي الجمع بين موقعها السياسي ووظيفتها الإدارية وشبكة الطرق المحيطة بها، مع دراسة الوسائل التي استخدمها سكانها لتجاوز محدودية الموارد المائية القريبة.

ثانيًا: قلعة أربيل والنواة المركزية للمدينة القديمة

تشكل قلعة أربيل العنصر الأكثر ثباتًا ووضوحًا في المشهد العمراني التاريخي للمدينة، وقد ارتبط بها استمرار الاستيطان وتراكم الطبقات الحضارية خلال حقب طويلة.

غير أن العلاقة بين القلعة والمدينة السفلى لم تكن ثابتة عبر العصور، بل تغيرت تبعًا للظروف السياسية والعسكرية والاجتماعية.

وتشير الدراسة إلى أن القلعة كانت جزءًا من بنية حضرية أوسع في العصر الآشوري، وأن المدينة القديمة لم تكن مقتصرة على التل المركزي، بل ضمت مناطق استيطان وتحصينات امتدت على مساحات واسعة حوله.

ومن النتائج المهمة التي توصل إليها الباحثون أن مساحة المدينة التي أحاط بها نظام التحصينات الأول بلغت، وفق إعادة البناء الافتراضية، نحو 330 هكتارًا، وهي مساحة تضع أربيل ضمن المدن الكبرى في بلاد الرافدين القديمة.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن جميع المساحة كانت مبنية بالكثافة نفسها، أو أن جميع أجزائها كانت مأهولة في فترة واحدة؛ فحدود التحصينات لا تكشف وحدها طبيعة الاستخدام الداخلي للأرض أو كثافة السكان.

كما أن التأريخ الدقيق لبعض أجزاء الأسوار لا يزال يحتاج إلى حفريات أثرية منتظمة.

ومن الناحية العمرانية، تتميز أربيل القديمة بمخطط غير منتظم يميل إلى الاستدارة، مع وجود القلعة في موضع مركزي نسبيًا. ويختلف هذا التكوين عن مخططات عدد من العواصم الآشورية التي اتجهت نحو التنظيم المتعامد ووضع القلعة في أحد أطراف المدينة.

وهذا الاختلاف يفتح بابًا مهمًا للبحث في مدى تأثير المراحل السابقة للعصر الآشوري الحديث في تشكيل مخطط أربيل.

وقد طرح مؤلفو الدراسة احتمال أن تكون أصول بعض التحصينات أقدم من العصر الآشوري، وربما تعود إلى العصر النحاسي المتأخر، لكنهم أكدوا أن هذا الاحتمال يحتاج إلى تحقق أثري مباشر.

ولذلك لا يجوز تحويله إلى حقيقة تاريخية محسومة قبل توفر الأدلة الطبقية والتأريخية اللازمة.

ثالثًا: المدينة السفلى وأسوار أربيل الآشورية

تمثل إعادة التعرف على تحصينات المدينة السفلى واحدة من أبرز النتائج التي قدمتها الدراسة.

فمن خلال تحليل الصور الجوية القديمة، ولا سيما الصور التي التقطها سلاح الجو الملكي البريطاني سنة 1951، أمكن تحديد آثار نظام دفاعي واسع يتكون من ساتر ترابي ضخم وخندق خارجي ومنحدر دفاعي.

وقد بلغ سمك جسم الساتر نحو 22 مترًا، وظهرت بقاياه بصورة خاصة إلى الشمال الغربي من القلعة، في محلة المستوفي، قبل أن تتعرض المنطقة لتغييرات عمرانية واسعة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

كما كشفت الصور عن امتدادات أخرى للتحصينات في الجهات الشمالية والجنوبية والغربية، في حين تعذر تتبع أجزاء واسعة منها في الشرق والجنوب الشرقي بسبب العمران الحديث والحدائق والبساتين.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تقدم تصورًا لأربيل بوصفها مدينة محصنة واسعة، لا مجرد قلعة مرتفعة تحيط بها تجمعات سكنية محدودة.

وقد لاحظ الباحثون وجود فرعين مختلفين للتحصينات في الجانب الشمالي الشرقي، ورجحوا أن الفرع الداخلي أحدث من الخارجي استنادًا إلى علاقات التقاطع الظاهرة في الصور الجوية.

وتشير هذه الملاحظة إلى أن نظام الدفاع عن أربيل لم يكن بالضرورة منشأة واحدة أُقيمت في وقت محدد، بل ربما خضع لتعديلات ارتبطت بتغير الاحتياجات العسكرية والعمرانية.

كما كشفت الدراسة عن آثار محتملة لبوابات ومنشآت دفاعية متقدمة، إلا أن تحديد وظائفها بصورة نهائية يحتاج إلى أعمال تنقيب ومسح إضافية.

ومن المهم التأكيد أن معظم هذه النتائج تستند إلى تفسير الصور الجوية والتضاريس، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها إعادة بناء علمية مرجحة، لا مخططًا أثريًا مكتمل التحقق.

رابعًا: من أربيل الآشورية إلى المدينة الإسلامية: الاستمرارية والتحول

تطرح دراسة نوفاتشيك وزميليه قضية أساسية في تاريخ أربيل، تتمثل في التمييز بين استمرارية الاستيطان البشري واستمرارية الشكل العمراني للمدينة. فوجود السكان في موقع واحد عبر قرون طويلة لا يعني بالضرورة بقاء الشوارع والأسوار والأحياء والمنشآت على هيئتها السابقة.

ويرجح الباحثون أن أربيل استمرت بوصفها مركزًا حضريًا بعد انهيار الدولة الآشورية، وأن تحول مكانتها السياسية والإدارية حدث تدريجيًا. كما يفترضون أن بنيتها العامة، القائمة على القلعة والمدينة السفلى، ظلت محتفظة ببعض عناصرها حتى ظهور الإسلام، مع الاعتراف بعدم كفاية الأدلة الأثرية المباشرة لإعادة بناء جميع مراحل هذا التطور.

وتبرز هنا أهمية الشواهد المرتبطة بالمسيحية المبكرة في أربيل، ولا سيما كنيسة إيشوع سبران، التي تشير الدراسة إلى وجودها قبل الفتح الإسلامي، ثم تعرضها للتدمير خلال أحداث سنة 1310م، وإعادة بنائها واستمرارها حتى القرن السابع عشر.

وتقدم هذه الإشارة دليلًا تاريخيًا على أهمية المدينة السفلى بوصفها مجالًا للحياة الدينية والاجتماعية، وعلى أن تاريخ أربيل لم يكن محصورًا في قلعتها.

أما خلال العصر الإسلامي، فيرى الباحثون أن المدينة شهدت عملية تحول تدريجية، ربما تمثلت في اندماج نواة حضرية أقدم، مرتبطة بالمركز الإداري الساساني، مع امتداد عمراني إسلامي نشأ في جانب آخر من المدينة.

وهذا التصور لا يزال فرضية تفسيرية، لكنه يقدم مدخلًا مهمًا لفهم الاختلاف بين مواضع المساجد الجامعة والأحياء القديمة والمنشآت التي ظهرت في العصور الإسلامية اللاحقة.

خامسًا: مظفر الدين كوكبري وإعادة تنظيم المجال العمراني

احتل عهد مظفر الدين كوكبري مكانة بارزة في تاريخ أربيل خلال أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر الميلاديين، إذ ارتبط اسمه بنشاط عمراني واسع شمل التحصينات والمنشآت الدينية والخدمية.

غير أن دراسة نوفاتشيك وزميليه تدعو إلى إعادة النظر في الرأي الذي يجعل هذا النشاط بمثابة إعادة تأسيس كاملة للمدينة بعد فترة طويلة من الركود.

فوفقًا لتفسيرهم، لم ينشئ مظفر الدين المدينة السفلى من العدم، بل أكمل تحولًا عمرانيًا طويلًا بدأ في مراحل أقدم، ثم استفاد من الظروف السياسية والاقتصادية الملائمة لتوحيد أجزاء المدينة ضمن نظام دفاعي جديد.

وقد أمكن للباحثين التعرف على نظام تحصينات ثانٍ يختلف عن النظام الآشوري من حيث البناء والامتداد، ويرجحون ارتباطه بنشاط مظفر الدين.

وبلغت المساحة الافتراضية التي أحاط بها هذا النظام نحو 300 هكتار، مع بقاء أجزاء من مساره غير معروفة.

وتشير الدراسة إلى أن البنائين في العصور الوسطى استفادوا في بعض المواضع من بقايا التحصينات الآشورية، سواء باعتبارها قواعد للبناء أو عناصر دفاعية متقدمة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في تاريخ التخطيط الحضري؛ لأنها تشير إلى أن التحولات السياسية لم تؤد بالضرورة إلى إزالة جميع عناصر المدينة القديمة، وإنما أمكن إعادة توظيف بعضها ضمن منظومة عمرانية جديدة.

وهكذا تبدو أربيل في عهد مظفر الدين مدينة شهدت إعادة تنظيم وتحصين وتوسع، مع استمرار تأثير الموروث العمراني السابق في تشكيل مجالها الحضري.

سادسًا: قلعة أربيل بوصفها حيًا حضريًا محصنًا

من أبرز الأفكار التي تستحق المناقشة في الدراسة الأجنبية أن قلعة أربيل لم تكن مجرد حصن عسكري أو مقر للحاكم، وإنما شكلت خلال العصر الإسلامي الوسيط حيًا حضريًا متكامل الوظائف.

فقد ضمت مباني عامة وإدارية، ومساكن للنخب الاجتماعية، ومؤسسات دينية ووقفية، ومرافق تجارية، مع احتفاظها باستقلال نسبي من الناحية الدفاعية.

وتساعد هذه الرؤية على فهم خصوصية القلعة بوصفها جزءًا حيًا من المدينة، وليس منشأة عسكرية منفصلة عن المجتمع.

وقد قارن الباحثون هذا الوضع بقلعة حلب، التي تحولت تدريجيًا إلى مركز قصري وإداري شديد التحصين، في حين حافظت قلعة أربيل على طابع أكثر تنوعًا من حيث الوظائف السكنية والإدارية والدينية والتجارية.

ومن هنا يمكن القول إن القيمة التاريخية لقلعة أربيل لا تنحصر في ارتفاعها أو قدم طبقاتها الأثرية، بل تشمل أيضًا دورها في تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل المدينة.

وهذه نقطة مهمة عند دراسة التراث العمراني للقلعة؛ لأن الحفاظ عليها ينبغي أن يستند إلى فهم تاريخ وظائفها، وليس إلى ترميم واجهات مبانيها فحسب.

سابعًا: منارة چولي وإشكالية موقع الجامع العتيق

تحتل منارة چولي المظفرية مكانة خاصة في دراسة الطبوغرافية التاريخية لأربيل، لكونها من أبرز المنشآت المعمارية الباقية من العصور الوسطى خارج القلعة.

وقد تناولت الدراسة الخلاف حول علاقتها بالجامع العتيق أو بالمدرسة المظفرية، مستعرضة آراء هرتسفلد ونتائج الحفريات التي أُجريت حول المنارة بين سنتي 1960 و1962م.

وتشير الدراسة إلى أن المنارة ربما كانت متصلة في الأصل بمبنى مستطيل يقع إلى الشمال الغربي منها، يُرجح أنه إحدى المدارس التي شُيدت برعاية الأسرة البكتكينية.

كما يلاحظ الباحثون أن بعض الجدران المكتشفة حول المنارة ربما تعود إلى مرحلة لاحقة، بعد اختفاء المبنى الأصلي وإضافة دعامة إنشائية جديدة.

ومن أهم الشواهد التي تناولتها الدراسة النقش المعماري الذي يقرأ: «عمل الحاج مسعود بن أبي سعد».

غير أن هذا النقش لا يتضمن تاريخًا صريحًا للبناء، ولذلك لا يكفي وحده لحسم تاريخ المنارة.

وتقدم هذه المسألة مثالًا واضحًا على ضرورة الجمع بين دراسة النصوص التاريخية والتحليل المعماري والحفريات الأثرية، بدلًا من الاكتفاء بالتقاليد المحلية أو الافتراضات السابقة.

كما تؤكد أهمية إعادة دراسة المناطق المحيطة بالمنارة قبل أن تؤدي التحولات العمرانية الحديثة إلى ضياع ما تبقى من أدلتها الأثرية.

ثامنًا: المقابر والطرق والكهاريز بوصفها عناصر في ذاكرة المدينة

لم تقتصر نتائج الدراسة على الأسوار والقلعة والمنارة، بل امتدت إلى المقابر التاريخية وشبكة الطرق القديمة والمنشآت المائية.

فقد كشفت الصور الجوية عن مجموعات من المقابر والأضرحة المحتملة في الأطراف الجنوبية للمدينة، ومنها منشآت كانت تقع في المنطقة التي يشغلها اليوم فندق أربيل الدولي ومحيطه.

ورجح الباحثون أن بعض هذه المنشآت يمثل أضرحة تعود إلى العصور الوسطى، مع ملاحظة أوجه شبه في تنظيمها مع مجموعات جنائزية في مصر الفاطمية.

غير أن هذه المقارنة المعمارية لا تكفي لإثبات وحدة الانتماء المذهبي أو التاريخي، وإنما تقدم احتمالًا يستدعي مزيدًا من البحث.

أما شبكة الطرق، فقد أشارت الدراسة إلى أن المنطقة الواقعة أمام المدخل الجنوبي للقلعة كانت مركزًا رئيسيًا للحركة، إذ تلاقت فيها محاور الاتصال المتجهة نحو الموصل والعمادية وكوي سنجق وشهرزور وكركوك وآلتون كوبري.

وتساعد هذه النتيجة على تفسير أهمية المدخل الجنوبي للقلعة والميدان الواقع أمامه، بوصفهما جزءًا من المجال الوظيفي للمدينة.

وفيما يتعلق بالمياه، قدمت الدراسة أدلة على وجود شبكات من الكهاريز والقنوات الجوفية التي دخلت منطقة المدينة من اتجاهات مختلفة.

وقد ظلت بعض هذه المنشآت مستخدمة حتى فترات حديثة نسبيًا، وهو ما يعكس قدرة سكان أربيل على تطوير حلول هندسية لمواجهة مشكلة المياه.

ومن منظور تاريخ العمران، فإن المقابر والطرق والكهاريز ليست عناصر ثانوية، بل شواهد أساسية تساعد على إعادة بناء العلاقات بين الأحياء ومناطق النشاط ومجالات التوسع الحضري.

تاسعًا: قراءة نقدية في نتائج الدراسة الأجنبية

تتميز دراسة نوفاتشيك وزميليه بأنها نقلت البحث في تاريخ أربيل من التركيز على القلعة بوصفها موقعًا منفردًا إلى دراسة المدينة التاريخية بوصفها منظومة عمرانية متكاملة.

كما قدمت منهجًا يجمع بين النصوص التاريخية والصور الجوية والاستشعار عن بُعد والمسح الأثري، وهو منهج بالغ الأهمية في المدن التي تعرضت مواقعها القديمة للتغطية بالعمران الحديث.

ومع ذلك، فإن القيمة العلمية لهذه الدراسة لا تعني أن جميع نتائجها أصبحت حقائق نهائية.

فقد أقر مؤلفوها بأن إعادة بناء طبوغرافية أربيل لا تزال تحتوي على فجوات كبيرة، وأن كثيرًا من استنتاجاتها يعتمد على أدلة غير مباشرة.

ويمكن تحديد أبرز المسائل التي تحتاج إلى مزيد من البحث في تاريخ أربيل وقلعتها على النحو الآتي:

1. التحقق الأثري من التاريخ الحقيقي لنظام التحصينات الأول، وتحديد ما إذا كانت بعض أجزائه أقدم من العصر الآشوري الحديث.
2. تحديد المسارات الدقيقة للأسوار والبوابات القديمة، ولا سيما في المناطق التي اختفت معالمها تحت العمران الحديث.
3. دراسة العلاقة بين قلعة أربيل والتلال الاستيطانية التي كانت تحيط بها، والتحقق من احتمال وجود مركز محصن ثانٍ.
4. إعادة بناء مراحل نشأة المدينة السفلى خلال الفترات السابقة للإسلام والعصر الإسلامي المبكر.
5. دراسة العلاقة المعمارية والتاريخية بين منارة چولي والمدرسة المظفرية والجامع العتيق.
6. توثيق المقابر والأضرحة التاريخية والكهاريز والطرق القديمة، بالاعتماد على الصور الجوية والخرائط والأرشيفات المتاحة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المسائل بوصفها نقاط ضعف في الدراسة، بل بوصفها برنامجًا بحثيًا مفتوحًا يمكن أن يسهم في تطوير المعرفة بتاريخ أربيل.

عاشرًا: دلالات الدراسة بالنسبة إلى صون قلعة أربيل وتراث المدينة

إن أهم ما تقدمه هذه الدراسة للباحثين والمؤسسات المعنية بالتراث هو التأكيد أن صون قلعة أربيل لا ينبغي أن ينفصل عن دراسة محيطها العمراني التاريخي.

فالقلعة كانت جزءًا من شبكة واسعة من الأحياء والأسوار والطرق والمقابر والأسواق والمنشآت الدينية والمائية، وقد تغيرت هذه الشبكة خلال العصور مع احتفاظ بعض عناصرها بالاستمرارية.

ومن هنا، فإن حماية التراث الحضري لأربيل تتطلب توسيع نطاق البحث من المباني القائمة داخل القلعة إلى الطبقات الأثرية والمعالم التاريخية المحتملة في المدينة المحيطة بها.

كما ينبغي إعطاء أهمية خاصة للصور الجوية التاريخية، التي تحتفظ بمعلومات عن مواقع اختفت اليوم تحت الشوارع والمباني الحديثة.

ويمكن أن تسهم هذه الصور، عند ربطها بالخرائط التاريخية ونتائج الحفريات ونظم المعلومات الجغرافية، في إعداد أطلس أثري تاريخي لأربيل، يوضح تطور عمرانها ومواقع معالمها المندثرة.

ويقتضي ذلك أيضًا تطوير نظام للآثار الوقائية يتيح توثيق الطبقات والمنشآت المكتشفة أثناء أعمال البناء والحفر، بدلًا من ضياع المعلومات الأثرية قبل تسجيلها.

خاتمة: أربيل بين ثبات المكان وتحولات التاريخ

تكشف قراءة دراسة «مدينة من العصور الوسطى داخل أسوار آشورية» أن تاريخ أربيل وقلعتها لا يمكن فهمه من خلال مرحلة حضارية واحدة، أو من خلال المباني الباقية فوق سطح الأرض وحدها، وإنما من خلال تتبع العلاقات المتغيرة بين التل المركزي والمدينة السفلى والأسوار والطرق والمقابر والمنشآت المائية.

لقد تغيرت النظم السياسية والإدارية، وتبدلت وظائف المباني، واختفت أجزاء واسعة من المدينة القديمة تحت العمران الحديث، لكن الموقع ظل يحتفظ بمكانته الحضرية عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

وتكمن القيمة الأساسية للدراسة الأجنبية في أنها فتحت المجال لإعادة النظر في الصورة التقليدية لأربيل، وأظهرت أن المدينة السفلى كانت عنصرًا رئيسيًا في تاريخها، وأن قلعتها لم تكن كيانًا معزولًا، بل مركزًا حضريًا ارتبط بالمجال العمراني المحيط.

غير أن الاستمرارية الحضارية لا تعني غياب التحولات أو الانقطاعات الجزئية، كما أن التشابه بين المخططات العمرانية لا يكفي وحده لإثبات استمرار المنشآت نفسها عبر آلاف السنين.

ولذلك فإن المهمة العلمية المقبلة تتمثل في الانتقال من إعادة البناء الافتراضية إلى التحقق الأثري الميداني، مع الاستفادة من الأرشيفات التاريخية والصور الجوية والمصادر المكتوبة.

إن أربيل/هەولێر، بتاريخها الطويل وقلعتها الشامخة، لا تحتاج إلى المبالغة في وصف عظمتها، بقدر ما تحتاج إلى المزيد من البحث والتوثيق والتحقيق العلمي، حتى تتحول شواهد ماضيها من ذاكرة متفرقة إلى معرفة تاريخية راسخة، تحفظ للأجيال صورة المدينة كما كانت، وتفسر كيف أصبحت ما هي عليه اليوم.
....................................

المصادر والمراجع الأساسية

1. Nováček, Karel Amin, Narmin Ali Muhammad Melčák, Miroslav (2013). “A Medieval City Within Assyrian Walls: The Continuity of the Town of Arbīl in Northern Mesopotamia.” Iraq, Vol. 75, pp. 1–42. DOI: 10.1017/S0021088900000401.
2. الحيدري، عبدالباقي عبدالجبار (1985). التجديد الحضري لقلعة أربيل. الموصل.
3. ابن المستوفي (1980). تاريخ إربل: نباهة البلد الخامل بمن ورده من الأماثل. بغداد.
4. الحموي، ياقوت (1977). معجم البلدان. بيروت.
5. Safar, F. (1946). “Sennacherib’s Project for Supplying Arbil with Water.” Sumer, Vol. 2, pp. 50–52.
6. Husayn, K. (1962). “Al-Tanqib hawla al-mi’dhana al-muzaffariya fi Arbil.” Sumer, Vol. 18, pp. 205–207.
7. van Ess, M. et al. (2012). “Excavations in the City of Arbil, 2009–2011: The Neo-Assyrian Tomb.” Zeitschrift für Orient-Archäologie, Vol. 5, pp. 104–165.
8. Nováček, K. et al. (2008). “Research of the Arbil Citadel, Iraqi Kurdistan, First Season.” Památky archeologické, Vol. 99, pp. 259–302.
9. Tabbaa, Y. (1997). Constructions of Power and Piety in Medieval Aleppo. Pennsylvania State University Press.
10. Wilkinson, T. J. (2003). Archaeological Landscapes of the Near East. Tucson.



#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيُّ سيادةٍ نحتفل بها؟ قراءة نقدية في مفهوم السيادة العراقية ...
- تل قالينج آغا في أربيل قراءة تاريخية وأثرية في موقع من مواقع ...
- لن أسرق النصر» لماذا رفض الإسكندر مهاجمة جيش داريوس ليلًا قب ...
- العراق بعد صدمة مضيق هرمز حين يصبح تنويع منافذ تصدير النفط ق ...
- حصار مغول لقلعة اربيل
- «كوتري سلام»... لماذا استحقت أربيل لقب مدينة السلام منذ عام ...
- 23 عامًا يحكمون العراق باسم الدين وباسم الإمام الحسين وباسم ...
- العراق أمام مفترق طرق... هل بدأت معركة استعادة الدولة بعد ثل ...
- الحاج جلال چغماغچي... صوت المقام وحارس الذاكرة الروحية لأربي ...
- كنعان رشاد المفتي… سيرةُ أثرٍ حيّ بين التاريخ والذاكرة في أر ...
- جوامع وتكايا ومزارات قلعة أربيل: البنية الدينية والروحية في ...
- فندق الفرح في أربيل… معلم تراثي بين الذاكرة الاجتماعية ودلال ...
- خانات أربيل… ذاكرة القوافل وخريطة المدينة التجارية حول القلع ...
- نشيد آشوربانيبال إلى أربيل
- نشيد أربيل في النصوص الآشورية: قراءة سوسيولوجية
- مضيق هرمز وأزمة النفط… حين تتحول أربيل إلى عقدة الطاقة في ال ...
- حين تحتاج بغداد إلى أربيل… هل تفتح أزمة النفط باب حلّ الروات ...
- ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني
- بواباتُ قلعةِ أربيل: تحوّلاتُ الوظيفة والدلالة من التحصين إل ...
- سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إ ...


المزيد.....




- ترامب يعلن دعم نتنياهو قبل 9 أيام من انتخابات إسرائيل.. لماذ ...
- إعفاء وزيرة مغربية من منصبها بعد يوم من تكليفها.. والحكومة ت ...
- السعودية أم الحوثيون؟.. قيادي حوثي يستحضر سيناريو ضرب مصر لإ ...
- حالة انتحار جديدة ترفع حصيلة جديدة للجنود الإسرائيليين المنت ...
- النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي: -المشتركة- قادرة على إ ...
- الخارجية الإيرانية توضح أهداف زيارة لافروف إلى طهران
- نجل مبارك يدخل على خط دعم السعودية.. ورسالة لافتة بشأن قوة ا ...
- اختتام اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي
- تفاصيل السيطرة على دوبروبوليه
- طارق متري يتحدث لـ-المقابلة- عن الاتفاق مع إسرائيل والعلاقة ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - أربيل وقلعتها بين الاستمرارية الحضارية والتحولات العمرانية من العصر الآشوري إلى العصر الإسلامي الوسيط دراسة تاريخية أثرية نقدية في ضوء الأبحاث الحديثة عن المدينة السفلى وأسوار أربيل القديمة