أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم















المزيد.....

مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 13:37
المحور: القضية الفلسطينية
    


ثمة مشاهد في فلسطين تُوجع القلب، لا لأنها تكشف حجم الظلم وحده، بل لأنها تضعنا أمام أسئلة ثقيلة عن العدالة، وعن معنى السلطة، وعن المسافة التي تفصل الشعارات عن الواقع.

الخميس، الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، يمثل مزيد سقف الحيط أمام محكمة صلح نابلس، في إحدى القضايا التي تلاحقه، بعدما كان يقبع في سجون سلطة رام الله.

تحمل ورقة التبليغ عنواناً رسمياً واضحاً: «دولة فلسطين، السلطة القضائية، محكمة صلح نابلس». وتحت هذا العنوان، تُساق مجموعة من التهم، من بينها الذم الواقع على السلطة، وإثارة النعرات العنصرية، وإطالة اللسان على رئيس الدولة باستخدام وسائل تكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن تهمة تتعلق بحيازة سلاح و ذخائر دون ترخيص.

تُطرح هذه التهم أمام القضاء، ولكل متهم حق أصيل في محاكمة عادلة، وفي الدفاع عن نفسه، وفي ألّا تتحول الإجراءات القضائية إلى وسيلة لمعاقبته على رأيه أو مواقفه السياسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا؛ هل يُحاسَب مزيد سقف الحيط على أفعال تستوجب المساءلة وفق القانون، أم أن مواقفه السياسية المعارضة أصبحت عبئاً يلاحقه من قضية إلى أخرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالأحكام المسبقة، بل بالشفافية، وضمان استقلال القضاء، وإتاحة الفرصة للدفاع، والكشف عن حقيقة ما يجري بعيداً عن الانتقام السياسي وتصفية الحسابات.

الأكثر إثارة للاستغراب أن ورقة التبليغ تشير إلى تعذّر التبليغ بسبب عدم وضوح العنوان، رغم أن عنوان مزيد معروف لدى السلطة ذاتها، وأنه سبق أن اعتُقل مرات عدة، كما جرى تبليغه على عنوانه في نابلس في مناسبات سابقة.

فكيف يصبح العنوان غير واضح، بينما صاحبه موجود في السجن؟ وكيف تتعثر إجراءات الوصول إلى شخص تحتجزه السلطة نفسها؟

إن القضاء ليس مجرد أوراق وأختام ومواعيد، بل منظومة يُفترض أن تقوم على الوضوح والمساواة واحترام حقوق الناس، وألّا تتحول الإجراءات القانونية إلى عبء إضافي على من يجد نفسه في مواجهة سلسلة من القضايا والملاحقات.

والأشد إيلاماً أن مزيد سقف الحيط يخوض هذه المعارك القضائية في سياق مواقفه المعارضة للسلطة، ومن بينها طعنه في مرسوم محمود عباس وإقامته قضية تتصل به. وإذا كانت ملاحقته مرتبطة بموقفه السياسي، فإن الأمر يتجاوز شخصه ليطال حق كل فلسطيني في الاعتراض وانتقاد السلطة واللجوء إلى القضاء، دون خوف من أن يصبح خصماً دائماً في المحاكم.

وهنا لا بد من التوقف عند سؤال آخر: هل لعلاقة مزيد بالشهيد نزار بنات صلة بما يتعرض له؟

إنني أجزم بوجود علاقة بين الأمرين، وأرى أن هذه المسألة تستحق التوقف عندها بجدية، في إطار المطالبة بكشف الحقيقة، وضمان ألّا يُعاقَب أي إنسان بسبب علاقاته أو مواقفه أو انتمائه إلى تيار معارض. فاستشهاد نزار بنات ظلماً ترك جرحاً عميقاً في الوجدان الفلسطيني، وما زالت قضيته تذكّرنا بضرورة حماية حرية الرأي، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاك، وصون كرامة الإنسان الفلسطيني.

إن ما يحدث مع مزيد يعيد إلى الذاكرة حكايات أصحاب الأقلام والكلمة الحرة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة السجون والملاحقات. وتستحضرني هنا سيرة رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي، الذي عانى الملاحقة والاعتقال في مراحل من حياته، وكان زبوناً دائماً في سجون السلطة اللبنانية خلال ستينيات القرن الماضي، في ثكنة أبلح في سهل البقاع.

ومع ذلك لم تنجح الملاحقات في إسكات ريشته، ولم تستطع السجون أن تنتزع منه حقه في قول ما يؤمن به. وبقيت رسوماته شاهداً على أن الكلمة الحرة قد تكون أشد إزعاجاً للسلطات من كثير من الأفعال.

لكن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من السجون التي يدخلها أصحاب الرأي، ولا إلى محاكمات تزيد الانقسام والألم؛ إنها تحتاج إلى عدالة تحمي الجميع، وإلى مؤسسات تستمد قوتها من احترام الناس، لا من إخافتهم.

الخميس، يقف مزيد سقف الحيط أمام محكمة صلح نابلس، شامخاً مرفوع الرأس والهامة، كما يحق لكل إنسان أن يقف حين يتمسك بقناعاته. ومهما اختلفنا معه أو اتفقنا، فإن حقه في محاكمة عادلة، وفي الدفاع عن نفسه، وفي ألّا يُستهدف بسبب رأيه، حق لا يجوز الانتقاص منه.

ولعل المفارقة الأكثر مرارة أن تحمل ورقة استدعائه اسم «دولة فلسطين»، بينما يتساءل المواطن الفلسطيني عن قدرة مؤسسات هذه الدولة على حماية الناس في مدنهم وقراهم ومخيماتهم من عربدة المستوطنين واعتداءاتهم، وعن مدى حضورها حين يحتاج الناس إلى الأمن والحماية وصون الكرامة.

أين يكون الحزم حين تُنتهك حرمة القرى الفلسطينية؟ وأين تكون هيبة القانون حين يعتدي المستوطنون على الناس والأرض والممتلكات؟ ولماذا تبدو مؤسسات السلطة، في نظر كثير من الفلسطينيين، أكثر حضوراً في ملاحقة المعارضين من حضورها في مواجهة اعتداءات الاحتلال؟

هذه ليست أسئلة للتشفي، ولا دعوة إلى إلغاء القانون، بل أسئلة مواطنين يتطلعون إلى عدالة لا تكيل بمكيالين، وإلى سلطة تحمي شعبها بدلاً من أن تزيد أوجاعه.

وهنا لا بد من أن نسأل أنفسنا، بوجع لا تخطئه الذاكرة: هل هذه هي السلطة التي كنا نحلم بها؟

وهل هذه هي السلطة التي قدّم شعبنا في سبيل قيامها أنهاراً من الدماء الطاهرة؟.
ودفع أثماناً باهظة من الألم والمعاناة والتشرّد والحرمان؟ هل كان هذا هو الحلم الذي خرج من أجله الشهداء، وضحّى من أجله الأسرى والجرحى، وتحملت العائلات الفلسطينية سنوات طويلة من الانتظار والألم؟

ماذا سنقول للشهداء لو عادوا إلينا اليوم، ووقفوا بيننا يسألون عن الحلم الذي ضحّوا بحياتهم من أجله؟

هل سنقول لهم إننا قطعنا رواتب بعضكم، وتركنا عائلاتكم تواجه قسوة الحياة وحدها؟ وإننا نكّلنا بأصحاب الرأي، وضاقت صدورنا بمن يعارضنا، وأصبح صاحب الكلمة الحرة مهدداً بالملاحقة والاستدعاء والمحاكمة؟

ماذا سنقول لهم حين يسألوننا عن الحرية التي وعدنا بها شعبنا، وعن العدالة التي رفعنا راياتها، وعن الكرامة التي كانت من أجلها التضحيات؟

هل سنخفض رؤوسنا خجلاً، أم سنجد ما نقوله دفاعاً عن واقع لم يكن يوماً هو الحلم الذي خرج شعبنا من أجله؟

إن الشهداء لم يضحّوا بأرواحهم من أجل أن يخاف الفلسطيني من رأيه، أو أن يصبح راتب الأسير أو الشهيد أو الجريح موضع خلاف وعقاب، أو أن يشعر المواطن بأن انتقاده للسلطة قد يضعه في مواجهة المحاكم. لقد حلموا بوطن حر، تُصان فيه كرامة الإنسان، ويكون القانون فيه مظلة للجميع، لا سيفاً مسلطاً على رقاب المعارضين.

لقد حلموا بسلطة تستمد شرعيتها من شعبها، وتحمي حقوقه، وتصون تضحياته، وتكون أمينة على دماء الشهداء وآلام الأسرى والجرحى والمشرّدين.

فهل نملك الشجاعة لنراجع أنفسنا، قبل أن يسألنا التاريخ عمّا فعلناه بالأمانة التي تركها الشهداء في أعناقنا؟

إن فلسطين التي حلمنا بها لم تكن يوماً وطناً يُخشى فيه من الكلمة، ولا مكاناً يصبح فيه المعارض خصماً دائماً، بينما يظل المعتدي على الأرض والإنسان مصدر خوف يومي.

نريد قضاءً مستقلاً، وحريةً للرأي، وكرامةً للمعتقل، ومحاسبةً عادلة لكل من يثبت تجاوزه للقانون، أيّاً كان موقعه أو نفوذه. نريد سلطة لا تخاف النقد، بل تعتبره فرصة لمراجعة أخطائها وتصحيح مسارها؛ سلطة تعرف أن قوتها الحقيقية لا تُقاس بعدد الاستدعاءات والمحاكمات، بل بمقدار ما تمنحه لشعبها من أمن وحرية وكرامة.

أما مزيد سقف الحيط، فله الحق في أن تُسمع روايته، وأن تُفحص التهم الموجهة إليه أمام قضاء مستقل ونزيه، وأن تُصان حقوقه كاملة.

فليس من العدل أن يُترك الإنسان وحيداً في مواجهة الاتهامات، وليس من الوطنية أن نصمت حين نشعر بأن العدالة قد أصبحت موضع سؤال.

في فلسطين، يكفي الناس ما يواجهونه من ظلم الاحتلال واعتداءاته؛ فلا ينبغي أن يصبح الخوف من الكلمة أو الملاحقة بسبب الرأي ألماً إضافياً في حياة شعب أنهكته الجراح.

الحرية لم تكن يوماً منّةً من أحد، والعدالة ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء؛ إنهما حقان لا تستقيم الحياة الوطنية من دونهما.

ولمزيد سقف الحيط، كما لكل فلسطيني، الحق في العدالة والكرامة والحرية.

وللشهداء الذين تركوا لنا هذا الوطن أمانةً في أعناقنا، نقول: لم ننسَ تضحياتكم، ولن يكون الوفاء لكم بمجرد رفع صوركم أو ترديد أسمائكم، بل بصون كرامة شعبكم، واحترام حريته، والدفاع عن حقه في حياة تليق بكل تلك التضحيات.

فالسلطة التي لا تنصف شعبها، ولا تحتمل النقد، ولا تحمي الحريات، تحتاج إلى أن تسأل نفسها قبل غيرها: أين أخطأنا الطريق؟ وكيف نعود إلى الحلم الذي استشهد من أجله خيرة أبناء شعبنا؟



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سمر حمد… حين تُغيَّب الأم وينكسر قلب الطفولة
- سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال
- سمر حمد… حوارٌ يتيم، وغيابٌ ترك في القلب غصّة
- أنيس النقاش ونزار بنات… رحل الرجال وبقيت الكلمات
- 7 أكتوبر… الانفجار الذي سبقه الخراب
- معلمو غزة… يُعلِّمون الحياة من تحت الركام
- فلسطين… شعبٌ يُذبح بالحرب ويُغدر به بالسلام
- لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شها ...
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع
- ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟
- نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟
- ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...
- «شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) ع ...
- سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها م ...
- سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني ل ...


المزيد.....




- صرخ -انشروا ملفات إبستين-.. نائب ترامب يسخر من متظاهر أثناء ...
- ترامب محذرًا: ما يحدث في فرنسا قد يتكرر في أمريكا إذا فاز ال ...
- شبكة CNN تحذر البيت الأبيض: إلغاء منعنا من تغطية رحلات الطائ ...
- لجنة التحقيق الروسية تنهي تحقيقاتها في قضية قتل مضيفة طيران ...
- دول البلطيق وإسكندنافيا تخشى -أحصنة طروادة- الروسية
- مجموعة -حنظلة- للقرصنة تعلن اختراق هاتف قائد إسرائيلي وحيازة ...
- صحيفة كرواتية: نقص صواريخ -باتريوت- سيكتب نهاية حكام كييف
- في رسالة انتخابية من الحدود الشمالية.. نتنياهو يدعو الإسرائي ...
- طهران تتحدث عن غموض أمريكي يعطل المفاوضات.. من المخول باتخاذ ...
- ترامب: يمكننا إعلان النصر على إيران والانسحاب الفوري في أي و ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - مزيد سقف الحيط… حين يصبح صاحب الرأي زبوناً دائماً في المحاكم