|
|
هل بدأ تحرير أمريكا الجنوبية من المغرب؟ قراءة أولية في سيرة القائد الفنزويلي فرانسيسكو دي ميراندا
محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 04:47
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة: ثمة مفارقات في التاريخ لا تتجلى دلالاتها إلا حين ننظر إلى مسارات الرجال بعد انقضاء زمنهم. ومن بين هذه المسارات سيرة فرانسيسكو دي ميراندا (1750–1816)، الفنزويلي الذي بدأ حياته العسكرية ضابطا في الجيش الملكي الإسباني، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز دعاة استقلال أمريكا الإسبانية، ويصبح اسمه جزءا من التاريخ الثوري الذي هز الإمبراطوريات في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وبين مليلية، المدينة المحصنة على الساحل الشمالي للمغرب، وكاراكاس، مسقط رأسه في العالم الجديد، تمتد سيرة استثنائية تختزل تحولات عصر كامل، حين بدأت أفكار الحرية والسيادة الوطنية تتحدى شرعية الإمبراطوريات التقليدية. في شتاء 1774–1775، وجد ميراندا نفسه في مليلية، مشاركا في الدفاع عنها خلال الحصار الذي فرضته القوات المغربية في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله. كان يومها ضابطا شابا في خدمة التاج الإسباني، يؤدي واجبه العسكري في مواجهة حملة مغربية استهدفت المدينة التي كانت خاضعة للاحتلال الإسباني منذ أواخر القرن الخامس عشر. ولم يكن ممكنا، في تلك اللحظة، أن يتوقع أحد أن هذا الضابط الذي خاض تجربة الحرب على تخوم المغرب سيصبح، بعد سنوات، من أبرز الوجوه التي ستسعى إلى تفكيك السيطرة الإسبانية على أراضيها الأمريكية. إنها مفارقة لا ينبغي أن تدفعنا إلى اختراع علاقة سببية بين حصار مليلية ومشروعه التحرري اللاحق، لكنها تفتح أمامنا نافذة لفهم المسافة الطويلة التي قطعها رجل واحد بين الانضباط العسكري في خدمة إمبراطورية، والانخراط في الثورات التي هزت أسس العالم الإمبراطوري. لم تكن حياة ميراندا انتقالا بسيطا من الجندية إلى الثورة، بل كانت رحلة عبر جبهات عسكرية وفضاءات سياسية وثقافية متعددة، من أمريكا الشمالية إلى أوروبا، ومن ساحات الحرب إلى دوائر الفكر والدبلوماسية. وقد أتاحت له هذه التجارب الاحتكاك بصراعات عصره الكبرى، ومراقبة التحولات التي كانت تعيد تعريف مفاهيم السلطة والحرية والانتماء السياسي. وفي نهاية المطاف، عاد إلى مشروع تحرير فنزويلا، حاملا تصورا لاستقلال المستعمرات الإسبانية في أمريكا، قبل أن تنتهي مسيرته السياسية والعسكرية في ظروف مأساوية سنة 1816. إن استعادة تجربة ميراندا في مليلية لا تستهدف البحث عن بذور ثورته المستقبلية في كل واقعة من وقائع شبابه، ولا اختزال مسيرته العالمية في محطة عسكرية واحدة، وإنما تسعى إلى إعادة إدراج هذه المحطة في سياقها التاريخي، بوصفها جزءا من سيرة رجل عاش زمنا كانت فيه الإمبراطوريات تتوسع وتدافع عن ممتلكاتها، فيما كانت الأفكار الثورية تتشكل لتقوض شرعيتها. ومن هذا المنظور، يصبح الانتقال من مليلية إلى كاراكاس أكثر من مسافة جغرافية: إنه مدخل لقراءة التحولات التي نقلت ميراندا من موقع المدافع عن الإمبراطورية الإسبانية إلى موقع أحد أبرز المناضلين من أجل استقلال أمريكا الإسبانية، في مفارقة تكشف تعقيدات العلاقة بين التجربة الشخصية والتحولات الكبرى للتاريخ. أولا - النشأة والتكوين الفكري والتوجه إلى إسبانيا سنة 1771 ولد فرانسيسكو دي ميراندا في مدينة كاراكاس، عاصمة مقاطعة فنزويلا التابعة للتاج الإسباني، يوم 28 مارس 1750، في مجتمع استعماري كانت تحدد فيه الأصول العائلية والمكانة الاجتماعية فرص الصعود والنفوذ. كان والده، سيباستيان دي ميراندا رافيلو، تاجرا من جزر الكناري هاجر إلى أمريكا، أما والدته، فرانسيسكا أنطونيا رودريغيث دي إسبينوسا، فكانت من سكان كاراكاس. وقد نشأ ميراندا في بيئة جمعت بين الارتباط الثقافي بإسبانيا والانتماء إلى مجتمع استعماري أخذت تتشكل داخله تناقضات اجتماعية وسياسية ستصبح، لاحقا، من العوامل الأساسية في تاريخ استقلال أمريكا الإسبانية. لم تكن كاراكاس في منتصف القرن الثامن عشر مجرد مدينة استعمارية بعيدة عن مراكز القرار الأوروبي، فقد كانت جزءا من عالم أطلسي تتحرك داخله السلع والأفكار والأشخاص، وتتشابك فيه المصالح التجارية مع الامتيازات الاجتماعية والتراتبيات التي أرستها السلطة الملكية. وفي هذا السياق، اكتسبت مسألة الأصل العائلي والمكانة الاجتماعية أهمية تتجاوز الاعتبار الشخصي، لتصبح مرتبطة بإمكان الوصول إلى الوظائف العسكرية والإدارية والاعتراف الاجتماعي. وقد عرفت أسرة ميراندا نفسها جانبا من هذه التوترات، ولا سيما بسبب الجدل الذي أثاره تعيين الأب في منصب عسكري داخل ميليشيات البيض في كاراكاس. تلقى فرانسيسكو تعليمه الأول في كاراكاس، حيث درس اللاتينية والقواعد والتاريخ والجغرافيا، ثم تابع دراسته في المؤسسة الجامعية المعروفة آنذاك باسم الجامعة الملكية والحبرية في كاراكاس. وتفيد المصادر البيوغرافية بأنه اكتسب معارف في الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية، وإن كانت تفاصيل مساره الدراسي النهائي ودرجة تحصيله موضع اختلاف بين بعض الباحثين. لذلك ينبغي الحذر من تصويره، منذ طفولته، باعتباره مفكرا مكتملا أو صاحب مشروع استقلال واضح، فالمتاح من المعلومات يثبت أساسا أنه تلقى تعليما تقليديا جيدا نسبيا، أتاح له الانفتاح على المعارف التي كانت متداولة في الأوساط المتعلمة في العالم الإسباني. غير أن تكوين ميراندا لم يتوقف عند حدود التعليم المدرسي والجامعي. فقد تزامنت سنوات شبابه مع نزاع اجتماعي كشف عن التوتر بين فئات البيض المنحدرين من أصول أوروبية في المجتمع الاستعماري. وكان والده، بحكم أصوله الكنارية ونشاطه التجاري، قد واجه اعتراضات من بعض أعيان كاراكاس على توليه منصبا في ميليشيات البيض. ولم يكن الخلاف مجرد نزاع عائلي عابر، إذ أظهر أن الانتماء إلى العالم الإسباني لا يضمن بالضرورة المساواة في المكانة داخل المجتمع الاستعماري. ومع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار هذه التجربة وحدها تفسيرا جاهزا للمواقف التحررية التي تبناها ميراندا لاحقا، فمساره الفكري تشكل عبر تجارب متعددة، امتدت سنوات طويلة بعد مغادرته وطنه. في الخامس والعشرين من يناير 1771، غادر ميراندا ميناء لا غوايرا متجها إلى إسبانيا على متن الفرقاطة السويدية الأمير فريدريك، ووصل إلى ميناء قادس في الأول من مارس من السنة نفسها. كان في الحادية والعشرين من عمره تقريبا، ولم يكن قد بدأ بعد مسيرته العسكرية التي ستقوده إلى ثلاث قارات. وقد مثل هذا الرحيل منعطفا في حياته: فمن جهة، كان يسعى إلى بناء مستقبل مهني داخل الجيش الملكي الإسباني، ومن جهة أخرى، أتاح له الانتقال إلى أوروبا الاحتكاك ببيئة ثقافية وسياسية أوسع من تلك التي عرفها في كاراكاس. استقر ميراندا لاحقا في مدريد، حيث واصل تعليمه بصورة ذاتية، واهتم بالرياضيات والجغرافيا واللغات، ولا سيما الفرنسية والإنجليزية. كما بدأ يجمع الكتب ويكون مكتبته الخاصة، في اهتمام مبكر بالقراءة والتوثيق سيغدو إحدى السمات البارزة في حياته. ولم يكن هذا النشاط الثقافي منفصلا عن طموحه العسكري، فقد كان يريد اكتساب المعارف التي تساعده على التقدم في خدمة التاج، غير أن اتساع اهتماماته سيمنحه لاحقا أدوات لفهم المجتمعات الأوروبية ومناقشة الأفكار السياسية التي عرفها عصر التنوير. وهكذا، لم يغادر ميراندا كاراكاس سنة 1771 بوصفه ثوريا مكتملا يحمل مشروعا واضحا لاستقلال أمريكا الإسبانية، بل شابا متعلما وطموحا قصد إسبانيا طلبا للمستقبل العسكري والاعتراف الاجتماعي. أما تحوله إلى أحد أبرز دعاة الاستقلال، فكان نتيجة مسار طويل من التجربة والقراءة والسفر والاحتكاك بالثورات، وهو ما يجعل بداياته جديرة بالاهتمام: لأنها تكشف المسافة بين الأفق الذي انطلق منه والأفق السياسي الذي انتهى إليه. ثانيا: حصار مليلية 1774–1775: أولى التجارب العسكرية لم تكن مليلية، في شتاء 1774، مجرد محطة عابرة في المسيرة العسكرية للضابط الشاب فرانسيسكو دي ميراندا، فقد كانت مسرحا لمواجهة عسكرية كبرى بين الدولة المغربية، بقيادة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، والحامية الإسبانية التي كانت تدافع عن المدينة المحصنة. وفي هذه المواجهة، وجد ميراندا نفسه في قلب حدث يتجاوز حدود تجربته الشخصية، ليضعه أمام واقع الحرب على تخوم المغرب، حيث تداخلت الحسابات الاستراتيجية مع الصراع على المجال والسيادة. في التاسع من ديسمبر 1774، بدأ الجيش المغربي حصار مليلية، في إطار سياسة السلطان الرامية إلى مواجهة الوجود الإسباني في الثغور الساحلية بشمال إفريقيا. وكانت المدينة، بما تمتلكه من تحصينات وموقع استراتيجي، تمثل نقطة ارتكاز عسكرية إسبانية على الساحل المتوسطي. وقد اعتمدت الحملة المغربية على تطويق المدينة واستخدام المدفعية، فيما واجهت الحامية الإسبانية الهجمات من داخل منظومة دفاعية قائمة على الأسوار والبطاريات والتحصينات الخارجية. وتتيح اليوميات التي وضعها عدد من المشاركين في الأحداث، ومن بينهم ميراندا والمهندس العسكري خوان كاباييرو والجراح ميغيل فرنانديث دي لوايثا، إعادة بناء جانب مهم من تفاصيل هذا الحصار. كان ميراندا يومها نقيبا في فوج المشاة الإسباني قد وصل إلى مليلية في الثلاثين من ديسمبر 1774، أي بعد مرور ثلاثة أسابيع تقريبا على بدء الحصار، والتحق بالحامية المدافعة عن المدينة. ومن هنا تكتسب شهادته قيمتها التاريخية، فهو لم يكتب عن الحصار من موقع المراقب البعيد، بل دون وقائع عمليات عسكرية عاشها في سياق الخدمة العسكرية الإسبانية. ومع ذلك، فإن فهم شهادته يقتضي مراعاة موقعه داخل الحامية، وما يفرضه هذا الموقع من حدود على رؤيته للأحداث وعلى الطريقة التي عرض بها تحركات القوات المغربية. يوميات الحصار: بين التسجيل العسكري ونظرة الضابط الإسباني تكمن أهمية يوميات ميراندا في أنها لا تقدم سردا عاما للمعركة فحسب، بل تسجل تفاصيل العمليات العسكرية، وتوزيع المدفعية، وتأثير القصف على المباني، وأوضاع الحامية. ففي تدوينه لأحداث 10 ديسمبر 1774، وصف ميراندا نصب بطاريات مغربية لقذائف الهاون، وأشار إلى أن القصف ألحق أضرارا بالمباني، وأن منزل الحاكم كان من أول المباني التي أصابتها القذائف. كما أبدى ملاحظة لافتة بشأن أداء المدفعية المغربية، إذ وصف إدارتها بأنها منتظمة إلى حد كبير وذات توجيه جيد. تكشف هذه الملاحظة أن ميراندا لم يكن يسجل آثار القصف وحدها، بل كان يتابع أيضا الأداء العسكري للقوات المحاصرة. وهي شهادة مهمة لأنها تصدر عن ضابط ينتمي إلى الطرف المدافع، وتتيح للباحث قراءة بعض جوانب الكفاءة العسكرية المغربية من خلال مصدر إسباني معاصر. ومع ذلك، ينبغي عدم تحويل هذا التقدير الجزئي إلى حكم شامل على تفوق أحد الجيشين، فاليوميات تسجل وقائع محددة ضمن معركة طويلة، ولا توفر وحدها معطيات كافية لإجراء مقارنة شاملة بين القدرات العسكرية للطرفين. وفي اليوم التالي، أشار ميراندا إلى تعدد البطاريات المغربية وإلى استمرار القصف الذي ألحق أضرارا بالمباني، كما سجل الصعوبات التي واجهتها الحامية الإسبانية بسبب محدودية بعض الموارد ونقص المتخصصين في المدفعية. وقد لاحظ أن عددا من ضباط المشاة كلفوا بخدمة المدافع لتعويض النقص في الأفراد المختصين. وتكشف هذه التفاصيل أن الدفاع عن مليلية لم يكن مجرد مواجهة بين الأسوار والقوات المحاصرة، بل كان أيضا اختبارا لقدرة الحامية على تدبير مواردها البشرية والمادية تحت ضغط القصف المتواصل. الفلاحون المغاربة والحرب على المجال المحيط بمليلية من الجوانب التي تستحق اهتماما خاصا في اليوميات وصف السكان المحليين وأراضيهم الزراعية. فقد أورد ميراندا أن رجالا ونساء من سكان المنطقة توجهوا إلى الحقول لاقتلاع ما زرعوه قبل أن تمتد آثار العمليات العسكرية إليها، ثم غادر كثير منهم المنطقة المحيطة بمعسكر الجيش المغربي. لكنه فسر سلوكهم من خلال تصوره الخاص لعلاقتهم بالسلطان، معتبرا أنه يعكس نفورهم من الخضوع لسلطته. وهنا تبرز ضرورة القراءة النقدية للمصدر. فالمعلومة المتعلقة باقتلاع المزروعات ومغادرة الحقول تقدم إشارة مهمة إلى أثر الحصار في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجال المحيط بالمدينة. أما تفسير دوافع السكان، فلا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة استنادا إلى رواية ضابط داخل الحامية وحدها. فقد تكون وراء سلوكهم مخاوف من تدمير المحاصيل، أو من مصادرة الموارد، أو من تحول الأراضي إلى مسرح للعمليات العسكرية، وهي احتمالات تحتاج إلى مصادر مستقلة للتحقق منها. ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن ينحصر تاريخ حصار مليلية في حركة الجيوش والمدافع، بل يمكن أن يمتد إلى دراسة علاقة الحرب بالأرض والسكان والموارد الزراعية. وتتيح يوميات ميراندا مدخلا أوليا لهذا النوع من البحث، شريطة التمييز بين ما يسجله من وقائع وما يقدمه من تفسيرات. ميراندا ومحدودية الشهادة المباشرة تفرض طبيعة اليوميات نفسها ملاحظة منهجية مهمة: فميراندا وصل إلى مليلية في 30 ديسمبر 1774، بينما تبدأ الوقائع التي يعرضها السرد في 9 ديسمبر من السنة نفسها. ولذلك لا يصح التعامل مع جميع تفاصيل الأيام الأولى كما لو أنه شاهدها بنفسه، إذ ينبغي التمييز بين الأحداث التي عاصرها بعد وصوله، والمعلومات السابقة التي نقلها أو جمعها ضمن سجل الحصار. وهذا التمييز لا يقلل من قيمة المصدر، بل يزيد من دقته التاريخية. فاليوميات العسكرية قد تجمع بين المشاهدة المباشرة والأخبار المنقولة والتقارير التي تداولها الضباط. ومن ثم فإن تحليلها يتطلب مقارنة رواية ميراندا بيوميات المهندس خوان كاباييرو والجراح ميغيل فرنانديث دي لوايثا، اللذين شاركا بدورهما في توثيق الحصار، مع الانتباه إلى اختلاف مواقعهم المهنية وما يترتب عليها من اختلاف في زاوية النظر. الحصار في سياق الصراع المغربي الإسباني لا يمكن فهم حصار مليلية بمعزل عن سياسة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي سعى إلى تعزيز سلطة الدولة المغربية ومواجهة الوجود الإسباني في الثغور المحتلة. وقد شكل حصار 1774–1775 إحدى أبرز محاولات الضغط العسكري على مليلية في القرن الثامن عشر، إذ استمر من 9 ديسمبر 1774 إلى 19 مارس 1775، وانتهى بانسحاب الجيش المغربي من دون سقوط المدينة. ومن المهم وضع الحدث في سياقه التاريخي دون إسقاط مفاهيم قومية معاصرة عليه بصورة آلية. فقد كان الصراع مرتبطا بالسيادة والمجال وبعلاقات القوة بين الدولة المغربية والإمبراطورية الإسبانية، في زمن كانت فيه السيطرة على الموانئ والتحصينات الساحلية جزءا من التنافس الاستراتيجي في البحر المتوسط. ومن هنا تكتسب الحملة المغربية معناها ضمن تاريخ طويل من محاولات الدولة المغربية الحد من التوسع الإسباني، فيما كانت مليلية تمثل نقطة ارتكاز للحضور العسكري الإسباني على الساحل المغربي. بالنسبة إلى ميراندا، انتهت تجربة الحصار بانتهاء العمليات العسكرية، لكنها بقيت جزءا من مسيرته المبكرة في الجيش الملكي. ولا توجد، في حدود الأدلة التي نستند إليها هنا، قرائن كافية للقول إن تجربة مليلية كانت السبب المباشر في تحوله الفكري اللاحق أو في تبنيه مشروع استقلال أمريكا الإسبانية. والأدق أن نعدها محطة مبكرة في حياة ضابط شاب سيقوده مساره بعد سنوات إلى ساحات صراع مختلفة، قبل أن يصبح أحد أبرز دعاة استقلال فنزويلا. تتيح تجربة ميراندا في مليلية قراءة التاريخ من زاويتين متكاملتين: زاوية المواجهة المغربية الإسبانية في شمال إفريقيا، وزاوية السيرة الشخصية لرجل انتقل لاحقا من خدمة الإمبراطورية الإسبانية إلى مقاومة سيطرتها على مستعمراتها الأمريكية. وتكشف يوميات الحصار عن تفاصيل عسكرية واجتماعية مهمة، من أداء المدفعية المغربية إلى الأضرار التي أصابت المدينة ومعاناة المجال الزراعي المحيط بها. لكن القيمة الأعمق لهذه اليوميات لا تكمن في تحويلها إلى قصة استباقية عن الثائر الذي كان ميراندا سيصبحه، بل في قراءتها بوصفها وثيقة من وثائق عصر الإمبراطوريات. فهي تساعدنا على فهم العالم الذي تشكلت فيه خبرته العسكرية الأولى، وتذكرنا بأن مسارات الرجال لا تفهم من خلال نهاياتها وحدها، وإنما من خلال التجارب المتعددة التي مروا بها، والظروف التاريخية التي منحت تلك التجارب معناها. ثالثا: من ضابط إسباني إلى رجل ذي أفق عالمي: حرب استقلال الولايات المتحدة وتجارب أوروبا لم تكن تجربة ميراندا العسكرية في مليلية سوى بداية لمسار طويل سيخرجه تدريجيا من حدود الوظيفة العسكرية التقليدية إلى فضاء أوسع تتداخل فيه الحرب والدبلوماسية والسياسة والأفكار الثورية. فبعد سنواته الأولى في الجيش الملكي الإسباني، وجد نفسه في مسارح صراع بعيدة عن موطنه الفنزويلي، واكتسب خبرات عسكرية وثقافية ستسهم في تشكيل شخصيته السياسية، وإن كان من الصعب تحديد وزن كل تجربة على حدة في تحوله اللاحق إلى أحد دعاة استقلال أمريكا الإسبانية. بعد حصار مليلية، واصل ميراندا خدمته في الجيش الإسباني، وشارك في عمليات عسكرية مرتبطة بمصالح التاج في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية. ثم جاءت حرب استقلال الولايات المتحدة لتفتح أمامه أفقا جديدا. فقد دخلت إسبانيا الحرب ضد بريطانيا سنة 1779، في سياق الصراع الإمبراطوري الذي رافق الثورة الأمريكية، وأصبحت مشاركة ميراندا في العمليات العسكرية الإسبانية جزءا من مرحلة اتسعت خلالها خبرته بالحرب خارج حدود العالم الاستعماري الذي نشأ فيه. لم يكن ميراندا، في هذه المرحلة، قائدا لحركة استقلال أمريكية، بل ضابطا يخدم ملكا أوروبيا في حرب ضد قوة أوروبية منافسة. ومع ذلك، فإن المفارقة التاريخية واضحة: فالرجل الذي شارك في حرب خاضتها إسبانيا لإضعاف بريطانيا، سيتحول لاحقا إلى أحد أبرز خصوم السيطرة الإسبانية على المستعمرات الأمريكية. غير أن هذه المفارقة لا تعني أنه تبنى أفكار الاستقلال فور احتكاكه بالثورة الأمريكية، فمساره السياسي لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تبلور عبر تجارب متراكمة وأسئلة متزايدة حول السلطة والحرية ومستقبل المجتمعات الأمريكية. بنساكولا وجزر البهاما: الحرب بوصفها مدرسة سياسية في ربيع سنة 1780، غادر ميراندا قادس متجها إلى هافانا، حيث التحق بالقوات الإسبانية العاملة في منطقة الكاريبي. وكانت إسبانيا قد دخلت الحرب ضد بريطانيا سنة 1779، مستفيدة من انشغال الأخيرة بالثورة الأمريكية، وساعية في الوقت نفسه إلى استعادة مواقع استراتيجية وتعزيز نفوذها في أمريكا الشمالية. وفي هذا السياق، شارك ميراندا سنة 1781 في الحملة الإسبانية على بنساكولا، في فلوريدا الغربية، التي كانت خاضعة للسيطرة البريطانية. وقد انتهت الحملة باستسلام الحامية البريطانية في مايو، وأسندت إلى ميراندا مسؤوليات عسكرية أكسبته تقديرا داخل القيادة الإسبانية، ورقي إلى رتبة مقدم. كانت أهمية هذه التجربة تتجاوز الترقية العسكرية. فقد وجد ميراندا نفسه في مسرح عمليات تتداخل فيه مصالح إسبانيا وفرنسا مع كفاح المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة من أجل الاستقلال. ولم تكن إسبانيا تدعم الثورة الأمريكية انطلاقا من تبني مبدأ عام لتحرير المستعمرات من الاستعمار الأوروبي، بل انطلاقا من حسابات استراتيجية مرتبطة بإضعاف بريطانيا واستعادة الأراضي والمواقع المتنازع عليها. ومع ذلك، أتاح هذا السياق لميراندا فرصة الاحتكاك بعالم سياسي كانت فيه فكرة استقلال المستعمرات تتحول من مطلب ثوري إلى واقع قابل للتحقق. وفي سنة 1782، شارك ميراندا في الحملة الإسبانية التي انتهت بالاستيلاء على جزر البهاما، كما اضطلع قبل ذلك بمهمة في جامايكا للتفاوض بشأن تبادل الأسرى وجمع معلومات عن الوضع العسكري البريطاني. وقد أظهرت هذه المهام قدرته على الجمع بين العمل العسكري والتفاوض والاستطلاع، لكنها أدخلته أيضا في صراعات إدارية مع مسؤولين إسبان، وعرضته لاتهامات تتعلق بالتعامل التجاري غير المرخص وتسريب المعلومات. تكتسب هذه الوقائع أهميتها من كونها تكشف عن التوتر بين ميراندا والمؤسسة التي خدمها. فقد كان ضابطا ناجحا في بعض المهام، لكنه وجد نفسه في الوقت نفسه عرضة للشكوك والإجراءات التأديبية. ولا يمكن الجزم بأن هذه النزاعات وحدها دفعته إلى تبني الاستقلال، غير أنها شكلت جزءا من الظروف التي انتهت إلى مغادرته كوبا سنة 1783، في وقت كانت فيه الحرب الأمريكية تقترب من نهايتها. الولايات المتحدة: اكتشاف نموذج سياسي جديد غادر ميراندا كوبا في يونيو 1783، ووصل إلى الولايات المتحدة في يوليو، بعد أن قرر متابعة رحلته خارج إطار الخدمة العسكرية الإسبانية. وكانت الولايات المتحدة قد خرجت لتوها من حرب الاستقلال، فيما كانت مؤسسات الجمهورية الجديدة في طور التشكل. وقد زار ميراندا مدنا أمريكية متعددة، واهتم بالتعرف إلى الحياة السياسية والاجتماعية، وبمراقبة المؤسسات العسكرية والإدارية، كما التقى شخصيات بارزة في المجتمع الأمريكي. لم تكن الولايات المتحدة بالنسبة إليه مجرد بلد زاره بعد انتهاء الحرب، بل أصبحت نموذجا يستحق الدراسة في سياق البحث عن مستقبل مختلف للمجتمعات الإسبانية الأمريكية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإعجاب بالتجربة الأمريكية وبين تبنيها بصورة كاملة، فمشروع ميراندا اللاحق للاستقلال كان أوسع من مجرد نقل النظام الأمريكي إلى أمريكا الإسبانية، كما أنه ظل مشروطا بظروف اجتماعية وسياسية مختلفة. ومن المفيد هنا ألا نغفل التناقضات التي رافقت المجتمع الأمريكي نفسه، ومنها استمرار العبودية واستبعاد فئات واسعة من السكان من الحقوق السياسية. فالتجربة الأمريكية لم تكن تجسيدا كاملا لمبادئ الحرية والمساواة، بل تجربة تاريخية مركبة، تجمع بين إعلان الحقوق واستمرار أشكال من التفاوت والإقصاء. وهذه الملاحظة ضرورية لفهم عالم ميراندا الفكري من دون تحويله إلى قصة تقدم خطي نحو الحرية. رابعا: الرحلة الأوروبية: من الخبرة العسكرية إلى الأفق العالمي بعد إقامته في الولايات المتحدة، بدأ ميراندا سنة 1785 رحلة واسعة عبر أوروبا، استمرت سنوات وشملت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان والإمبراطورية العثمانية وروسيا ومناطق من شمال أوروبا. ولم تكن هذه الرحلة مجرد تنقل بين البلدان، بل كانت مشروعا للتعلم والملاحظة وجمع المعلومات والكتب، والاطلاع على المؤسسات السياسية والعسكرية والعادات الاجتماعية في مجتمعات مختلفة. أتاحت له هذه الرحلة التعرف إلى تجارب سياسية متنوعة، من الملكيات الأوروبية إلى المؤسسات الجمهورية، كما وسعت شبكته من العلاقات مع الدبلوماسيين والعسكريين والمثقفين. ومع مرور الوقت، أخذ مشروع استقلال أمريكا الإسبانية يحتل مكانة متزايدة في اهتماماته، وأصبح يسعى إلى كسب دعم القوى الأوروبية التي يمكن أن تساعد على تحقيقه. وهكذا، تكشف السنوات الممتدة من مليلية إلى بنساكولا والولايات المتحدة ثم أوروبا عن مسار لا يمكن اختزاله في انتقال مفاجئ من الولاء إلى الثورة. فقد كان ميراندا في البداية ضابطا في جيش ملكي، ثم اكتسب خبرة في الحروب الإمبراطورية، وعاش تجربة الجمهورية الأمريكية الناشئة، قبل أن يصبح رحالة ومراقبا للمجتمعات الأوروبية وصاحب مشروع سياسي خاص. إن ما يجمع هذه المحطات ليس وجود خطة تحررية مكتملة منذ البداية، بل تراكم الخبرة العسكرية والسياسية والثقافية. ومن هنا تبرز خصوصية ميراندا: فهو لم يتشكل داخل حدود وطنه وحدها، وإنما عبر احتكاكه بعوالم متباينة، حتى غدا واحدا من أوائل الذين حاولوا تحويل فكرة استقلال أمريكا الإسبانية إلى مشروع سياسي ذي امتداد دولي. ميراندا والثورة الفرنسية: من الدفاع عن الجمهورية إلى مواجهة محاكم الثورة إذا كانت تجربة حرب استقلال الولايات المتحدة قد أتاحت لفرانسيسكو دي ميراندا التعرف إلى إمكان قيام جمهورية مستقلة في العالم الأمريكي، فإن الثورة الفرنسية وضعته أمام تجربة أكثر تعقيدا، حيث انتقلت مبادئ الحرية والمواطنة من المجال الفكري إلى قلب الصراع السياسي والعسكري. ففي فرنسا، لم يعد ميراندا مجرد ضابط أجنبي يراقب تحولات أوروبا، بل أصبح جنرالا في جيش ثوري، يشارك في الدفاع عن الجمهورية التي أعلنت سنة 1792، ويجد نفسه لاحقا في مواجهة الاتهامات والمحاكمات التي طبعت سنوات الثورة الأكثر اضطرابا. وصل ميراندا إلى فرنسا في أواخر سنة 1791، في وقت كانت فيه الثورة قد دخلت مرحلة جديدة من التوتر بين الملكية والحركة الثورية، وبين أنصار الإصلاح المعتدل ودعاة التحول الجمهوري. وكانت خبرته العسكرية السابقة، وعلاقاته التي نسجها خلال رحلاته الأوروبية، فضلا عن اهتمامه بمشروع استقلال أمريكا الإسبانية، عوامل ساعدته على الاندماج في الأوساط السياسية الفرنسية. وقد تقرب من شخصيات جمهورية، من بينها جاك بيير بريسو وجيروم بيتيون، المرتبطان بالتيار الجيروندي الذي دافع عن الجمهورية وشارك في قيادة الثورة خلال مرحلتها الأولى. لم يكن انضمام ميراندا إلى الجيش الفرنسي مجرد انتقال مهني من مؤسسة عسكرية إلى أخرى، فقد رأى في الدفاع عن الجمهورية الفرنسية فرصة للمشاركة في معركة سياسية أوسع، وربما لتهيئة الظروف الدولية التي يمكن أن تخدم مشروع استقلال أمريكا الإسبانية. وتكشف مراسلاته عن ارتباطه المعلن بمبادئ الحرية، وعن أمله في أن تصبح خبرته العسكرية وسيلة لخدمة وطنه الأمريكي. وهكذا تداخلت لديه دوافع المشاركة في الثورة الفرنسية مع حسابات مشروعه السياسي الخاص، من دون أن يعني ذلك تطابق أهدافه مع جميع تيارات الثورة أو سياساتها. معركة فالمي: جنرال من أمريكا الإسبانية يدافع عن الجمهورية الفرنسية شكلت سنة 1792 نقطة تحول في مسيرة ميراندا. فقد عين في الجيش الفرنسي برتبة جنرال، وأسندت إليه قيادة تشكيلات عسكرية ضمن جيش الشمال، الذي كان يقوده الجنرال شارل فرانسوا دومورييه. وفي سبتمبر من السنة نفسها، شارك في العمليات العسكرية التي واجهت التقدم البروسي نحو فرنسا، وكان حاضرا في معركة فالمي يوم 20 سبتمبر 1792، إحدى المعارك المفصلية في الدفاع عن الثورة الفرنسية. لم تكن فالمي مجرد مواجهة عسكرية عادية، فقد وقعت في لحظة كانت فيها الجمهورية الفرنسية الناشئة مهددة بتدخل الجيوش الملكية الأوروبية. وأسهم صمود القوات الفرنسية في إيقاف التقدم البروسي، ومنح الثورة فرصة للاستمرار في ظرف بالغ الخطورة. وقد نال أداء ميراندا تقديرا من قيادات الثورة، ثم ارتقى إلى مراتب عسكرية عليا، قبل أن يتولى مسؤوليات قيادية في جيش الشمال. وتكمن دلالة هذه المشاركة في أن ميراندا، القادم من كاراكاس والذي سبق له أن خدم في الجيش الإسباني ودافع عن مليلية، أصبح الآن يقاتل في صفوف جيش جمهوري أوروبي ضد قوات ملكية. لقد تغير الإطار السياسي الذي يؤدي داخله الخدمة العسكرية، وأصبح بإمكانه أن يربط بين الدفاع عن الجمهورية الفرنسية وتطلعه إلى استقلال المستعمرات الإسبانية في أمريكا. ومع ذلك، ينبغي ألا نقرأ هذا التحول باعتباره نتيجة مباشرة لتجربة مليلية، فالفاصل الزمني بين التجربتين شهد تنقلات وحروبا واتصالات سياسية متعددة، كانت مجتمعة وراء تطور مواقفه. من قيادة جيش الشمال إلى أزمة الثقة والمحاكمة في أواخر سنة 1792 وبداية سنة 1793، اتسعت مسؤوليات ميراندا العسكرية، فتولى قيادة جيش الشمال خلال الحرب في الأراضي المنخفضة. غير أن الحملة لم تسر وفق ما كان مأمولا، إذ واجهت القوات الفرنسية صعوبات في حصار ماستريخت، ثم تعرضت لهزائم خلال العمليات ضد القوات النمساوية. وبعد تراجع الجيش الفرنسي في معركة نيرفيندن في مارس 1793، تصاعد الخلاف بين ميراندا ودومورييه بشأن المسؤولية عن الإخفاقات العسكرية. ازدادت الأزمة تعقيدا عندما انقلب دومورييه على الجمهورية الفرنسية واتجه إلى التعاون مع خصومها النمساويين. وأصبح ميراندا، بحكم موقعه القيادي السابق وعلاقته بدومورييه، موضع اشتباه سياسي وعسكري، فاستدعي إلى باريس وخضع للتحقيق، ثم حوكم أمام المحكمة الثورية بتهم ارتبطت بإخفاق الحملة العسكرية. لكنه دافع عن نفسه، بمساعدة المحامي كلود فرانسوا شوفو-لاغارد، وصدر حكم ببراءته سنة 1793. لم تضع البراءة حدا لمحنته. ففي يوليو 1793، أعيد اعتقاله وأودع سجن لا فورس، في سياق اتسم بتصاعد القمع السياسي خلال عهد الإرهاب. وظل محتجزا حتى يناير 1795، رغم سقوط روبسبيير في يوليو 1794. وتكشف هذه المرحلة عن الوجه الآخر للثورة الفرنسية: فالثورة التي رفعت شعارات الحرية والمواطنة أفرزت، في ظروف الحرب والصراع الداخلي، أجهزة اتهام واعتقال طالت حتى بعض الذين خدموا الجمهورية في ميادين القتال. بين الجيرونديين واليعاقبة: تجربة الثورة وحدود المثال الثوري لم يكن ميراندا مجرد عسكري وجد نفسه في قلب اضطرابات الثورة الفرنسية، بل كان أيضا رجلا يمتلك مشروعا سياسيا يتجاوز حدود فرنسا. وقد جعلته علاقاته بالجيرونديين، ومواقفه من بعض إجراءات الحكومة الثورية، عرضة لصراعات التيارات المتنافسة داخل الجمهورية. وفي المقابل، منحته خبرته العسكرية وشهرته الدولية مكانة لم يكن من السهل تجاهلها، حتى في أشد مراحل الشك السياسي. وتكشف تجربته عن مفارقة أخرى في سيرته: فقد وجد في الثورة الفرنسية مجالا للدفاع عن الحرية، لكنه اكتشف أيضا أن المبادئ المعلنة قد تتعرض للتضييق عندما تتقدم اعتبارات الأمن والحرب والصراع على السلطة. غير أن من الضروري ألا ننسب إليه رفضا نهائيا لكل مبادئ الثورة لمجرد تعرضه للاعتقال، فمواقفه تطورت عبر الزمن، وكانت علاقته بالجمهورية الفرنسية أكثر تعقيدا من مجرد الانتقال من التأييد إلى العداء. بعد إطلاق سراحه في يناير 1795، بقي ميراندا في فرنسا مدة من الزمن، وعاش في ظل التقلبات السياسية التي أعقبت سقوط اليعاقبة. ثم دخل في خلافات مع سلطات الإدارة الجديدة، وارتبط اسمه بمناورات سياسية ومؤامرات مناهضة للحكومة، قبل أن يغادر فرنسا إلى بريطانيا سنة 1798. وبذلك انتهت مرحلته الفرنسية من دون أن يحقق مشروعه الأمريكي، لكنها تركت له تجربة سياسية وعسكرية غنية، زادت من خبرته بطبيعة التحالفات الدولية وبالتناقضات التي يمكن أن تنشأ داخل الحركات الثورية نفسها. خامسا: العودة إلى المشروع الأمريكي اللاتيني: جهود ميراندا من أجل استقلال فنزويلا ومكانته بوصفه أحد رواد الاستقلال بعد سنوات طويلة قضاها فرانسيسكو دي ميراندا متنقلا بين الجيوش الأوروبية والعواصم السياسية، ومشاركا في حروب وصراعات امتدت من أمريكا الشمالية إلى فرنسا الثورية، عاد مشروع تحرير أمريكا الإسبانية إلى احتلال مركز اهتمامه. فلم يكن هدفه مجرد الحصول على استقلال فنزويلا عن التاج الإسباني، بل كان يتطلع إلى تغيير النظام الاستعماري الذي حكم أجزاء واسعة من القارة، وإقامة كيان سياسي مستقل يستند إلى تصور جديد للسيادة والحرية. كانت هذه الفكرة قد أخذت تتبلور لديه منذ ثمانينيات القرن الثامن عشر، مستفيدا من معرفته بالتجربة الأمريكية، واحتكاكه بالثورة الفرنسية، واتصالاته بالدبلوماسيين والسياسيين الأوروبيين. ومع ذلك، لم يكن الطريق إلى تحقيقها ممهدا، فقد أدرك ميراندا أن استقلال المستعمرات الإسبانية يتطلب أكثر من إعلان سياسي، إذ يحتاج إلى دعم دولي، وموارد مالية، وتنظيم عسكري، وقاعدة اجتماعية قادرة على مواجهة القوات الملكية. من المنفى الأوروبي إلى مشروع التحرير استقر ميراندا في لندن خلال تسعينيات القرن الثامن عشر، وجعل منها مركزا لنشاطه السياسي واتصالاته الرامية إلى الحصول على دعم بريطاني لمشروع استقلال أمريكا الإسبانية. وكانت بريطانيا، بحكم تنافسها الطويل مع إسبانيا، تبدو شريكا محتملا، لكن موقفها لم يكن ثابتا، فقد ارتبطت سياساتها تجاه المستعمرات الأمريكية بحسابات المصالح التجارية والاستراتيجية، ولم تكن مستعدة دائما لتقديم الدعم الذي كان ميراندا يأمله. حاول ميراندا إقناع المسؤولين البريطانيين بأن استقلال أمريكا الإسبانية يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للتجارة، ويضعف منافسا أوروبيا تقليديا، ويؤسس نظاما سياسيا أكثر ملاءمة للمصالح البريطانية. وفي الوقت نفسه، عمل على تطوير تصور خاص لمستقبل القارة، تجاوز حدود فنزويلا إلى فكرة توحيد أجزاء واسعة من أمريكا الإسبانية في كيان مستقل. لم يكن هذا المشروع مطابقا تماما للنماذج الجمهورية القائمة آنذاك، فقد جمع بين عناصر مستمدة من التجربة الدستورية البريطانية، والنموذج الأمريكي، وبعض التصورات التاريخية الكلاسيكية. كما تغيرت تفاصيله بمرور الزمن، وظلت مسألة شكل الحكم ومؤسساته موضع تفكير وتعديل. وتكشف هذه التصورات عن أن ميراندا لم يكن مجرد داعية إلى الانفصال عن إسبانيا، بل كان يسعى أيضا إلى التفكير في المؤسسات التي يمكن أن تحكم المجتمعات الأمريكية بعد الاستقلال. حملة سنة 1806: محاولة مبكرة لتحرير فنزويلا مثلت سنة 1806 محطة حاسمة في انتقال ميراندا من التنظير السياسي إلى محاولة التحرير بالقوة. فقد أعد حملة عسكرية انطلاقا من خارج القارة، مستعينا بمتطوعين وبدعم من شبكات تجارية وسياسية، أملا في إشعال انتفاضة ضد الحكم الإسباني في فنزويلا. وصلت الحملة إلى سواحل فنزويلا في محاولتين لم تحققا أهدافهما. ففي أغسطس، فشلت محاولة الإنزال قرب أوكوماري بسبب مقاومة القوات الإسبانية، واضطرت الحملة إلى التراجع بعد خسائر واعتقال عدد من المشاركين. ثم تمكن ميراندا من الوصول إلى كورو في مطلع أغسطس، ورفع رايته التي أصبحت لاحقا أساسا للعلم الفنزويلي، لكنه لم يجد الاستجابة الشعبية الواسعة التي كان يأملها، فعاد إلى خارج البلاد. كان إخفاق الحملة دليلا على الفجوة بين وجود مشروع تحرري لدى قادته وبين القدرة على تحويله إلى حركة جماهيرية منظمة. فالسكان لم يستجيبوا بالقدر المتوقع، كما لم تكن الظروف المحلية مهيأة بعد لانتفاضة واسعة. ولم يكن الدعم الخارجي وحده كافيا لتعويض غياب التنظيم الداخلي والتحالفات الاجتماعية الضرورية. ومع ذلك، لم تكن الحملة بلا أثر. فقد كرست ميراندا في الذاكرة السياسية الفنزويلية بوصفه من أوائل الذين حاولوا تحرير البلاد بعمل عسكري مباشر، وأبرزت أن استقلال أمريكا الإسبانية أصبح مشروعا يتجاوز حدود النقاش الفكري إلى محاولات عملية، حتى وإن انتهت بالفشل. العودة إلى كاراكاس وإعلان الاستقلال سنة 1811 أحدثت الأزمة التي اجتاحت الملكية الإسبانية عقب الغزو النابليوني سنة 1808 تحولا في أوضاع المستعمرات الأمريكية. فقد أدى اضطراب السلطة المركزية إلى نشوء مجال أوسع للمناورة السياسية، وبدأت مجالس محلية تتشكل في عدد من المدن، معلنة أنها تتصرف باسم الملك الشرعي أو تسعى إلى إعادة تنظيم الحكم. في كاراكاس، أفضت أحداث 19 أبريل 1810 إلى إنشاء مجلس حاكم محلي وإبعاد السلطات الاستعمارية القائمة. وفي هذا السياق، دعت الحركة الثورية ميراندا إلى العودة، لما راكمه من خبرة عسكرية وعلاقات دولية ومعرفة بأفكار الاستقلال. وصل إلى فنزويلا في ديسمبر 1810، واستقبل بوصفه شخصية ذات مكانة في الحركة التحررية. سرعان ما انخرط ميراندا في العمل السياسي، ودعم نشاط الجمعية الوطنية، كما ساهم في تعبئة الرأي العام من خلال الجمعية الوطنية التي أصبحت فضاء للنقاش بشأن الاستقلال وشكل النظام السياسي الجديد. وفي الخامس من يوليو 1811، أعلنت فنزويلا استقلالها عن إسبانيا، ليصبح ميراندا أحد الموقعين على إعلان الاستقلال، وأحد أبرز المدافعين عن الانتقال من الحكم الاستعماري إلى دولة مستقلة. لم يكن الإعلان نهاية الصراع، بل بدايته الفعلية. فقد واجهت الجمهورية الجديدة معارضة من الملكيين، وصعوبات اقتصادية وعسكرية، وانقسامات داخل المجتمع الفنزويلي. كما لم تكن فكرة الاستقلال تحظى بالدرجة نفسها من التأييد لدى جميع الفئات الاجتماعية والمناطق. وأمام هذه التحديات، انتقل ميراندا من موقع الداعية السياسي إلى موقع القائد العسكري الذي طلب منه إنقاذ الجمهورية من الانهيار. الجنراليسيمو وسقوط الجمهورية الأولى مع تصاعد الهجمات الملكية وتدهور الوضع العسكري، تولى ميراندا قيادة القوات الجمهورية، ثم منح صلاحيات واسعة بصفته القائد العام للقوات البرية والبحرية، وأصبح الحاكم الفعلي للجمهورية في أشهرها الأخيرة سنة 1812. لكن مهمته كانت بالغة الصعوبة، فقد تعرضت القوات الجمهورية لهزائم متتالية، وفقدت مواقع استراتيجية، بينما أضعف الانقسام الداخلي قدرتها على مواصلة الحرب. وكان سقوط بويرتو كابيو، في يونيو 1812، من الأحداث التي زادت الوضع سوءا، إذ فقد الجمهوريون موقعا عسكريا مهما، وكان سيمون بوليفار من بين الضباط المرتبطين بالدفاع عنه. وفي ظل تراجع القوات ونقص الموارد وتدهور الأوضاع، اتجه ميراندا إلى التفاوض مع القائد الملكي دومينغو دي مونتيفيردي، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق استسلام في سان ماتيو في يوليو 1812، بهدف وقف القتال والحفاظ على الأرواح والممتلكات. أثار الاتفاق خلافا عميقا داخل الحركة الجمهورية. فقد رأى بعض القادة أن الاستسلام كان ضروريا لتجنب كارثة عسكرية وإنسانية، بينما اعتبره آخرون تخليا عن الجمهورية في لحظة حاسمة. وكان سيمون بوليفار من أبرز المعترضين عليه. وفي ليلة 30–31 يوليو 1812، أوقف ميراندا في لا غوايرا على يد مجموعة من العسكريين والمدنيين، كان بوليفار من بينهم، ثم سلم إلى السلطات الملكية الإسبانية. تظل هذه الواقعة من أكثر مراحل سيرة ميراندا إثارة للجدل. فمن جهة، كان الاستسلام قد أنهى الجمهورية الأولى، وفتح المجال أمام استعادة السيطرة الملكية، ومن جهة أخرى، لا يمكن تقييم القرار بمعزل عن الانهيار العسكري والظروف التي أحاطت به. ولذلك فإن اختزال الواقعة في وصف ميراندا بالخيانة، أو في المقابل اعتباره قائدا لم يخطئ، يحجب التعقيد الحقيقي للحظة التاريخية التي اتخذ فيها قراره. بعد اعتقاله، نقل ميراندا بين سجون عدة قبل إرساله إلى إسبانيا، حيث احتجز في سجن لا كاراكا قرب قادس. ولم يعد إلى فنزويلا بعد ذلك. وفي الرابع عشر من يوليو 1816، توفي في الأسر، بعيدا عن وطنه وعن المشروع السياسي الذي كرس له قسما كبيرا من حياته. كانت نهايته مأساوية، لكنها لم تمح أثره في تاريخ الاستقلال الأمريكي اللاتيني. فقد استمر الصراع الذي شارك في إطلاقه، وتمكنت فنزويلا في نهاية المطاف من ترسيخ استقلالها ضمن الحروب التي قادها جيل من الثوار، وفي مقدمتهم سيمون بوليفار. وأصبحت تجربة ميراندا جزءا من الذاكرة الوطنية الفنزويلية، بوصفه أحد رواد الاستقلال الذين سبقوا المرحلة الحاسمة من انتصار الحركة التحررية. خاتمة: ماذا تخبرنا مليلية عن ميراندا؟ تحتل مليلية موقعا خاصا في سيرة فرانسيسكو دي ميراندا، لا لأنها كانت نقطة التحول الحاسمة في حياته، ولا لأن تجربته العسكرية فيها تفسر وحدها مساره الثوري اللاحق، بل لأنها تمثل إحدى المحطات المبكرة في حياة رجل ستقوده رحلته عبر جبهات عسكرية وفضاءات سياسية متعددة، قبل أن يصبح أحد أبرز رواد استقلال أمريكا الإسبانية. ففي شتاء 1774–1775، كان ميراندا ضابطا شابا في الجيش الملكي الإسباني، يشارك في الدفاع عن مليلية خلال الحصار الذي فرضته القوات المغربية بقيادة السلطان سيدي محمد بن عبد الله. وبعد عقود، سيصبح اسمه مرتبطا بمحاولة تفكيك السيطرة الإسبانية على مستعمراتها الأمريكية. وبين هذين الموقعين تمتد سيرة تكشف تحولات عصر كامل، حين بدأت شرعية الإمبراطوريات التقليدية تواجه تحديات متزايدة من الأفكار الثورية ومشروعات الاستقلال. غير أن قراءة هذه المفارقة تقتضي الحذر من إغراء التفسير الاستعادي، فليس في الأدلة المتاحة ما يسمح بالقول إن حصار مليلية زرع في ميراندا بذور الثورة، أو إن تجربته المغربية كانت سببا مباشرا في تحوله السياسي. والأدق أن نضعها ضمن سلسلة من التجارب العسكرية والثقافية التي راكمها خلال حياته. فقد خدم في الجيش الإسباني، وشارك في حرب استقلال الولايات المتحدة، وانخرط في الثورة الفرنسية، ثم كرس سنوات طويلة لمحاولة تحرير فنزويلا. ولم يتشكل مشروعه التحرري في لحظة واحدة، بل تطور عبر مسار طويل من السفر والقراءة والاحتكاك بالمؤسسات السياسية والعسكرية المختلفة. ومع ذلك، فإن أهمية مليلية تتجاوز موقعها في السيرة الفردية لميراندا. فهي تتيح لنا استعادة الصراع المغربي الإسباني في القرن الثامن عشر من خلال شهادة ضابط شارك في أحداثه، وتفتح المجال أمام دراسة العلاقة بين الحرب والتحصينات والمجال الزراعي والسكان المحليين. وتكشف يوميات الحصار، على وجه الخصوص، أن التاريخ العسكري لا ينبغي أن ينحصر في حركة الجيوش ونتائج المعارك، إذ يمكن أن تكشف الملاحظات المتعلقة بالقصف وأداء المدفعية وأوضاع الحامية والحقول المحيطة بالمدينة عن جوانب من الحياة اليومية تحت ضغط الحرب، وعن الكيفية التي أعادت بها العمليات العسكرية تشكيل المجال الاجتماعي والاقتصادي المحيط بالتحصينات. اليوميات بوصفها مصدرا للتاريخ المتوسطي تكتسب يوميات ميراندا قيمتها من كونها شهادة معاصرة للأحداث، لكنها ليست نافذة شفافة على الماضي. فقد كتبها ضابط ينتمي إلى الحامية الإسبانية، ولذلك تعكس موقعه العسكري ومحدودية المعلومات المتاحة له عن الطرف المغربي. وما يسجله من مشاهدات مباشرة يختلف من حيث القيمة الإثباتية عما ينقله من أخبار أو يقدمه من تفسيرات لدوافع السكان والقوات المحاصرة. ومن ثم، فإن التعامل العلمي مع هذه اليوميات يقتضي التمييز بين الوقائع الموصوفة والأحكام التي أضافها صاحبها، ومقارنة روايته بشهادات أخرى، ولا سيما يوميات المهندس العسكري خوان كاباييرو والجراح ميغيل فرنانديث دي لوايثا، فضلا عن الوثائق الإدارية والعسكرية المغربية والإسبانية. إن هذه المقارنة لا تهدف إلى البحث عن رواية واحدة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تركيب الحدث من زوايا متعددة. فالرواية الإسبانية تتيح معرفة ما جرى داخل المدينة المحاصرة، بينما يمكن للمصادر المغربية أن تساعد على فهم أهداف الحملة وسياقها السياسي والعسكري، كما قد تكشف الوثائق المتعلقة بالسكان والأراضي عن آثار لا تظهر بوضوح في السرد العسكري التقليدي. وبذلك تصبح يوميات ميراندا نقطة انطلاق لبحث أوسع، لا مصدرا مكتفيا بذاته. ومن هنا تبرز إمكانية إدراج حصار مليلية ضمن تاريخ متوسطي مترابط، لا يفصل بين شمال إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي. فميراندا نفسه يجسد هذا الترابط: ضابط من مواليد كاراكاس خدم في الجيش الإسباني، وشارك في صراعات دارت في شمال إفريقيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، ثم أصبح من دعاة استقلال المستعمرات الإسبانية في أمريكا. إن انتقاله بين هذه الفضاءات يوضح كيف يمكن للسير الفردية أن تفتح مسارات جديدة لكتابة التاريخ، تربط بين الأحداث المحلية والتحولات الإمبراطورية والثورات العابرة للقارات. ولا يعني هذا المنظور أن نجعل ميراندا مركز التاريخ المغربي الإسباني، أو أن نحول حصار مليلية إلى مجرد مقدمة لحياته اللاحقة. فالحصار حدث تاريخي له سياقه الخاص، ارتبط بسياسة الدولة المغربية في عهد سيدي محمد بن عبد الله، وبمحاولاتها مواجهة الوجود الإسباني في الثغور الساحلية. وتنبع أهمية ميراندا من كونه أحد الشهود الذين تركوا لنا مادة مكتوبة عن هذا الحدث، لا من كونه الشخصية الوحيدة التي تمنحه معناها التاريخي. في المحصلة، تخبرنا مليلية عن ميراندا أنه بدأ مسيرته في عالم الإمبراطوريات قبل أن يصبح أحد الذين سعوا إلى تقويضها، لكنها لا تخبرنا أن هذا التحول كان حتميا، ولا أن بذوره كانت كامنة بالضرورة في تجربة الحصار. إنها تقدم لنا محطة مبكرة في سيرة شديدة التنوع، وتضع بين أيدينا وثيقة يمكن من خلالها دراسة الحرب والمجال والسكان، شريطة إخضاعها للنقد والمقارنة. وهكذا، فإن الانتقال من مليلية إلى كاراكاس ليس مجرد مسافة جغرافية تفصل بين مدينتين، بل مدخل لفهم تاريخ متشابك، تتقاطع فيه خبرة الضابط مع تحولات الإمبراطورية، وتتداخل فيه حروب البحر المتوسط مع ثورات العالم الأطلسي. أما القيمة الحقيقية ليوميات ميراندا، فتتمثل في قدرتها على مساعدتنا في قراءة هذا التاريخ المتعدد الروابط، من دون أن نحمل الشاهد ما لم يقله، أو نجعل من تجربته الأولى تفسيرا جاهزا لكل ما جاء بعدها. وبذلك يعود ميراندا إلى مليلية لا بوصفه بطلا استقلاليا نعرف نهايته مسبقا، بل بوصفه ضابطا شابا عاش لحظة محددة من تاريخ الصراع المغربي الإسباني، تاركا شهادة تتيح لنا أن نعيد اكتشاف الحدث في سياقه، وأن نرى من خلالها كيف تتقاطع السير الفردية مع التحولات الكبرى للتاريخ.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
- قطاع الطرق - في شمال المغرب قراءة نقدية في الخطاب الأمني ا
...
-
الصحراء المغربية في أدبيات الرحلة الأوروبية: كتاب - الصحراء
...
-
سبتة: من محو أسماء الأمكنة إلى تغيير أسماء الأسر
-
من الاحتلال إلى السيادة: هل يكفي مرور الزمن لحسم قضية سبتة؟
...
-
صناعة السردية التاريخية الإسبانية: مزاعم استمرارية إسبانيا و
...
-
سبتة في الذاكرة الشعبية المغربية من خلال الأمثال العامية: قر
...
-
أزمة الهوية في سبتة
-
سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
-
الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ
...
-
سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م
...
-
الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء
...
-
الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
-
سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود
...
-
سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم
...
المزيد.....
-
القيادة المركزية الأمريكية تفند 3 مزاعم إيرانية بشأن مضيق هر
...
-
إسرائيل تحظر تحليق أطقم جوية من نحو 30 دولة في أجوائها بعد ح
...
-
-تجارب إيرانية على الباليستي والمسيرات- والجيش الإسرائيلي ير
...
-
الجيش الإسرائيلي ينشر رسالة لنجل السنوار في بداية الحرب
-
ترامب يتعهد بهزيمة نهائية لإيران في وقت قياسي وانهيار يشبه -
...
-
حالة طبية نادرة.. ناب ينمو في تجويف عين مراهق هندي
-
لندن تعيد النظر في صفقة أقمار صناعية مع واشنطن بعد قيود -ستا
...
-
هل يشعل الحوثيون الجزيرة العربية؟
-
ترامب: سنكثف الهجمات الأمريكية على كارتلات المخدرات في أمريك
...
-
السعودية والحوثيون.. تصعيد ينذر بحرب شاملة
المزيد.....
-
المرأة ملاك أم شيطان؟
/ مريوان هلبجي
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|