أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمود سلامة محمود الهايشة - سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة» للدكتور ماجد عبدالقادر















المزيد.....

سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة» للدكتور ماجد عبدالقادر


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 13:21
المحور: كتابات ساخرة
    


تنهض القصة القصيرة أحيانًا على مفارقة بسيطة في ظاهرها، لكنها تتسع لتكشف عن تناقضات المجتمع، وتعرّي المسافة بين الصورة والحقيقة، وبين ما يراه الناس وما يخفونه في دواخلهم. ومن هذا المدخل يمكن قراءة قصة "سينما أونطة" للدكتور ماجد عبدالقادر، المنشورة بجريدة صوت الوفد، العدد 1001، سبتمبر 2026، الصفحة 12، بوصفها نصًا ساخرًا يستثمر عالم السينما والفن والنجومية ليطرح أسئلة تتجاوز الشاشة إلى الواقع الاجتماعي والإنساني.
فالعنوان وحده يحمل مفتاحًا مهمًّا لقراءة النص؛ إذ تجمع كلمة «سينما»، بما توحي به من خيال وصناعة للصورة، مع كلمة «أونطة»، وهي لفظة عامية مصرية تحيل إلى الزيف والخداع والادعاء. ومن هذا التناقض تتولد المفارقة الأساسية: هل نحن أمام سينما تصنع الوهم للتسلية، أم أمام مجتمع بأكمله تحوّلت حياته إلى مشاهد تمثيلية، تختلط فيها الحقيقة بالادعاء، ويصبح النجاح أحيانًا مرهونًا بقدرة صاحبه على إتقان الدور؟

أولًا: العتبة الدلالية.. حين يصبح العنوان حكمًا على الواقع
لا يبدو عنوان «سينما أونطة» مجرد تسمية طريفة لجذب انتباه القارئ، بل يمثل عتبة دلالية تفتح الطريق أمام قراءة نقدية تقوم على كشف التناقض بين الصورة السينمائية المتخيلة والحقيقة التي يفرضها الواقع. فالسينما، في الوعي الشعبي، مساحة لصناعة الأحلام، وتجسيد البطولات، والانتصار للمظلومين، لكنها قد تتحول، في المقابل، إلى مصدر للأوهام حين يخلط المتلقي بين الشخصية التي يؤديها الفنان وشخصيته الحقيقية.
وتتجلى براعة العنوان في لفظة «أونطة» التي تنتمي إلى المعجم الشعبي المصري، بما تحمله من خفة ساخرة واتهام ضمني بالزيف. وهي لفظة تمنح النص منذ البداية نبرة نقدية لا تتجه بالضرورة إلى الفن السينمائي ذاته، بقدر ما تتجه إلى الفجوة بين الرسالة الإنسانية التي تقدمها الأعمال الفنية والسلوك الذي قد يصدر عن بعض صُنّاعها في الواقع.
ومن هنا، لا تتعلق «الأونطة» بالخداع المباشر وحده، وإنما تمتد إلى خداع الصورة، وإلى تلك المسافة المؤلمة بين ما نعتقده وما نكتشفه، وبين القيم التي نتعلق بها على الشاشة والقيم التي نصطدم بها خارجها.

ثانيًا: بطة.. بطلة من لحم الواقع لا من ورق السيناريو
تتمحور القصة حول شخصية «بطة»، الفتاة التي يضعها فقد الأب أمام مسؤولية ثقيلة؛ فهي مطالبة برعاية إخوتها الخمسة وأمها المريضة، والتخلي عن أحلامها الشخصية التي كانت تتطلع من خلالها إلى حياة بسيطة ومستقرة، فيها الزواج والمسكن والأطفال.
ويختار الكاتب أن يقدم مأساة الشخصية بعيدًا عن المبالغة الميلودرامية، مستعينًا بتفاصيل الحياة اليومية التي تجعل المعاناة ملموسة وقريبة من القارئ. فالحلم الذي يتبدد ليس حلم الثراء أو المجد، وإنما حلم فتاة بسيطة في عيشة كريمة وحياة عائلية عادية. وهذا ما يمنح الشخصية بعدها الإنساني؛ إذ لا تأتي تضحيتها بوصفها بطولة خارقة، بل بوصفها استجابة قاسية لواجب عائلي لم تختر ظروفه.
وتكتسب «بطة» خصوصيتها من قرارها العمل في صالون الحلاقة الذي تركه أبوها. إنها لا تهرب من المسؤولية، ولا تستسلم لليأس، ولا تختار الطريق الأسهل على حساب إخوتها، بل تقرر أن تواجه المجتمع في مهنة اعتاد الناس أن يربطوها بالرجال.
وهنا تتجاوز الشخصية حدود الحكاية الفردية لتصبح رمزًا للإنسان الذي تدفعه الضرورة إلى كسر القيود الاجتماعية، وللمرأة التي لا تكتفي بمقاومة الفقر، بل تواجه كذلك أحكام المجتمع المسبقة على ما يجوز لها وما لا يجوز.
ولعل أهم ما في تجربة بطة أن التحول لا يحدث دفعة واحدة؛ فالناس يستنكرون عملها في البداية، ثم يعتادون وجودها، حتى تصبح «الأسطى بطة» اسمًا معروفًا في البلدة. وهذه الرحلة ترسم حركة اجتماعية واضحة من الرفض إلى القبول، ومن الشك إلى الاعتراف بالكفاءة.
إنها انتصار للعمل والإصرار، لكنه انتصار لا يلغي قسوة الطريق الذي اضطرت الشخصية إلى اجتيازه.

ثالثًا: المفارقة المركزية.. حلاق رجالي يعشق السينما
من أكثر عناصر القصة ثراءً أن بطة، التي اختارت مهنة الحلاقة الرجالية، تجد في إحدى الممثلات السينمائيات نموذجًا إنسانيًا قريبًا من وجدانها. فقد شاهدت الفنانة تؤدي أدوارًا متعددة، منها سائقة التاكسي، والمعلمة، وصاحبة المقهى الشعبي، وحتى الحلاق الرجالي.
وهنا تنشأ علاقة نفسية بين الشخصية الواقعية والشخصية الفنية؛ إذ لا ترى بطة في الممثلة مجرد نجمة مشهورة، بل تتخيلها امرأة تشبهها في الصلابة، والانحياز إلى المقهورين، والقدرة على تحدي الأعراف.
إنها لا تحب الفنانة بسبب شهرتها وحدها، بل لأنها تجد في أدوارها انعكاسًا لتجربتها الخاصة. فالفن، بالنسبة إليها، ليس تسلية عابرة، وإنما نافذة ترى من خلالها نفسها، وتستمد منها شعورًا بالانتماء والتقدير.
غير أن المفارقة تبلغ ذروتها عندما تقرر بطة مقابلة الفنانة، فتكتشف أن الصورة التي بنتها في خيالها لا تضمن بالضرورة وجود الشخصية الإنسانية التي تنتظرها في الواقع.
هنا تتحول السينما من مرآة يتعرف الإنسان فيها إلى نفسه إلى مرآة قد تخدعه بشأن الآخرين.
فالممثلة التي جسدت على الشاشة شخصيات شعبية قريبة من البسطاء، لا تستجيب في المشهد الأخير لتوقعات بطة، ولا تمنحها فرصة اللقاء الذي كانت تأمل فيه. وهكذا تتكشف المسافة بين أداء الدور والإيمان الحقيقي بالقيم التي يجسدها ذلك الدور.
والمفارقة هنا ليست مجرد تناقض بين فنانة ومعجبة، بل سؤال أخلاقي أوسع: هل يكفي أن يتقن الفنان تمثيل قيم الشجاعة والجدعنة والعدالة حتى يصبح حاملًا لها في حياته الخاصة؟
يترك الكاتب القارئ أمام هذا السؤال من غير أن يحوله إلى موعظة مباشرة، وهو ما يمنح المفارقة قوتها.

رابعًا: نقد المجتمع.. من رفض المختلف إلى الاشتباه فيه
لا تقف القصة عند نقد العلاقة بين الفن والواقع، بل تتناول آلية اجتماعية تتكرر في حياة الأفراد: رفض كل ما يخرج عن المألوف، ثم القبول به بعد أن يثبت نجاحه.
فحين تبدأ بطة العمل في الحلاقة الرجالية، تواجه نظرات الاستغراب والريبة، لكن براعتها المهنية تحول هذه النظرات تدريجيًا إلى إعجاب وتقدير. وتكشف هذه الرحلة أن المجتمع قد يحكم على الإنسان وفق الصورة النمطية التي يحملها عن مهنته أو جنسه، لا وفق قدرته الفعلية على الإنجاز.
وفي هذا السياق، تبدو بطة نموذجًا للمقاومة الهادئة؛ فهي لا تدخل في معركة خطابية مع المجتمع، ولا ترفع الشعارات، وإنما تترك عملها يتحدث عنها. ومع الوقت، تتحول الممارسة الناجحة إلى وسيلة لتعديل النظرة الاجتماعية.
لكن الكاتب يقدم في نهاية القصة صورة أكثر قسوة لهذه الآلية؛ فعندما تجلس بطة أمام فيلا الفنانة، ويأتي رجل الحراسة ليسألها عن مهنتها، تجيب بعفوية: «حلاق رجالي». فيفسر الأمر باعتبارها إحدى المعجبات اللواتي أصابهن الهوس بالمشاهير، ويقتادها إلى القسم للاشتباه فيها.
وهنا تتولد مفارقة ثانية، أكثر إيلامًا من الأولى: الفتاة التي تجاوزت أحكام المجتمع بعملها وكفاءتها، تجد نفسها مرة أخرى أسيرة حكم متعجل، لا يراها بوصفها امرأة مكافحة وصاحبة مهنة، بل بوصفها شخصًا مشبوهًا يحتاج إلى التحقيق.
إنها لحظة تكشف كيف يمكن للصورة النمطية أن تمحو سيرة الإنسان الحقيقية في لحظة واحدة. فبدلًا من أن يكون سؤال الحارس مدخلًا لفهم حكايتها، يصبح مدخلًا إلى الاشتباه فيها.
ومن ثم، فإن النهاية لا تكتفي بفضح زيف الصورة الفنية، بل توسع دائرة النقد لتشمل مجتمعًا قد يسيء فهم المختلف، ومؤسسات تتعامل أحيانًا مع المظهر والانطباع قبل الاستماع إلى الحقيقة.

خامسًا: المكان بوصفه علامة على التفاوت الاجتماعي
يوظف الكاتب المكان في بناء المفارقة؛ فالكورنيش والنيل والفيلا الفخمة ليست خلفية محايدة للأحداث، بل عناصر تسهم في تشكيل الدلالة الاجتماعية للقصة.
يظهر النيل بوصفه رمزًا عامًا للملكية المشتركة والانتماء الوطني، في مقابل الفيلا التي تحيط بها حدود الحراسة والمنع. ويبرز هذا التناقض في وعي بطة التي ترى أن النيل ملك للجميع، بينما يبدو الوصول إلى عالم النجمة الخاصة أمرًا صعبًا.
وتتحول الفيلا بذلك إلى أكثر من منزل لفنانة مشهورة؛ إنها رمز للمسافة بين عالمين: عالم الفتاة التي تحمل مسؤولية أسرتها وتكافح لتوفير احتياجاتها، وعالم النجومية الذي يبدو قريبًا منها عبر الشاشة، لكنه بعيد عنها حين تحاول الاقتراب منه في الحياة الواقعية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القصة تدين الثراء أو الخصوصية في ذاتيهما، بل إن دلالة المكان تتشكل من الطريقة التي تقف بها بطة على العتبة، حاملةً توقعات إنسانية، ثم تواجه الحراسة والرفض والاشتباه.
إن المسافة المكانية بين الكورنيش والفيلا تتحول إلى مسافة رمزية بين الحلم والحقيقة، وبين الصورة التي يراها الجمهور والواقع الذي يحكم علاقاته اليومية.

سادسًا: السرد واللغة.. واقعية تتكئ على السخرية
يميل النص إلى السرد الواقعي الذي يتابع الشخصية في محطات حياتها، بدءًا من فقد الأب وتحمل المسؤولية، مرورًا باقتحام مهنة غير مألوفة اجتماعيًا، وانتهاءً بمحاولة لقاء الفنانة وما يترتب عليها من مفارقة.
ويعتمد الكاتب على راوٍ يقدم خلفية الشخصية وأحلامها وظروفها، ثم ينتقل إلى مشاهد حوارية وحركية تكشف طبيعة العلاقات بين الشخصيات. ويمنح هذا الأسلوب القارئ معرفة بتجربة بطة الداخلية، بحيث لا تبدو زيارتها للفيلا تصرفًا عابرًا أو نزوة من نزوات المعجبين، وإنما نتيجة منطقية لتعلقها بصورة الفنانة التي رأت فيها شبيهًا روحيًا لها.
أما اللغة، فتجمع بين السرد الفصيح والتعبيرات القريبة من العامية المصرية، وهو اختيار يتناسب مع البيئة الشعبية والشخصية المركزية. كما أن لفظة «أونطة» في العنوان تمنح النص نبرة ساخرة، تهيئ القارئ لتلقي الأحداث في ضوء المفارقة لا المأساة وحدها.
وتؤدي السخرية وظيفة مزدوجة؛ فهي تخفف من مباشرة الخطاب، وفي الوقت نفسه تكشف التناقضات الاجتماعية. فالمفارقة بين الفنانة التي تؤدي دور الحلاق الرجالي وبطة التي تمارس المهنة حقيقةً، وبين النجمة التي تجسد قيمًا شعبية على الشاشة والفتاة التي تعيش تلك القيم في الواقع، تمنح النص جانبًا من قوته الدلالية.
ومع ذلك، فإن كثافة المعلومات المتعلقة بماضي بطة ومسؤولياتها العائلية وأحلامها، قبل الوصول إلى مشهد اللقاء، تجعل البناء أقرب في بعض أجزائه إلى الحكي التفسيري. وكان من الممكن أن يزداد الأثر الفني لو أتيح لبعض هذه التفاصيل أن تظهر تدريجيًا عبر الحوار والمشهد والحركة، بما يمنح القارئ فرصة أكبر لاكتشاف الشخصية بنفسه.
وهذه ملاحظة تتصل باقتصاد السرد وتوزيع المعلومات، لا بضعف الفكرة المركزية التي تقوم عليها القصة.

سابعًا: بناء النهاية.. حين يُساء فهم الضحية للمرة الثانية
تأتي النهاية لتضع بطة أمام تجربة جديدة من سوء الفهم. فقد واجهت في بداية رحلتها رفض المجتمع لمهنتها، لكنها استطاعت أن تثبت كفاءتها وتكسب احترام الناس. أما في نهاية القصة، فإنها تواجه حكمًا متعجلًا لا يراعي تاريخها ولا طبيعة تجربتها.
والمؤلم أن بطة لا تذهب إلى الفيلا طلبًا للمال أو الشهرة أو المنفعة، وإنما بحثًا عن لقاء إنساني مع امرأة ظنت أنها تشبهها. ومع ذلك، ينتهي بها الأمر في مواجهة الحراسة والاشتباه.
تكتسب هذه النهاية قوتها من قلب التوقعات؛ فالقارئ الذي يتابع رحلة كفاح بطة قد ينتظر أن تتوج هذه الرحلة بلقاء يحقق لها نوعًا من الاعتراف المعنوي، أو على الأقل يكشف لها حقيقة الفنانة بصورة مباشرة. لكن الكاتب يختار مسارًا آخر، ينقل الشخصية من خيبة الأمل إلى مفارقة اجتماعية أشد قسوة.
وهكذا تصبح النهاية امتدادًا للفكرة المركزية: لا يكفي أن ينجح الإنسان في تجاوز عقبة حتى يصبح بمنأى عن الأحكام الجاهزة. وقد يستطيع المرء أن يثبت نفسه في مهنته، لكنه يظل عرضة لسوء الفهم عندما يدخل فضاءً اجتماعيًا تحكمه الشهرة والحراسة والشك.
كما تترك النهاية أثرًا مفتوحًا؛ فلا نعرف من المقتطف المنشور كيف ستنتهي تجربة بطة مع الشرطة، ولا ما إذا كانت ستتمكن من توضيح موقفها. وهذا الانفتاح يسمح باستمرار الأسئلة بعد انتهاء الحكاية، وإن كان يترك مصير الشخصية العملي معلقًا.

ثامنًا: الدلالة الإنسانية.. البطولة التي لا تحتاج إلى كاميرا
تقدم القصة مفهومًا للبطولة يختلف عن البطولة السينمائية التقليدية. فبطة ليست نجمة تتصدر الملصقات، ولا شخصية خارقة تنتصر في مشهد ختامي، وإنما امرأة عادية تحمل مسؤولية أسرة، وتعمل في مهنة شاقة، وتواجه نظرات المجتمع، وتواصل حياتها رغم ما فقدته من أحلام.
وفي هذا المعنى، تعيد القصة ترتيب العلاقة بين الفن والحياة؛ فالحياة الواقعية قد تنتج نماذج من الشجاعة والصبر والالتزام تفوق ما تقدمه الشاشة من صور متخيلة. وقد تكون المرأة التي لا يعرفها أحد أكثر صدقًا في تجسيد القيم الإنسانية من النجمة التي تتقن أداء أدوارها.
لكن النص لا يحصر المشكلة في شخصية الفنانة وحدها؛ إذ تتسع دلالته لتشمل الجمهور الذي قد يخلط بين الممثل والدور، والمجتمع الذي يقاوم الاختلاف أول الأمر، ثم يسيء فهم صاحبه في ظروف أخرى.
ومن هنا، فإن «سينما أونطة» ليست دعوة إلى رفض السينما أو التقليل من قيمتها، بل دعوة إلى النظر النقدي، وإلى التمييز بين الفن بوصفه إبداعًا قادرًا على تجسيد القيم، والفنان بوصفه إنسانًا لا يضمن إتقانه للدور التزامه به في حياته.

خاتمة: من الشاشة إلى الحقيقة
تنجح قصة «سينما أونطة» في بناء مفارقة اجتماعية وإنسانية تنطلق من حكاية فتاة مكافحة، ثم تتجاوز حدود تجربتها الفردية إلى مساءلة العلاقة بين الصورة والحقيقة، وبين القيم التي نحبها في الفن والسلوك الذي ننتظره من أصحابها.
وتكمن أبرز نقاط قوتها في شخصية بطة، بما تحمله من صدق إنساني وقدرة على المقاومة، وفي المفارقة التي تجمع بين مهنة تمارسها البطلة في الواقع ودور تمثيلي تؤديه النجمة على الشاشة. كما تمنح النهاية القصة بعدًا اجتماعيًا إضافيًا، حين يتحول سوء الفهم إلى اتهام، وتصبح الشخصية التي تستحق التقدير موضع اشتباه.
أما على مستوى الصنعة، فيمكن الإشارة إلى أن بعض أجزاء السرد التفسيري كان يمكن اختزالها أو توزيعها على مشاهد أكثر حيوية، وأن منح لحظة اللقاء الفاشل مساحة أكبر من الحوار والتفاصيل الحسية ربما كان سيزيد من حدة المفارقة. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من وجاهة الفكرة ولا من قدرة النص على إثارة أسئلة تتصل بالفن والمجتمع والمرأة والطبقات الاجتماعية.
إن الرسالة الأعمق للقصة أن البطولة الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرا كي توجد، وأن الإنسان قد يكون أكثر صدقًا من الصورة التي صنعها لنفسه في عيون الآخرين. فبطة تعيش ما تؤديه بعض الشخصيات السينمائية من شجاعة وتضحية، بينما تكشف تجربتها أن الصورة الجميلة لا تكفي وحدها للحكم على الحقيقة.
وفي النهاية، يتركنا الدكتور ماجد عبدالقادر أمام سؤال يستحق التأمل: من الذي يعيش الدور حقًا؛ من يؤديه أمام الكاميرا، أم من يواجه الحياة يومًا بعد يوم من دون سيناريو، ولا مخرج، ولا تصفيق؟
ذلك هو جوهر «سينما أونطة»: أن تنطفئ أضواء الشاشة، وتبدأ الحياة في امتحان ما صدقناه طويلًا على أنه حقيقة.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة ...
- خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست ...
- جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل ...
- نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة « ...
- دروب الصمت.. حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح وملاذًا من ضجيج ال ...
- دروب الصمت| أغنية
- بطل من ورق.. جاع فأكل الورق! في قصة «ورق» ل أحمد عوض
- انفصام الشخصية بسبب الصدمة العاطفية في قصة «نار خلف النافذة» ...
- بين الأمل والخذلان: قراءة في قصة -حدث ذات يوم- لعبد الحميد ا ...
- ومضات ساخرة من الحياة اليومية
- الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤا ...
- بين الوجدان والجسد: قراءة نقدية في قصة «روح خفية» للكاتب ولي ...
- «تفاحة الذاكرة» دراسة نقدية مفصّلة عن قصة «صندوق الذاكرة» لل ...
- دراسة نقدية متكاملة عن قصة -معادلة راجعة- للكاتب غسان حداد
- أدوات الحلم: تأويل وظلال الطموح في «مشاهد حلم»
- على رصيف الصباح: تأمّلات في موت بائع فول
- بين الصمود والانكشاف: صدى التوتر الوجودي في قصيدة «أبدو نشاز ...
- بين الأمومة والفقد: قراءة في قصيدة -ريفيةٌ احتسبت وديعتها- ل ...
- آخر حضن|| أغنية
- حين صار البيت نارًا


المزيد.....




- عن قصة لتركي آل الشيخ... انطلاق عرض فيلم الرعب التركي -SOY- ...
- تايوان تتهم خمسة أشخاص بمحاولة التعرض لكوميدي سخر من الرئيس ...
- كلاكيت: إنيو موريكوني.. السينما تسمع أيضا
- بعد عقود من الاعتزال.. رحيل الفنانة رجاء محمد يعيد ذكريات ال ...
- ماسك يهدد مشرعين أمريكيين باقتباس من فيلم سوفيتي: من يأتِ إل ...
- هيام عباس.. تكريم أوروبي لمسيرة فلسطينية امتدت إلى السينما ا ...
- الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد
- فيلم وثائقي عن إيلون ماسك يسلط الضوء على أغنى رجل في العالم ...
- فيلم رعب من 14 دقيقة يحقق 5 ملايين مشاهدة على يوتيوب في بضعة ...
- -قصة حب غير متوقعة-.. فيلم -ولا كان عالبال- يصل إلى صالات ال ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمود سلامة محمود الهايشة - سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة» للدكتور ماجد عبدالقادر