هشام الكيلاني
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 23:28
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في مفهوم المدنية ــــ التعايش لا الفرض ـــ أذربيجان أنموذجا
بين العلمانية المتطرفة والتعصب الديني -- أين تقف حرية الإنسان؟
عزيزي القارئ مقالي هذا يعالج قضية جوهرية تجمع بين العلمانية، المدنية، احترام التعددية، ورفض التعصب للرأي، ويتطرق إلى مفهوم المدنية الحقة.. بين حياد الدولة وحرية الفرد ثم يعالج تحول (الرأي) إلى صنم.. حتى لا يصبح التعصب والوصاية آفة
لأن العلمانية في الإكراه تفقد مفهوم المدنية. حيث تعددية الرؤى وصيانة الكرامة هي جوهر الدولة الحديثة.
ومفهوم المدنية لا تتعايش بين العلمانية المتطرفة والتعصب الديني لكون التعصب للرأي.. يصنع جدار في وجه التطور، والتحضر والحرية والتنوع المميز يضمن المدنية حق الاختلاف.
وعند قوالب الإكراه.. تخسر الأفكار إنسانيتها، ومظلة المواطنة الجامعة
ويصبح التعصب أفيون
سأتطرق في مقالي هذا الى تفاصيل قضية بموضوعية تامة وبعيداً عن أي انحياز، مستنداً إلى المعطيات الرسمية والتقارير الميدانية حول ما يجري في أذربيجان...
1. خلفية القرارات الحكومية - من خلال القرارات التنظيمية أصدر مجلس الوزراء الأذربيجاني قرارات تنظيمية تتعلق بالزي الموحد في المدارس والمؤسسات التعليمية الحكومية (منها القرار رقم 309 الصادر في سبتمبر 2026 وقرارات لاحقة تخص المعلمين).
ينص القرار صراحةً أو حرفياً على كلمة (الحجاب)، بل يفرض قواعد صارمة للزي المدرسي والرسمي تتوافق مع "مبدأ العلمانية" في مؤسسات التعليم العام، ويحظر أي عناصر لباس تخلّ بهذا الموحد.
وبدأ تطبيق الميداني في الممارسة العملية، واعتبرت إدارات المدارس والجهات التنفيذية أن (غطاء الرأس أو الحجاب) يتعارض مع معايير الزي المدرسي الموحد والعلماني، ما أدى إلى منع دخول الطالبات والمعلمات المحجبات إلى عدد من المدارس والمؤسسات التعليمية مع بداية العام الدراسي.
2ـــ ردود الفعل والاحتجاجات الشعبية -- ومن خلال هذه الاعتراضات ومنع الدخول, أثارت هذه الإجراءات موجة واسعة من الجدل، حيث ظهرت مقاطع فيديو لطالبات وأولياء أمور يحتجون أمام أبواب المدارس بعد منع الفتيات من الدخول، رافقته مطالبات بالتراجع عن هذه القيود التي رُأت مساساً بحرية المعتقد.
ومن خلال هذا التضامن الواسع شهدت منصات التواصل الاجتماعي في أذربيجان وخارجها (لا سيما في تركيا وبعض البلدان الإسلامية) حملات تضامن واسعة، تضمنت نشر صور لنساء يرتدين الحجاب دعماً لحق الفتيات في التعلم واختيار لباسهن.
و رافق الاحتجاجات توتر أمني واعتقال عدد من المحتجين والناشطين الرافضين للقرار بحجة إثارة القلاقل.
3. --- جاء الموقف الرسمي والحكومي, الحفاظ على الطابع العلماني, و تتمسك الحكومة الأذربيجانية بالطابع العلماني للدولة وفقاً للدستور، وترى أن المؤسسات التعليمية العامة يجب أن تلتزم بقواعد موحدة ومنهجية واحدة للجميع دون إظهار رموز دينية أو طائفية داخل الفصول الدراسية.
وكان موقف المؤسسات الدينية الرسمية من خروج بعض الشخصيات الدينية الرسمية في أذربيجان (مثل رئيس إدارة مسلمي القوقاز) بتصريحات تعتبر أن القضية أُعطيت حجماً أكبر من حجمها، مؤكدة أن القرارات تستهدف (توحيد الزي) وليس محاربة الدين بحد ذاته، وعدم رفض تسييس المسألة وحلها بهدوء عبر وزارة التعليم.
اخي القارئ المشكلة تدور بين توجه حكومي رسمي يصرّ على فرض هوية وتصميم موحد للزي المدرسي يستند إلى مبادئ الدولة العلمانية ويلغي أي مظاهر دينية في المدارس، وبين أسر وطالبات وشرائح مجتمعية ترى في هذه القيود انتهاكاً لحرية الشخصية وحق التعليم للمحجبات، مما حول القضية إلى أزمة مجتمعية وقانونية متكررة في البلاد.
مقالي الان يطرح سؤالاً فلسفياً وعميقاً يلامس جوهر النقاش الفكري والسياسي حول مفهوم العلمانية وتطبيقاتها العملية.
الإجابة تأتي على هذا التساؤل تتطلب تفكيك الفارق بين (الفلسفة النظرية) للعلمانية وبين (التطبيقات السياسية والمؤسسية) لها في الدول المختلفة، حيث ينقسم الفكر العلماني نفسه إلى مدارس عدة ــــــ ونأتي هنا
أولاً - النماذج المختلفة للعلمانية وتأثيرها على الحريات ـــــ ومن خلال هذه النماذج نأتي هنا الى العلمانية الصارمة أو الاستبعادية (النموذج الفرنسي ) فلسفتها ترى أن الفضاء العام (خاصة المؤسسات الرسمية والتعليمية) يجب أن يكون خالياً تماماً من أي رموز دينية لضمان (الحياد المطلق) للدولة والمساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم.
ويرى منتقدو هذا النموذج أن أثرها على العقائد قد يتحول أحياناً إلى أيديولوجية ضاغطة تفرض نمط حياة معيناً، وتتدخل في الخيارات الشخصية للأفراد (مثل منع الحجاب أو الرموز الدينية)، مما يعتبره البعض تقييداً لحرية الاعتقاد والتعبير تحت غطاء حماية النظام العام.
والنموذج الثاني هي العلمانية المرنة أو الشمولية وهو (النموذج الأنجلو-ساكسوني كأمريكا وبريطانيا), وفلسفتها تعني حياد الدولة تجاه الأديان بمعنى أنها لا تتبنى ديناً رسمياً ولا تفرض أيديولوجية معينة، لكنها في الوقت ذاته تحمي حق الأفراد المطلق في ممارسة معتقداتهم والتعبير عنها في الأماكن العامة والمؤسسات، طالما أن ذلك لا يفرض شيئاً على الآخرين.
وكان أثرها على العقائد هو احترام التعددية ولا تعتبر المظهر الديني تهديداً لطابع الدولة، بل جزءاً من الحريات الفردية المحمية بالقانون.
ثانياً-- أين تكمن المشكلة في التطبيق؟ (بين الحياد والتدخل)
عندما نتحدث عما يجري في دول مثل أذربيجان أو غيرها، يبرز السؤال ـــ هل تدافع الدولة عن حيادها، أم أنها تتدخل في قناعات الناس؟
يرون المؤيدين لقرارات الدولة أن توحيد الزي ومنع الرموز الدينية في المدارس يحمي الناشئة من الانقسامات الطائفية أو الإيديولوجية المبكرة، ويحافظ على طابع مدني بحت للمؤسسات التعليمية التي يجب أن تُعنى بالعلم والمنهج الأكاديمي فقط.
ويرون المنتقدين والمدافعين عن الحريات أن إجبار الفتيات على خلع الحجاب أو منعهن من التعليم هو تعدٍ مباشر على الهوية والحرية الشخصية، ويحوّل العلمانية من (مبدأ يضمن حرية الجميع) إلى (سلطة تقمع حرية الاختيار)، وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويخلق شعوراً بالإقصاء والتهميش.
اخي القارئ أرى أن العلمانية في اصلها النظري وُجدت لحماية حرية الأفراد وتجنب الصراعات الطائفية عبر إبقاء الدولة محايدة. لكن التحول يحدث عندما تتحول العلمانية من (حياد إيجابي يحترم التنوع) إلى (أداة إقصائية تفرض قالباً واحداً)، وحينها تفقد جزءاً من غايتها الأساسية المتمثلة في احترام حرية الإنسان واختياراته الشخصية والفكريّة.
وأنا في مقالي هذا ادعو الى تجسيد جوهر المدنية الحقة التي تُبنى على أساس المواطنة واحترام التعددية، لا على الإقصاء أو الهيمنة الفكرية.
إن الفلسفة الإنسانية السليمة ترى أن الدولة والمدنية الحقيقية وُجدتا لتكونا مظلة جامعة لكل هذه الطيف والتنوع، وليستا سيفاً مسلطاً على قناعات الناس وأزيائهم وخصوصياتهم. عندما تتحول العلمانية أو أي نظام مدني إلى أداة تفرض قوالب جاهزة وتتدخل في الخيارات الشخصية للأفراد (كمنع حرية اللباس أو الاعتقاد)، فإنها تفقد روحها الإنسانية وتتناقض مع أبسط حقوق الإنسان في تقرير مصيره واختياراته.
التعايش الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته أو عقيدته لكي يكون مواطناً صالحاً، بل يرتكز على قاعدة أصيلة: (أن نحترم بعضنا البعض في إطار الحرية المشتركة، دون وصاية أو إكراه).
وهنا نبرز ونذكر أن جوهر الأزمة الفكرية والإنسانية التي يعاني منها العالم عبر التاريخ. إن التعصب للرأي (سواء كان دينياً، أو سياسياً، أو فكرياً، أو حتى علمانياً متطرفاً) هو الآفة الكبرى التي تقوض التعايش الإنساني.
ويمكن تلخيص الخلل في التعصب للرأي في عدة نقاط جوهرية ــــ
1. الغاء التنوع البشري والطبيعة الإنسانية - خلق الله تعالى جلا وعلا البشر مختلفين في عقولهم، وثقافاتهم، وقناعاتهم ("ولا يزالون مختلفين"). التعصب للرأي هو محاولة قسرية لفرم هذا التنوع وإلغاء الآخر، وكأن المتعصب يرى أن الحقيقة ولدت معه وحده وأن ما عداه على باطل تام.
2. تحويل الأفكار إلى "أصنام مقدسة" -- في هذه النقطة نبين , حين يتحول الرأي من مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش والصواب والخطأ إلى "عقيدة مقدسة لا تقبل المساس"، يفقد الإنسان قدرته على التفكير النقدي. يصبح الهدف هو الانتصار للرأي لا الوصول إلى الحقيقة، وتتحول الحوارات إلى صراعات الغلبة لا تبادل المعرفة.
3. اغتيال الحوار والتقدم الفكري --- التطور الإنساني، علمياً وفلسفياً واجتماعياً، قام بالأساس على تراكم الآلاف من الآراء المختلفة، والتصادم السلمي للأفكار، والقبول بالتصحيح والتعديل. التعصب يغلق الباب أمام أي حوار، ويقتل روح الابتكار، لأنه يعتبر أي سؤال أو نقد هو "تهديد وجودي".
4. تحول (الرأي) إلى (سلطة قمعية)---- عندما يمتلك صاحب الرأي المتحيز سلطة (سواء كانت سلطة سياسية، أو دينية، أو مؤسسية)، فإنه لا يعود محاوراً بل يشرع في فرض قناعته بالقوة على الآخرين (وهو بالضبط ما نراه في النماذج المتطرفة، سواء كانت دينية متزمتة تفرض الوصاية على اللباس والناس، أو علمانية متطرفة تفرض الإقصاء وتنزع حريات الأفراد). هنا تفقد المدنية معناها وتتحول إلى استبداد مقنع.
5. صناعة الكراهية والانقسام المجتمعي ----- في هذه النقطة التعصب يغذي شعور الاستعلاء لدى طرف، وشعور الاضطهاد والإقصاء لدى الطرف الآخر. هذا الاحتقان يمزق النسيج الاجتماعي ويحول المجتمعات إلى جزر متناحرة، تفقد فيها الثقة المتبادلة بين المواطنين والدولة.
ختام القول هو أن الرأي الحر يبقى نافذة يدخل منها النور لتتجدد أفكارنا، أما التعصب للرأي فهو جدار سميك يغلق الغرفة على هوائها الفاسد. المدنية الحقيقية والوعي الإنساني يبدأن حين نؤمن بأن (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، وبأن احترام حرية الإنسان وكرامته فوق كل الأيديولوجيات والقوالب الجاهزة. ويبقى للكلام بقية مادام في العمر بقية
#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟