محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 14:03
المحور:
القضية الفلسطينية
ثمة حكايات في فلسطين لا تُكتب بالحبر وحده، بل بالألم والدموع والغضب والأسئلة التي تبقى معلّقة في صدور الناس. حكايات تكشف المسافة الشاسعة بين العدالة التي حلم بها الفلسطينيون، والواقع الذي يجدون أنفسهم في مواجهته حين يصبح صاحب الرأي متهماً، ويجد القاضي الذي ينتصر لكرامة الإنسان نفسه خارج منصبه، ويقف المواطن أمام المحكمة متسائلاً: هل سيجد فيها الإنصاف الذي يبحث عنه، أم سيخرج منها محمّلاً بمزيد من الأسئلة؟
في هذه الحكايات تلتقي ثلاثة أسماء لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة الفلسطينية: الشهيد نزار بنات، والقاضي محمود خليف، ومزيد سقف الحيط، الذي يواجه سلسلة من القضايا والملاحقات في ظل مواقفه السياسية المعارضة للسلطة. وبين موقف إنساني داخل قاعة محكمة، وشهيد رحل تاركاً وراءه أسئلة لم تُطوَ، ومواطن يقف أمام القضاء، تتجدد الأسئلة عن كرامة الإنسان واستقلال القضاء ومصير العدالة.
في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وقف نزار بنات أمام محكمة صلح أريحا، معتقلاً بسبب آرائه ومواقفه. لم يُخفِ قناعاته، ولم يتراجع عن كلمته، بل أعلن بفخر: «أنا فخور بما قلته»، محذراً من أن استمرار انحدار سقف الحريات سيجعل فلسطين «غير صالحة للسكن البشري».
في تلك القاعة، لم يتعامل القاضي محمود خليف مع نزار بوصفه خصماً ينبغي إخضاعه، بل بوصفه إنساناً له كرامة وحقوق. أجلسه على الكرسي، وطلب له الماء، ثم أصدر قراراً بالإفراج عنه.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في نظر البعض، لكنها في زمن القسوة تصبح مواقف كبيرة؛ فأن ترى الإنسان قبل التهمة، والكرامة قبل الخصومة، والحق قبل الحسابات، هو جوهر العدالة التي ينتظرها الناس من القضاء.
لم يكن موقف القاضي محمود خليف مجرد إجراء قضائي عابر في ذاكرة من تابعوا الواقعة، بل أصبح، في نظر كثيرين، صورة للقاضي الذي لا ينسى أن الإنسان يظل إنساناً، حتى حين يكون موقوفاً أمامه، وحتى حين تكون كلماته مزعجة للسلطة.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك.
في 24 حزيران/يونيو 2021، انتهت حياة نزار بنات بعد اعتقاله على أيدي قوة أمنية تابعة لسلطة رام الله، في واقعة هزّت الضمير الفلسطيني. ومنذ ذلك الحين، بقي اسمه جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت قضيته سؤالاً مؤلماً عن الحق في الحياة، والمساءلة، ومسؤولية السلطة عن حماية مواطنيها وكرامتهم.
رحل نزار بنات، لكن كلماته لم ترحل، وظلت الأسئلة التي أثارها حاضرة في الشارع الفلسطيني وضمير كل من يؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يبرر المساس بكرامة الإنسان وحياته.
ثم جاءت محطة أخرى في حكاية القاضي محمود خليف، مع صدور قرار بإنهاء خدمته القضائية، وهو القرار الذي أثار اعتراضات وانتقادات في أوساط حقوقية وقانونية.
قرار إنهاء خدمة القاضي محمود خليف كان عقاباً مباشراً على موقفه من نزار بنات. إن هذه القضية لا تتعلق بوظيفة فقدها قاضٍ فحسب، بل تمسّ استقلال القضاء، وتطرح سؤالاً خطيراً عن مصير القاضي الذي يتمسك بضميره في مواجهة الضغوط. فاستقلال القضاء لا يُحمى بالشعارات، بل بضمانات تمنع التدخل في عمل القضاة، وتكفل مساءلتهم وفق القانون، لا وفق رضا أصحاب النفوذ.
لقد فقد القاضي محمود خليف وظيفته، لكن الوظيفة ليست وحدها ما يصنع قيمة الإنسان، والمنصب ليس المعيار الذي يقيس به التاريخ مواقف الرجال. قد يغادر المرء كرسيه، لكنه يترك وراءه موقفاً لا تستطيع القرارات الإدارية محوه من الذاكرة.
ومن هنا يأتي الفخر بالقاضي محمود خليف؛ فخرٌ بموقف إنساني وقضائي ارتبط اسمه به، وبصورة القاضي الذي رأى في نزار بنات إنساناً يستحق الاحترام، لا مجرد موقوف يحمل رأياً معارضاً. لقد خسر منصبه، لكن اسمه كُتب في لائحة الشرف الفلسطينية؛ تلك اللائحة التي لا تصدرها مؤسسة ولا تختمها محكمة، بل تحفظها ذاكرة الناس حين يميّزون بين من امتلك المنصب ومن صان الكرامة.
وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة مع مزيد سقف الحيط.
يقف مزيد أمام محكمة صلح نابلس في إحدى القضايا التي تلاحقه، بعد أن سبق أن اعتُقل مرات عدة. وتحمل ورقة تبليغه اسم «دولة فلسطين، السلطة القضائية، محكمة صلح نابلس»، وتتضمن اتهامات من بينها الذم الواقع على السلطة، وإثارة النعرات العنصرية، وإطالة اللسان على رئيس الدولة باستخدام وسائل تكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن تهمة تتعلق بحيازة سلاح وذخائر دون ترخيص.
هذه اتهامات ينبغي أن تُفحص أمام القضاء، ولا يصح أن تتحول الكتابة عنها إلى أحكام مسبقة على المتهم أو القضاة. فلكل متهم حق في الدفاع عن نفسه، ولكل تهمة أدلتها وإجراءاتها، ولا تجوز إدانة إنسان قبل محاكمة عادلة.
لكن احترام القانون لا يعني الصمت عن الأسئلة المشروعة، ولا يعني أن تتحول الاتهامات الواردة في ورقة رسمية إلى نهاية النقاش. بل يفرض علينا أن نسأل عن ضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، وحق المواطن في التعبير والاعتراض، ومدى تكافؤ الجميع أمام القانون.
وتزداد الأسئلة إلحاحاً حين تشير ورقة التبليغ، بحسب ما ورد فيها، إلى تعذّر التبليغ بسبب عدم وضوح العنوان، بينما يقول مزيد إن عنوانه معروف لدى السلطة، وإنه سبق أن اعتُقل واتُّخذت إجراءات تبليغه على عنوانه في نابلس.
فكيف يصبح العنوان موضع إشكال إذا كان صاحبه معروفاً لدى الجهات التي تتعامل معه؟ وهل جرى التحقق من أسباب تعذّر التبليغ وسلامة الإجراءات المتخذة؟ إنها أسئلة تستحق إجابات واضحة، لا اتهامات جاهزة ولا تجاهلاً يضاعف الشكوك.
لكن السؤال الأعمق يتجاوز ورقة التبليغ وموعد المحاكمة، ويتعلق بالصورة التي تتكوّن لدى المواطن الفلسطيني حين يرى أصحاب الرأي المعارض يتنقلون بين الاعتقال والاستدعاء.
هل يشعر هذا المواطن بأن القضاء ملاذه الآمن؟ وهل يطمئن إلى أن موقفه السياسي لن يؤثر في معاملته أمام المحكمة؟ وهل يستطيع انتقاد السلطة من دون أن يخشى أن تتحول كلماته إلى سلسلة طويلة من الملاحقات؟
لا أوجّه حكماً مسبقاً إلى قضاة محكمة صلح نابلس، ولا أزعم معرفة ما في ضمائرهم أو ما ستنتهي إليه القضية. لكنني أضع أمام المؤسسة القضائية مسؤولية لا يجوز التهاون فيها: ضمان محاكمة عادلة وشفافة، وصون حقوق مزيد كاملة، وفحص الأدلة بعيداً عن أي ضغط سياسي، حتى يشعر المواطن بأن القاضي يحكم وفق القانون، لا وفق هوية المتهم أو طبيعة موقفه.
فالقاضي لا يُطلب منه أن يكون معارضاً للسلطة أو خصماً لها، بل أن يكون مستقلاً عنها حين يجلس على منصة القضاء؛ فلا يخضع لصاحب نفوذ، ولا يعاقب صاحب رأي، ولا يسمح بأن يشعر المتهم بأنه مدان قبل أن يُتاح له الدفاع عن نفسه.
وهنا تكمن المقارنة بين موقف القاضي محمود خليف وقضية مزيد سقف الحيط. ليست مقارنة بين أشخاص نعرف أحكامهم سلفاً، ولا دعوة إلى إصدار أحكام على قضاة لم تنتهِ القضية أمامهم، بل تذكير بواجب القضاء كما تجلّى في الموقف الإنساني الذي ارتبط باسم القاضي محمود خليف، وبالامتحان الذي تضعه قضية مزيد أمام العدالة.
فهل تكون المحكمة مساحة يتساوى فيها الجميع، ويجد فيها المتهم حقه في الدفاع، وتُفحص فيها التهم بموضوعية واستقلال؟ أم تخرج الإجراءات، بصرف النظر عن نتائجها، لتزيد شعور الناس بأن العدالة بعيدة عنهم؟
إن التاريخ لا يسأل القاضي عن عدد الملفات التي نظر فيها فحسب، بل يسأله أيضاً إن كان قد صان حقوق أصحابها. ولا تُقاس هيبة المؤسسة القضائية باسمها الرسمي وحده، بل بقدر ثقة الناس بها وقدرتها على حماية الحقوق، ولا سيما حين يقف الفرد في مواجهة الأقوى.
أما أن تتحول المحاكم إلى محطة دائمة في حياة أصحاب الرأي، فذلك يهدد الثقة العامة، حتى قبل صدور أي حكم. وإذا كانت الاتهامات تستوجب المحاسبة، فإن القانون وحده هو الذي يحدد ذلك، عبر إجراءات عادلة وأدلة واضحة. وإذا كانت هناك مؤشرات إلى استهداف سياسي، فإن كشف الحقيقة يتطلب الشفافية والتحقيق المستقل، لا الاكتفاء بالشعارات أو الاتهامات المتبادلة.
والأشد إيلاماً أن كل هذه الأسئلة تُطرح في وطن يواجه فيه الفلسطينيون اعتداءات الاحتلال، وعربدة المستوطنين، ومصادرة الأرض، والخوف على البيوت والأبناء والمستقبل. وطن يحتاج فيه الناس إلى مؤسسات تمنحهم الطمأنينة، وإلى قضاء يثقون بأنه لن يتركهم وحدهم أمام الظلم، أياً كان مصدره.
فلسطين التي حلم بها الشهداء لم تكن وطناً يخشى فيه الإنسان كلمته، ولا بلداً يصبح فيه انتقاد السلطة سبباً للخوف على المستقبل. لقد حلموا بوطن تكون فيه الكرامة حقاً، والعدالة ضمانة، والقانون مظلة للجميع؛ وطن لا يُقاس فيه الولاء بمقدار الصمت، ولا تُقاس قوة السلطة بعدد من تستدعيهم المحاكم.
ماذا نقول لنزار بنات لو عاد اليوم وسألنا عن الكلمة التي دفع حياته ثمناً لها؟ وماذا نقول للقاضي محمود خليف إذا سألنا عن مصير القاضي الذي رأى في ذلك الإنسان كرامة تستحق الاحترام؟ وماذا نقول لمزيد سقف الحيط، وهو يقف أمام المحكمة، عن الوطن الذي وعدناه بأن يكون فيه الاختلاف حقاً، لا عبئاً يلاحق صاحبه من قضية إلى أخرى؟
لا نريد قضاة يصفقون للسلطة، ولا قضاة يعادونها؛ نريد قضاة لا يخضعون إلا للقانون. ولا نريد حصانة لأحد من المساءلة، كما لا نريد أن تصبح المحاكم أداة للانتقام أو الإقصاء. نريد قانوناً واحداً، وحقوقاً متساوية، وإجراءات عادلة، ومحاسبة لا تستثني صاحب منصب ولا تستهدف صاحب رأي.
فالهيبة الحقيقية للقضاء لا تُفرض بالخوف، بل تُبنى بثقة الناس. وحين يطمئن المواطن إلى أن حقه مصان، وأن العدالة لا تميّز بين شخص وآخر، تصبح المؤسسة القضائية مصدر قوة للمجتمع، لا سبباً إضافياً في انقسامه.
إن الوفاء لنزار بنات لا يكون برفع صوره كل صباح، مرفقةً بعبارة «صباح الخير يا نزار»، ولا يكون الوفاء للقاضي محمود خليف بمجرد الثناء عليه، ولا إنصاف مزيد بترديد اسمه؛ بل يكون بالتمسك بالمبادئ التي دافعوا عنها، وبناء قضاء مستقل، وحماية حرية الرأي، وضمان ألا يتحول القانون إلى أداة للانتقام أو الإقصاء.
وما قيمة السلطة إذا لم تكن قادرة على احتمال كلمة معارضة، ولا على منح شعبها شعوراً بأن كرامته وحقوقه مصونة؟
في فلسطين، لا نريد قضاة يدفعون ثمن احترام الإنسان، ولا مواطنين يدفعون ثمن آرائهم، ولا شهداء نرفع أسماءهم ثم ننسى الأحلام التي رحلوا من أجلها. نريد عدالة لا تخاف الحقيقة، وقضاء لا ينحني أمام النفوذ، ووطناً لا يصبح فيه صاحب الرأي خصماً دائماً، ولا يتحول فيه الدفاع عن الكرامة إلى مغامرة يدفع الإنسان ثمنها من حريته ومستقبله.
ستبقى الأسماء حاضرة في الذاكرة: نزار بنات، الذي رحل وبقيت كلمته؛ والقاضي محمود خليف، الذي غادر منصبه وبقي موقفه الإنساني حاضراً؛ ومزيد سقف الحيط، الذي ينبغي أن تُصان حقوقه، وأن تُفحص الاتهامات الموجهة إليه وفق القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
ما أقسى أن يحلم الفلسطيني بوطنٍ عادل، ثم يدفع حياته وحريته وكرامته ثمناً للمطالبة بالعدل! وما أشدّ ألماً أن يرحل الشهداء، ويبقى الإنصاف غائباً، وتظلّ العدالة حلماً مؤجلاً في وطنٍ سالت من أجله أنهار الدماء.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟